HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٩٢

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد. حدثنا ليث عن ابن شهاب، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ. فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص128
ج ٢ ص ٧٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٥٠٧
وسكون المهملة، والتخفيف، قوله: «رؤيتهما» كذا لأبي ذرّ، وفي رواية النسفيّ: «رِئيُهما» بكسر أوله، وسكون الهمزة، وضم التحتانية، ولمسلم من هذا الوجه: «زِيُّهما» بكسر الزاي، وتشديد التحتانية، قال صاحب «المطالع»: ضبِطت هذه اللفظة على ثلاثة أوجه: ثالثها: بفتح الراء، وقد تُكْسَر، بعدها همزة، ثم تحتانية مشددة، قال عياض: ولا وجه له إلا بضرب من التأويل، وكأن رَئيّ بمعنى مَرْئِيّ، والمعروف أن الرِئيّ: التابع من الجنّ، فَيَحْتَمِل أن يكون من هذا الأصل؛ لترائيه لمن معه من الإنس. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٦] (١٠٩٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى، وَمحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - ﵁ -، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - أنهُ قَالَ: «إِن بِلَالًا يُؤَذِّن بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى تَسْمَعُوا تَأذِينَ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْن يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْن رُمْحٍ) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (قتيْبَة بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبدِ اللهِ) بن عمر، تقدّم قريبًا. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ للاختلاف في كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب - ﵄ - (عَنْ رَسُولي اللهِ - ﷺ - أنَهُ قَالَ: «إِن بِلَالًا) هو ابن رباح المؤذّن المشهور - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في»الطهارة«٢٣/ ٦٤٣. (يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) أي الأذان المعروف في الشرع؛ إذ هو المتبادر من إطلاق اللفظ الشرعيّ، قال في»الفتح«: وادّعى بعض الحنفيّة -كما حكاه السروجيّ منهم- أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرًا، أو تسحيرًا، كما يقع للناس اليوم، وهذا مردود، لكن الذي يصنعه الناس اليوم مُحْدَثٌ قطعًا، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعيّ مقدَّم، ولأن الأذان لو كان بألفاظ مخصوصة لَمَا التبس على السامعين، وسياق الخبر يقتضي أنه خَشِي عليهم الالتباس، وادَّعَى ابن القطّان أن ذلك كان في رمضان خاصّةً، وفيه نظر. انتهى . وقال أيضًا: فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرّة، وزعم بعضهم أن ابتداء ذلك باجتهاد منه، وعلى تقدير صحته، فقد أقرّه النبيّ - ﷺ - على ذلك، فصار في حكم المأمور به. انتهى . وسيأتي الكلام على تعيين الوقت الذي يؤذّن فيه من الليل قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا) فيه إشعار بأن الأذان كان علامةً عندهم على دخول الوقت، فَبَيَّن لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك (حَتى تَسْمَعُوا تَأذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكتُومٍ) اسمه عمرو، وقيل: كان اسمه الحصين، فسماه النبيّ - ﷺ - عبد الله، ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشيّ عامريّ، أسلم قديمًا، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، وكان النبيّ - ﷺ - يكرمه، ويستخلفه على المدينة، وشَهِدَ القادسية في خلافة عمر - ﵁ -، فاستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور في «سورة عبس»، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنهْ وُلد أعمى، فكُنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عَمِيَ بعد بدر بسنتين ، قاله في «الفتح» ، تقدّمت ترجمته في «كتاب الأذان» برقم (٤/ ٨٤٩). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في هذا الكتاب من طريق مالك، عن ابن شهاب: «ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحتَ». قال في «الفتح»: قوله: «وكان رجلًا أعمى» ظاهره أن فاعل «قال» هو ابنُ عمر، وبذلك جزم الشيخ الموفَق في «المغني»، لكن رواه الإسماعيليّ، عن أبي خليفة، والطحاويّ، عن يزيد بن سِنَان، كلاهما عن القعنبيّ، فَعَيَّنَا أنه ابنُ شهاب، وكذلك رواه إسماعيل بن إسحاق، ومعاذ بن المثنى، وأبو مسلم الكجيّ، الثلاثة عند الدارقطنيّ، والخزاعيّ، عند أبي الشيخ، وتَمَّام عند أبي نعيم، وعثمان الدارميّ عند البيهقيّ، كلهم عن القعنبيّ، وعلى هذا ففي رواية البخاريّ إدراج، ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله، وكذا شيخ شيخه، وقد رواه البيهقيّ من رواية الربيع بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس والليث، جميعًا عن ابن شهاب، وفيه: قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، ففي هذا أن شيخ ابن شهاب قاله أيضًا، قال: وسيأتي في «كتاب الصيام» عن البخاريّ من وجه آخر، عن ابن عمر ما يؤدي معناه، فثبتت صحة وصله، ولابن شهاب فيه شيخ آخر، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر عنه، عن سعيد بن المسيِّب، وفيه الزيادة، قال ابن عبد البرّ: هو حديث آخر لابن شهاب، وقد وافق ابنُ إسحاق معمرًا فيه عن ابن شهاب. وقوله: «أصبحتَ أصبحتَ» أي دخلت في الصباح، هذا ظاهره، واستُشْكِل؛ لأنه جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذِّن حتى يدخل في الصباج للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه، إلا مَن شَذَّ كالأعمش، وأجاب ابن حبيب، وابن عبد البرّ، والأصيليّ، وجماعة من الشراح، بأن المراد: قاربت الصباح. وَيعْكُر على هذا الجواب أن في رواية الربيع التي قدمناها: «ولم يكن يؤذِّن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أَذِّنْ»، وأبلغ من ذلك أن لفظ رواية البخاريّ التي في «الصيام»: «حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر»، وإنما قلت: إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبيّ - ﷺ -، وأيضًا فقوله: «إن بلالًا يؤذِّن بليل» يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرقٌ؛ لِصِدْق أن كلًّا منهما أَذَّنَ قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال، وأقرب ما يقال فيه: إن أذانه جُعِل علامة لتحريم الأكل والشرب، وكأنه كان له مَن يراعي الوقت، بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر، وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يَعْتَرِض الفجر في الأفق. ثم ظهر لي أنه لا يلزم من كون المراد بقولهم: «أصبحتَ» أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر؛ لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة، فليس