HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٤٥

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مولىِ سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ ابن الْأَكْوَعِ ﵁. قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مسكين [٢ / البقرة / الآية ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ. حَتَّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص154
ج ٢ ص ٨٠٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٢٨٧
هذا كلّه بالنسبة لقوله: «لا تختصّوا ليلة الجمعة بقيام»، وأما قوله: «ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام» فهو صحيح من حديث أبي هريرة، ومن حديث جابر - ﵄ -، كما هو في «الصحيحين»، ومن حديث غيرهما أيضًا، فتنبّه. ثم إنه يُجاب عن المصنّف بأنه أراد بإيراد هذا الطريق مجرّد تكثير طرق الحديث، كما أشار إليه أبو مسعود ﵀ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ بَيَانِ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ بِقَوْلهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٨٥] (١١٤٥) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا بَكْرٌ - يَعْني ابْنَ مُضَرَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ، وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَت الْآيَةُ الَّتى بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. ٢ - (بكر بن مضر) بن محمد، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في«الإيمان»٣٦/ ٢٤٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في«الإيمان»١٦/ ١٦٩. ٤ - (بكير) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدني، ثم المصريّ، ثقة [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في«الطهارة»٤/ ٥٥٤. ٥ - (يزيد مولى سلمة بن الأكوع) هو: ابن أبي عبيد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في«الصلاة»٥١/ ١١٤٠. ٦ - (سلمة بن الأكوع) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع -نُسب لجدّه- الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في«الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنِّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) هو ابن عمرو بن الأكوع نُسب لجدّه الصحابيّ الشهير - ﵁ -، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) قال القرطبيّ ﵀: اختُلِف في قراءتها، وفي معناها، فأما قراءتها: فالجمهور على: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله: يطوقونه، وكذلك قراءة حميد. ومشهور قراءة ابن عباس: «يُطَوَّقُونَه» بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو، وقد روي عنه: «يُطَّيَّقُونَهُ» بفتح الطاء والياء مشددتين، وقرأت عائشة، وطاووس، وعمرو بن دينار: «يُطيَّقُونَه» بفتح الطاء والياء مشددتين، وقرأت عائشة، وطاووس، وعمرو بن دينار: «تَطَّوقُونه». فأما قراءة الجمهور فمعناها: يَقدِرون عليه، وعلى هذا تكون الآية منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وعلقمة، والنخعيّ، والحسن، والشعبيّ، وابن شهاب. وقال السُّدي: هم الذين كانوا يطيقونه، وهم بحال الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم، وهي عنده محكمة، وتلزم الشيوخ عنده الفدية. ونحوه عن ابن عباس، وزاد: المريض الذي لا يقدر على الصوم، وعضد هذا بقراءته المذكورة قبل. قال القاضي أبو محمد بن عطية: الآية عند مالك؛ إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم، فترك، فعليه الفدية. وحكى الطبري عن عكرمة: أنه كان يقرؤها: «وعلى الذين يطيقونه فأفطروا». وأما قراءة: «يُطوَّقُونَه»؛ فمعناه: يُكَلَّفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل؛ فإنهما يقدران عليه؛ لكن بمشقة تلحق رضيعها، فذهب بعض الناس: إلى أنها محكمة لهؤلاء، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وقاله ابن عباس فيما حكاه عنه البخاريّ، وأبو داود، ورأيا: أنها ليست بمنسوخة؛ لكنها مثبتة للشيخ والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، وللحامل والمرضع. و«يُطيّوقونه» بالياء مكان الواو مشددة، مبنيًّا للمفعول، مثل: «يَتَطَوَّقُونه» في المعنى. فأما قراءة عائشة: فأصلها: «تَتَطَوَّقُونه» فأُدغمت التاء في الطاء، ومعناها: يتكففون ذلك بأنفسهم مع المشقة، ويرجع ذلك لما تقدَّم كالمريض ومن ذكر معه. فأما قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ففدية: مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: فعليهم فدية، أو خبر مبتدأ؛ أي: فحكمهم فدية، وقراءة نافع وابن عامر: «ففديةُ طعام مساكين» بإضافة ﴿فِدْيَةٌ﴾ إلى ﴿طَعَامُ﴾ وجمع ﴿مَسَاكينَ﴾. وقرأ هشام: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾، بتنوين ﴿فِدْيَةٌ﴾ ورفع ﴿طَعَامُ﴾ على أن الطعام بدل منها. وقرأ بقية السبعة كذلك، إلا أنهم وحّدوا ﴿مَسَاكينَ﴾ وهي قراءة حسنة؛ لأنها بيَّنت: أن الواجب في فطر يوم إطعام مسكين واحد، فأما الجمع فلا يعرف من مساق الآية هل هم -أعني: المساكين- بإزاء يوم واحد، أو بإزاء أيام؟ وإنما يعلم ذلك من دليل آخر. ثم اختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجب: فذهب مالك وجماعة من العلماء: إلى أنه مُدٌّ لكل مسكين بمدّ النبيّ - ﷺ -، وقد تقدَّم في الزكاة. وقال أشهب: مُدّ وثلث بمد أهل المدينة. وقال قوم: قوت يوم عشاء وسحور. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: نصف صاع من قَمْح، وصاع من تمر أو زبيب. وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: من تطوع بزيادة على إطعام مسكين، قاله ابن عباس وجماعة. وقال ابن شهاب: من أراد الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المد. و﴿خَيْرٌ﴾ الأول والثاني بمعنى: أَخْيَر، وأفضل، معناه: من تطوَّع بأكثر من ذلك فهو أفضل عند الله تعالى. وقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: الصوم خير. وكذلك قرأها أُبَيّ. ومعناه: أن الصوم أفضل وأولى من الفدية. انتهى . (كَانَ مَنْ أَرَادَ) زاد في رواية النسائيّ: «منّا» (أَنْ يُفْطِرَ) بضمّ أوله، من الإفطار (ويَفْتَدِيَ) خبر «كان» محذوف؛ أي فَعَلَ ذلك (حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) أي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥] (فَنَسَخَتْهَا) أي نسخت آية التخيير، وأوجبت الصوم على كلّ من شَهِد