HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٤٧

وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عيسى. قالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قال «من مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص155
ج ٢ ص ٨٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٣١٢
منهنّ- كن يتهيأن له دائمًا، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله تعالى أعلم. ويستفاد من هذا: أن المرأة لا تصوم القضاء وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، وترتفع التوسعة. وقد قال بعض شيوخنا: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب؛ وإنما محمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع، فأما الواجبات فلا يحتاج فيها إلى إذن واحد. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَن الْمَيِّتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٩٢] (١١٤٧) - (وَحَدَّثَنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، المعروف بالتستريّ، صدوقٌ، تكُلّم فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤. ٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) الفقيه، أبو بكر المصريّ، قيل: اسم أبيه يسار، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ٤ أو ٥ أو ١٣٦) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٠/ ١٣٠٦. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في «الجمعة» ٢/ ١٩٥٨. ٧ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريبًا. ٨ - (عَائِشَةُ - ﵂ -) تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مز آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر، والباقون كلّهم مصريون. ٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ)»من«شرطيّة، والمراد من مات من المكلّفين بقرينة قوله: (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) لأن كلمة»على«للإيجاب، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والمعنى أن من مات، وعليه قضاء صوم، سواء كان قضاء رمضان، أو النذر، أو الكفارة (صَامَ عَنْهُ) أي عن الميت (وَليُّهُ») قال النوويّ ﵀: المراد بالوليّ القريب، سواء كان عصبةً، أو وارثًا، أو غيرهما، وقيل: المراد الوارث، وقيل: العصبة، والصحيح الأول، قال: ولو صام عنه أجنبيّ إن كان بإذن الوليّ صحّ، وإلا فلا في الأصحّ، ولا يجب على الوليّ الصوم عنه ، لكن يستحب. انتهى . وقال في «الفتح»: واختُلِف في المراد بقوله: «وليه»، فقيل: كلُّ قريب، وقيل: الوارث خا صّة، وقيل: عصبته والأول أرجح، والثاني قريب، ويردّ الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. قال: واختلفوا أيضًا هل يختص ذلك بالوليّ؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية، ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت، إلا ما ورد فيه الدليل، فيُقْتَصر على ما ورد فيه، ويبقى الباقي على الأصل، وهذا هو الراجح، وقيل: يختصى بالوليّ، فلوأمر أجنبيًّا بأن يصوم عنه أجزأ، كما في الحجّ، وقيل: يصحّ استقلال الأجنبيّ بذلك، وذِكرُ الوليّ؛ لكونه الغالب، وظاهر صنيع البخاريّ اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبريّ، وقوّاه بتشبيهه - ﷺ - ذلك بالدين، والدينُ لا يختصّ بالقريب. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عدم اختصاص القضاء بالوليّ هو الأرجح عندي، كما قال أبو الطيب الطبريّ ﵀، وكما هو ظاهر مذهب البخاريّ ﵀؛ لعدم ورود نصّ يمنع من ذلك، ولما ذكره أبو الطيّب ﵀، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن الميت، وأن النيابة تدخل في الصوم، وذهب إليه قوم، وهو قول قديم للشافعيّ، والجديد الذي عليه الأكثرون عدم دخول النيابة في الصوم؛ لأنها عبادة بدنية، والحديث لا يقتضي التخصيص بالنذر، كما ذكر أبو داود، عن أحمد بن حنبل، نعم قد ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي الإذن في الصوم عمن مات وعليه نذر بصوم، وليس ذلك بمقتضى للتخصيص بصورة النذر. = على الوجوب؛ لأن «صام