بمستبعد من مؤذن النبيّ - ﷺ - المؤيَّد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة. وقد رَوَى أبو قُرَّة من وجه آخر عن ابن عمر حديثًا فيه: (وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر، فلا يخطئه». انتهى ما في«الفتح»، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، دىاليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٣٦ و٢٥٣٧ و٢٥٣٨ و٢٥٣٩ و٢٥٤٠، (١٠٩٢)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٦١٧ و٦٢٠ و٦٢٣) و«الصوم»(١٩١٨) و«الشهادات»(٢٦٥٦) و«أخبار الآحاد»(٧٢٤٨)، و(الترمذيّ) في«الصوم»(١/ ٣٩٢ و٣٩٤)، و(النسائيّ) في«الأذان»(٢/ ١٠) و«الكبرى»(١/ ٥٠٠)، و(مالك) في«الموطأ»(١/ ٧٤)، و(عبد الرزاق) في«مصنّفه»(١/ ٤٩٠ و٤/ ٢٣٢)، و(الشافعيّ) في«مسنده»(١/ ٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٣/ ٩)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١٨١٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٩)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ٢٨٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ١٨١ و١٨٢)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٢/ ٥ و٣/ ١٦٨ و١٦٩)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(١/ ٥٠)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١/ ٢٠٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٨/ ٢٤٩ و٢١٠ و٢١١ و٢٢١)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(١/ ٢١٦) و«الكبير»(٥/ ١٢٤، ١٢/ ٢٧٧ و٣٧١ و٢٤/ ١٩١) و«مسند الشاميين»(٤/ ٢٢٤)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٩/ ٣٧٠ و٤٠١)، و(ابن راهويه) في«مسنده»(٢/ ٣٨٣ و٣٨٥)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ١٣٨)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٣٨٥ و٣٨١ و٣٨٢ و٤٢٩ و٤/ ٢١٨) و«المعرفة»(١/ ٤١٥)، و(الشاشيّ) في«مسنده»(٢/ ٢٠٥)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١/ ٢٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأذان الذي يحرم به الأكل ونحوه في الصوم، وهو الأذان الثاني الذي يقع بعد طلوع الفجر الصادق، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان جواز الأذان قبل طلوع الفجر؛ وذلك ليرجع القائم، ويستيقظ النائم. قال العلماء الذاهبون إلى الأذان للصبح قبل دخول وقتها: إن الحكمة في ذلك أن صلاة الفجر في أول الوقت ذات فضل، وهي تأتي في حال نوم، فلو لم يؤذن حتى يطلع الفجر لما تمكنوا بعد الوضوء والغسل، والاجتماع في المسجد من الصلاة، إلا بعد الإسفار كثيرًا، فشُرع الأذان ليلًا؛ لهذه العلة، كي ينتبه الناس، ويتأهبوا في أول الوقت، قال: وهذا أصل لما يفعله الناس من ذكر الله تعالى، وتسبيحه، والصلاة على النبيّ - ﷺ - قبل أذان الصبح، وكذلك يفعلون يوم الجمعة، لكونه شُرع للناس التكبير لصلاة الجمعة . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر وليّ الدين هذه البدعة، وأقرّها، وهذا من مثله عجيبٌ؛ لأنه محدث فقيه، فالواجب في مثل هذا على أهل العلم أن لا يسكتوا، بل يبيّنوا للناس أن هذا فعل منكرٌ مخالف لما كان عليه هدي النبيّ - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، فإحداث الناس هذه الأشياء في الصبح، ويوم الجمعة من البدع المنكرة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): استحباب أذانين للصبح، أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوعه أول الطلوع، قال وليّ الدين -﵀-: وبهذا صرّح أصحابنا، قالوا: فإن اقتُصِر على أذان واحد، فالأفضل أن يكون بعد الفجر، على ما هو المعهود في سائر الصلوات، فإن اقتُصر على الأذان لها قبله أجزأه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وفي إجزاء الأذان قبل الوقت نظر، فليتأمل. [تنبيه]: قال وليّ الدين -﵀-: استَثْنَى أحمد من الأذان قبل الفجر شهر رمضان، فقال: إنه يكره فيه الأذان قبل الفجر؛ لئلا يغتر الناس به، فيتركوا سحورهم، وهذا تخصيص لا دليل عليه، وإذا عُلِم من عادة المؤذن أنه يؤذن قبل الفجر لم يغتر الناس بأذانه، فيتركوا سحورهم، والعجب أن أبا الحسن ابن القطان قال في «بيان الوهم والإيهام»: إن بلالًا إنما كان يؤذن ليلًا في رمضان خاصةً، فهذا عكس المحكيّ عن أحمد، ولم أعلم مستند ابن القطان في ذلك، وقد قال فخر الدين بن قدامة بعد نقله كلام أحمد، وَيحْتَمِل أن لا يكره في حقّ من عُرفت عادته بالأذان في الليل؛ لأن بلالًا كان يفعل ذلك، وقال النبيّ - ﷺ -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بالليل؛ لينبّه نائمكم، ويرجع قائمكم»، قال ابن قدامة: وينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يجعل أذانه في وقت واحد في الليالي كلها؛ ليعلم الناس ذلك من عادته، ولا يؤذن في الوقت تارةً، وقبله أخرى، فيقع الإلباس. انتهى . ٤ - (ومنها): استحباب أذان واحد بعد واحد، قال في «الفتح»: وأما أذان اثنين معًا فمنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. ٥ - (ومنها): جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد -﵀-: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرُّض له. انتهى، ونَصَّ الشافعي على جوازه، ولفظه: ولا يتضيق إن أذَّن أكثر من اثنين، قاله في «الفتح». وقال النوويّ -﵀-: وفيه اتخاذ مؤذنين للمسجد الكبير، قال أصحابنا: وإن دعت الحاجة جاز اتخاذ أكثر منهما، كما اتخذ عثمان - ﵁ - أربعة، وإن احتاج إلى زيادة على أربعة فالأصح اتخاذهم بحسب الحاجة والمصلحة. انتهى . وقال في «الطرح»: فيه أن النبيّ - ﷺ - كان له مؤذنان بالمدينة، وفي «صحيح مسلم» عن عائشة وابن عمر - ﵃ - قالا: كان لرسول الله - ﷺ - مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم الأعمى ، ورَوَى البيهقيّ عن عائشة -﵂- قالت: كان للنبي -ﷺ- ثلاثة مؤذنين بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم، قال أبو بكر بن إسحاق الصِّبْغيّ: والخبران صحيحان، فمن قال: كان له مؤذنان، أراد اللذين كانا يؤذنان بالمدينة، ومن قال: ثلاثة أراد أبا محذورة الذي كان يؤذن بمكة. قال ويئ الدين: وكان له مؤذن رابع، وهو سعد القرظ، أذَّن للنبيّ -ﷺ- بقباء مرارًا، ثم صار بعد النبيّ -ﷺ- مؤذنًا بالمدينة لما ترك بلال الأذان، وأذَّن له زياد بن الحارث الصُّداليّ أيضًا، وقال: «إن أخا صداء أَذن، ومن أذَن فهو يقيم»، رواه أبو داود وغيره ، لكنه لم يكن راتبًا، ولهذا عُدّ مؤذنو النبي -ﷺ- أربعةً. قال الجامع عفا الله عنه: حديث الصدائيّ ضعيف، كما قال الترمذيّ، ففي كونهم أربعة نظر، فتنبّه. قال الشافعيّ ﵀: وأحب أن أقتصر في المؤذنين على اثنين؛ لأنا إنما حفظنا أنه أذَّن لرسول الله -ﷺ- اثنان، ولا نضيق إن أذَّن أكثر من اثنين، واحتج الشافعي في «الإملاء» في جواز