HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٩٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ. فَقُلْنَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ. أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ. وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ. قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ) قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص131
ج ٢ ص ٧٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٥٥٩
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٢] (١٠٩٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ -ﷺ- قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُول الله -ﷺ-، ثُمَّ قُمْنَا اِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (زَيْذ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابي الشهير، مات -ﷺ- سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٢/ ٧٩٣. والباقون ذُكروا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابي -﵂-، وكلاهما من مشاهير الصحابة -﵃-، فأما أنس فقد سبق الكلام عليه قبل حديث، وأما زيد -﵁-، فهو من الراسخين في العلم، وكان أعلم بالفرائض، وكان كاتب الوحي لرسول الله -ﷺ-، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قال: قلت لأنس … فصرّح بالسؤال (عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ) -﵁-، أنه قال (قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاة) أي صلاة الصبح، وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله -ﷺ-، وزيد بن ثابت تسحّرا، فلما فرغا من سحورهما قام النبيّ -ﷺ- إلى الصلاة، فصلّيا، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. (قُلْتُ) القائل أنىس -﵁-، والمقول له زيد بن ثابت -﵁-، وفي رواية لأحمد عن يزيد بن هارون، عن همام، وفيه أنّ أنسأ قال: قلت لزيد … (كَمْ كانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟) أي ما بين التسحّر، والصلاة، وفي رواية للبخاريّ: «قلت: كم كان بين الأذان والسُّحُور» (قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً) قال القرطبيّ ﵀: كذا الرواية «خمسين» بالياء، لا بالواو، وهو على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مخفوضًا، وهو شاذّ، لكن سوّغه دلالة السؤال المتقدّم عليه؛ لأنه لَمّا قال: «كم كان قدر ما بينهما؟ فقال: خمسين آية»، فحذف «قدر»، وبقي ما بعده مخفوضًا على حاله معه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إنما كان هذا الوجه شاذًّا؛ لأن شرط حذف المضاف، هابقاء المضاف إليه مجرورًا أن يُعطف المضاف المحذوف على مماثله، كما في قول الشاعر [من الطويل]: أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا حيث جرّ «نارٍ» لعطفه على «امرئٍ»، وإلى هذا أَشار في «الخلاصة» بقوله: وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ وفي رواية البخاريّ: «قدرَ خمسين آية»، وفي رواية النسائيّ: «قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية»؛ أي متوسّطة، لا طويلة، ولا قصيرة، لا سريعة، ولا بطيئة، و«قدرُ» بالرفع على أنه خبر المبتدأ، ويجوز النصب على أنه خبر «كان» المقدّرة في جواب زيد، لا في سؤال أنس؛ لئلا تصير «كان» واسمها من قائل واحد، والخبر من آخر: أي كان الزمن قدرَ إلخ. وقال المهلّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدّر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت -﵁- عن ذلك التقدير بالقراءة، إشارةً إلى أن ذلك الوقت كان وقت عبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة، أو ثلث، أو خمس ساعة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٥٢ و٢٥٥٣، (١٠٩٧)] و(البخاريّ) في «مواقيت الصلاة» (٥٤١ و٥٤٢) و«الصوم» (١٧٨٧)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٦٣٨)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٤٣) و«الكبرى» (٢/ ٧٧)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٦٩٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٢٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٨٢ و١٨٥ و١٨٦ و١٨٨ و١٩٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩٤١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٨٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٧٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ١١٥ و١١٧)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ١١٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٣٨) و«المعرفة» (١/ ٤٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان القدر الذي يكون بين السحور وصلاة الصبح، وذلك قدر قراءة خمسين آية. ٢ - (ومنها): استحباب تأخير السحور؛ لكونه أبلغ في المقصود. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: فيه الإشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. ٤ - (ومنها): ما قاله أيضًا: كان -ﷺ- ينظر ما هو الأرفق بأمته، فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحّر لاتبعوه، فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشقّ أيضًا على بعضهم، ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. ٥ - (ومنها): ما قاله أيضًا: فيه تقوية على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشقّ على بعضهم، ولا سيّما من كان صفراويًّا، فقد يُغْشَى عليه، فيفضي إلى الإفطار في رمضان. انتهى. ١ - (ومنها): تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت -﵁- ما كان يبيت مع النبيّ -ﷺ-. ٧ - (ومنها): استحباب الاجتماع على السحور. ٨ - (ومنها): حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: «تسحّرنا مع رسول الله -ﷺ-، ولم يقل: نحن ورسول الله -ﷺ-؛ لما يُشعر لفظ المعيّة بالتبعيّة. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀؛ فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة -﵁-:»هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع»، قال: فيمكن أن يُحمل حديث حذيفة على أنه قصد الإخبار بتأخير السحور، فأتى بتلك العبارة. انتهى . وأجاب الحافظ بأنه لا معارضة، بل تُحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقة. انتهى ، وهو جواب جيّد. ١٠ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استَدَلّ به على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر؛ لأنه الوقت الذي يَحْرُم فيه الطعام والشراب، والمدّة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة، وهي قراءة الخمسين آية، أو نحوها قدر ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ فيه، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر، وفيه أنه -ﷺ- كان يدخل فيها بغلس، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَامٌ (ح) وَحَدثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ٧١، (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء العطّار، أبو سعيد البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٥/ ١٥٣٢. ٦ - (عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السّلميّ، أبو حفص البصريّ قاضيها، صدوقٌ له أوهامٌ [٦]. رَوَى عن قتادة، وعمرو بن دينار، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن أبي كثير، وغير هم. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، وسالم بن نوح، ومعتمر بن سليمان، وعباد بن العوّام، ويزيد بن زريع، وآخرون. قال ابن المدينيّ: سألت يحيى بن سعيد: حَمَلتَ عنه أشياء؟ قال: لا، ولا حرفًا، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وكذا قال أبو طالب عن أحمد، وزاد: روى أحاديث أنكرها، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان شعبة لا يستمريه، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس، زاد بعضهم عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن الدَّوْرَقيّ عن ابن معين: عمر بن عامر بَجَليّ كوفيّ ضعيف ، تركه حفص بن غياث، وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني يقول: عمر بن عامر شيخ صالح، كان على قضاء البصرة، مات فَجْأَةً، قال عليّ: قال أبو عبيدة: لم يمت قاض فجأة غيره، وقال أبو زرعة: مات وهو ساجدٌ، وقال أبو حاتم: سعيد وهشام أحبّ إلي منه، وهو يجري مع همام، وقال عمرو بن عليّ: عمر بن عامر، ويحيى بن محمد بن قيس ليسا بمتروكي الحديث، وقال الآجريّ عن أبي داود: ضعيفٌ، وأبو هلال فوقه، وعمران القطان عندي فوقه، وكان قاضي البصرة، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة (١٣٩)، وقال الساجيّ: هو من الشيوخ صدوق، ليس بالقويّ، فيه ضعف، قال: وقال أحمد: كان عبد الصمد بن عبد الوارث يروي عنه، عن قتادة مناكير، وقال العقيليّ: ثنا عبد الله بن أحمد، سمعت أبي يقول: عمر بن عامر ثقة ثبثٌ في الحديث، إلا أنه كان مُرجئًا، وقال العجليّ: ثقةٌ. أخرج له مسلم والنسائي، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٠٩٧) و(١١١٦) و(٢٤٦٩). و«قتادة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: ٥٤١ - حدّثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا هَمّام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن زيد بن ثابت حدّثه، أنهم تسحروا مع النبيّ -ﷺ-، ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين، أو ستين؛ يعني آية. انتهى. وأما رواية عُمر بن عامر، عن قتادة، فساقها الطبرانيّ ﵀ في «المعجم الكبير» (٥/ ١١٧) فقال: ٤٧٩٥ - حدّثنا زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِيُّ، ثنا محمد بن الْمُثَنَّى، ثنا سَالِمُ بن نُوحٍ، عن عُمَرَ بن عَامِرٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ، قال: تَسَحَّرْنَا مع رسول اللهِ -ﷺ-، فما قُمْنَا حتى صلى الْغَدَاةَ، قلت: فما قَدْرُ ذلك؟ قال: قَدْرُ ما يَقْرَأُ الإِنْسَانُ خَمْسِينَ آيَة. انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج الإمام البخاريّ ﵀ هذا الحديث في «صحيحه»، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فجعله من مسند أنس -﵁-، فقال: ٥٤٢ - حدّثنا حسن بن صباح، سمع رَوْح بن عُبادة، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن نبي الله -ﷺ- وزيد بن ثابت تَسَحَّرَا، فلما فرغا من سحورهما، قام نبيّ الله -ﷺ- إلى الصلاة، فصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. انتهى. قال في «الفتح» ما حاصله: إنه ترجح عند مسلم رواية همام، فإنه أخرجها، وأعرض عن رواية سعيد، ويدلّ على رجحانها أيضًا أن الإسماعيلي أخرج رواية سعيد، من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، فقال: عن أنس، عن زيد بن ثابت. قال: والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك، لكنه لم يتسحر معهما، ولأجل هذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور، قال: ثم وجدت ذلك صريحًا في رواية النسائيّ وابن حبان، ولفظهما: عن أنس، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: يا أنس إني أريد الصيام أطعمني شيئًا، فجئته بتمر، وإناء فيه ماءٌ، وذلك بعدما أذَّن بلال، قال: يا أنس انظر رجلًا يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء، فتسحر معه، ثم قام، فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة. قال: فعلى هذا فالمراد بقوله: «كم كان بين الأذان والسحور؟» أي أذان ابن أم مكتوم؛ لأن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٤] (١٥٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ، مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) أو قبله (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٥/ ٢٩٠. ٢ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك الساعديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. و«يحيى بن يحيى» التميميّ ذُكر قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بن مالك -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) وفي حديث أبي هريرة -﵁-:»لا يزال الدين ظاهرًا«، وظهور الدين مستلزم لدوام الخير (مَا) مصدريّة ظرفيّة؛ أي مُدّة فعلهم ذلك؛ امتثالًا للسنة، واقفين عند حدّها، غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها. (عَجَّلُوا الْفِطْرَ») زاد أبو ذرّ في حديثه: «وأخّروا السحور»، أخرجه أحمد، وزاد أبو هريرة في حديثه: «لأن اليهود والنصارى يؤخرون»، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أَمَدٌ، وهو ظهور النجم. وقد رَوَى ابن حبان، والحاكم، من حديث سهل أيضًا بلفظ: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم»، وفيه بيان العلة في ذلك. وقال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على تعجيل الفطر بعد تحقّق غروب الشمس، ومعناه: لا يزال أمر الأمّة منتظمًا، وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنّة، وإذا أخّروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: إنما كان تعجيل الفطر خيرًا؛ لأنه أحفظ للقوّة، وأرفع للمشقّة، وأوفق للسنّة، وأبعد عن الغلوّ والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع، وأما تعجيل المغرب، فقد تقدّم الكلام عليه في الأوقات. انتهى . وقال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: من السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور، والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكّ هل غابت الشمس أم لا؟؛ لأن الفرض إذا لزم بيقين لم يُخْرَج عنه إلا بيقين، والله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأفق عن أعين الناظرين، فمن شك لزمه التمادي حتى لا يشك في مغيبها، قال -ﷺ-: «إذا أقبل الليل من هاهنا -يعني المشرق- وأدبر النهار من هاهنا -يعني المغرب- وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»، متّفقٌ عليه. انتهى . وقال في «الفتح»: اتفق العلماء على أن محل تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بأخبار عدلين، وكذا عدلٌ واحدٌ في الأرجح. قال الشافعيّ ﵀ في «الأم»: تعجيل الفطر مستحبّ، ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده، ورأى الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يكره مطلقًا، وهو كذلك؛ إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبًّا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح»، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ كونه مكروهًا هو الذي دلّ عليه ظاهر النصّ؛ لأنه نصّ على أن التعجيل فيه مخالفة لليهود والنصارى، كما سلف من حديث أبي هريرة -﵁-، وقد أُمِر -ﷺ- بمخالفتهم، وأمر به أمته، وفي تأخير الفطر موافقة لهم، ومخالفة لهديه -ﷺ-، فكيف يقال: إنه غير مكروه؟ بل الذي يظهر من النصوص المذكورة التحريم، فتأمّل بالإنصاف. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: من البدع المنكرة ما أُحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت، زعموا، فأخروا الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قَلَّ عنهم الخير، وكثُر فيهم الشرّ، والله المستعان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٥٤ و٢٥٥٥] (١٠٩٨)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٥٧)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٦٩٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٨٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٧٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٢٢٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٣١ و٣٣٧ و٣٣٩)، و(الدا رميّ) في «سننه» (٢/ ١٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٧٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٢٧٣ و٢٧٤)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٨/ ٢٧٣ و٢٧٥)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٥٩٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ١٣٩ و١٦٨ و١٨٧ و١٩١ و١٩٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٥٠١ و٥٤٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٣٧) و«المعرفة» (٣/ ٣٨٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تعجيل الفطر، قال ابن عبد البرّ ﵀: أحاديث تعجيل الإفطار، وتأخير السحور صحاحٌ، متواترةٌ، وأخرج عبد الرزأق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن ميمون الأوديّ قال: كان أصحاب محمد -ﷺ- أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا. ٢ - (ومنها): ما قاله المازريّ ﵀: أشار هذا الحديث إلى أن تغيير هذه السنة عَلَمٌ على فساد الأمر، ولا يزالون بخير ما داموا محافظين عليها. انتهى. ٣ - (ومنها): ما قاله المهلَّب ﵀: الحكمة في تعجيل الإفطار أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: في هذا الحديث ردّ على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر؛ لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة. انتهى. قال الحافظ ﵀: وما تقدم من الزيادة عند أبي داود أولى بأن يكون سبب هذا الحديث، فإن الشيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه -ﷺ- بذلك. انتهى. ٥ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض المالكية على عدم استحباب ستة شوال؛ لئلا يَظنّ الجاهل أنها ملتحقة برمضان، وهو ضعيف، ولا يخفى الفرق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوب (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْذ الرَّحْمَنِ بْن مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵄-، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَعْقُوبُ) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبت فقيه حجة إمام [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم ساقها مقرونًا بابن أبي حازم، في «مستخرجه» (٣/ ١٧٣) فقال: وثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق السّرّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يزال الناس بخير ما عَجَّلوا فطرهم». انتهى. وأما رواية سفيان الثوريّ، عن أبي حازم، فساقها الإمام أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٣٤) فقال: ٢٢٨٧٩ - حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سَعْدٍ، قال: قال رسول اللهِ -ﷺ-: «لَا يَزَالُ الناس بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكثاب قال: [٢٥٥٦] (١٠٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، أَحَدُهُمَا يُعَجَّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَخلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: «وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٩/ ٩٧٧. ٥ - (أَبُو عَطِيَّةَ) الوادعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، اسمه مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، أو ابن عوف، وقيل: ابن حُمْرة ، وقيل: ابن أبي حُمْرة، وقيل: اسمه عمرو بن جندب، ويقال: ابن أبي جندب، وقيل: إنهما اثنان، ثقةٌ [٢]. قال: جاءنا كتاب عمر، وروى عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعائشة، ومسروق بن الأجدع. وروى عنه عُمارة بن عمير، ومحمد بن سيرين، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأشعث بن أبي الشعثاء، وخيثمة بن عبد الرحمن، والأعمش، وغيرهم. قال الأثرم: قلت لأحمد: الأعمش عن أبي عطية، ما اسم أبي عطية؟ قال: مالك بن أبي حمرة، وهو مالك بن عامر، قلت: هو الذي روى عنه ابن سيرين؟ فأنكر ذلك جدًّا ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: أبو عطية الذي روى عنه ابن سيرين مالك بن عامر، وأبو عطية الوادعيّ عمرو بن أبي جندب، وقال في موضع آخر: أبو عطيّة الوادعيّ: مالك بن عامر، وهو الهمدانيّ، وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين، عن أبي عطية؟ فقال: ثقةٌ، وقال الواقديّ: أبو عطية عَمْرو بن جندب، ويقال: مالك بن عامر الهمدانيّ، من أصحاب عبد الله، وشهد مشاهد عليّ، ومات في ولاية عبد الملك، وقال ابن سعد: أبو عطية اسمه مالك بن عامر الهمدانيّ، ثم الوادعيّ، تُوُفّي في ولاية مصعب بن الزبير على الكوفة، وكان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: أبو عطية الوادعيّ؟ قال: عَمْرو بن جندب، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكزره مرّتين. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت في الباب الماضي. و«يحيى بن يحيى» ذُكر قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي عطيّة، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وعائشة فمدنيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عُمارة، عن أبي عطيّة، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) الوادعيّ، تقدّم آنفًا الخلاف في اسمه، واسم أبيه، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ أنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ) -﵂- (فَقُلْنَا) وفي الرواية التالية: «فقال لها مسروق»، وفي رواية النسائيّ: «قلت لعائشة»، ويُجْمَع بين هذا إلاختلاف بكودط مسروق هو الذي تولّى السؤال؛ لكون عائشة -﵂- تعرفه، حيث كان كثير الرواية عنها، بخلاف أبي عطيّة، فإنه ما يروي عنها إلا قليلًا، وإنما قال أبو عطيّة: قلت لعائشة، أو قلنا لها، لكونه طلب من مسروق أن يسألها، والله تعالى أعلم. (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ) أي يختار تعجيل الفطر في الصوم (وَيُعَجِّلُ) بتشديد الجيم، من التعجيل (الصّلَاةَ) أي صلاة المغرب، ففي الرواية التالية: «رجلان من أصحاب محمد -ﷺ- كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يُعجّل المغرب، والإفطار، والآخر يؤخِّر المغرب، والإفطار»، وفي رواية النسائيّ: «أحدهما يعجّل الإفطار، ويؤخّر السحور». وإنما فعل ابن مسعود -﵁- ذلك؛ اتّباعًا للسنّة. (وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَبُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) الظاهر أنه إنما فعل ذلك؛ ليبيّن للناس جوازه، أو فَعَله احتياطًا، حيث لم تبلغه السنّة في ذلك. (قَالَتْ) عائشة -﵂- (أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ) أبو عطيّة (قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ) توفي سنة (٣٢) تقدّمت ترجمته في «المقدمة» ٣/ ١١. (قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي إن فعل ابن مسعود -﵁- هو الموافق لسنة رسول الله -ﷺ-، والآخر مجتهد مأجور حيث لم يخالف السنّة قصدًا، كما يأتي من طريق ابن أبي زائدة قوله: «كلاهما لا يألو عن الخير». وقوله: (زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ) أي يعني شيخه الثاني، وهو محمد بن العلاء زاد في روايته على رواية يحيى قوله، مبيّنًا الرجل الآخر: («وَالْآخَرُ) أي الرجل الآخر الذي يؤخّر الإفطار، والصلاة (أَبُو مُوسَى») عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير، توفّي -﵁- (٥٠) أو بعدها، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ١٦/ ١٧١، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٥٦ و٢٥٥٧] (١٠٩٩)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٣٥٤)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٠٢)، و(النسائيّ) في «الصيام» ٤/ ١٤٤) و«الكبرى» (٢/ ٧٨ و٧٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢١١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٨ و١٧٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٨٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١/ ٢٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وقد تقدّم قول الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: أحاديث تعجيل الفطر، وتأخير السحور صحاح متواترة، وعند عبد الرزّاق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، قال: «كان أصحاب محمد -ﷺ- أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا». انتهى . ٢ - (ومنها): أن أكابر الصحابة -﵃-، ومن بعدهم قد تَخْفَى عليهم السنّة، فيجتهدون، فيعملون بخلافها، وأنهم معذورون ومأجورون بذلك، وأما من قلّدهم، فلا عذر له إذا تبيّن له ثبوت النصّ، فليُتنبّه لهذا، فإنه من مزالّ الأقدام، فإن كثيرًا من المقلّدين قد تبلغهم السنة مخالفةً لمذهبهم، فلا يلتفتون إليها، وهذا هو الخسران المبين؛ لأنه من اتّباع الهوى، ومن تخذيل الشيطان، وقد ذمّ الله تعالى من خالف السنّة متبعًا لهواه، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]-نعوذ بالله من الخذلان-. ٣ - (ومنها): أن اختلاف أهل العلم كثيرًا ما يكون مبناه على اطلاع بعضهم على النصوص، وعدم اطلاع الآخرين عليها، فالواجب على المقلّدين أن ينظروا فيمن تؤئده النصوص، فيتبعوه. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ كثرة علم عائشة -﵂- بالسنّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٥٧] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْب، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ -﵁-، فَقَالَ لَهَا مَسْرُون: رَجُلَانِ مِنْ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَن الْخَيْرِ: أَحَدُهُمَا يُعَبلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ، فَقَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَصْنَعُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَن الْخَيْرِ) أي لا يقصّر عنه، قال في «القاموس»: وأَلَا أَلْوًا، وأُلُوًّا، وأُلِيًّا، وأَلَّى، واتَّلَى: قَصَّرَ، وأبطأ، وتكبّرَ، قال: وما ألوته: ما استطعته، وما ألوتُ الشيءَ أَلْوًا، وأُلُوًّا: ما تركته. انتهى .
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم» ٣/ ١٥٦ - ١٥٧.

