HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٣٦

وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ. قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ، الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ. وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. فَكُنَّا، بَعْدَ ذَلِكَ، نَصُومُهُ. وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ. فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عند الإفطار.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص152
ج ٢ ص ٧٩٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٢٣٨
وابعَثُوا إلى أهل الْعَرُوض، فليُتموا بقيّة يومهم» ، على أن من ثبت له هلال رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ، ويجزئه، وبناه على أن عاشوراء كان فرضًا أوّلًا، وقد أُمروا أن يمسكوا في أثناء النهار، قال: وحكم الفرض لا يتغيّر. قال الحافظ: ولا يخفى ما يَرِدُ عليه مما قدمناه. وألحق بذلك من نسي أن ينوي من الليل؛ لاستواء حكم الجاهل والناسي. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم ﵀، هو الراجح الذي يؤيده الدليل الواضح البيّن، وما ادعاه الحافظ من أنه يَرِدُ عليه ما تقدم غير مقبول؛ لأن ما قدّمه من ترجيح عدم كون صوم عاشوراء فرضًا، غير مسفم، فتنبّه. والحاصل أن الصوم فرضه ونفله لا يصحّ إلا بنيّة من الليل، إلا ما خصّ بحديث الباب، ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٢٦٦٩] (١١٣٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ»، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِن الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ) الرَّقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن المدنيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ [٥]. رَوَى عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء، ولها صحبة، وأم الدرداء الصغرى، وأيوب بن بشير بن كعب. ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وبشر بن المفضل، وعبد الواحد بن زياد، وأبو معشر البراء، ومحبوب بن الحسن، ومحمد بن دينار الطائيّ. قال إسحاق بن منصور، وعثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال: هو أحبّ إليّ من عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، قليل الحديث، محلّه الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجوأنه لا بأس به وبرواياته، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: ما أدري لأيّ شيء ذكره ابن عدي في «الكامل». انتهى. وابن عديّ أشعر كلامه بأنه تَبع البخاريُّ في ذلك، وقد قال ابن خزيمة عقب حديثه في الصيام الذي رواه عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: خالد بن ذكوان حسن الحديث، وفي القلب منه. انتهى. وقال في «الفتح»: هو تابعيّ صغير، وليس له من الصحابة سماعٌ، من سوى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وهي من صغار الصحابة، ولم يُخرِج البخاريّ من حديثه عن غيرها. انتهى . أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ) وعفراء أم مُعَوِّذ، وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النّجّار، الأنصارية، رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، وعنها ابنتها عائشة بنت أنس بن مالك، وخالد بن ذكوان، وسليمان بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وعبادة بن الوليد بن عبادة، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، قال ابن أبي خيثمة، عن أبيه: كانت من المبايعات تحت الشجرة. أخرج لها الجماعة، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقه، وهو (١٦٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذيّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: (عَنْ الرُّبَيِّعِ) وفي الرواية التالية: «سألت الربيّع»، وهي بضمّ الراء، وتشديد الياء التحتانيّة، مصغّرًا (بنْتِ مُعَوِّذِ) بضمّ الميم، وتشديد الواو المكسورة (ابْنِ عَفْرَاءَ) تقدّم أن عفراء أَم مُعوِّذ، أنها (قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غَدَاةَ عَاشُورَاءَ) أي صباح يوم عاشوراء، قال الفيّوميّ ﵀: الغداة: الضحوة، وهي مؤنّثةٌ، قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حاملٌ على معنى أوَّل النهار جاز له التذكير، والجمع: غَدَوات. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: إنما خصَّ هذا الوقت بالإرسال؛ لأنه الوقت الذي أُوحي إليه فيه في شأن صوم عاشوراء، وهذا مما يدلّ على أنه كان واجبًا؛ إذ لا ينتهي الاعتناء بالندب غالبًا إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء، والأمر به، وبيان أحكامه، والإبلاع لمن بَعُدَ، وشدة التهمم. ولما فهمت الصحابة - ﵁ - هذا التزموه، وحملوا عليه صغارهم الذين ليسوا بمخاطبين بشيء من التكاليف تدريبًا، وتمرينًا، ومبالغة في الامتثال والطواعية، على أن جمهور من قال من العلماء: إن الصغار يؤمرون بالصلاة وهم أبناء سبع، ويُضْرَبون عليها وهم أبناء عشر؛ ذهبوا إلى أنهم: لا يؤمرون بالصوم لمشقته عليهم، بخلاف الصلاة. وقد شذَّ عروة فقال: إن من أطاق الصوم منهم وجب عليه، وهذا مخالف لما عليه جمهور المسلمين؛ ولقوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ﴾ [النور: ٥٩]. انتهى. (إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ) المراد قُرى المدينة، وهي بضمّ القاف، مقصورًا: جمع قرية، قال الفيّوميّ ﵀: القرية: هي الضيعة، وقال في «كفاية المتحفّظ»: القَرْية: كلُّ مكان اتَّصَلت به الأبنية، واتُّخِذ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها، والجمع: قُرى على غير قياس، قال بعضهم: لأن كلّ ما كان على فَعْلَة من المعتلّ فبابه أن يُجمَع على فِعَالٍ بالكسر، مثلُ ظَبْية وظِبَاء، ورَكْوَة ورِكاء، والنسبة إليها قَرَويّ بفتح الراء على غير قياس. انتهى . وقد تقدّم في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - المذكور قبله أن الرجل الذي أرسله النبيّ - ﷺ - إلى تلك القرى هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ - ﵁ -. (الَّتى حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ»، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ) أي يوم عاشوراء (وَنُصَوِّمُ) بتشديد الواو، مبنيًّا للفاعل (صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ) أي نجعلهم صائمين (إِنَّ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي مع الصبيان (فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ) بضمّ اللام، وسكون العين المهملة: اسم لما يُلعَبُ به، قال الفيّوميّ ﵀: لَعِبَ يَلْعَبُ لَعِبًا بفتح اللام، وكسر العين، ويجوز تخفيفه بكسر اللام، وسكون العين، قال ابن قُتيبة: ولم يُسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون، واللُّعْبة، وزانُ غُرْفة: اسمٌ منه، يقال: لمن اللُّعْبَةُ، وفَرَغَ من لُعْبَته، وكلُّ ما يُلعب به، فهو لُعْبَةٌ، مثلُ الشِّطْرَنج، والنَّرْد، وهو حَسَنُ اللِّعْبة بالكسر للحال والهَيئة التي يكون الإنسان عليها. انتهى . وقولها: (مِنَ الْعِهْنِ) بيان للُّعْبة، وهو بكسر العين المهملة، وسكون الهاء: أي الصوف، وقد فسّره البخاريّ في رواية المستملي في آخر الحديث، وقيل: العِهْن الصوف المصبوغ، قاله في «الفتح» . (فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ) أي فقده الطعام (أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: «عند الإفطار»، قال القاضي: فيه محذوف، وصوابه حتى يكون عند الإفطار، فبهذا يتم الكلام، وكذا وقع في البخاريّ من رواية مسدّد، وهو معنى ما ذكره مسلم في الرواية الأخرى: «فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللُّعبة، تلهيهم حتى يُتِمُّوا صومهم» . وفي رواية البخاريّ: «أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار»، قال في «الفتح»: هكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان، ووقع في رواية مسلم: «أعطيناه إياه عند الإفطار»، وهو مشكل، ورواية البخاريّ توضِّح أنه سقط منه شيء، وقد رواه مسلم من وجه آخر عن خالد بن ذكوان، فقال فيه: «فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم»، وهو يوضح صحة رواية البخاريّ. ووقع لمسلم شك في تقييده الصبيان بالصغار، وهو ثابت في «صحيح ابن خزيمة» وغيره، وتقييده بالصغار لا يخرج الكبار، بل يُدخلهم من باب أولى، وأبلغ من ذلك ما جاء في حديث رَزِينة -بفتح الراء، وكسر الزاي- أن النبيّ - ﷺ - كان يأمر مرضعاته في عاشوراء، ورضعاء فاطمة، فيتفل في أفواههم، ويأمر أمهاتهم أن لا يُرْضِعن إلى الليل، أخرجه ابن خزيمة، وتوقف في صحته، وإسنادُه لا بأس به. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ - ﵄ - هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٦٦٩ و٢٦٧٠] (١١٣٦)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٦٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٥٩ و٣٦٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٧٠٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٣٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٢٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٢٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٨٨) و«المعرفة» (٣/ ٤٣٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تأكّد صوم يوم عاشوراء. ٢ - (ومنها): بيان أن عاشوراء كان فرضًا قبل أن يُفْرَض رمضان، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في ذلك. ٣ - (ومنها): بيان مشروعية تمرين