HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٩٠

حَدَّثَنَا أَبُو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁. قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ من الخيط الأسود من الفجر﴾ [٢ / البقرة / الآية ١٨٧]. قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ. أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ. إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وبياض النهار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص128
ج ٢ ص ٧٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٤٨٩
للنصب [٣] (ت ١٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. والباقون ذُكروا قبله، و«خالد»: هو الحذّاء. [تنبيه]: رواية معتمر عن إسحاق وخالد، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه» (٦/ ٤٨٥) فقال: (١٩١٢) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا معتمر، قال: سمعت إسحاق بن سُويد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، وحدّثني مسدَّد، حدّثنا معتمر، عن خالد الحذاء، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضانُ وذو الحجة». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ بَيَانِ مَعْنَى قول اللهِ -﷿-: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وَبَيَانِ صِفَةِ الْفَجْرِ الَّذِي تتَعَلَّقُ بِهِ الأَحْكَامُ، مِنَ الصَّوْمِ وَغيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٣] (١٠٩٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ إِدْرِيس، عَنْ حُصَيْنٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د - ﵁ - ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع و(٧٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيَّر في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٥٠/ ٦. ٥ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتم) بن عبد الله سعد بن الحشرج الطائيّ، أبو طَرِيف الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الجمعة» ١٥/ ٢٠١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵁ -، وكان ممن ثبت على الإسلام في الردّة، وحضر فتوح العراق، وحروب عليّ - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ -) وفي رواية الترمذيّ: «أخبرني عديّ بن حاتم»، وكذا أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن مَنِيع، وهكذا أورده أبو عوانة من طريق أبي عُبيد، عن هُشيم، عن حُصين، قاله في «الفتح» . (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال في «الفتح»: ظاهره أن عديًّا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدّم إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عديّ كان في السنة التاسعة، أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يُقال: إن الآية التي في حديث الباب تأخّر نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيدٌ جدًّا، وإما أن يؤوّل قول عديّ هذا على أن المراد بقوله: «لما نزلت»؛ أي لما تُليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذفٌ، تقديره: لما نزلت الآية، ثم قدمت، فأسلمت، وتعلّمتُ الشرائع عمدتُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، ثم إن الاحتمال الذي ذكره أخيرًا بمعنى الاحتمال الثاني، والله تعالى أعلم. وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ: «علّمني رسول الله - ﷺ - الصلاة، والصيام، فقال: صلّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس، فكل حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين …» الحديث. (قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في كثير من النسخ، أو أكثرها: «فقال له عديّ»، وفي بعضها: «قال عديّ»، بحذف «له»، وكلاهما صحيح، ومن أثبتها أعاد الضمير إلى معلوم، أو متقدم الذكر عند المخاطب. انتهى . (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي) بكسر الواو: الْمِخَدّة، والجمع وِسادات، ووَسَائد، والوِساد بغير هاء كل ما يُتوسّد به من قُماشٍ، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٌ، مثل كِتَاب وكُتُب، ويقال: الوِسَادُ لغة في الوِسَادة، وهو عَرِيض الوساد: أي بليدٌ، قاله في «المصباح» . (عِقَالَيْنِ) تثنية عِقَال بكسر المهملة: هو الحبل الذي يُعقل به البعير، والجمعُ عُقُل بضمّتين، قال الفيّوميّ -﵀-: عَقَلتُ البعير عَقْلًا، من باب ضَرَب، وهو أن تَثْني وَظِيفه مع ذراعه، فتشدّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل، وذلك هو الْعِقَال، وجمعه عُقُل، مثلُ كِتاب وكُتُب. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدتُ إلى عِقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجَعَلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي …»، وفي رواية مجالد: «فأخذت خيطين من شعر» (عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ) أي أتبين انسلاخ الليل من النهار، حتى أترك الأكل والشرب. قال القرطبيّ -﵀-: إنما جعلهما تحت وساده؛ لاعتنائه بهما، ولينظر إليهما، وهو على فراشه من غير كُلْفة قيام، ولا طلب، فكان يرفع الوساد إذا أراد أن ينظر إليهما، والعقال: الخيط، سُمّي بذلك؛ لأنه يُعقل به؛ أي يُربط به، وُيحبس. انتهى . وقال القاضي عياض: إنما أخذ العقالين، وجعلهما تحت رأسه، وتأول الآية لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله، حتى نزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أن المراد به بياض النهار، وسواد الليل، وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أوّلًا، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، كما أشار إليه الطحاويّ، والداوديّ، قال القاضي: وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوّله من لم يكن مخالطًا للنبيّ - ﷺ -، بل هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولهذا أنكر النبيّ - ﷺ - على عديّ بقوله - ﷺ -: «إن وسادك لعريض، إنما هو بياض النهار، وسواد الليل»، قال: وفيه أن الألفاظ المشتركة لا يصار إلى العمل بأظهر وجوهها، وأكثر استعمالها إلا إذا عُدِم البيان، وكان البيان حاصلًا بوجود النبيّ - ﷺ -، قال أبو عبيد: الخيط الأبيض: الفجر الصادق، والخيط الأسود: الليل، والخيط: اللون. قال النوويّ -﵀-: وفي هذا مع قوله - ﷺ -: «سواد الليل، وبياض النهار»، دليل على أن ما بعد الفجر هو من النهار، لا من الليل، ولا فاصل بينهما، وهذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وحُكي فيه شيء عن الأعمش وغيره، لعله لا يصح عنهم. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِن وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ) قال النوويّ: -﵀-: وقع في أكثر النسخ، أو كثير منها: «إن وسادك لعريض»، وفي بعضها: «إن وسادتك لعريض»، بزيادة تاء، وله وجه أيضًا مع قوله: «عَرِيض»، ويكون المراد بالوسادة: الوساد، كما في الرواية الأخرى، فعاد الوصف على المعنى، لا على اللفظ. انتهى . قال القاضي عياض -﵀-: معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين اللذين أرادهما الله تعالى، وهما الليل والنهار، فوسادك يعلوهما، ويغطيهما، وحينئذ يكون عريضًا، وهو معنى الرواية الأخرى، في «صحيح البخاريّ»: «إنك لعريض القفا»؛ لأن من يكون هذا وساده يكون عِظَم قفاه من نسبته بقدره، وهو معنى الرواية الأخرى: «إنك لضخم»، وأنكر القاضي قول من قال: إنه كناية عن الغباوة، أو عن السِّمَن؛ لكثرة أكله إلى بيان الخيطين، وقال بعضهم: المراد بالوساد: النوم؛ أي إن نومك كثير، وقيل: أراد به الليل؛ أي من لم يكن النهار عنده إلا إذا بان له العقالان طال ليله، وكثر نومه، قال النوويّ: والصواب ما اختاره القاضي، والله أعلم. انتهى . (إِنَّمَا هُوَ) راجع إلى المذكور من الخيط الأبيض، والخيط الأسود؛ أي المعنى المراد منه (سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ») وفي رواية البخاريّ:«فقال: إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار»، وله في«التفسير»من طريق أبي عَوَانة، عن حُصين:«إن وسادك إذًا لعريض، أَن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك»، ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطرّف:«فضحك، وقال: لا، يا عريض القفا». قال الخطابيّ -﵀- في«المعالم»: في قوله:«إن وسادك لعريض»قولان:«أحدهما»: يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوساد عن النوم؛ لأن النائم يتوسّد، أو أراد: ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبيّن لك العقال.