٢. «الفتح» ٤/ ٦٣٨.

٣. «الفتح» ٢/ ٣٥٧ كتاب «مواقيت الصلاة» رقم (٥٧٦).

٤. قال الحافظ في «التهذيب» (٧/ ٤١٠): وينبغي أن يُحَرَّر هذا الذي ذكره المزيّ عن ابن الدَّورقيّ عن ابن معين، فإنني أظن أنه في رجل آخر غير صاحب الترجمة، يدُلّ عليه كونه نسبه بَجَليًّا كوفيًّا، وصاحب الترجمة سلميّ بصريّ. انتهى.

٥. «الفتح» ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧.

٦. «شرح النوويّ» ٧/ ٢٠٨.

٧. «المفهم» ٣/ ١٥٧.

٨. «التمهيد» ٢١/ ٩٧ - ٩٨.

٩. بالراء، ووقع في بعض نسخ «التقريب» بالزاي، وهو تصحيف، فتنبّه.

١٠. لكن ذكر الحافظ في «تهذيب التهذيب» أن في «تفسير سورة البقرة» من «صحيح البخاريّ»، عن ابن سيرين: فلقيت أبا عطية، مالك بن عامر، أو مالك بن عوف. انتهى، فهذا يرجّح أن ابن سيرين روى عنه، فليُتأمل.

١١. انظر: «الفتح» ٤/ ٧١٣.

١٢. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٠٠.