أكثر من اثنين بقصة عثمان، فقال: ومعروف أنه زاد في عدد المؤذنين فجعله ثلاثة، وذكر أبو علي الطبريّ، والرافعئ أن المستحب ألا يزاد على أربعة مؤذنين، وحكاه النوويّ في «شرح مسلم» عن أصحابنا، لكنه قال في «الروضة»: أنكره كثيرون من أصحابنا، وقالوا: إنما الضبط بالحاجة، ورؤية المصلحة، فإن رأى الإمام المصلحة في الزيادة على الأربعة فعله، وإن رأى الاقتصار على اثنين لم يزد، قال النوويّ: وهذا هو الأصح المنصوص . ٦ - (ومنها): جواز شهادة الأعمى، فقد استدلّ به مالك، والمزنيّ، وسائر من يقبل شهادة الأعمى، وأجاب المانعون، وهم الجمهور عن هذا بان الشهادة يُشترط فيها العلم، ولا يحصل علم بالصوت؛ لأن الأصوات تشتبه، وأما الأذان، ووقت الصلاة فيكفي فيها الظنّ، قاله النوويّ ﵀ . ٧ - (ومنها): ما قال في «الطرح»: فيه جواز أن يكون المؤذن أعمى، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى، وهو جائز بلا كراهة؛ إذا كان معه بصير، كما كان بلال وابن أم مكتوم، قال أصحابنا: ويكره أن يكون الأعمى مؤذنأ وحده، ورَوَى البيهقيّ في «سننه» عن عبد الله بن الزبير -﵁- كان يكره أن يكون المؤذن أعمى، قال البيهقيّ: وهذا، والذي رُوي عن ابن مسعود في ذلك محمول على أعمى منفرد، لا يكون معه بصير يعلمه الوقت. انتهى. وبوّب عليه البخاري في «صحيحه»: «أذان الأعمى إذا كان له من يخبره»، وقال ابن بطال: اختلفوا في أذان الأعمى، فكرهه ابن مسعود، وابن الزبير، وكره ابن عباس إقامته، وأجازه طائفة، وروي أن مؤذن النخعيّ كان أعمى، وأجازه مالك، والكوفيون، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إذا كان له من يُعَرِّفه الوقت؛ لأن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بعد أن يقال له: «أصبحتَ، أصبحت». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز كون المؤذّن أعمى إذا كان له من يعرّفه بالوقت هو الذي يترجّح عندي؛ لحديث قصّة ابن أم مكتوم -﵁-، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعة، وهو الذي اختاره الإمام البخاريّ في «صحيحه»، فقال: «باب شهادة الأعمى، ونكاحه، وأمره، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره، وما يُعرف بالأصوات»، ثم أورد أقوال القائلين بقوله، وأورد الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): جواز العمل بخبر الواحد. ٩ - (ومنها): بيان أن ما بعد الفجر من حكم النهار. ١٠ - (ومنها): جواز الأكل مع الشكّ في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالك، فقال: يجب القضاء. ١١ - (ومنها): جواز الأكل بعد النيّة، ولا تفسد نيّة الصوم بالأكل بعدها؛ لأن النبي -ﷺ- أباح الأكل إلى طلوع الفجر، ومعلوم أن النيّة لا تجوز بعد طلوع الفجر، فدلّ على أنها سابقة، وأن الأكل بعدها لا يضرّ، قال النوويّ ﵀: وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا، ومذهب غيرنا، وقال بعض أصحابنا: متى أكل بعد النيّة، أو جامع فسدت، ووجب تجديدها، وإلا فلا يصحّ صومه، وهذا غلطٌ صريح. انتهى . ١٢ - (ومنها): استحباب السحور، وتأخيره. ١٣ - (ومنها): جواز الاعتماد على الصوت في الرواية؛ إذا كان عارفًا به، وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة؛ لاحتمال الاشتباه، قاله في «لفتح». وقال في «الطرح»: استُدِلّ به على أنه يجوز في الرواية الاعتماد على الصوت، من غير رؤية المخبِر، بأن يكون وراء حجاب إذا كان عارفًا بالصوت، واعتَمَدَ في ذلك على إخبار ثقةٌ، فإن ابن أم مكتوم لم يكن يشاهد ما يعرف به دخول الوقت، وإنما كان يعتمد في ذلك على إخبار من يخبره بذلك، ممن يثق به، وأقرّه النبيّ -ﷺ- على ذلك وأيضًا فإنه -ﷺ- أمر بالاعتماد على صوت المؤذن، من غير مشاهدته، فمان ذلك يكون في الليل وظلمته، ولا بد أن يميز صوت بلال من صوت ابن أم مكتوم، فإن لكل منهما حُكْمًا غير حكم الآخر، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وعن شعبة بن الحجاج منعه؛ لاحتمال الاشتباه، وأما في باب الشهادة فالأكثر على المنع من الاعتماد على الصوت فيها، وباب الشهادة أضيق، وبالاحتياط أجدر، ومن جَؤز استدل بهذا الحديث، قال المهلَّب: فيه جواز شهادة الأعمى على الصوت؛ لأنه ميّز صوت من عَلَّمه الوقت ممن يثق به، فقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز شهادة الأعمى هو الراجح، كما أسلفته قريبًا، فتنبّه. ١٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز تقليد الأعمى للبصير في معرفة الوقت، أو جواز اجتهاده في ذلك، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى، ولم يكن يعرف طلوع الفجر إلا بأحد هذين الأمرين، ومما يرجح أنه كان يُقَلِّدُ قوله في بعض طرقه من حديث سهل بن سعد -﵁-: «وكان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ»، قال الشيخ تقي الدين في «شرح العمدة»: ولو لم يرد ذلك لم يكن في اللفظ جواز رجوعه لاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين مبهم، لا يدل على واحد منهما بعينه. انتهى. ١٥ - (ومنها): جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة؛ إذا كان بقصد التعريف ونحوه. ١٦ - (ومنها): جوأز نسبة الرجل إلى أمه؛ إذأ اشتهر بذلك، واحتيج إليه، وفي الصحابة -﵁- جماعة عُرِفُوا بذلك، منهم ابن بُحينة، ويعلى ابن منية، والحارث ابن الْبَرْصَاء، وغيرهم، وحُكِي أن يحيى بن معين كان يقول: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قل: إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغني أنه كان يكره أن يُنْسَب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير، ولهذا استثنى ابن الصلاح في «علوم الحديث» من الجواز ما يكرهه الملَقَّب، وهو حسن، لكن قال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب، لا اللزوم. انتهى . ١٧ - (ومنها): أن فيه استحبابَ أن يكون الأذان على موضع عالٍ؛ لقوله: «ينزل هذا، ويرقى هذا»، والحكمة فيه أنه أبلغ في الإعلام، وهو متفق عليه، قال وليّ الدين: وهل تُلحق به الإقامة في ذلك؟، قال المحامليّ، والبغويّ من أصحابنا: لا، قال النوويّ: وهذا الذي قالاه محمول على ما إذا لم يكن مسجد كبير تدعو الحاجة فيه إلى العلو للإعلام. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسالة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يَحْرُم فيه الأكل والشرب في الصوم: قال النوويّ ﵀ في «شرح المهذّب» ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر، فيحرم الطعام، والشراب، والجماع به. قال ابن المنذر ﵀: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول، قال: ورَوَينا عن عليّ بن أبي طالب -﵁- أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: ورُوي عن حُذيفة -﵁- أنه لما طلع الفجر تسخر، ثم صلى، قال: وروي معناه عن ابن مسعود، وقال مسروق: لم يكونوا يَعُدّون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء، هذا كلام ابن المنذر. انتهى كلام النوويّ . وقال في «الفتح»: وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين، وصاحبه أبو بكر بن عيّاش- إلى جواز السحور إلى أن يتّضح الفجر، فروى سعيد بن منصور ، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرّ، عن حذيفة، قال: «تسحّرنا مع رسول الله -ﷺ- هو والله النهار، غير أن الشمس لم تطلع». وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر، عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيّن بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدّم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعيّ -وله صحبة- أن أبا بكر قال له: اخرج، فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته، فقلت: قد ابيضّ، وسطع، ثم قال: اخرج، فانظر هل طلع؛ فنظرت، فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي. وروى من طريق وكيع، عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة لصليت الغداة، ثم تسحّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل، والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء، ولا كفّارة. قال الحافظ: وفي هذا تعقّب على الموفّق وغيره، حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش. والله أعلم. انتهى . واحتجّ الجمهور بالأحاديث الصحيحة المشهورة المتظاهرة: (منها): حديث عديّ بن حاتم -﵁-، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالأ أبيض، وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله -ﷺ- «إن وسادك لَعَريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار»، متفق عليه. (ومنها): حديث سهل بن سعد -﵁-، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار، متفق عليه. (ومنها): حديث سمرة بن جندب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يغرّنّكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير»، رواه مسلم. (ومنها): حديث ابن مسعود -﵁- عن النبيّ كتَ قال: «لا يمنعنّ أحدكم - أوأحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوقُ، وطأطا إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدّهما عن يمينه وشماله»، رواه البخاريّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر هو الأرجح، لظهور أدلّته. لكن المراد بطلوعه تحققه وتبيّنه، فلو شك في طلوعه جاز له الأكل وغيره حتى يتيقّن طلوعه، لظاهر الآية المذكورة. قال النوويّ ﵀: ولو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل، والشرب، والجماع، وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر؛ للآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولمَا صحّ عن ابن عباس بأنه قال: «كُلْ ما شككت حتى يتبيّن لك»، رواه البيهقيّ بإسناد صحيح، وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، قال: «أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، قال: اختلفتما أرني شرابي»، قال البيهقيّ: وروي هذا عن أبي بكر الصدّيق، وعمر، وابن عمر -﵁-، وقول ابن عباس: «أرني شرابي» جارٍ على القاعدة أنه يحلّ الشرب، والأكل حتى يتبيّن الفجر، ولو كان قد تبيّن لَمَا اختلف الرجلان فيه؛ لأن خبريهما تعارضا، والأصل بقاء الليل، ولأن قولى: «أصبحت» ليس صريحًا في طلوع الفجر، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ، وهو بحث نفيش جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الأذان للصبح قبل دخول وقتها: ذهب إلى جوازه مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، ودا ود، والجمهور، ورجع إليه أبو يوسف بعد أن كان يقول بالمنع، ورَوَى الشافعيّ في كتابه القديم، عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: عَجِّلوا الأذان بالصبح يدلج المدلج، وتخرج العاهرة، وعن عروة بن الزبير أنه قال: إن بعد النداء بالصبح لحزبًا حسنًا، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة، وعن حبان بن الحارث قال: أتيت عليًا بدير أبي موسى، وهو يتسحر، فقال: ادْنُ، فاطعم، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، فطعم، فلما فرغ أمر ابن النباح، فأقام الصلاة، قال الشافعيّ: وهو لا يأمر بالإقامة إلا بعد النداء، وحين طلع الفجر أمر بالإقامة، ففي هذا دلالة على أن الأذان كان قبل الفجر. وذهب آخرون إلى منع الأذان لها قبل دخول وقتها، كسائر الصلوات، وهو قول سفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والحسن بن صالح بن حيّ، قالوا: فان أُذِّن لها قبل الفجر أعاد الأذان بعده. وَرَوى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عائشة -﵁- قالت: ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر، وعن إبراهيم النخعي قال: شَيَّعنا علقمة إلى مكة، فخرجنا بليل، فسمع مؤذنًا يؤذن، فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب محمد -ﷺ- أَبُو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذَّن، وعن إبراهيم النخعيّ أنه كَرِه أن يؤذن قبل الفجر، وعن عبيد الله بن عمر: قلت لنافع: إنهم كانوا ينادون قبل الفجر؟ قال: ما كان النداء إلا مع الفجر. وحَكَى ابن حزم عن الحسن البصريّ أنه قيل له: الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس، فغضب، وقال: عُلُوج أفراع، أَبُوأدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، مَنْ أَذَّن قبل الفجر، فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيها، وعن إبراهيم النخعيّ أنه قال: كانوا إذا أذَّن المؤذن بليل، قالوا له: اتق الله، وأعد أذانك. وحَكَى ابن المنذر وغيره في المسألة مذهبًا ثالثًا عن طائفة من أهل الحديث أنه إن كان للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد الفجر، فلا بأس أن يؤذن للصبح؛ إذا كان هكذا، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، فقال: يجوز أن يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه، وينزل من المنارة، أو العلو، ويصعد مؤذن آخر، ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في الأذان. واحتج المانعون بحديث ابن عمر: «إن بلالًا أَذَّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبيّ -ﷺ- أن يرجع، فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام»، رواه أبو داود في «سننه»، وصحح وقفه على عمر في أذان مؤذن له، يقال له: مسعود. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: [أحدها]: ضعفه كما تقدم عن أبي داود، وضعّفه أيضًا الشافعيّ، وعليّ ابن المدينيّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، والترمذيّ، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، وا لدا رقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. [ثانيها]: أنه عارضه على تقدير صحته ما هو أصح منه، وهو قوله -ﷺ-: «إن بلالًا يؤذن بليل …» الحديث، قال البيهقيّ: والأحاديث الصحاح التي تقدم ذكرها، مع فعل أهل الحرمين أولى بالقبول منه، ثم رَوَى بإسناده عن شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك بن أنس: أليس قد أمر النبيّ -ﷺ- بلالًا أن يعيد الأذان؛ فقال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن بلالًا يؤذن بليل»، قلت: أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليل. [ثالثها]: قال الخطابيّ: يشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله -ﷺ- يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر. وأجاب المانعون عن حديث الباب بان هذا الأذان لم يكن لأجل الصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائمين للسحور وغيره، أجاب بمعناه الطحاويّ، وابن حزم. وَيرُدُّه حديث زياد بن الحارث الصدائيّ -﵁- قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني؛ يعني النبيّ -ﷺ-، فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله، فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا حتى إذا طلع الفجر … الحديث، رواه أبو داود وغيره، وهو صريح في الأذان للصبح قبل الوقت من غير إعادته بعد دخول الوقت. قال ابن عبد البرّ: وفي إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل والنهار لا أذان لها ما يدل على أن أذان بلال بالليل إنما كان لصلاة الصبح، وجوّز الطحاويّ أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه، ولا يتحقق ذلك؛ لضعف بصره، ثم استَدَلّ بما رواه عن أنس مرفوعًا: «لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئًا»، قال الطحاويّ: فدل على أن بلالًا كان يريد الفجر، فيخطئه؛ لضعف بصره. قال الحافظ وليّ الدين ﵀: وهذا ضعيف؛ لأن قوله -ﷺ-: «إن بلالًا يؤذن بليل» يقتضي أن هذه كانت طريقته، وعادته دائمًا، ولو كان لا يقع ذلك منه إلا لخطأ لم يقع إلا نادرًا، فإنه لولا أن الغالب إصابته لما رُتِّب مؤذنًا، واعتُمِد عليه في الأوقات، وفي «الصحيحين» من حديث ابن مسعود -﵁- عن النبيّ -ﷺ-: «لا يمنعن أحدكم، أوأحدًا مثكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن، أو ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم …» الحديث، وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر يقصد ذلك، ويتعمده، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال العلماء، وأدلّتهم في هذه المسألة أن ما قاله الأولون، وهو مشروعيّة الأذان للصبح قبل دخول وقتها، هو الراجح وقد تبيّن بحديث ابن مسعود -﵁- المذكور أن فائدته؛ رجوع القائم إلى الاستراحة، واستيقاظ النائم للتأهّب لصلاة الصبح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في أول الوقت الذي يؤذَّن للصبح فيه: قال وليّ الدين ﵀: وفي ذلك لأصحابنا أوجه: [أحدها]: يقدّم في الشتاء لسبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سبع تقريبًا، لا تحديدًا، وصححه الرافعيّ من أصحابنا، وذكر النووي أن من رجحه اعتمد حديثًا باطلًا محرَّفًا، قال وليّ الدين: وكأنه أشار بذلك إلى ما رواه الشافعيّ في كتابه القديم، عن سعد القرظ قال: أَذّنّا في زمن النبيّ -ﷺ- بقباء، وفي زمن عمر بالمدينة، فكان أذاننا للصبح لوقت واحد في الشتاء، لسبع ونصف يبقى، وفي الصيف لسبع يبقى منه. [والثاني]: يقدّم لسبع يبقى من الليل، من غير تفريق في ذلك بين الشتاء والصيف، ذكره البغويّ في «التهذيب». [والثالث]: يدخل بذهاب وقت الاختيار للعشاء، وهو ثلث الليل، أو نصفه، وبهذا قال ابن حبيب صاحب مالك. [والرابع]: وقته النصف الأخير من الليل، ولا يجوز قبله، وصححه النوويّ، وبه قال أبو يوسف، وحكاه ابن قدامة في «المغني» عن بعض أصحابهم، ثم قال: وقد روى الأثرم عن أبي جابر، قال: كان مؤذن مسجد دمشق يؤذن لصلاة الصبح في السحر بقدر ما يسير الراكب ستة أميال، فلا ينكر ذلك مكحول، ولا يقول فيه شيئًا. [والخامس]: جميع الليل وقت له، وهذا شاذّ. [والسادس]: أنه إنما يدخل وقته في السحر قبيل الفجر، وعليه يدل قوله في الحديث: «ولم يكن بينهما إلا قدر ما ينزل هذا، ويرقى هذا»، واختاره الشيخ الإمام تقي الدين السبكيّ، وحكاه عن القاضي حسين، والبغويّ، وبه قال ابن حزم، كما تقدم كلامه في ذلك، وابن عبد البرّ، وإليه يميل كلام ابن قدامة في «المغني»، قال وليّ الدين: فهذه الأوجه الستة في مذهبنا، وبعضها في غير مذهبنا، كما حكيته فيما تقدم. وفي المسألة مذهب سابع، أنه يدخل وقت الأذان لها لسدس يبقى من الليل، وهو المشهور عند المالكية، ووجّهوه بأنه الوقت الذي يمكن الجنب، والمعتصر، والمتوضئ، والمتأهب لذلك كله من أمره، ويخرج إلى الجماعة، فجعلوه تقديرًا لذلك كله. [فإن قلت]: وفي المسألة مذهب ثامن، أنه يؤذن لها عند انقضاء صلاة العتمة، وهو عند المالكية. [قلت]: قد فَسَّره الحاكي له، وهو القاضي أبو بكر ابن العربيّ بأن المراد العتمة التي تصلى في آخر وقتها، وهو نصف الليل، أو ثلثه، فعاد هذا إلى المذهب الثالث، وهو قول ابن حبيب، كما قدمته، فليس مذهبا زائدًا على ما تقدم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن القول الراجح في المسألة هو القول السادس، كما اختاره المحقّقون؛ لأنه الذي يوافق الحديث، وأما سائر الأقوال، فلا أثارة عليها من الأدلّة النقليّة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٧] (…) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِن بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (٣ أو ٢٤٤) (م ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصرفي، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ١٤/ ٣. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٨] (…) - (حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: كَانَ لِرَسُول الله -ﷺ- مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُؤَذن ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَرْقَى هَذَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. و«ابن عمر» -﵄- ذُكر قبله. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيرْقَى هَذَا) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: معناه أن بلالًا -﵁- كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يراقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يَرْقَى، وَيشْرَع في الأذان، مع أول طلوع الفجر، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ سيأتي في التنبيه التالي تعقّب الحافظ له، وترجيح كون الأذان وقت السحور، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أشار الحافظ ﵀ في«الفتح»أن قوله:«ولم يكن بينهما إلا أن ينزل … إلخ »في حديث ابن عمر مدرج، وإنما هو في حديث عائشة -﵂- من رواية القاسم عنها، ودونك نصّه: قوله:«حتى يؤذن»في رواية الكشميهنيّ:«حتى ينادي»، وقد أورده في«الصيام »بلفظ:«يؤذن»، وزاد في آخره:«فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا»، وفي هذا تقييدٌ لِمَا أَطْلَق في الروايات الأخرى من قوله: إن بلالًا يؤذِّن بليل«، ولا يقال: إنه مرسلٌ؛ لأن القاسم تابعيّ، فلم يدرك القصة المذكورة؛ لأنه ثبتٌ عند النسائيّ، من رواية حفص بن غياث، وعند الطحاويّ من رواية يحيى القطان، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، فذكر الحديث، قالت: »ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، وَيصْعَد هذا«، وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاريّ: قال القاسم؛ أي في روايته عن عائشة -﵂-. وقد وقع عند مسلم في رواية ابن نُمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مثل هذه الزيادة، وفيها نظر، أوضحته في كتاب «المدرج». قال: وثبتت الزيادة أيضًا في حديث أُنيسة . انتهى. وقال وليّ الدين ﵀- عند ذكر والده حديث عائشة -﵂- بلفظ: «وزاد: قالت: ولا أعلمه إلا إن كان قدر ما ينزل هذا، وبرقى هذا»- ما نصّه: هذه الرواية التي رواها الشيخ ﵀ من «مسند أحمد» صريحة في أن القائل: «ولا أعلمه إلا كان قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا» راوبة الحديث عائشة -﵂-، فإن فيها «قالت لا، لكن في»صحيح البخاريّ «في»كتاب الصيام«: قال القاسم: ٣٤٧٤ - أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، قال: حدّثنا هشيم، قال: حدّثنا منصور بن زاذان، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة بنت حبيب، قالت: قال رسول الله -ﷺ-:«إذا أذّن ابن أم مكتوم فكلوا، واشربوا، وإذا أذّن بلال، فلا تأكلوا، ولا تشربوا»، فإن كانت الواحدة منا ليبقى عليها الشيء من سحورها، فتقول لبلال: أمهل حتى أَفْرُغ من سحوري. انتهى.«ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا»، فكان شيخنا الإمام سراج الدين البلقينيّ ﵀ يعتمد هذه الرواية، ويجعل هذا الكلام في غيرها مدرجًا، وفيه نظر؛ لأن في رواية أحمد التصريح بأنه من قول عائشة، ففيها زيادة علم يجب الأخذ بها، والظاهر أن قول البخاريّ: قال القاسم؛ أي في روايته عن عائشة، وذلك لأنه روى الحديث المذكور من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق القاسم بن محمد، عن عائشة، ثم بَيَّن أن هذه الزيادة في رواية القاسم؛ أي عن عائشة، وليست في حديث ابن عمر؛ لأنه أَبُوأطلق ذكرها لتُوُفم أنها في الإسنادين معًا، ولم يُرِدْ بذلك أن القاسم قالها من عند نفسه، بدليل رواية أحمد التي ذكرتها، والله أعلم. انتهى . [تنبيه آخر] : قال في «الفتح»: وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر، هو وقت السحور، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعيّ، واختاره السبكيّ في«شرح المنهاج»، وحَكَى تصحيحه عن القاضي حسين، والمتولي، وقطع به البغويّ، وكلام ابن دقيق العيد يُشعِر به، فإنه قال بعد أن حكاه: يرجح هذا بأن قوله: «إن بلالًا ينادي بليل» خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعًا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهًا محتَمِلًا لأن يكون عند طلوع الفجر، فَبَيَّن -ﷺ- أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق، قال: وهذا يدلّ على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. انتهى. ويقويه أيضًا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التاهبُ لإدراك الصبح في أول وقتها، وصَحَّح النوويّ في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم، فقالْ قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذِّن ويتربَّص بعد أذانه للدعاء ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب بالطهارة وغيرها، ثم يَرْقَى، وَيشْرَع في الأذان مع أول طلوع الفجر، وهذا مع وضوح مخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاصّ لما صححه حتى يسوغ له التأويل، ووراء ذلك أقوال أخرى معروفة في الفقهيات. واحتجّ الطحاويّ لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لَضا كان بين أذانيهما من القرب ما ذُكِر في حديث عائشة ثبتٌ أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلالٌ، ويصيبه ابن أم مكتوم. وتُعُقِّب بانه أَبُو كان كذلك لَمَا أقره النبيّ -ﷺ- مؤذنًا، واعتمد عليه، ولو كان كما ادَّعَى لكان وقوع ذلك منه نادرًا، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ في «صحيحه» حديب الباب من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقال: ٥٨٥ - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا، واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم». انتهى. قال في «الفتح»: قال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار مُجْمَع على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه، ورواه عنه شعبة، فاختُلِف عليه فيه، رواه يزيد بن هارون عنه على الشكّ: «أن بلالًا …» كما هو المشهور، أو: «أن ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن بلالٌ»، قال: ولشعبة فيه إسناد آخر، فإنه رواه أيضًا عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنيسة، فذكره على الشكّ أيضًا، أخرجه أحمد، عن غندر عنه، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان من طُرُق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاويّ، والطبرانيّ من طريق منصور بن زاذان، عن خُبيب بن عبد الرحمن، وادَّعَى ابن عبد البرّ، وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب، وأن الصواب حديث الباب، قال الحافظ: وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في «صحيح ابن خزيمة» من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يُبعد وقوع الوهم فيه، وهو قوله: «إذا أذّن عَمْرو، فإنه ضرير البصر، فلا يغُرّنّكم، وإذا أذن بلال فلا يَطْعَمَنّ أحدٌ»، وأخرجه أحمد، وجاء عن عائشة أيضًا أنها كانت تُنكر حديث ابن عمر، وتقول: إنه غلطٌ، أخرج ذلك البيهقيّ من طريق الدراورديّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فذكر الحديث، وزاد: قالت عائشة: وكان بلال يُبصر الفجر، قال: وكانت عائشة تقول: غَلِطَ ابن عمر. انتهى. وقد جمع ابن خزيمة، والضبعيّ بين الحديثين بما حاصله أنه يَحْتَمِل أن يكون الأذان كان نُوَبًا بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي -ﷺ- يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يُحَزم على الصائم شيئًا، ولا يدل على دخول وقت الصلاة، بخلاف الثاني، وجزم ابن حبان بذلك، ولم يبده احتمالًا، وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره، وقيل: لم يكن نُوَبًا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالًا كان في أول ما شُرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تُحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر تمطأ، ثم أَذَنَ، أخرجه أبو داود، وإسناده حسن، ورواية حميد عن أنس: «أن سائلًا سأل عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله -ﷺ- بلالًا، فأذن حين طلع الفجر …» الحديث، أخرجه النسائيّ، وإسناده صحيح، ثم أردف بابن أم مكتوم، وكان يؤذن بليل، واستمرّ بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تُنَزل رواية أنيسة وغيرها، ثم في آخر الأمر أخّر ابن أم مكتوم؛ لضعفه، ووكل به مُن يراير له الفجر، واستقرّ أذان بلال بليل، وكان سبب ذلك ما رُوي أنه ربما كان أخطأ الفجر، فأذن قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرّةً، فأمره النبيّ -ﷺ- أن يرجع، فيقول: «ألا إن العبد نام»؛ يعني أن كلبة النوم على عينيه منعته من تبيّن الفجر، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا، ورجاله ثقات حفّاظ، لكن اتفق أئمة الحديث: عليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، والبخاريّ، والذهليّ، وأبو حا تم، وأبو داود، والترمذيّ، والأثرم، والدارقطنيّ على أن حمادًا أخطا في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وُجد له متابع، أخرجه البيهقيّ من طريق سعيد بن زَرْبِيّ، وهو بفتح الزاي، وسكون الراء، بعدها موحدة، ثم ياء، كياء النسب، فرواه عن أيوب موصولًا، لكن سعيد ضعيف، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب أيضًا، لكنه أعضله، فلم يذكر نافعًا، ولا ابن عمر، وله طريق أخرى، عن نافع، عند الدارقطنيّ وغيره، اختُلِف في رفعها ووقفها أيضًا، وأخرى مرسلة، من طريق يونس بن عبيد وغيره، عن حميد بن هلال، وأخرى من طريق سعيد، عن قتادة مرسلة، ووصلها يونس، عن سعيد بذكر أنس، وهذه طُرُق يقوي بعضها بعضًا قُوّةً ظاهرةً، فلهذا -والله أعلم- استقرّ أن بلالًا يؤذن الأذان الأول. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: تقوية الحافظ بهذه الطرق الضعيفة لما حكم عليه الأئمة المذكورون بالخطأ فيه نظرٌ لا يخفى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: رَوَى ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة -﵂- أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن بلال»، وللنسائي من حديث أنيسة بنت خبيب: «إذا أذن ابن أم مكتوم، فكلوا، واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا»، وهاتان الروايتان معارضتان للرواية المشهورة، فقال ابن عبد البرّ: إن المحفوظ، والصواب الأول، وقال ابن خزيمة: يجوز أن يكون بينهما نُوَث، وجزم به ابن حبان في الجمع بينهما، ونظير هاتين الروايتين في المعارضة ما في «سنن أبي داودأ عن بلال -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال له:»لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر، هكذا ومَدّ يديه عرضًا»، لكنه من رواية شداد، مولى عياض بن عامر عنه، وقد قال أبو داود وغيره: إنه لم يدرك بلالًا، وأيضًا فلم يرو عنه سوى جعفر بن بُرْقان، ولذلك قال أبو بكر الأثرم: هذا إسناد مجهول منقطع، وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث لا تقوم به الحجة، ولا يُقْبَل؛ لضعفه، وانقطاعه. انتهى. وبتقدير صحته فالجواب عنه أنه -ﷺ- قال هذا الكلام لبلال في نوبته التي كان يتأخر فيها أذانه، ويتقدم فيها أذان ابن أم مكتوم، فإنه كانت بينهما نُوَب كما تقدم، ويَحْتَمِل أنه -ﷺ- قال له هذا الكلام في أول الأمر، قبل أن يُنصَب للمسجد مؤذنان، وتقدم عن ابن القطان حَمْلُ أذان بلال بليل على رمضان خاصّة، وتقدم عن أحمد بن حنبل أنه عكس ذلك، فكره الأذان قبل الصبح في رمضان خاصة، فيجعل الجمع بين الحديثين بِحمل أحدهما على رمضان، والآخر على غيره، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا الجواب المتكلّف فيه؛ لأن الحديث ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المنّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ -﵂- عَن النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٥. ٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عبيد الله، عن القاسم هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: وحدّثني يوسف بن عيسى المروزيّ، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبيّﷺ- أنه قال: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٤٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِالاسْنَادَيْنِ كلَيْهِمَا، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٢ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧)، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. ٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قبل باب. ٥ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التيميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في «الصلاة» ٥١/ ١١٤٠. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: أبو أسامة، وعبدة بن سليمان، وحمّاد بن مسعدة رووه عن عبيد الله بن عمر العمريّ، مثل رواية عبد الله بن نمير عنه. وقوله: (بِالإسْنَادَيْنِ كلَيْهِمَا) بالجرّ على التأكيد، والمراد إسناد عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -﵁-، وإسناده عن القاسم، عن عائشة -﵂-. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن رواية هؤلاء الثلاثة بالإسنادين المذكورين نحو رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر العمريّ بهما جميعًا. [تنبيه]: أما رواية أبي أسامة، عن عبيد الله، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى» (٤/ ٢١٨) فقال: ٧٨١٢ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وعن القاسم، عن عائشة -﵂- قالا: قال رسول الله -ﷺ-: «إن بلالًا يؤذنْ بليل، فكلوا، واشربوا، حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم». انتهى. وأما رواية عبدة بن سليمان، عن عبيد الله، فقد ساقها الدارمي ﵀ في «سننه» (١/ ٢٨٨) فقال: ١١٩١ - أخبرنا إسحاق، ثنا عبدة، أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمَر، وعن القاسم، عن عائشة، قالت: كان للنبيّ -ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم»، فقال القاسم: وما كان بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. انتهى. وأما رواية حفاد بن مسعدة، عن عبيد الله، فقد ساقها ابن خزيمة ﵀ في «صحيحه» (٢٢١/ ١) فقال: ٤٢٤ - أخبرنا بندار، نا حماد بن مسعدة، نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، قال عبيد الله: وسمعت القاسم يحدث بذلك، عن عائشة -﵂- قالت: وإنما كان بينهما قدر ما ينزل هذا، ويصعد هذا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٣٥)