الصبيان على الصيام؛ لأن من كان في مثل السن الذي ذُكِر في هذا الحديث فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين، وأغرب القرطبيّ، فقال: لعل النبيّ - ﷺ - لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بذلك؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة، وما تقدّم من حديث رَزِينة يردّ عليه، مع أن الصحيح عند أهل الحديث، وأهل الأصول أن الصحابيّ إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله - ﷺ - كان حكمه الرفعَ؛ لأن الظاهر اطلاعه - ﷺ - على ذلك، وتقريرهم عليه، مع توفّر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف، والله تعالى أعلم، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الصبيان: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب الصوم على من دون البلوغ، واستَحَبّ جماعة من السلف، منهم ابن سيرين، والزهريّ، وبه قال الشافعيّ أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحُدُّ ذلك عند أصحاب الشافعيّ بالسبع والعشر كالصلاة، وعند إسحاق حدُّه اثنتا عشرة سنةً، وعند أحمد في رواية: عشر سنين، وقال الأوزاعيّ: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يَضْعُف فيهنّ حُمِل على الصوم، والمشهور عند المالكية أنه لا يُشْرَع في حق الصبيان. وقال ابن بطّال: أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادات والفرائض، إلَّا عند البلوغ، إلَّا أن أكثر العلماء استحسنوا تدريب الصبيان على العبادات؛ رجاء البركة، وأنهم يعتادونها، فتَسْهُل عليهم؛ إذا لَزِمتهم، وأن من فعل ذلك بهم مأجور. وقال في «الأشراف»: اختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبيّ بالصيام، فكان ابن سيرين، والحسن، والزهريّ، وعطاء، وعروة، وقتادة، والشافعيّ يقولون: يؤمر به إذا أطاقه، ونُقِل عن الأوزاعيّ مثل ما ذكرنا الآن، واحتَجَّ بحديث ابن أبي لبيبة، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة، فقد وجب عليه صيام رمضان». وقال ابن الماجشون: إذا طاقوا الصيام أُلْزِموه، فإذا أفطروا بغير عذر ولا علة، فعليهم القضاء. وقال أشهب: يستحب لهم إذا أطاقوه، وقال عروة: إذا أطاقوا الصوم وجب عليهم، قال عياض: وهذا غلط، يردّه قوله - ﷺ -: «رُفِع القلم عن ثلاثة …» ، فذكر الصبيّ حتى يحتلم، وفي رواية: «حتى يبلغ»، ذكره في «العمدة» . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يجب على الصبيّ شيء من العبادات حتى يبلغ، وأما ما ذُكر في الباب من حديث الربَيِّع - ﵄ - فللتمرين، ودليل الجمهور حديث: «رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل»، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٧٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثنا أَبُو مَعْشَرٍ الْعَطَّارُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رُسُلَهُ فِي قُرَى الْأَنْصَارِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَنَصْنَعُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ، حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مَعْشَرٍ الْعَطَّارُ) يوسف بن يزيد البَرّاء -بتشديد الراء- البصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٦]. رَوَى عن عبيد الله بن الأخنس، وسعيد بن عبد الله بن جبير بن حيَّة، وخالد بن ذكوان، وأبي حازم بن دينار، وموسى بن دهقان، وعثمان بن غياث، وغيرهم. ورَوَى عنه زيد بن الخطاب، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وأبو كامل فُضيل بن حسين الجحدريّ، ومحمد بن أبي بكر المقدميّ، ولُوَين، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال أبو داود: ليس بذاك، وقال علي بن الجنيد، عن محمد بن أبي بكر المقدميّ: ثنا أبو معشر البرّاء، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به البخاريّ، والمصنف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رُسُلَهُ … إلخ) لم يسمّ منهم أحد، إلا ما تقدّم أنه رجل من أسلم، وهو هند بن أسماء. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ إلخ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير أبي معشر. وقوله: (تُلْهِيهِمْ) أي تَشْغَلهم.
مصادر المؤلف (١٢)

١. حديث صحيح، أخرجه النسائيّ برقم (٢٣٢٠).

٢. «الفتح» ٥/ ٣٦٦.

٣. «الرُّبَيِّع» بضم الراء، وتشديد الياء، مصغّرًا، و«مُعَوِّذ» بضمّ الميم، وتشديد الواو المكسورة، بصيغة اسم الفاعل.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٣.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠١.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٤.

٧. «الفتح» ٥/ ٣٦٧.

٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤.

٩. «الفتح» ٥/ ٣٦٧.

١٠. «الفتح» ٥/ ٣٦٧.

١١. حديث صحيح.

١٢. «عمدة القاري» ١١/ ٦٩ - ٧٠.