الشهر. حديثُ سلمة - ﵁ - هذا صريح في أن هذه الآية منسوخة، وثبت مثله عن ابن عمر - ﵄ -، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» من طريق نافع، عنه أنه قرأ: «فدية طعام مساكين» قال: «هي منسوخة». ورجّح النسخَ ابنُ المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مع أنه لا يُطيق الصيام. وقيل: إن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال البخاريّ تعليقًا: وقال ابن نمير: حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرّة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -: «نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا، ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخّص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم». وهذا التعليق وصله أبو نعيم في «المستخرج»، والبيهقيّ من طريقه، ولفظ البيهقيّ: قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة، ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كلّ شهر، حتى نزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فاستكثروا ذلك، وشقّ عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كلّ يوم ترك الصيام، ممن يُطيقه، ورخّص لهم في ذلك، ثم نسخه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فأُمروا بالصيام. قال الحافظ ﵀: وإذا تقرّر أن الإفطار والإطعام كان رخصة، ثم نُسِخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يلتئم مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والخيريّة لا تدلّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخير؟. أجاب الكرمانيّ ﵀ بأن المعنى: فالصوم خير من التطوّع بالفدية، والتطوّع بها كان سنّة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا؛ أي لا يكون شيء خيرًا من السنّة إلا الواجب، كذا قال، ولا يخفى بُعده، وتكلّفه، ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخيّر، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، فنصّت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيّر أفضل من بعض لا إشكال فيه. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: وقول سلمة بن الأكوع - ﵁ -: إن ذلك نسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، هذا مقبول من قول الصحابيّ؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، كما إذا قال: أُمِرَ ونُهِي، ووجه النسخ في هذا واضح؛ وهو: أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقًا، كما قال سلمة، وهذه الآية الأخرى جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر، رافعة لذلك التخيير. ومعنى: شهد الشهر؛ أي: حضر فيه مقيمًا في المصر، هذا قول جمهور العلماء، وعلى هذا يكون «الشهر» منصوبًا على الظرف، ويكون معناه عندهم: أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر، أو طرأ عليه فيه سفر؛ لم يجب عليه صومه. وروي عن عليّ، وابن عباس، وعبيدة السلماني: أن معنى ﴿مَنْ شَهِدَ﴾: من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام؛ وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في السفر. قال القرطبيّ: وهذا القول يردّه فطر النبيّ - ﷺ - وأصحابه في السَّفر الطارئ عليهم بفتح مكة، على ما تقدَّم، وقد كانوا ابتدؤوا الصوم في الحضر. وقال أبو حنيفة: من شهد الشهر بشروط التكليف فليصمه، ومن دخل عليه وهو مجنون، وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جُنَّ أول الشهر، أو آخره؛ فإنه يقضي أيام جنونه. قال القاضي أبو محمد بن عطية: ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصريح: يشهد. قال القرطبيّ: وتكميله أن يكون ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: شاهد. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٦٨٥ و٢٦٨٦] (١١٤٥)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٥٠٧)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٣١٥)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٩٨)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٩٠) و«الكبرى» (٢/ ١١٢ و٦/ ٢٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٢٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩٠٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نسخ التخيير بين الصوم والفدية لمن أطاق الصوم. ٢ - (ومنها): ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ٣ - (ومنها): التدرّج في تشريع الصوم، تسهيلًا على المكلّفين، فكان أول ما شُرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يُطعم أطعم وأفطر، حتى إذا أَلِفُوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأوجب الله عليهم صيامه، ونسخ الفدية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نسخ هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية: قال القاضي عياض ﵀: اختَلَف السلف هل هي محكمة، أو مخصوصة، أو منسوخة كلها أو بعضها؟ فقال الجمهور: منسوخة، كقول سلمة - ﵁ -، ثم اختَلَفوا هل بقي منها ما لم يُنسَخ؟: فرُوي عن ابن عمر والجمهور أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يطق الصوم لِكِبَر. وقال جماعة من السلف، ومالك، وأبو ثور، وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يُطِق الصوم إطعام، واستحبه له مالك. وقال قتادة: كانت الرخصة لكبير يقدر على الصوم، ثم نُسِخَ فيه، وبقي فيمن لا يطيق. وقال ابن عباس وغيره: نزلت في الكبير والمريض اللذين لا يقدران على الصوم، فهي عنده محكمة، لكن المريض يقضي إذا برئ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض. وقال زيد بن أسلم، والزهريّ، ومالك: هي محكمة، ونزلت في المريض يُفطر، ثم يبرأ، ولا يقضي حتى يدخل رمضان آخر، فيلزمه صومه، ثم يقضي بعده ما أفطر، ويطعم عن كل يوم مُدًّا من حنطة، فأما من اتَّصَل مرضه برمضان الثاني، فليس عليه إطعام، بل عليه القضاء فقط. وقال الحسن البصريّ وغيره: الضمير في ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ عائد على الإطعام، لا على الصوم، ثم نُسِخ ذلك فهي عنده عامّةٌ. ثم جمهور العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مدّ، وقال أبو حنيفة: مدّان، ووافقه صاحباه، وقال أشهب المالكيّ: مدّ وثلث لغير أهل المدينة، ثم جمهور العلماء أن المرض المبيح للفطر هو ما يَشُقّ معه الصوم، وأباحه بعضهم لكل مريض. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في «تفسيره» (١/ ٢١٦): وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كما قال معاذ - ﵁ -: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع - ﵁ -، أنه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يُفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. وروي أيضًا من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - قال: هي منسوخة. وقال السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله - ﵁ - قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ يقول: أطعم مسكينًا آخر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكانوا كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وأخرج البخاريّ عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضَعُف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا. وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان، وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية، فنَسَخت الأولى إلا الكبير الفاني، إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا، وأفطر. فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأما الشيخ الفاني الْهَرِم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا؛ إذا كان ذا جِدَة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية، كالصبيّ؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعيّ. والثاني -وهو الصحيح- وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاريّ، فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يُطق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كَبِر عامًا أو عامين، عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر، وهذا الذي علّقه البخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في «مسنده»، فقال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضَعُف أنس عن الصوم، فصَنَع جَفْنَةً من ثَرِيد، فدعا ثلاثين مسكينًا، فأطعمهم. ورواه عبد بن حميد، عن رَوْح بن عُبادة، عن عِمران، وهو ابن حُدَير، عن أيوب به، ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس، عن أنس بمعناه. انتهى كلام ابن كثير ﵀، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على أولادهما لو صامتا: قال الإمام الترمذيّ -بعد إخراجه حديث: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَن الْحَامِلِ، أو الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ»، وهو حديث صحيح- ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يفطران، ويُطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق. انتهى . وقال في «الفتح»: اختُلِفَ في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكِبَر، ثم قَوِي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ: يقضون، ويُطعمون، وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام. انتهى. وحكى ابن قُدامة، والزرقانيّ اتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية فيما إذا خافت الحامل، والمرضع على أنفسهما، قال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ١٣٩): إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء، فحسبُ، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وقال الزرقانيّ: إذا خافتا على أنفسهما، فلا فدية باتفاق أهل المذاهب، وهو إجماع؛ إلا عند من أوجب الفدية على المريض. انتهى. وأما إذا خافتا على ولديهما فقط، وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: (أحدها): يُطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، رواه أبو داود، والبزّار، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عباس، ومالكٌ، وابنُ أبي حاتم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، وهو أحد أقوال مالك. (الثاني): يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وبه قال عطاء، والزهريّ، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنخعيّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، والثوريّ، واستُدلّ لهم بحديث الباب. قال الجصّاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره - ﷺ - بأنّ وضعَ الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جَعَلَه من حكم المسافر هو بعينه جَعَلَه من حكم الحامل والمرضع؛ لأنه عطفهما عليه من غير استثناء ذكر شيء غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكمَ الحامل والمرضع. وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما؛ إذ لم يفصّل النبيّ - ﷺ - بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يُرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس، أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الجصّاص ﵀، حسنٌ جدًّا. (الثالث): يقضيان، ويُطعمان، وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، وهو ثاني أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد. (الرابع): إن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، وبه قال الليث، وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن الحمل متّصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها. (الخامس): يطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام. حكاه الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: يجب عليهما القضاء، فقط، دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يُجِب الله تعالى الإطعام عليه، فكذلك هما، وأيضًا فقد سوّى النبي - ﷺ - بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي، ولا إطعام عليه، كما تقدّم تقريره في كلام الجصّاص ﵀. والحاصل أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا لما ذُكر تقضيان، ولا فدية عليهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٢٦٨٦] (…) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
مصادر المؤلف (٥)

١. «المفهم» ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣.

٢. «المفهم» ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥.

٣. «إكمال المعلم» ٤/ ٩٩ - ١٠٠.

٤. انظر: الجامع ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣. بنسخة تحفة الأحوذيّ.

٥. أفاده في «المرعاة» ٧/ ١٥ - ١٦.