١. «الفتح» ٥/ ٢٦١.

٢. «الفتح» ٢/ ٤٣٦ نسخة البراك.

٣. «الفتح» ٢/ ٤٢٩.

٤. وقد تعقّب الشيخ ابن باز -﵀- هذا، فقال: هذا فيه نظرٌ؛ لأن ظاهر القرآن يدلّ على أنه عَمِي قبل الهجرة؛ لأن «سورة عبس» النازلة فيه مكيةٌ، وقد وصفه الله فيها بأنه أعمى، فتنبّه. انتهى، وهو تعقّب وجيه، والله تعالى أعلم.

٥. ٢/ ٤٢٩ نسخة البراك.

٦. «الفتح» ٢/ ٤٢٩ - ٤٣١ نسخة البراك.

٧. «طرح التثريب» ٢/ ٢٠٧.

٨. «طرح التثريب» ٢/ ٢٠٩.

٩. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٠٣.

١٠. تقدّم هذا الحديث للمصنف في كتاب «الصلاة» برقم [٨٤٩] (٣٨٠).

١١. حديث ضعيف، في سنده الإفريقيّ ضعيف.

١٢. «طرح التثريب» ٢/ ٢١١ - ٢١٢.

١٣. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٠٢.

١٤. «طرح التثريب» ٢/ ٢١١.

١٥. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣.

١٦. «طرح التثريب» ٢/ ٢١٠ - ٢١١.

١٧. «طرح التثريب» ٢/ ٢١٣.

١٨. «طرح التثريب» ٢/ ٢١٣.

١٩. المجموع ٥/ ٣٢٤.

٢٠. كان الأولى للحافظ أن يعزو الحديث للنسائيّ، وابن ماجه، فقد أخرجاه، كما هو صنيع المحدثين في عزو الحديث للأمهات الست، ثم إلى غيرها.

٢١. هكذا النسخة، ولعله: لولا الشهرة، والله أعلم.

٢٢. «الفتح» ٤/ ٦٣٥ - ٦٣٦.

٢٣. المجموع ٥/ ٣٢١٥.

٢٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٧.

٢٥. «طرح التثريب» ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.

٢٦. وفي نسخة: «تأذين».

٢٧. شرح النوويّ«٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤.

٢٨. حديث أنيسة هو ما أخرجه ابن حبّان ﵀ في«صحيحه»(٢٥٢/ ٨):

٢٩. «طرح التثريب» ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩.

٣٠. هذا التنبيه قد تقدّم معناه في المسألة السادسة الماضية في الحديث السابق، إلا أن فيه زيادة فائدة، لذا أعدته هنا، فتنبّه.

٣١. «الفتح» ٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩.

٣٢. هكذا النسخة بالضاد المعجمة، ولعل الصواب: «الصبغيّ» بالصاد المهملة، فليُحرّر.

٣٣. «النُّوَب» بضم، ففتح: جمع نَوْبَة، بفتح، فسكون، كقَرْية، وقُرَى، قاله في «المصباح».

٣٤. «الفتح» ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤.

٣٥. «طرح التثريب» ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.