[تنبيه]: رواية أبي معشر، عن خالد بن ذكوان هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٤٣٥) فقال:
(٢٥٩٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو معشر العطار، عن خالد بن ذكوان، قال: سألت الرُّبَيِّعَ بنت مُعَوِّذ بن عفراء، عن صوم يوم عاشوراء، فقالت: بعث رسول الله - ﷺ - في قرى الأنصار، قال: «من أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مُفْطِرًا فليتم صومه آخر يومه». قالت: فلم نزل نصومه بعدُ، ونُصَوِّم صبياننا، وهم صغار، ونصنع لهم اللُّعْبة من الْعِهْن، فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللُّعْبة، تلهيهم حتى يتموا صومهم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٤) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ الْأَضْحَى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٧١] (١١٣٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَجَاءَ، فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِن هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في السند الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) اسمه سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى
عبد الرحمن بن أزهر المدنيّ، ثقةٌ [٢]، وقيل: له إدراك تقدم في «الإيمان» (ع) ٧٣/ ٣٩٠.
٥ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ) - ﵁ - الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد الخلفاء الراشدين، والسابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: «مولى بني أزهر»، وعزاه في «الفتح» إلى مسلم، وليس في النسخ التي بين أيدينا إلا الأول.
وقال البخاريّ بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو عبد الله: قال ابن عُيينة: من قال: مولى ابن أزهر، فقد أصاب، ومن قال: مولى عبد الرحمن بن عوف، فقد أصاب. انتهى.
قال في «الفتح»: كلام ابن عيينة هذا حكاه عنه عليّ ابن المدينيّ في «العلل»، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده»، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال: عن أبي عُبيد مولى ابن أزهر، وأخرجه الحميديّ في «مسنده»، عن ابن عيينة: حدّثني الزهريّ، سمعت أبا عُبيد، فذكر الحديث، ولم يَصِفْه بشيء، ورواه عبد الرزاق في «مصنّفه»، عن معمر، عن الزهريّ، فقال: عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، وكذا قال جويرية، وسعيد الزبيريّ، ومكيّ بن إبراهيم، عن مالك، حكاه أبو عمر، وذكر أن ابن عيينة أيضًا كان يقول فيه كذلك.
وقال ابن التين: وجه كون القولين صوابًا ما رُوي أنهما اشتركا في ولائه، وقيل: يُحْمَل أحدهما على الحقيقة، والآخر على المجاز، وسبب المجاز إما بأنه كان يُكثر ملازمة أحدهما، إما لخدمته، أو للأخذ عنه، أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى ملك الآخر، وجزم الزبير بن بكار بأنه كان مولى عبد الرحمن بن عوف، فعلى هذا فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازية، ولعلها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرحمن بن عوف، واسم ابن أزهر أيضًا عبد الرحمن، وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وقيل: ابن أخيه. انتهى .
(أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ) زاد في رواية البخاريّ من طريق يونس، عن الزهريّ: «يوم الأضحى» (مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطابِ ﵁، فَجَاءَ) أي عمر (فَصَلَّى) أي صلاة العيد (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي إلى محلّ خطبته (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ) ولفظ البخاريّ: «هذان يومان»، وفيه التغليب، وذلك أن الحاضر يشار إليه بـ «هذا»، والغائب يشار إليه بـ «ذاك»، فلما أن جمعهما اللفظ قال: هذان، تغليبًا للحاضر على الغائب .
(نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا) وقوله: (يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ) برفع «يومُ» إما على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أحدهما، أو على البدل من قوله: «يومان»، وفي رواية يونس المذكورة عند البخاريّ: «أما أحدهما فيوم فطركم»، قيل: وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم، وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرَّب بذبحه؛ ليؤكل منه، ولو شُرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعَبَّر عن علة التحريم بالأكل من النسك؛ لأنه يستلزم النحر، ويزيد فائدة التنبيه على التعليل، قيل: ويُستنبَطُ من هذه العلة تعيّن السلام للفصل من الصلاة، أفاده في «الفتح».
