HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٢٤

وحدثني هارون بن سعيد الأيلي. حدثنا ابن وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ. وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ. فَشَرِبَ مِنْهُ. وَالنَّاسُ ينظرون إليه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص146
ج ٢ ص ٧٩١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص١٢٢
رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (؛ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد كسابقه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٦٦) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زهير بن عبد الله بن جُدْعان المكيّ الفقيه، تقدّمت ترجمته في «المقدمة» ٤/ ٢٢، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٢] (١١١٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أنَسٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو فعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مُوَرِّقُ) بن مُشَمْرِج، ويقال: ابن عبد الله الْعِجليّ، أبو المعتمر البصريّ، ويقال: الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، من كبار [٣] (ت ٣ أو ٥ أو ١٠٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٥ - (أنسُ) بن مالك -﵁-، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ -﵁-) أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي السَّفَرِ) هو سفر غزوة الفتح، وفي رواية قَزَعة الآتية: «سافرنا مع رسول الله -ﷺ- إلى مكة، ونحن صيام» (فَمِنَّا الصَّائِمُ) أراد به الجنس (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ) وفي رواية: «فصام بعضٌ، وأفطر بعض». وفيه دليل على جواز الصوم في السفر؛ لتقرير النبيّ -ﷺ- للصائمين على صومهم (قَالَ) أنس -﵁ (فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْم حَارٍّ) أي شديد الحرارة (أَكثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ) وفي رواية البخاريّ: «أكثرنا ظلًّا من يستظلّ بكسائه»، وفي رواية النسائيّ: «واتخذنا ظلالًا»، والمعنى أنهم لم يكن لهم فَساطيط، ولا أخبية (وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ) أي يستتر منها (بِيَدهِ) أي لعدم قدرته على الاتّقاء بكساء (قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ) بالضمّ: جمع صائم؛ أي صاروا قاعدين في الأرض، وضعفوا عن الحركة، ومباشرة حوائجهم؛ لأجل ضعفهم بسبب الصوم (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ) أي بالخدمة، وفي الرواية التالية: «فتحزم المفطرون، وعَمِلوا» -بالحاء المهملة، والزاي- ووقع في بعض النسخ: «فتخدّموا» -بالخاء المعجمة، والدال المهملة- وادَّعَى بعضهم أنه الصواب؛ أي أنهم كانوا يخدمون، وفي رواية البخاريّ: «وأما الذين أفطروا، فبعثوا الرِّكاب، وامْتَهَنوا، وعالجوا». (فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ) بالفتح: جمع بناء، والمراد بها الأخبية؛ أي أقاموا على أوتاد مضروبة في الأرض (وَسَقَوُا الرِّكَابَ) بكسر الراء: أي الإبل التي يُسار عليها، واحدها راحلة، ولا واحد لها من لفظها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) أي الأجر الوافر، وهو ما فعلوه من خدمة الصائمين بسقي الركاب، وضرب الخباء، ونحوهما؛ لما حصل منهم من النفع المتعدّي، وليس المراد نقص أجر الصُّوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم، ومثل أجر الصُّوّام؛ لتعاطيهم أشغالهم، وأشغال الصوّام، فلذلك قال: «بالأجر كله»؛ لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم، قاله الحافظ ﵀. وقيل: المعنى: أي ذهبوا بالثواب الأكمل؛ لأن الإفطار كان في حقهم أفضل، وفي ذكر «اليوم» إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم. وقال الطيبيّ ﵀: أي إنهم مَضَوا، واستصحبوا الأجر، ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه، على طريقة المبالغة، يقال: ذهب به: إذا استصحبه، ومضى به معه. وقيل: «أل» فيه يَحْتَمل أن تكون للعهد، مشيرًا إلى أجر أعمال المفطرين، وأن تكون للجنس يقيد مبالغة بأن يبلغ أجرهم مبلغًا ينغمر فيه أجر الصوم، ويُجعل كأن الأجر كلّه للمفطر، كما يقال: عمرو الشجاع. وقال ابن دقيق العيد: فيه وجهان: [أحدهما]: أن يرإد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت على أيديهم، ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم. [والثاني]: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا يَنغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأنّ الأجر كله للمفطر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا مُتَّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٦٢٢ و٢٦٢٣] (١١١٩)، و(البخاريّ) في «الجها د» (٢٨٩٠)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٢٢٨٣) وفي «الكبرى» (٢٥٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٧٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٩٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٠٢٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥٥٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٢٠٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٦٨/ ٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٤٣)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ١٠٦)، والله تعالى أعلم. [فائدة]: قال الحافظ: هذا الحديث من الأحاديث التي أوردها البخاريّ في غير مظنتها؛ لكونه لم يذكرها في الصيام، واقتصر على إيرادها في الجهاد. انتهى . (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان فضل الإفطار في السفر على الصيام. ٢ - (ومنها): الحضّ على المعاونة في الجهاد. ٣ - (ومنها): أن أجر الخدمة في الغزوأعظم من أجر الصيام، قاله بعضهم، وتُعُفب بانه ليس ذلك على العموم. ٤ - (ومنها): جواز الصوم في السفر؛ خلافًا لمن قال: لا ينعقد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلي، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أنسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَصَامَ بَعْضٌ، وَأفطَرَ بَعْضٌ، فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ، وَعَمِلُوا، وَضَعُفَ الصُّوَامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ، قَالَ: فَقَالَ فِي ذَلِكَ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَفْصُ) بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيه تغيّر قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الايمان» ٨/ ١٣٦. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٤] (١١٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَزَعَةُ، قَالَ: أتيْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ -﵁-، وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلكَ عَمَّا يَسْأَلكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ، سَأَلتُهُ عَن الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ -ﷺ- إِلَى مَكَةَ، وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ-: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقوَى لَكُمْ»، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقوَى لَكُمْ، فَأَفطِرُوا»، وَكَانَتْ عَزْمَةً، فَأفطَرْنَا، ثمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ في السَّفَرِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مَهْدِيٍّ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أفراد [٧] (ت ١٥٨) (ز م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٤ - (رَبِيعَةُ) بن يزيد الدمشقيّ، أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٥ - (قَزَعَة) بن يحيى البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٥/ ١٠٢٥. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان -﵄-، تقدّم في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ رَبِيعَةَ) بن يزيد أنه (قَالَ: حَدَّثَنى قَزَعَةُ) -بفتحات- ابن يحيى (قَالَ: أَتَيْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ -﵁-، وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أن عنده كثيرًا من الناس (فَلَمَا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلكَ عَمَا يَسْأَلكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ) أي لكونه مما لا حاجة له إليه (سَأَلتُهُ عَن الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ) أي عن حكمه، هل هو جائز، أم لا؟ (فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ -ﷺ- إِلَى مَكَةَ) أي في عام الفتح (وَنَحْنُ صِيَامٌ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي صائمون؛ لمصادفة سفر الفتح شهر رمضان (قَالَ: فَنَزَلْتا مَنْزِلًا، فَقَال رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) أي قربتم من ملاقاتهم، يقال: دنا منه، وإليه يَدْنو دُنُوًّا: أي قرُبَ (وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ») أي على قتالهم، وفيه دليلٌ على أن حفظ القوّة بالفطر أفضل لمن هو منتظر لقاء العدوّ، قاله القرطبيّ ﵀ . (فَكَانَتْ) أي كانت مقولة رسول الله -ﷺ-: «والفطر أقوى لكم» (رُخْصَةً) بضمّ الراء، وسكون الخاء المعجمة، ويجوز ضمّها؛ للإتباع، والرخصة: التسهيل في الأمر، والتيسير فيه، يقال: رَخَّصَ الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص لنا إرخاصًا: إذا يسّره وسهّله . والمعنى: صار توجيه رسول الله -ﷺ - هذا تسهيلًا لنا، وتخييرًا بين الفطر والصوم، ولذلك صاروا على قسمين، كما قال: (فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أفطَرَ) أي حيث رأوها رخصة غير ملزمة للفطر. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فكانت رخصة»؛ يعني: أنهم لم يفهموا من هذا الكلام الأمر بالفطر، ولا الجزم به، وإنما نبَّه به على أن الفطر أولى لمن خاف الضعف. وسُمِّي هذا رخصة بناءً على أن كل مكلف مخاطبٌ بصوم رمضان، كما قد أفهمه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو بالنسبة إليهم؛ إذ قد كان النبيّ -ﷺ- قد صام حين خروجه من المدينة، وصام الناس معه إلى أن بلغ الكَدِيد، كما تقدَّم، فلما خاف عليهم الضعف نبههم على جواز الفطر، وأنه الأفضل، فسُمّي ذلك رخصة بالنسبة إلى ترك ما كانوا قد اختاروه من الصوم، ولما فهموا: أن هذا من باب الرُّخص كان منهم من هو موفور القوّة فصام، وكان منهم من خاف على نفسه فأفطر. ثم بعد ذلك قال لهم: «إنكم مُصَبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا». قال: «وكانت عزمة»؛ أي: أنهم فهموا من أمره بالفطر أنه جزم، ولا بدَّ منه، وأنه واجب، فلم يصم منهم أحد عند ذلك فيما بلغنا، ولو قدّر هنالك صائم لاستحقُّوا أن يقال لهم: «أولئك العصاة»، وقد حَمَل بعض علمائنا قوله: «أولئك العصاة» على هذا، بناءً على أن منهم من صام بعد الأمر بالفطر، ولم يُسمع ذلك في حديث مرويّ، وانما هو تقدير من هذا القائل. انتهى . (ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ) -ﷺ- («إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ) أي ملاقوهم صباحًا، يقال: صبّحتُ فلانًا بالتشديد: إذا أتيته وقت الصباح (وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفطِرُوا) هذا أمر بالإفطار، وهو للوجوب، ولذا قال: (وَكَانَتْ) أي تلك الحال، وهي الفطر، أو مقالته -ﷺ - هذه (عَزْمَةً) بفتح فسكون: خلاف الرخصة، يقال: عزم على الشيء، وعَزَمه عَزْمًا، من باب ضرب: عَقَد ضميره على فعله، وعَزَمَ عزيمة، وعَزْمَة: اجتَهَد، وجدَّ في أمره، وعزيمة الله تعالى: فريضته التي افترضها، والجمع: عزائم . وقيل: معنى «عزمة»: أي فريضة؛ لأن الجهاد كان فرضًا في ذلك، وكان حاصلًا بالإفطار، والصوم كان جائزًا لهم، وترك الفرض لأجل الجائز لم يكن جائزًا لهم. انتهى. (فَأَفطَرْنَا) أي أفطر كلّ الصحابة الذين صاموا في المرّة الأولى، والذين لم يصوموا؛ لكون الأمر عزيمة، فلا يجوز الترخّص فيه؛ لأن الله تعالى توعّد من خالف أمره بالعقاب، فقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال المناويّ ﵀: وأخذ من تعليله -ﷺ- بدنوّ العدوّ، واحتياجهم إلى القوّة التي يَلْقَوْن العدوّ بها أن الفطر هنا للجهاد، لا للسفر، فلو وافاهم العدوّ في الحضر، واحتاجوا إلى التقوّي بالفطر جاز، على ما قيل؛ لأنه أولى من الفطر بمجرد السفر، والقوّةُ ثَمّ تخص المسافر، وَهُنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر. انتهى . (ثمَّ قَالَ) أبو سعيد -﵁- (لَقَدْ رَأَيْتُنَا) أي رأيت أنفسنا أيها الصحابة -﵃- (نَصُومُ مَعَ رَسُولِ الله -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ) هذا يدلّ على ثبوت استمرار التخيير لهم بين الصوم والفطر في السفر غير حالة دنوّهم من عدوّهم. وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن الصوم هو الأصل والأفضل، وأن الفطر إنما كان لعلة وسبب، ولما زال ذلك رجع إلى الأفضل. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁ - هذا من أفراد المصنّف:. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٦٢٤، (١١٢٠)] و(أبو داود) في «الصوم» (٢/ ٣١٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٤٦٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٤٢٧ و٢/ ١٩٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٩٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٢٥٧)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ١١٠)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٣/ ١٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٤٢)، وفوائد الحديث تقدّمت في الأحاديث السابقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَاب التخْيِيرِ: في الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ في السَّفَرِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٥] (١١٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَل حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍ والْأَسْلَمِيُّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَن الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفطِرْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد، أبو الحارث المصريّ الإمام، ثقةٌ ثبثٌ فقيه حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، وليث مصريّ، وقُتيبة بغلانيّ. ٤ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ -﵁- أنَّهَا قَالَتْ: سَأَل حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ) هو: حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلميّ، أبو صالح، ويقال: أبو محمد المدنيّ. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبي بكر، وعمر -﵄-، وعنه ابنه محمد، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، وسليمان بن يسار، وأبو مُراوح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال البخاريّ في «التاريخ»: حدّثني أحمد بن الحجاج، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة الأسلميّ، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - ليلة ظلماء، دُحْمُسة ، فأضاءت أصابعي، حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لَتُنير، قال ابن سعد وغيره: مات سنة (٦١) وهو ابن (٧١) سنةً، وقيل: إنه بلغ ثمانين. أخرج البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثه الآتي في الباب. وقولها: (سَأَل حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ) وفي رواية البخاريّ: «أن حمزة بن عمر الأسلميّ قال للنبيّ -ﷺ- …»، قال في «الفتح»: قوله: «أن حمزة بن عمرو الأسلميّ» هكذا رواه الحفاظ عن هشام، وقال عبد الرحيم بن سليمان عند النسائيّ، والدراورديّ عند الطبرانيّ، ويحيى بن عبد الله بن سالم عند الدارقطنيّ، ثلاثتهم عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵁-، عن حمزة بن عمرو -﵁-، فجعلوه من مسند حمزة -﵁-، والمحفوظ أنه من مسند عائشة -﵂-. وَيحْتَمِل أن يكون هؤلاء لم يَقْصِدوا بقولهم: «عن حمزة» الرواية عنه، وإنما أرادوا الإخبار عن حكايته، فالتقدير عن عائشة، عن قصة حمزة، أنه سأل … إلخ، لكن قد صَحّ مجيء الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن أبي مُراوح، عن حمزة، وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عروة، لكنه أسقط أبا مُراوح، والصواب إثباته، وهو محمول على أن لعروة فيه طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مُراوح، عن حمزة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أخرج الإمام مالك ﵀ هذا الحديث في «الموطّأ»، فقال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال لرسول الله -ﷺ-: «يا رسول الله إني رجل أصوم أفأصوم في السفر؟ …» الحديث، فجعله مرسلًا؛ لأن عروة لم يشهد السؤال. قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: هكذا قال يحيى، عن مالك، عن هشام، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو، وقال سائر أصحاب مالك: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال: يا رسول الله أصوم في السفر؛، وكان كثير الصيام، والحديث محفوظ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، كذلك رواه جماعة عن هشام، منهم: ابنُ عيينة، وحماد بن سلمة، ومحمد بن عجلان، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى القطان، ويحيى بن هاشم، ويحيى بن عبد الله بن سالم، وعمرو بن هاشم، وابن نمير، وأبو أُسامة، ووكيع، وأبو معاوية، والليث بن سعد، وأبو ضمرة، وأبو إسحاق الفزاريّ، كلهم رووه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، كما رواه جمهور أصحاب مالك، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂-. ورواه أبو معشر المدنيّ، وجرير بن عبد الحميد، والمفضل بن فَضالة، كلهم عن هشام، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو. كما رواه يحيى، عن مالك سواءً، حدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمد بن الجهم، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو معشر المدنيّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال: جئت إلى النبيّ -ﷺ-، فسألته، فقلت: يا رسول الله، إني رجل أصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». ورَوَى ابن وهب في «موطئه» قال: أخبرني عمرو بن الحرث، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي مُراوح، عن حمزة بن عمرو