«والقول الآخر»: أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى:«إنك عريض القفا»، وجزم الزمخشريّ بالتأويل الثاني، فقال: إنما عرّض النبيّ - ﷺ - قفا عديّ؛ لأنه غفل عن البيان، وعَرْضُ القفا مما يُستدلّ به على قلّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا. وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبيّ، فقال: حَمَلَه بعضُ الناس على الذمّ له على ذلك الفهم، وكانه فهم منه أن النبيّ - ﷺ - نسبه إلى الجهل، والجفاء، وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي أنه - ﷺ - قال له:«إنك لعريض القفا»، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل، إن لم يتبيّن له دليل التجوّز، ومن تمسّك بهذا الطريق لم يستحقّ ذمًّا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عَنَى بذلك النبيّ - ﷺوالله أعلم- أن وسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما، وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك:«إنما هو سواد الليل، وبياض النهار»، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادٍ؟، وإلى هذا يرجع قوله:«إنك لعريض القفا»؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسّده إلا قفًا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه، وأليق، ويدلّ أيضًا عليه ما زاده البخاريّ، قال:«إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك»، وقد أكثر الناس فيه. انتهى كلام القرطبيّ: -﵀- . وقد ترجم عليه ابن حبان -﵀- في«صحيحه»: [ذكر البيان بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها]، وأشار بذلك إلى أن عديًّا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض النهار يُعبّر عنهما بالخيط الأبيض، والخيط الأسود، وساق هذا الحديث . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم - ﵁ - هذا مُتَّفَق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٣٣] (١٠٩٠)، و(البخاري) في «الصوم» (١٩١٦) و«التفسير» (٤٥٠٩ و٤٥١٠)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٣٤٩)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٨٩٦ و٢٨٩٧)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٢١٦٩) و«الكبرى» (٢٤٧٩) وفي «التفسير» منه (١١٠٢١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٧٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٦٣٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٦٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩٢٥)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ١٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٤٦٢)، و(الطبرانيّ) في (الكبير) (١٧/ ١٧٨ و١٧٩)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٢٩٨٦ و٢٩٨٧ و٢٩٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢١٥)، و(البغويّ) في «تفسيره» (١/ ١٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تأويل الآية المذكورة، وهو واضح؛ لأنه - ﷺ - بيّن المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود بأنه سواد الليل، وبياض النهار. ٢ - (ومنها): حرص الصحابة في العمل بما أُمروا به فيما أنزل الله -﷿-، والسؤال عما خفي عليهم وجه العمل به. ٣ - (ومنها): بيان أن قبائل العرب تتفاوت في لغاتها، فإن هذا الصحابي - ﵁ - لم يعرف استعمال الخيط الأبيض والأسود للمعنى المقصود في الآية حتى بيّن له النبيّ - ﷺ -. ٤ - (ومنها): جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلًا بشرط صحّة القصد، ووجود الشرط عند أمن الغلوّ في ذلك، فإنه مزلّة القدم؛ إلا لمن عصمه الله تعالى، كذا قال ابن المنيّر -﵀-. ٥ - (ومنها): أنه يستفاد من هذا الحديث -كما قال عياض -﵀- وجوب التوقّف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ بالآية، والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر، فلو طلع الفجر، وهو يأكل، أو يشرب، فنزع تمّ صومه، وفيه اختلاف بين العلماء، ولو أكل ظانًّا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأن الآية دلّت على الإباحة إلى أن يحصل التبيّن. وقد روى عبد الرزّاق بإسناد صحيح، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: «أحلّ الله لك الأكل والشرب ما شككت». ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، قال: سأل رجل ابن عباس عن السحور؟ فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشكّ، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا، كل ما شككت حتى لا شككت. قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك: يقضي. وقال ابن بزيزة في «شرح الأحكام»: اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبيّنه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية؟ واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر، أم لا؟ بناءً على الاختلاف المشهور في مقدّمة الواجب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن تحريم الأكل ونحوه متعلّق بتبيّن الفجر، وتحقُّقه، لا بمجرّد الطلوع؛ لظاهر الآية الكريمة، وأما القول بوجوب إمساك جزء من الليل، فبطلانه واضح؛ لمصادمته ظاهر الآية، فتبصّر، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في شرح أحاديث المسحور قريبًا - إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال في «الفتح» ما حاصله: معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار، وقال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل، وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط: اللون. وقيل: المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود، وبالأسود ما يمتدّ معه من غبش الليل شبيهًا بالخيط، قاله الزمخشريّ، قال: وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، قال: ويجوز أن تكون «من» للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت فيه «من فلان» رجع تشبيهًا. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان، وهو يُشبه العبث لأنه قبل نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لا يفهم منه إلا الحقيقة، وهي غير مرادة، ثم أجاب بأنّ مَنْ لا يجوّزه -وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين- لم يصحّ عندهم حديث سهل، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث؛ لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. انتهى. قال الحافظ -﵀-: ونقله نفي التجويز عن الأكثر فيه نظر، كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود، ولم يقل به أحد من الفريقين؛ لأنه مما اتفق الشيخان على صحّته، وتلقّته الأمة بالقبول. ومسألة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من المتكلّمين وغيرهم، وقد حَكَى ابن السمعانيّ في أصل المسألة عن الشافعيّة أربعة أوجه: [الجواز مطلقًا]: عن ابن شريج، والإصطخريّ، وابن أبي هريرة، وابن خيران. [والمنع مطلقًا]: عن أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد، والصيرفيّ. [ثالثها]: جواز تأخير بيان المجمل دون العامّ. [رابعها]: عكسه، وكلاهما عن بعض الشافعيّة. وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق؛ يعني وهم الأشاعرة، فيجوّزونه، وأكثرهم يقولون: لم يقع. قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان: [أحدهما]: ما له ظاهر، وقد استُعْمِل في خلافه. [والثاني]: ما لا ظاهر له، فقالت طائفة من الحنفيّة، والمالكيّة، وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرازيّ، وابن الحاجب، وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه، وقال الكرخيّ: يمتنع في غير المجمل. وإذا تقرّر ذلك، فقد قال النوويّ تبعًا لعياض: وإنما حَمَلَ الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعضُ من لا فقه عنده من الأعراب، كالرجال الذين حَكَى عنهم سهل، وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعديّ. وادَّعَى الطحاويّ، والداوديّ أنه من باب النسخ، وأن الحكم كان أولًا على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدلّ على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال الحافظ: ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزّاق بإسناد رجاله ثقات: إن بلالًا أتى النبيّ - ﷺ -، وهو يتسحّر، فقال: الصلاة يا رسول الله، قد والله أصبحت، فقال: «يرحم الله بلالًا، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تأييد هذا الحديث للنسخ المذكور خفاء، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٢)

١. قال في «الفتح» ٥/ ٢٤٩: [تنبيه]: ليس لإسحاق بن سُويد -وهو ابن هُبيرة البصريّ العدويّ، عَدِيُّ مَضَرَ، وهو تابعيّ صغير، رَوَى هنا عن تابعيّ كبير- في البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد، وقد أخرجه مقرونًا بخالد الحذاء، وقد رُمِيّ بالنصب، وذكره ابن العربيّ في الضعفاء بهذا السبب. انتهى.

٢. «الفتح» ٥/ ٢٥٩.

٣. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٠٠.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٨.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٢.

٦. «المفهم» ٣/ ١٤٨.

٧. «شرح النووي»٧/ ٢٠١.

٨. «شرح النوويّ »٧/ ٢٠٠.

٩. «شرح النوويّ»٧/ ٢٠١ - ٢٠٢.

١٠. «المفهم (٣/ ١٤٨ - ١٤٩.

١١. انظر «صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان» بتحقيق الأرنؤوط ٨/ ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم ٣٤٦٣.

١٢. لا يخفى ما هذه العبارة من سوء الأدب، فكان الأولى حذفها، وإنما أبقيتها أداء للأمانة العلميّة. فليتنبّه.