(وَالْآخَرُ) أي اليوم الثاني من اليومين المنهيّ صومهما، وهو مبتدأ خبره قوله: (يَوْمٌ) يَحْتَمل أن يكون منوّنًا، والجملة بعده صفته، ويَحْتَمِل أن يكون
مضافًا إلى ما بعده، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، وعليه يجوز أن يُعرب؛ لإضافته إلى الفعل المعرب، ويجوز بناؤه؛ نظرًا لإضافته إلى الجملة، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله:
وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً إِلَى الْجُمَلْ … «حَيْثُ» وَ«إِذْ» وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ
إِفْرَادُ «إِذْ» وَمَا كَـ «إِذْ» مَعْنًى كَـ «إِذْ» … أَضِفْ جَوَازًا نَحْوُ «حِينَ جَا نُبِذْ»
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلِ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
(تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ) - ضم السين وسكونها-: أي أضحيتكم، قال في «القاموس»: النَسْكُ مثلّثةً، وبضمتين: العبادةُ وكلُّ حقٍّ لله تعالى، وقد نَسُكَ، كنَصَرَ، وكَرُمَ، وتنسّك نُسْكًا، مثلّثةً، وبضمتين، ونَسْكَةً، ومَنْسَكًا، ونَسَاكَةً، والنُّسُكُ بالضم، وبضمتين، وكسَفِينة: الذبيحةُ أو النسك: الدم، والنَّسِيكة: الذبح، وكمَجْلِسٍ، ومَقْعَد: شِرْعَةُ النَّسْكِ، ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]: مُتَعَبَّدَاتنا، ونَفْسُ النسك، وموضغ تُذْبَحُ فيه النَّسِيكة. انتهى .
وقال في «الفتح»: المراد بالنسك هنا: الذبيحةُ المتقرَّب بها. انتهى.
[تنبيه]: هذا الحديث عند المصنّف ﵀ مختصر، وقد ساقه البخاريّ ﵀ في «الأضاحي» من «صحيحه» مطوّلًا، فقال:
(٥١٤٥) - حدّثنا حِبّان بن موسى، أخبرنا عبد الله، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: حدّثني أبو عبيد مولى ابن أزهر: أنه شَهِد العيد يوم الأضحى، مع عمر بن الخطاب - ﵁ -، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس إن رسول الله - ﷺ - قد نهاكم عن صيام هذين العيدين: أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون من نسككم، قال أبو عبيد: ثم شَهِدت العيد مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن هذا يومٌ قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أَذِنتُ له، قال أبو عبيد: ثم شَهِدته مع علي بن أبي طالب، فصلى
قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث. انتهى.
وقد أورده مسلم في «الأضاحي» برقم (١٩٦٩) مختصرًا على حديث عليّ - ﵁ - الأخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٦٧١] (١١٣٧)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٩٠) و«الأضاحي» (٥٥٧١)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤١٦)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٧١)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٢٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٧٨ - ١٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٠١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٠٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢١٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٧) و«المعرفة» (٣/ ٤٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٢٠١)، و(البغويّ) في شرح السنّة«(١٧٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم صوم يومي العيد، سواء النذر، والكفارة، والتطوع، والقضاء، والتمتع، وهو بالإجماع، قال الإمام أبو عمر ﵀: لا خلاف بين العلماء في صحة هذا الحديث، واستعماله، وكلهم مُجْمِعٌ على أن صيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، لا يجوز بوجه من الوجوه، لا للمتطوع، ولا لنذر صومه، ولا أن يقضي فيهما رمضان؛ لأن ذلك معصية، وقد صح عنه - ﷺ - أنه قال:»لا نذر في معصية الله»، رواه مسلم، وإنما اختَلَف الفقهاء في صيام أيام التشريق للمتمتع، والناذر صومها، وقضاء رمضان فيها، والتطوع بآخر يوم منها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: صيام أيام التشريق محرّم أيضًا إلا لمتمتّع فاتته صيام ثلاثة أيام على الراجح؛ لصحّة الحديث بذلك، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على مشروعيّة الأكل من الضحايا، وسائر النسك، قال أبو عمر ﵀: وإن كان في قول الله ﷿: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ما يغني عن قول كل قائل، إلا أني أقول: الأكل من الهدي بالقرآن، ومن الضحية بالسنة. انتهى .
٣ - (ومنها): استحباب اهتمام الإمام في خطبة العيد ببيان أحكام العيد للناس حتى يكونوا عالمين بالسنة، وعاملين بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نذر صوم يومي العيد:
اختلفوا فيمن نذر، فصام يوم عيد، فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي؛ فلو نذر صوم يوم قدوم زيد، فقَدِم يوم العيد، فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد، ويلزمه القضاء، وفي رواية يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعيّ: يقضي إلا أن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء، وإلا فلا، وتوقّف ابن عمر - ﵄ - عن جواب من سأله عن ذلك، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر - ﵄ -، فقال: رجل نذر أن يصوم يومًا، قال: أظنه قال: الاثنين، فوافق ذلك يوم عيد؛ فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبيّ - ﷺ - عن صوم هذا اليوم.
قال في «الفتح»: وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن: نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصيل الحاصل، فدلّ على أن صوم يوم العيد ممكنٌ، وإذا أمكن ثبتت الصحّة.