الأسلميّ، أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصيام في السفر، فهل عليّ من جناح؛ فقال رسول الله -ﷺ-: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، فهذا أبو الأسود، وهو ثبتٌ في عروة وغيره، قد خالف هشامًا، فجعل الحديث عن عروة، عن أبي مُراوح، عن حمزة، وهشامٌ يجعله عن عروة، عن عائشة، وفي رواية أبي الأسود ما يدلّ على أن رواية يحيى ليست بخطأ. وقد روى سليمان بن يسار هذا الحديث عن حمزة بن عمرو الأسلميّ، وسنّه قريب من سنّ عروة، والحديث صحيح لعروة، وقد يجوز أن يكون عروة سمعه من عائشة، ومن أبي مُراوح جميعًا عن حمزة، فحدّث به عن كل واحد منهما، وأرسله أحيانًا، والله أعلم. انتهى كلام أبي عمر بن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن الحديث صحيح من رواية عروة عن عائشة قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلميّ رسول الله -ﷺ-، ومن روايته، عن أبي مراوح، عن حمزة بن عمرو الأسلميّ -﵁-، أنه قال: يا رسول الله … إلخ. والحاصل أنه صحيح، من مسند عائشة -﵂-، ومن مسند حمزة -﵁- نفسه، وأما رواية عروة أن حمزة بن عمرو … إلخ، المذكورة في «الموطا»، فمانها مرسلة، كما سبق بيانه، فتفظن، والله تعالى أعلم. (رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَن الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ) وفي رواية حماد بن زيد التالية: «إني رجلٌ أسرُد الصوم، أفاصوم في السفر؟»، وفي رواية أبي مُراوح الآتية: «قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصيام في السفر، فهل عليّ جُناح؟». قال ابن دقيق العيد ﵀: ليس في قوله: «أأصوم في السفر … إلخ» تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر. قال الحافظ ﵀ وهو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مُراوح الآتية عند مسلم، أنه قال: يا رسول الله أجد بي قُوّة على الصيام في السفر، فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، وهذا يشعر بانه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أن الرخصة إنما تُطلق في مقابلة ما هو واجب، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه، وأُكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- وأنا أجد القوّة، وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أؤخِّره، فيكون دينًا عليّ؟ فقال: «أيَّ ذلك شئت يا حمزة». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور فيه ضعف؛ لأن في سنده محمد بن حمزة بن عمرو مجهول الحال، كما قال ابن القطان، بل ضعّفه ابن حزم، وإن لم يوافق عليه، فتنبّه. (فَقَالَ) -ﷺ- («إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفطِرْ») قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث التخيير للصائم في رمضان، إن شاء أن يصوم في سفره، وإن شاء أن يفطر، وهو أمر مُجْمَعٌ عليه، من جماعة فقهاء الأمصار، وهو الصحيح في هذا الباب، وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال: دعا عمر بن عبد العزيز سالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، فسألهما عن الصيام في السفر، فقال عروة: يصوم، وقال سالم: لا يصوم، فقال عروة: إنما أحَدِّث عن عائشة -﵂-، وقال سالم: إنما أُحَدِّث عن عبد الله بن عمر -﵂-، قال: فلما امتريا قال عمر: اللهم غَفْرًا، صُمْه في الْيُسْر، وأفطره في العسر. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله -ﷺ- لحمزة بن عمرو: «إن شئت صم، وإن شئت فأفطر»؛ نص في التخيير، ولا يقال: يَحْتَمِل أنه سأله عن سرد صوم التطوع لوجهين: أحدهما: قوله في الرواية الأخرى: «هى رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، ولا يقال في التطوّع مثل هذا. والثاني: أن حديثه هذا خرَّجه أبو داود، وقال فيه: يا رسول الله! إني صاحب ظهر، أسافر عليه، وأكريه في هذا الوجه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم أهون من أن أؤخره فيكون دينًا عليّ، أفأصوم يا رسول الله! أعظم لأجري أو أفطر؛ فقال: «أي ذلك شئت يا حمزُ»، وهذا نصٌّ في أنه صوم رمضان. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت ما في هذا الحديث من الضعف، ولكن سياق الروايات يدلّ على أنه أراد صوم رمضان، فتأملّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٦٢٥ و٢٦٢٦ و٢٦٢٧ و٢٦٢٨ و١٢٦٢٩ (١١٢١)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٤٢ و١٩٤٣)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٠٢)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧١١)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٨٧ - ١٨٨) و«الكبرى» (٢/ ١٠٧ و١٠٨ و١٠٩)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٦٦٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٩٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢/ ٥١٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ١٠١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٦ و١٩٣ و٢٠٢ و٢٠٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٨ - ٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٠٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥٦٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٩٧)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢/ ١٥٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩٦ و٢٢٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٩٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣/ ١٥٢ و١٥٣ و١٥٤ و١٥٥ و١٥٦ و١٥٧) و«المعجم الصغير» (٢/ ٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١٨/ ٨ و٣١٧)، و(إسحاق ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ١٦٦ و١٦٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٤٣) و«المعرفة» (٣/ ٣٩٢ و١٣٩٣، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٦٠)، وفوائد الحديث تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، وَهُوَ ابْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍ والْأَسلَمِيُّ سَأَلَ رَسُولَ الله -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي رَجُل أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أفَاَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ : «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأفطِرْ إِنْ شِئْتَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَسْرُد الصوم) أي أتابعه -يعني آتي به متواليًا- والمراد ما عدا الأيام المنهيّة، وهو من سَرَد يَسْرُد، من باب نصر ينصر، وقال ابن التين: وضُبِط في بعض الأمهات بضم الهمزة، ولا وجه له في اللغة، إلَّا أن يريد بفتح السين، وتشديد الراء، على التكثير. قيل: وفيه ردٌّ على من يرى أن صوم الدهر مكروه؛ لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه النبيّ -ﷺ-، بل أقرّه، وأَذِنَ له في السفر، ففي الحضر أولى. وتُعُقّب بأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، فإن ثبتٌ النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح، قاله في «الفتح». [فإن قلت]: إذنه -ﷺ- هذا لحمزة بن عمرو -﵄- يعارضه نهيه -ﷺ- عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄ -. [أجيب]: يحمل نهيه على ضعف عبد الله بن عمرو عن ذلك، بخلاف حمزة؛ لأنه ذكر أنه يجد قوّة على الصوم، فأذن له لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٧] (…) - (وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ: إِنِّي رَجُل أَسْرُدُ الصَّوْمَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم في الباب الماضي. و«هشام» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن هشام هذه ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في (مسنده«(٢/ ١٦٨) فقال: (٦٦٨) - أخبرنا أبو معاوية، نا هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن حمزة السلمييّ ، سأل رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله، إني رجل أَسْرُد الصوم في السفر، فقال:«إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٨] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدثنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَابم، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَن حَمْزَةَ قَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ، أفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِنَانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٦/ ٨١٧. و«هشام» ذُكر قبله. وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) معناه أن أبا بكر بن أبي شيبة روى عن شيخين، وهما ابن نمير، وعبد الرحيم بن سلمان، وقد شاركه أبو كريب في شيخه ابن نمير، فقوله: «وقال أبو بكر … إلخ»؛ يعني أنه زاد عبد الرحيم على ابن نمير. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ) الضمير لابن نُمير، وعبد الرحيم. [تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في «سننه» (٥/ ١٦٦) فقال: (١٦٥٢) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد الله بن نُمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سأل حمزة الأسلميّ رسول الله -ﷺ-، فقال: إني أصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال -ﷺ- «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». انتهى. وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام، فساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى» (٢/ ١١٠) فقال: (٢٦١٣) - أنبا عليّ بن الحسن اللانيّ الكوفيّ، قال: أنبا عبد الرحيم، قال: حدّثنا هشام، عن عروة، عن عائشة، عن حمزة بن عمرو، أنه قال: يا رسول الله، إني رجل أصوم، فأصوم في السفر؟ قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢٩] (١١٢١) - (وَحَدَّثَنى أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثنَا، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ -﵁- أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَام فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ»، قَالَ هَارُونُ فِي حَدِيثِهِ: «هِيَ رُخْصَةٌ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مِنَ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح، تقدّم قريبًا. ٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْب) عبد الله، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٣. ٦ - (أَبُو مُرَاوحٍ) الغفاريّ، ويقال: الليثيّ المدنيّ، يقال: اسمه سعد، ثقةٌ [٣] (خ م ق) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٢٣٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟) بضمّ الجيم: أي إثم. وقوله: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ) الضمير للإفطار، وإنما أنثه باعتبار الخبر، والكلام جاء على اعتقاد السائل، فلا يلزم أن ظاهره ترجيح الإفطار، حيث قال: «فحسنٌ»، وقال في الصوم: «فلا جناح عليه»، قاله السنديّ ﵀ . وقال القرطبيّ: ﵀: قوله -ﷺ-: «هو رخصة من الله» دليلٌ على أن الخطاب بالصوم متوجه لجميع المكلفين؛ المسافرين وغيرهم، ثم رُخِّص لأهل الأعذار بسببها، وبيان ذلك: أن الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم الجزم مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب، كما تقوله في إباحة الميتة عند الضرورة، وبهذا يتحقق بطلان قول من قال: إن صوم المسافر لا ينعقد، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال القاري ﵀: قوله: «ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» في مغايرة العبارة بين الشرطين إشارة لطيفة إلى أفضلية الصوم؛ إذ كان ظاهر المقابلة أن يقول: «فحسن»، أو «فأحسن»؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، بل مقتضى كون الأوّل رخصةً، والثاني عزيمةً أن يُعْكَس في الجزاء بأن يقال في الأوّل: فلا جناح عليه، وفي الثاني فحسن، لكن أريد المبالغة؛ لأن الرخصة إذا كانت حسنًا، فالعزيمة أولى بذلك، ولعله -ﷺ- علم بنور النبوّة أن مراد السائل بقوله: «فهل عليّ جناح؟» أي في الصوم، ويدل عليه ما تقدّم من قوله: «إني أجد بي قوّةً على الصيام»، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٠] (١١٢٢) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ -﵁-، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ -ﷺ- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي حَرّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ الله -ﷺ-، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م دس ق) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم) القُرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، لكنه اختَلَط بآخره [٧] (ت ١٦٧) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن أبي المهاجر أقرم المخزوميّ مولاهم الدمشقيّ، أبو عبد الحميد، مؤدِّب ولد عبد الملك، ثقةٌ [٤]. أدرك معاوية، وهو غلام صغير وغيره، ورَوَى عن أنس، وعبد الرحمن بن غَنْم، وفَضالة بن عُبيد، وفي سماعه منه نظر، وميسرة مولى فَضالة، وأبي صالح الأشعريّ، وكريمة بنت الحسحاس، وأم الدرداء. ورَوَى عنه ربيعة بن يزيد، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبوه، والأوزاعيّ، وخلق. روى أبو حاتم أن الأوزاعيّ قال: كان مأمونًا على ما حدّث، وكان سعيد بن عبد العزيز إذا حَدَّث عنه قال: كان ثقةٌ صدوقًا، وقال المفضل الغلابيّ: هو ممن يُرْضَى به في الحديث، وقال العجليّ، والفسويّ، ومعاوية بن صالح، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال خليفة في تسمية عُمّال عمر بن عبد العزيز: ثم ولي إسماعيل بن عبيد الله مولى بني مخزوم البربر، فقَدِمَها سنة مائة، فأسلم عامة البربر في ولايته، وكان حسن السيرة. وقال أبو مسهر: مات في خلافة مروان، وقال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣١)، وكان مولده سنة (٦١). قال الحافظ: فعلى هذا لا يكون أدرك معاوية، وقال ابن حبّان في «الثقات»: مات سنة (١٣٢) قبل دخول عبد الله بن عليّ بثلاثة أشهر. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (أمُّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى، زوج أبي الدرداء، اسمها هُجَيمة، ويقال: جهيمة بنت حُعَى الأوصابية الدمشقية، ثقةٌ [٣]. رَوَت عن زوجها، وسلمان الفارسيّ، وفَضالة بن عُبيد، وأبي هريرة، وكعب بن عاصم، وعائشة -﵂-. ورَوَى عنها جبير بن نفير، وهو أكبر منها، وابن أخيها مَهْديّ بن عبد الرحمن، ومولاها أبو عمران الأنصاريّ، وسالم بن أبي الجعد، وزيد بن أسلم، وغيرهم. ذكرها ابن سُميع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أبا مسهر يقول: أم الدرداء الصغرى هُجيمة بنت حُييّ الوَصّابية، وأم الدرداء الكبرى خيرة بنت أبي حَدْرَد، وقال أبو أحمد العَسّال: أم الدرداء الصغرى هي يُروَى عنها الحديث الكثير، وكانت أم الدرداء الكبرى صحابيةً، وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، وأم جابر: كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء، تختلف مع أبي الدرداء في بُرْنُس تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حِلق القرّاء، حتى قال لها أبو الدرداء: الْحَقِي بصفوف النساء، وقال أبو الزاهرية، عن جُبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: إنك خطبتني إلى أبويّ في الدنيا، فأنكحوني، وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: عليك بالصيام، وقال رُديح بن عطية المقدسيّ، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن أم الدرداء: أن رجلًا أتاها، فقال: إن رجلًا نال منك عند عبد الملك، فقالت: إن يؤثر بما ليس فينا، فطالما زُكِّينا بما ليس فينا، وقال عبد ربه بن سليمان بن زيتون: حجّت أم الدرداء سنة إحدى وثمانين، وقال ابن حبان في «الثقات»: كانت تقيم ستة أشهر ببيت المقدس، وستة أشهر بدمشق، وماتت بعد سنة إحدى وثمانين، وكانت من العابدات، ووقع عند البيهقي اسمها حمامة، فينظر. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٢٢) وأعاده بعده، و(٢٥٩٨) وأعاده أيضًا بعده، و(٢٧٣٢) وكرّره ثلاث مرّات. ٦ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، اختُلف في اسم أبيه، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقبه، الصحابيّ الشهير، مات -﵁- في آخر خلافة عثمان -﵁-، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في «الصلاة» ١٠٩٨/ ٤٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وإسماعيل بن عبيد الله، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، غير شيخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، روت عن زوجها. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى التابعيّة، هُجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ الوصّابية، في رواية أبي داود: «حدّثتني أم الدرداء»، فصرّح إسماعيل بالتحديث. [تنبيه]: لأبي الدرداء -﵁- امرأتان كلتاهما يقال لها: أم الدرداء، إحداهما رأت النبيّ -ﷺ-، وهي الكبرى، واسمها: خيرة بنت أبي حدرد، وماتت قبل أبي الدرداء، والثانية: هي الصغرى، واسمها هجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ الوصّابية، تزوّجها أبو الدرداء بعد النبيّ -ﷺ-، وهي تابعيّة تروي عن زوجها، وسلمان، فتنبّه. (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁-) عُويمر بن زيد -﵁-، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول الله - ﷺ -) وفي الرواية التالية: «لقد رأيتني مع رسول الله -ﷺ- في بعض أسفاره في يوم شديد الحرّ»، وفي رواية البخاريّ: «خرجنا مع النبيّ -ﷺ- في بعض أسفاره» (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) قال في «الفتح» ما حاصله: أن بقوله هنا: «في رمضان» يتم المراد من الاستدلال؛ يعني الاستدلال على ردّ قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، ويتوجه أيضًا الردّ بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا. قال الحافظ: وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح؛ لما رأيت في «الموطأ» من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رجل من الصحابة، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- بالْعَرْج في الحرّ، وهو يصب على رأسه الماء، وهو صائم من العطش، ومن الحرّ، فلما بلغ الكديد أفطر، فإنه يدلّ على أن غزاة الفتح كانت في أيام شدّة الحرّ، وقد اتَّفَقَت الروايتان على أن كلًّا من السفرتين كان في رمضان، لكنني رجعت عن ذلك، وعرفت أنه ليس بصواب؛ لأن عبد الله بن رواحة -﵁- استُشْهِد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبيّ -ﷺ-، فصح أنها كانت سفرة أخرى، وأيضًا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمرُّوا من الصحابة صيامًا كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده. وأخرج الترمذيّ من حديث عمر -﵁-: غزونا مع النبيّ -ﷺ- في رمضان يوم بدر، ويوم الفتح … الحديث، ولا يصح حمله أيضًا على بدر؛ لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم. وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قَوِي عليه، ولم يُصِبه منه مشقةٌ شديدةٌ. انتهى . (فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ) «حتى» بيان لغاية شدّهْ الحرّ، و«إِنْ» مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت في خبرها اللام الفارقة بينها وبين «إن» النافية، قال في «الخلاصة»: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبًّا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا … فَلَا تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا (كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا) نافية؛ أي لم يوجد (فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير وكان شاعرًا، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، شَهِدَ بدرًا، واستُشهِد بمؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وكان ثالث الأمراء بها، وله ذكر في «صحيح مسلم»، ولا رواية له، وقد تقدّم في (١٠/ ٢١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٦٣٠ و٢٦٣١، (١١٢٢)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٤٥)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٠٩)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٦٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مسنده» (١/ ٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٩٤ و٦/ ٤٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٠١)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٣٠١)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ١٦٠)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ١٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٤٥) و«المعرفة» (٣/ ٣٩٣)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣١] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الدِّمَشْقِي، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَقَدْ رَأَيتُنَا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارر، فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عباد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٣. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: عثمان بن حيّان بن مَعْبد بن شدّاد بن نعمان بن رَبَاح بن سعد بن ربيعة بن عامر بن يربوع بن غيط بن مُرّة بن عوف الْمُزنيّ -بضم الميم، بعدها زاي -أبو المغراء- بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة- الدمشقيّ مولى أم الدرداء، ويقال: مولى عتبة بن أبي سفيان . رَوَى عن أم الدرداء، وعنه هشام بن سعد، وقال: كان رجلًا من أهل الخير، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد البزار، وعبد الله بن سليمان، قال ابن وهب، عن مالك: بعث ابن حيان، وهو أمير المدينة إلى محمد بن المنكدر وأصحابه، فضربهم لما كان من كلامهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وقال ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيان بالمدينة، وقرة بن شريك بمصر، امتلأت والله الأرض جَوْرًا، وقال ابن عساكر: استعمله الوليد على المدينة، وكان في سيرته عُنْف، وقال الواقديّ: نزع سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيّان عن المدينة سنة (٩٦) وكانت إمرته عليها ثلاث سنين، وقال خليفة: ولي عثمان بن حيان الصائفة سنة (١٠٣)، وغزا قيصرة من أرض الروم سنة (١٠٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات»، مات سنة (١٥٠). انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: خالف الحافظ ﵀ عادته في «التقريب»، فإنه كان يذكر طبقة الراوي، وتوثيقه، أو ضدّه، وهنا لم يذكر لا طبقة، ولا توثيقًا، بل أشار إلى ضدّه بقوله: وكان عمر بن عبد العزيز يصفه بالجور. [فإن قلت]: كيف أخرج له المصنّف مع كونه مجروحًا؟ [قلت]: إنما أخرج له متابعةً، لا أصالةً، فإن الحديث رواه إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء في السند الماضي، وأيضًا إنما أتى به لعلوّه، فإنه أعلى من السند الماضي بدرجة، والله تعالى أعلم. والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث، ومسائله ذُكرت قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٢] (١١٢٣) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَاسٍ، عَنْ أمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَن نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيى) التيميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عُمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. ٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ) هو: عمير بن عبد الله الهلاليّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى أم الفضل، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (خ م د س) تقدم في «الحيض» ٢٧/ ٨٢٨. ٥ - (أمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ) لبابة بنت الحارث بن حَزْن الهلاليّة، زوج العبّاس -﵂-، وأخت ميمونة زوج النبيّ -ﷺ-، ماتت في خلافة عثمان -﵁- (ع) تقدمت في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٣٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعمير، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) وفي الرواية التالية: «مولى أم الفضل»، قال في «الفتح»: قوله: «عمير مولى أم الفضل»، هو عمير مولى ابن عباس، فمن قال: مولى أم الفضل، فباعتبار أصله، ومن قال: مولى ابن عباس فباعتبار ما آل إليه حاله؛ لأن أم الفضل هي والدة ابن عباس، وقد انتَقَلَ إلى ابن عباس ولاءُ موالي أمه. انتهى. وقال النوويّ ﵀: الظاهر أنه مولى أم الفضل حقيقةً، ويقال له: مولى ابن عباس، وقال البخاريّ وغيره من الأئمة: هو مولى أم الفضل حقيقةً، ويقال له: مولى ابن عباس؛ لملازمته له، وأخذه عنه، وانتمائه إليه، كما قالوا في أبي مُرّة: مولى أم هانئ بنت أبي طالب، يقولون أيضًا: مولى عقيل بن أبي طالب، قالوا: للزومه إياه، وانتمائه إليه، وقريب منه مِقْسَم مولى ابن عباس، ليمس هو مولاه حقيقةً، وإنما قيل: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: وليس لِعُمير في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد أخرجه أيضًا في «الحج» في موضعين، وفي «الأشربة» في ثلاثة مواضع، وحديث آخر تقدم في التيمم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت في ترجمته في «كتاب الحيض، باب التيمّم» برقم [٢٧/ ٨٢٨] أنه ليس له عند مسلم إلا حديثان، حديث في «التيمّم»: «أقبل رسول الله -ﷺ- من نحو بئر جمل …»، وحديث الباب، وقد كرّره مرّتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ أُمِّ الْفَضْل) كنية لبابة (بِنْتِ الْحَارِثِ) كُنيت بأكبر أولادها الفضل بن عبّاس -﵃- (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا) أي اختلفوا، وتجادلوا، ووقع عند الدارقطنيّ في «الموطآت» من طريق أبي نوح، عن مالك: «اختَلَف ناس من أصحاب رسول الله -ﷺ-» (عِنْدَهَا) أي عند أم الفضل (يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) هذا يشعر بان صوم يوم عرفة كان معروفًا عندهم، معتادًا لهم في الحضر، وكانّ مَن جَزَم بأنه صائم استَنَدَ إلى ما أَلِفَه من العبادة، ومَن جَزَم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرًا، وقد عُرِف عدم صومه عن الفرض في السفر فضلًا عن النفل، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ ﵀: وسبب هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب النبيّ -ﷺ- في صوم يوم عرفة، وسبب الاشتغال بعبادة الحج، فشكُّوا في حاله، فارتفع الشك لَمّا شرب، وفُهِم: أن صوم عرفة إنما يكون فيه ذلك الفضل بغير عرفة، وأن الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقة عبادة الحج، وقد روى النسائي عن أبي هريرة -﵁- قال: نَهَى رسول الله -ﷺ- عن صيام يوم عرفة بعرفة ، وهذا لما قلناه، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِم، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ) بضمّ التاء للمتكلّم، وسيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بِنت الحارث - ضي الله عنها- هي التي أرسلت، فيَحْتَمِل التعدد، وَيحْتَمِل أنهما معًا أرسلتا، فنُسب ذلك إلى كل منهما؛ لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك؛ لكشف الحال في ذلك، ويَحْتَمِل العكس، وسيأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال، ولم يُسَمَّ الرسول في طُرُق حديث أم الفضل، لكن رَوَى النسائيّ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄- ما يدلّ على أنه كان الرسول بذلك، ويُقَوِّي ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أَرْسَل إما أمه، وإما خالته، قاله في «الفتح» . (بِقَدَحِ لَبَنٍ) تقدّم أن القدح بفتحتين: إناء يُروي