عنه وليّه» خبر بمعنى الأمر، بل ورد بصيغة الأمر، والأمر للوجوب، ولا صارف له، وقد ذهب إليه طائفة من المحقّقين، وسيأتي تحقيقه، والله تعالى أعلم. قال: وقد تكلم الفقهاء في أن المعتبر في الولاية ما ورد في لفظ الخبر، أهو مطلق القرابة، أو بشرط العصوبة والإرث، وتوقف في ذلك إمام الحرمين، وقال: لا نقل عندي في ذلك، وقال غيره من فضلاء المتأخرين: وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث. قال: وقوله: «صام عنه وليه» قيل: ليس المراد أنه يلزمه ذلك، وإنما يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب «التهذيب» من مصنفي الشافعية، وحكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي محمد أبيه، وفي هذا بحث، وهو أن الصيغة صيغة خبر، أعني «صام»، ويمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف إلى الأمر، ويبقى النظر في أن الوجوب يتوقف على صيغة الأمر المعينة، وهي «افْعَلْ» مثلًا، أو يعمّها مع ما يقوم مقامها. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر يعم ما يقوم مقامها؛ لأنه بمعناها، فتأمل. وقال الحافظ ﵀: قوله: «صام عنه وليه» خبر بمعنى الأمر، تقديره: فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين، ومن تبعه، فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتدّ بخلافهم على قاعدته. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عدم الاعتداد بخلاف أهل الظاهر مما أحدثه بعض المتأخّرين، فقد كان السلف من عهد داود الظاهريّ ﵀ يعتدّون بهم، ويعقدون لهم مجالس للناظرة، وقد استوفيت هذا البحث في أبواب الطهارة من «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد علمًا. وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقد يؤخذ من الحديث أنه لا يصوم عنه الأجنبيّ، إما لأجل التخصيص مع مناسبة الولاية لذلك، وإما لأن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا يدخلها بعد الموت كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، وجب أن يُقْتَصَر فيها على ما ورد في الحديث، وَيجْرِي في الباقي على القياس، وقد قال أصحاب الشافعيّ: لوأمر الوليّ أجنبيًّا أن يصوم عنه بأجرة، أو بغير أجرة جاز، كما في الحجّ، فلو استقلّ به الأجنبي ففي إجزائه وجهان: أظهرهما المنع، وأما إلحاق غير الصوم بالصوم، فإنما يكون بالقياس، وليس أخذ الحكم منه من نصّ الحديث. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن رجّحت عدم اختصاص القضاء بالوليّ، كما قال أبو الطيب الطبريّ ﵀، وكما هو ظاهر مذهب الإمام البخاريّ ﵀؛ لعدم نصّ يمنع من ذلك، ولأنه - ﷺ - شبّهه بقضاء الدَّين، وهو لا يختصّ بالوليّ فقط، فكذا هذا، كما قال أبو الطيّب الطبريّ ﵀، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٦٩٢] (١١٤٧)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٥٢)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٠٠) و«الأيمان والنذور» (٣٣١١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٧٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٦٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٢٧١ - ٢٧٣)، و(ابن حبهان) في «صحيحه» (٣٥٦٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٢٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٣٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٣٩٠ و٨/ ٢٠٠)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٩٤ - ١٩٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٥٥ و٦/ ٢٧٩)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (١٧٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم: قال النوويّ ﵀: اختلفوا فيمن مات، وعليه صوم واجب، من رمضان، أو قضاء، أو نذر، أو غيره، هل يُقْضَى عنه؟ وللشافعيّ في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصحّ عن ميت صوم أصلًا، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققوأصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وأما الحديث الوارد: «من مات وعليه صيام أُطْعِم عنه»، فليس بثابت، ولو ثبت أَمْكَن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث، بأن يُحْمَل على جواز الأمرين، فإن من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام، وتجويز الإطعام، والوليّ مخير بينهما. قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وممن قال به من السلف: طاوسٌ، والحسن البصريّ، والزهريّ، وقتادة، وأبو ثور، وبه قال الليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد في صوم النذر، دون رمضان وغيره. وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت، لا نذر، ولا غيره، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ورواية عن الحسن، والزهريّ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، قال القاضي عياض وغيره: هو قول جمهور العلماء، وتأولوا الحديث على أنه يُطعِم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيفٌ، بل باطلٌ، وأيّ ضرورة إليه، وأيُّ مانع يمنع من العمل بظاهره، مع تظاهر الأحاديث، مع عدم المعارض لها. قال القاضي، وأصحابنا: وأجمعوا على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: وقد اختَلَف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعيّ في القديم القول به على صحة الحديث، كما نقله البيهقيّ في «المعرفة»، وهو قول أبي ثور، وجماعة، من محدثي الشافعية، وقال البيهقيّ في «الخلافيات»: هذه المسألة ثابتةٌ، لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعيّ، قال: كلُّ ما قلتُ، وصحّ عن النبيّ - ﷺ - خلافه، فخذوا بالحديث، ولا تقلدوني. وقال الشافعيّ في الجديد: ومالكٌ، وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت. وقال الليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر، وأما رمضان فيُطْعَم عنه. وإنما قالوا في النذر فقط؛ حملًا للعموم الذي في حديث عائشة - ﵂ - على المقيّد في حديث ابن عباس - ﵄ -. قال الحافظ ﵀: وليس بينهما تعارضٌ حتى يُجْمَع بينهما، فحديث ابن عباس - ﵄ - صورةٌ مستقلةٌ، سأل عنها مَن وقعت له، وأما حديث عائشة - ﵂ - فهو تقريرُ قاعدةٍ عامّةٍ، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس - ﵄ - إلى نحو هذا العموم، حيث قيل في آخره: «فدينُ الله أحقّ أن يُقْضَى». وأما المالكية: فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم. وادَّعَى القرطبيّ تبعًا لعياضٍ أن الحديث مضطربٌ، وهذا لا يتأتى إلا في حديث ابن عباس - ﵄ - ثاني حديثي الباب، وليس الاضطراب فيه مُسَلَّمًا، كما سيأتي. وأما حديث عائشة - ﵄ -، فلا اضطراب فيه. واحتَجَّ القرطبيّ بما في رواية البزّار: «فليصُم عنه وليّه إن شاء»، وهي زيادة ضعيفة؛ لأنها من طريق ابن لَهِيعَة، فتنبّه. قال: وأجاب الماورديّ عن الجديد بأن المراد بقوله: «صام عنه وليه» أي فَعَل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: «التراب وَضُوء المسلم إذا لم يجد الماء»، قال: فسَمَّى البدل باسم المبدل، فكذلك هنا. وتُعُقِّب بأنه صرف للَّفظ عن ظاهره بغير دليل. وأما الحنفية: فاعتلوا لعدم القول بهذين الحديثين بما رُوي عن عائشة - ﵂ - أنها سئلت عن امرأة ماتت، وعليها صوم، قالت: «يطْعَمُ عنها»، وعن عائشة - ﵂ - قالت: «لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم»، أخرجه البيهقيّ، وبما رُوي عن ابن عباس - ﵄ - قال في رجل مات، وعليه رمضان، قال: «يُطْعَم عنه ثلاثون مسكينًا»، أخرجه عبد الرزاق. ورَوَى النسائيّ عن ابن عباس - ﵁ - قال: «لا يصوم أحد عن أحد»، قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه، وهذه قاعدة لهم معروفةٌ، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي عن عائشة، وهو ضعيف جدًّا. قال الحافظ ﵀: والراجح أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك؛ لاجتهاد، ومستندُه فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحُقِّقَتْ صحةُ الحديث لم يُترك المحقَّقُ للمظنون، والمسألة مشهورة في الأصول. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن المذهب الراجح هو القول بوجوب قضاء صوم من مات وعليه صوم؛ وذلك لأمره - ﵁ - به، والأمر للوجوب؛ إذ لا صارف له. وقال أبو محمد بن حزم ﵀: ومن مات، وعليه صوم فرض، من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفّارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه، هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا، أوصى به أو لم يوص به، فإن لم يكن وليّ استؤجر عنه من رأس ماله مَن يصومه عنه، ولا بُدّ، أوصى بكل ذلك أو لم يوص، وهو مُقَدَّم على ديون الناس، وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وغيرهما. وقال أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يُطْعَم عنه أطعم عنه، مكانَ كل يوم مسكينٌ، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه، والإطعام عند مالك في ذلك مُدّ مُدّ، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر، لكل مسكين، ونصف صاع من البر، أو دقيقه، وقال الليث كما قلنا، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه في النذر خاصّة. قال الله تعالى: مِنما بَغدِ وَصيَّم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ثم أورد الأحاديث التي أوردها مسلم في الباب. ثم قال: فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التي لا يحل خلافها، وكلهم يقول: يُحَجّ عن الميت إن أوصى بذلك، ثم لا يرون أن يصام عنه، وإن أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في إصلاح ما فَسَد منهما مدخل بالهدي، وبالإطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن أخذوا، ولا القياس عَرَفُوا، وشَغّبوا في ذلك بأشياء، منها أنهم ذكروا قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وذكروا قول رسول الله - ﷺ -: «إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث: علم علَّمه، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له»، وبأثر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الحجاج بن أرطاة، عن عُبَادة بن نُسَيّ أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن مَرِضَ في رمضان، فلم يزل مريضًا حتى مات لم يُطْعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات أُطعِم عنه». وقال بعضهم: وقد رُوي عن عائشة وابن عباس - ﵃ -، وهما رويا الحديث المذكور أنهما لم يريا الصيام عن الميت، كما رويتمِ من طريق ابن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن امرأة منهم، اسمها عمرة، أن أمها ماتت، وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين. وإذا ترك الصاحب الخبر الذي رَوَى فهو دليل على نسخه، لا يجوز أن يُظَنّ به غير ذلك، وإذ لو تعمد ترك ما رواه لكانت جرحة فيه، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وقالوا: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه. قال ابن حزم: أما قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، فحقٌّ إلا أن الذي أَنزَل هذا هو الذي أنزل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وهو الذي قال لرسوله - ﷺ -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فصحَّ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله تعالى، أو رسوله - ﷺ - أن له من سعي غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك. والعجب أنهم نَسُوا أنفسهم في الاحتجاج بهذه الآية، فقالوا: إن حجّ عن الميت، أو أعتق عنه، أو تصدق عنه، فأجر كل ذلك له، ولاحِقٌ به، فظهر تناقضهم. [فإن قال منهم قائل]: إنما يُحَجّ عنه إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما سعى. [قلنا له]: فقولوا بأن يصام عنه كما إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما سعى. [فإن قالوا]: للمال في الحجّ مدخل في جبر ما نقص منه. [قلنا]: وللمال في الصوم مدخل في جبر ما نقص منه بالعتق، والإطعام، وكل هذا منهم تخليط، وتناقض، وهم يجيزون العتق عنه، والصدقة عنه، وإن لم يوص بذلك، فبطل تعلّقهم بهذه الآية. وأما إخباره - ﷺ - بأن عمل الميت ينقطع إلا من ثلاث، فصحيحٌ، وليت شعري من قال لهم: إن صوم الوليّ عن الميت هو عمل الميت، حتى يأتوا بهذا