الرجلين (وَهُوَ وَاقِفٌ) جملة في محل نصب على الحال (عَلَى بَعِيرِهِ) بفتح الموحّدة، وقد تُكسَر: مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، فيقال: حلبت بعير، والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، وقد تقدم تمام البحث في هذا في «كتاب الحيض، باب التيمّم» [٢٧/ ٨٢٢]. (بِعَرَفَه) زاد أبو نعيم في «مستخرجه» من طريق يحيى بن سعيد، عن مالك: «وهو يخطب الناس بعرفة»، وللبخاريّ في «الأشربة»، من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن أبي النضر: «وهو واقف عشية عرفة»، ولأحمد، والنسائيّ، من طريق عبد الله بن عباس، عن أمه، أم الفضل: «أن رسول الله -ﷺ- أفطر بعرفة». و«عَرَفَةُ»: بفتحات: موضع وقوف الحجّاج، ممنوعة من الصرف؛ للعلميّة والتانيث، ولا يدخلها الألف واللام، قيل: جمعها عَرَفات، قال الفيّوميّ ﵀: و«عَرَفاتُ»: موضع وقوف الْحَجِيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، وُيعْرَب إعراب مسلماتٍ، ومؤمناتٍ، والتنوين يشبه تنوين المقابلة، كما في باب مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضى المنع من الصرف، وهو العلمية والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام، وبعضهم يقول: «عرفةُ» هي الجبل، و«عرفاتُ» جمع: عرفة؛ تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات، وعَرَّفوا تعريفًا وقفوا بعرفاتٍ، كما يقال: عَيَّدُوا: إذا حضروا العيد، وجَمَّعُوا: إذا حضروا الجمعة. انتهى . وقال في «القاموس»: و«عَرَفاتُ»: موقف الحاج في اليوم التاسع من ذي الحجة، على اثني عشر ميلًا من مكة، وغَلِطَ الجوهريّ، فقال: موضع بمنى، سُمِّيت؛ لأن آدم وحواء تعارفا بها، أو لقول جبريل لإبراهيم ﵇ لَمّا عَلَّمَه المناسك: أعرفت؟ قال: عرفتُ، أو لأنها مُقَدَّسة معظّمة، كأنها عُرِّفَت؛ أي طُيِّبَتْ، وهو اسم في لفظ الجمع، فلا يُجْمَعُ، معرفة، وإن كان جمعًا؛ لأن الأماكن لا تزول، فصارت كالشيء الواحد، مصروفةٌ؛ لأن التاء بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون. انتهى . (فَشَرِبَهُ) أي شرب النبيّ -ﷺ- ذلك اللبن. قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: مَحْمِل هذا الحديث عندنا أنه كان بعرفة، وقد رُوي ذلك منصوصًا، وإذا كان بعرفة فالفطر أفضل تاسيًا برسول الله -ﷺ-، وقوّةً على الدعاء، وقد قال -ﷺ- «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة»، ونَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة، وتخصيصه بعرفة دليلٌ على أن غير عرفة ليست كذلك، وقد رُوي عنه -ﷺ- فضل صوم عرفة، وأنه يكفّر سنتين، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم الفضل -رضي الله عنهام- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٦٣٢ و٢٦٣٣ و٢٦٣٤ و٢٦٣٥، (١١٢٣)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٦٥٨ و١٦٦١) و«الصوم» (١٩٨٨) و«الجهاد» (٥٦٠٤٠ و٥٦١٨ و٥٦٣٦)، و(أبو داود) في «الصوم» (١٤٤١)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٧٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٢٨٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٣٩ و٣٤٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٨٢٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٠٤)، و«الطبرانيّ» في «الكبير» (٢٥/ ٢٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الفطر للواقف بعرفة، قال الإمام ابن القيّم ﵀: وقد ذُكِر لفطره -ﷺ- في عرفة عدّةُ حِكَم: منها: أنه أقوى على الدعاء. ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم، فكيف بنفله. ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة، وقد نُهِي عن إفراده بالصوم، فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدًا لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان صومه؛ لكونه يوم عرفة، لا يوم جمعة، قال: وكان شيخنا -يعني ابن تيميّة ﵀ يسلك مسلكًا آخر، وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه، كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختصّ بمن بعرفة دون أهل الآفاق، قال: وقد أشار النبيّ -ﷺ- إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل «السنن»: «يومُ عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهلَ الإسلام»، ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك الجمع؛ لاجتماعهم فيه، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): استحباب الوقوف راكبًا، قال النوويّ ﵀: وهو الصحيح في مذهبنا، ولنا قول: إن غير الركوب أفضل، وقيل: إنهما سواء. ٣ - (ومنها): جواز الشرب قائمًا وراكبًا. ٤ - (ومنها): إباحة الهدية للنبيّ -ﷺ-. ٥ - (ومنها): إباحة قبول هدية المرأة المزوَّجة الموثوق بدينها، ولا يشترط أن يسأل: هل هو من مالها أم من مال زوجها؟، أوأنه أذن فيه أم لا؟ إذا كانت موثوقًا بدينها، قاله النوويّ ﵀. وقال في «الفتح» بعد ذكر نحو هذا ما نصّه: ولعل ذلك من القدر الذي لا يقع فيه المشاححة، قال المهلَّب: وفيه نظر؛ لما تقدم من احتمال أنه من بيت ميمونة زوج النبيّ -ﷺ- انتهى . ٦ - (ومنها): أن تصرّف المرأة في مالها جائزٌ، ولا يشترط إذن الزوج، سواء تصرَّفت في الثلث، أو أكثر، قال النوويّ ﵀: وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا تتصرف فيما فوق الثلث إلا بإذنه، وموضع الدلالة من الحديث أنه -ﷺ- لم يسأل: هل هو من مالها، وَيخرُج من الثلث، أو بإذن الزوج أم لا؟، ولو اختَلَف الحكم لسأل. انتهى . ٧ - (ومنها): أن العيان أقطع للحجة، وأنه فوق الخبر. ٨ - (ومنها): أن الأكل والشرب في المحافل مباحٌ، ولا كراهة فيه؛ للضرورة. ٩ - (ومنها): أن فيه تأسي الناس بأفعال النبيّ -ﷺ-. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة البحث، والاجتهاد في حياته -ﷺ-. ١١ - (ومنها): مشروعيّة المناظرة في العلم بين الرجال والنساء، والتحيّل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال. ١٢ - (ومنها): أن فيه بيان فِطنة أم الفضل -﵂-؛ لاستكشافها عن الحكم الشريع بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال؛ لأن ذلك كان في يوم حرّ بعد الظهيرة. قال ابن الْمُنَيِّر ﵀ في «الحاشية»: لم ينقل أنه -ﷺ- ناول فضله أحدًا، فلعله عَلِم أنها خصته به، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد. انتهى. ولا يخفى بُعده، وقد وقع في حديث ميمونة -﵁-: «فشرب منه»، وهو مشعر بأنه لم يستوف شربه منه، وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: لعل استبقاءه لِما في القدح كان قصدًا؛ لإطالة زمن الشرب حتى يعمّ نظر الناس إليه؛ ليكون أبلغ في البيان. ١٣ - (ومنها): مشروعيّة الركوب في حال الوقوف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صوم يوم عرفة: قال النوويّ ﵀: مذهب الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور العلماء استحباب فطر يوم عرفة بعرفة للحاجّ، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، والثوريّ. قال: وكان ابن الزبير، وعائشة يصومانه، ورُوي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وكان إسحاق يميل إليه، وكان عطاء يصومه في الشتاء دون الصيف، وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. واحتَجّ الجمهور بفطر النبيّ -ﷺ- فيه، ولأنه أرفق بالحاجّ في آداب الوقوف، ومهمات المناسك. واحتَجّ الآخرون بالأحاديث المطلقة أن صوم عرفة كفارة سنتين، وحمله الجمهور على من ليس هناك. انتهى . وقال في «الفتح»: واستُدِلّ بهذين الحديثين -يعني حديث أم الفضل، وحديث ميمونة -﵂ - على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأن فعله المجرد لا يدلّ على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيء المستحبّ؛ لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، نعم رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، من طريق عكرمة، أن أبا هريرة -﵁- حدثهم: أن رسول الله -ﷺ- «نَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة». وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال: يجب فطر يوم عرفة للحاجّ، وعن ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة -﵂- أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يُعْجِب الحسن، ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إذا لم يَضْعُف عن الدعاء، ونقله البيهقيّ في «المعرفة» عن الشافعيّ في القديم، واختاره الخطابيّ، والمتولي من الشافعية. وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء: من أفطوه ليتقوى به على الذكر، كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبريّ: إنما أفطر رسول الله -ﷺ- بعرفة؛ ليدل على الاختيار للحاجّ بمكة؛ لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة. وقيل: إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نُهِي عن إفراده بالصوم، ويُبعِده سياق أول الحديث. وقيل: إنما كُره صوم يوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل الموقف؛ لاجتماعهم فيه، ويؤيِّده ما رواه أصحاب «السنن» عن عقبة بن عامر -﵁- مرفوعًا: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهلَ الإسلام». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة؛ تاسّيًا بالنبيّ -ﷺ-، وأما حديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- «نَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة»، وإن صححه ابن خزيمة، إلا أن في سنده مهديًّا الهجريّ، فقد قال ابن معين: لا أعرفه، قاله في «التهذيب»، وكذا أبو حاتم، وقال ابن حزم: مجهول، نقله الذهبيّ في «الميزان» ، وقال في «التقريب»: مقبولٌ؛ أي حيث يتابع، ولم يتابع هنا، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنئه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٣] (…) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ»، وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي النضر هذه ساقها البخاريّ ﵀ في«صحيحه»فقال: (٥٢٨٢) - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، سمع سُفْيَانَ، أخبرنا سالِمٌ أبو النَّضْرِ، أَنَّهُ سمع عُمَيْرًا مولى أُمِّ الْفَضْلِ، يحدث عن أُمِّ الْفَضْلِ، قالت: شَكَّ الناس في صِيَامِ رسول اللهِ -ﷺ- يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلْتُ إليه بِإِنَاءٍ فيه لَبَنٌ، فَشَرِبَ، فَكَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا قال: شَكَّ الناس في صِيَامِ رسول اللهِ -ﷺ- يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إليه أُمُّ الْفَضْلِ، فإذا وُقِّفَ عليه قال: هو عن أُمِّ الْفَضْلِ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٤] (…) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِم أَبِي النَّضْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُّمِّ الْفَضْلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل باب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي النضر هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في «مستخرجه» (٣/ ٢٠٤) فقال: (٢٥٥٠) - حدّثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة (ح) وثنا أبو عمرو، ثنا الحسن، ثنا محمد بن خلاد، وشعيب بن يوسف، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن عُمير مولى أم الفضل، عن أم الفضل، أنهم تماروا في صوم رسول الله - ﷺ - يوم عرفة، فبَعَثت إليه بقدح من لبن، فشرب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - حَدَّثَهُ، أَنَّهُ [فائدة]: من القاعدة المفيدة في الفرق بين السفيانين ما نظمته في أبيات، فمن ذلك أن الراوي عن سفيان إذا كان من الطبقة التاسعة، كعبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، ويحيى القطّان ونحوهم، أو كان من كبار العاشرة، كمحمد بن كثير، فسفيان هو الثوريّ، وإن كان الراوي من الطبقة العاشرة، كإسحاق ابن راهويه، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، ونحوهم، فسفيان هو ابن عيينة، فانتبه لهذه القاعدة، واحفظ الأبيات المذكورة، وهي في «الفوائد السَّمِيَّة» ص (٤٩)، تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. سَمِعَ أمَّ الْفَضْلِ - ﵂ - تَقُولُ: شَكَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِهَا، مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَعْبٍ، فِيهِ لَبَنٌ، وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّة: وقد ذكروا قبله، فالثلاثة الأولون تقدموا في الباب الماضي، والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقولها: (فِي صِيَامِ يَوْم عَرَفَةَ) قال الفيّوميّ ﵀: و«يوم عرفة» تاسع ذي الحجة عَلَمٌ، لا يدخلها الأَلف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. انتهى . وقولها: (وَنَحْنُ بِهَا) أي بعرفة، كما هو المصرّح به في قولها: «وهو بعرفة». وقولها: (بِقَعْبٍ) بفتح، فسكون: إناء ضَخْمٌ، كالقَصْعَة، والجمعُ: قِعَاب، وأَقْعُبٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ وأَسْهُمٍ، قاله في «المصباح» . وقال في «القاموس»: الْقَعْبُ: الْقَدَح الضَّخْم الجافي، أو إلى الصِّغَر، أو يُرْوِي الرجل، جمعه أَقْعُبٌ، وقِعَابٌ، وقِعَبَة. انتهى . وقال في «اللسان»: «الْقَعْبُ»: القَدَح الضَّخْم الغليظ الجافي، وقيل: قَدَحٌ من خشب مُقَعَّر، وقيل: هو قَدَحٌ إلى الصغر، يُشَبَّه به الحافر، وهو يُروي الرجل، والجمع القليل أَقْعُب، وأنشد ابن الأعرابي [من الطويل]: إِذَا مَا أَتَتْكَ الْعِيرُ فَانْصَحْ فُتُوقَهَا … وَلَا تَسْقِيَنْ جَاريكَ مِنْهَا بِأَقْعُبِ والكثير قِعَابٌ، وقِعَبَةٌ، مثلُ جَبْءٍ وَجِبَأَةِ، قال ابن الأعرابيّ: أول الأَقْدَاح الْغُمَرُ، وهو الذي لا يبلغ الرِّيَّ، ثم الْقَعْبُ، وهو قد يُروِي الرجل، وقد يُروِي الاثنين، والثلاثة، ثم الْعُسّ. انتهى . والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى شرحه وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٦] (١١٢٤) - (وَحَدَّثَني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي، حَدَّثنا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِي - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: إِن النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَام رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «الحيض» ٢/ ٦٨٨. ٢ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، زوج النبيّ - ﷺ -، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ - ﷺ - ميمونة، تزوّجها بسَرِف سنة سبع من الهجرة، وماتت بها سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في «الحيض» ١/ ٦٨٧. والباقون ذُكروا قبل حديث. وقوله: (عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيَّ - ﷺ -) هي أخت أم الفضل المذكورة في الحديث الماضي وقوله: (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ) فيه العدول عن التكلّم إلى الغيبة؛ إذ المقام مقام الإضمار، فكان الأصل أن تقول: «فأرسلتُ إليه» بضمير المتكلّم، وهو الذي في «صحيح البخاريّ»، وإنما أظهرت للإيضاح، أو من باب التجريد. وقيل: يَحْتَمل أن يكون من كلام غريب، ولا يخفى بعده. وقوله: (بِحِلَاب اللّبَنِ) بكسر الحاء المهملة: هو الإناء الذي يُحلب فيه، ويقال له: الْمِحْلب، بكسر الميم ، وتمام شرح الحديث واضح يُعلم مما سبق في حديث أم الفضل - ﵂ -. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث - ﵂ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٦٣٦] (١١٢٤)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٨٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٤٥)، و(أبو عوانة) في «مستخرجه» (٣/ ٢٠٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) [تنبيهان]: (الأول): قال الفيّوميّ ﵀: عاشوراء: عاشر المحرّم، وفيها لغات: المدّ، والقصر مع الألف بعد العين، وعَشُوراء بالمد مع حذف الألف. انتهى . وقال في «القاموس»: والعاشوراء، والْعَشُوراءُ، ويُقصَران، والعاشورُ: عاشر المحرّم، أو تاسعه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: «عاشوراء»: وزنه فَاعُولاء، والهمزة فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخود من العشر الذي هو اسم العقد الأول، واليوم مضاف إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء، فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره. وقيل: هو التاسع. ويُسَمَّى: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء، وذلك أنهم: إذا وردوا الماء لتسعة سموه: عشرًا؛ وذلك أنهم: يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث قالوا: وَرَدت رِبْعًا. وإذا وردت في الرابع قالوا: وردت خِمْسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترِد فيه بعده، وهذا فيه بُعْد؛ إذ لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء، فتأمله. وعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السَّلف، وذهب قوم: إلى أنه التاسع، وبه قال الشافعي متمسِّكًا بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله. وذهب جماعة من السَّلف: إلى الجمع بين صيام التاسع والعاشر، وبه قال الشافعيّ قوله الآخر، وأحمد، وإسحاق، وهو قول من أشكل عليه التعيين، فجمع بين الأمرين احتياطًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . [التنبيه الثاني]: زعم ابن دُريد أن عاشوراء اسم إسلاميّ، وأنه لا يُعْرَف في الجاهلية، ورَدّ ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابيّ حَكَى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة - ﵂ - أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. انتهى، قال الحافظ: وهذا الأخير لا دلالة فيه على ردّ ما قال ابن دريد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن لفظ عاشورء مما استعملته العرب قبل الإسلام، وكذا سائر الألفاظ الشرعيّة، كالصلاة، والزكاة، والحج، ونحوها، فإنه كانت مستعملة عندهم في الجاهليّة، ثم جاء الإسلام فخاطبهم بما كانوا يعرفونه، ولذا لم يُسمع أنهم استفسروا النبيّ - ﷺ - في هذه الألفاظ، فلم يقولوا: ما الصلاة، وما الزكاة، وما الحج؛ وهكذا، بل بمجرّد أنْ خَاطَبَهُمْ بتلك الألفاظ أجاب من أجاب، وأبى من أبي. ولقد أجاد في هذا البحث القاضي عياض ﵀، حيث قال ما حاصله: إن ألفاظ العبادات واردة في الشرع على ما عَهِدَه أهل اللغة، خلافًا لجماهير المتكلّمين؛ إذ كانوا يصومون، وَيَعْرِفون الصوم، ويحجّون، ويعرفون الحجّ، فخاطبهم الشرع بما عَلِموه تحقيقًا، لا أنه أتاهم بألفاظ مؤتنقة ابتدعها لهم،
مصادر المؤلف (٤٧)