الخبر الذي ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا، ولا المنع من ذلك، فظهر فساد احتجاجهم بهذا الخبر جملةً. وأما حديث عبد الرزاق، فلا تحل روايته إلا على سبيل بيان فسادها؛ لعلل ثلاث فيه: إحداها: أنه مرسل، والثانية أن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، والثالثة أن فيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب. ثم لو صح لكان عليهم، لا لهم؛ لأن فيه إيجاب الإطعام عنه إن صحّ بعد أن مرض، والحنفيون والمالكيون لا يقولون بذلك، إلا أن يوصي بذلك، وإلا فلا. وأما احتجاجهم بأن عائشة وابن عباس رويا الخبر، وتركاه، فقول فاسدٌ؛ لوجوه: أحدها: أنه لا يجوز ما قالوا؛ لأن الله تعالى إنما افترض علينا اتباع رواية الصاحب عن النبيّ - ﷺ -، ولم يفترض علينا قط اتباع رأي أحدهم. والثاني: أنه قد يَتْرُك الصاحب اتباع ما رَوَى لوجوه غير تعمد المعصية، وهي أن يتاول فيما روى تأويلًا مّا اجتَهَدَ فيه، فأخطأ فأُجِر مرةً، أو أن يكون نَسِي ما رَوَى، فأفتى بخلافه، أو أن تكون الرواية عنه بخلافه وَهَمًا ممن رَوَى ذلك عن الصاحب، فإذ كل ذلك ممكن فلا يحلّ ترك ما افتَرَضَ علينا اتباعه من سنن رسول الله - ﷺ - لِمَا لم يأمرنا باتباعه لو لم تكن فيه هذه العِلَلُ، فكيف وكلُّها ممكن فيه، ولا معنى لقول من قال: هذا دليل على نسخ الخبر؛ لأنه يُعارَض بأن يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك الصاحب دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعله قد رَجَع عن ذلك. والثالث: أنهم إنما يحتجون بهذه الجملة إذا وافقت تقليد أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأما إذا خالف قولُ الصاحب رأي أحد ممن ذكرنا، فأهون شيء عندهم اطِّراح رأي الصاحب، والتعلق بروايته. فمن ذلك أن عائشة - ﵂- رَوَت: «فُرِضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على الحالة الأولى»، ثم رُوي عنها من أصح طريق الإتمام في السفر، فتعلق الحنفيون، والمالكيون بروايتها، وتركوا رأيها؛ إذ خالفت فيه ما روت. وهي التي روت: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل»، ثم أنكحت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، وأبوها غائب بالشام، بغير إذنه، وأنكر ذلك إذ بلغه أشدّ الإنكار، فخالفوا رأيها، واتبعوا روايتها، وهي التي رَوَت التحريم بلبن الفحل، ثم كانت لا تُدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها، وتُدخل عليها من أرضعه بنات أخواتها، فتركوا رأيها، واتبعوا روايتها. ورَوَى أبو هريرة من طريق لا تصح عنه إيجاب القضاء على من تعمد الفطر في نهار رمضان، وصحّ عنه أنه لا يجزئه صيام الدهر، وإن صامه، وأنه لا يقضيه، فتركوا الثابت من رأيه للهالك من روايته. وروى أبو هريرة في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، ثم روينا عنه من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن إبراهيم، هو ابن عُلية، عن هشام الدستوائي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة: «ماءان لا يجزئان من غسل الجنابة: ماء البحر، وماء الحمام». ورُوي عن ابن عباس في صدقة الفطر: مُدّان من قَمْح، من طريق لا تصحّ، وصح عنه من رأيه صاع من برّ في صدقة الفطر، فترك الحنفيون رأيه لروايته، وهذا كثير منهم جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية تبيّن تناقضهم. انتهى المقصود من كلام ابن حزم، على اختصار، وبعض تغيير ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأرجح قول من قال بمشروعيّة صوم الوليّ عمن مات، وعليه صوم واجبٌ؛ لظهور أدلتّه، كما تقدّم إيضاحه، بل القول بالوجوب هو الأظهر؛ لمجيئه بصيغة الأمر، ولا صارف له، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٥)

١. «المفهم» ٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨.

٢. قال الجامع: قوله: «ولا يجب على الوليّ إلخ» مخالف لظاهر النصّ، فإنه يدلّ=

٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٦.

٤. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٥ - ٢٦.

٥. راجع: «المحلّى» ٢/ ٧ - ٦.