١. وفي نسخة «حدثنا».

٢. راجع: «المرعاة» ٧/ ٩.

٣. «الفتح» ٧/ ١٦٧ كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٩٠).

٤. «المفهم»٣/ ١٨٣.

٥. راجع:«المصباح المنير»١/ ٢٢٣.

٦. «المفهم» ٣/ ١٨٣.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٨.

٨. «فيض القدير» ٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦.

٩. «المفهم» ٣/ ١٨٤.

١٠. أي مظلمة شديدة الظلمة، قاله في «النهاية» ٢/ ١٠٦، وفي «القاموس» (٢/ ٢١٤): الدَحْمَس، كجَعْفر، وزِبْرِجٍ زو بُرْقُعٍ: الأسود من كلّ شيء، وليلةٌ دُحْمُسةٌ، وليلٌ دُحْمُسٌ: مظلم. انتهى.

١١. هو الحديث الآتي بعد ثلاثة أحاديث برقم [٢٦٢٩].

١٢. «الفتح» ٥/ ٣٣٣.

١٣. «التمهيد» ٢٢/ ١٤٦ - ١٤٧.

١٤. «الفتح» ٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤.

١٥. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٢/ ١٤٧ - ١٤٨.

١٦. وفي نسخة: «فقال».

١٧. هكذا النسخة، والمشهور أنه الأسلميّ، فليُحرّر.

١٨. وأخرجه أيضًا في «المجتبى» برقم (٢٣٠٥).

١٩. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٤/ ١٨٨.

٢٠. «المفهم» ٣/ ١٧٩.

٢١. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٤٥٩.

٢٢. «الفتح» ٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.

٢٣. هكذا في «التقريب، لم يذكر له طبقةً، ولا توثيقًا.

٢٤. «شرح النوويّ» ٨/ ٣ - ٤.

٢٥. تقدّم أن الحديث ضعيف.

٢٦. «المفهم» ٣/ ١٨٩.

٢٧. «الفتح» ٥/ ٤٢٤.

٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥.

٢٩. «القاموس المحيط» ٣/ ١٧٣.

٣٠. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢١/ ١٥٧.

٣١. «زاد المعاد» ٢/ ٧٧ - ٧٨.

٣٢. «الفتح» ٥/ ٤٢٥.

٣٣. «شرح النووي» ٨/ ٢/ ٣.

٣٤. «الفتح» ٥/ ٤٣٥ - ٤٣٦.

٣٥. «شرح النوويّ» ٨/ ٢.

٣٦. «الفتح» ٥/ ٤٢٥.

٣٧. «ميزان الاعتدال» ٤/ ١٩٥.

٣٨. كون سفيان هنا هو الثوريّ هو الصواب، وأما في السند الماضي فهو ابن عيينة، وقد وقع هنا في برنامج الحديث خطأ حيث أثبتت ترجمة ابن عيينة، وهو غلط فاحش، وقد صرّح الحافظ المزيّ ﵀ بما ذكرته في «تحفة الأشراف» (١٢/ ٤٤) فراجعه.

٣٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥.

٤٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٠.

٤١. «القاموس المحيط» ١/ ١١٨.

٤٢. «لسان العرب» ١/ ٦٨٣ - ٦٨٤.

٤٣. وفي نسخة: «بنت الحارث».

٤٤. «شرح النوويّ» ٤/ ٨.

٤٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٢.

٤٦. «القاموس المحيط» ٢/ ٨٩.

٤٧. «المفهم» ٣/ ١٩٠.