HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٥٤

وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. حَدَّثَتْنِي عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂. قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ذَاتَ يَوْمٍ «يَا عَائِشَةُ! هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ «فَإِنِّي صَائِمٌ» قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ (أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ). قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ (أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ) وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا. قَالَ«مَا هُوَ؟» قُلْتُ: حَيْسٌ. قَالَ «هَاتِيهِ» فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ. ثُمَّ قَالَ «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا». قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ شاء أمضاها وإن شاء أمسكها.
ج ٢ ص ٨٠٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٣٨٥
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْيعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَيسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، أنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُول: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٩. ٣ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٥ - (يَحْيى بْن سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزوَالِ، وَجَوَازِ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ). وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٤] (١١٥٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الْمُؤْمِنِينَ -﵁-، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٍ؟ »، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيءٌ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ الله -ﷺ-، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّة، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله -ﷺ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لنَا هَدِيَّة، أَوْ جَاءنَا زَوْرٌ، وَقَدْ خَبَأَتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: «مَا هُوَ؟» قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ: «هَاتِيهِ»، فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) الْجَحْدريّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ الله) هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [٦] (١٤٨) (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٨/ ٨٥٨. ٤ - (عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّة، أم عمران المدنيّة، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، كانت فائقة الجمال، وكانت ثقةً حجّة [٣]. رَوَت عن خالتها عائشة، وعنها ابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وحبيب بن أبي عمرو، وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة، وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق، وابن أخيها موسى بن عبيد الله بن إسحاق، والمنهال بن عمرو، وفضيل بن عمرو، وعطاء بن أبي رَبَاح وعمر بن سعيد، وغيرهم. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: مدنيةٌ تابعيةٌ ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حَدَّث عنها الناس؛ لفضلها وأدبها، وذكرها ابن حبان في «الثقات». أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٥٣) وأعاده بعده، و(٢٤٥٢) و(٢٦٦٢) وأعاده بعده. ٥ - (عَائِشَةُ أمُّ الْمُؤْمِنِينَ) -﵂-، تقدّمت قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنف ﵀. ٢ - «ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فعلّق له البخاريّ، وما أخرج له ابن ماجه، وطلحة ما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه فبصريّان، وطلحة مدنيّ، ثم كوفيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵁- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -﵂-) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ - ذَاتَ يَوْم) أي يومًا من الأيّام، أو ساعةَ يوم، أو أوقاتَ يوم، أو في نهار، قاله في «المرقاة» . («يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٍ؟») وفي نسخة: «من شيء»؛ أي مما يُؤكل من الطعام، وفي رواية لأبي داود: «هل عندكم طعام؟»، وفي رواية للنسائيّ: «هل عندكم غداء؟»، وفي رواية للترمذيّ: «هل عندك غداءٌ؟» و«الْغَداء» -بفتح الغين المعجمة، والدال المهملة- هو ما يؤكل قبل الزوال (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيءٌ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ؟») وفي الرواية التالية: «فإني إذن صائم»، وفي رواية للنسائيّ: «إذن أصوم»، وهذا يدلّ على جواز نية النفل في النهار، وبه قال الأكثرون، وقال مالك، وداود: يجب التبييت كما في الفرض؛ لعموم قوله -ﷺ-: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل»، والجواب أنه عامّ خصٌ منه صوم التطوّع؛ للأدلّة الواردة في ذلك، كحديث الباب وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: وفيه دليل لمذهب الجمهور، أن صوم النافلة يجوز بنيّة في النهار قبل زوال الشمس، ويتأوله الآخرون على أن سؤاله -ﷺ-: هل عندكم شيءٌ؟؛ لكونه ضَعُف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد، وتكلف بعيد. انتهى . (قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّة) بتشديد التحتانيّة: فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي مُهداةٌ، قال الفيّوميّ ﵀ يقال: أهديتُ للرجل كذا بالألف: بَعَثتُ به إليه إكرامًا، فهو هدِيّة بالتثقيل لا غيرُ. انتهى . وقال في «القاموس»: الْهَديّةُ كغنيّة: ما أُتْحِفَ به، جمعه هَدَايَا، وهَدَاوَى، وتُكسر الواو، وهَدَاوٍ، وأهدى الْهَدِيّةَ، وهَدَّاهَا. انتهى . (أَوْ) للشك من الراوي، أي أو قالت: (جَاءَنَا زَوْرٌ) -بفتح الزاي، وسكون الواو، آخره راء-: الزُّوَّار، ويقع الزَّوْر على الواحد، والجماعة القليلة، والكثيرة، قاله النوويّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: زار زيارةً وزَوْرًا: قصَدَه، فهو زائر، وزَوْر، وقوم زَوْرٌ، وزُوّارٌ، مثل سافر، وسَفْرٍ، وسُفارٍ، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّارٌ، وزائراتٌ، والْمَزَارُ يكون مصدرًا، وموضعَ الزيارة، والزيارةُ في الْعُرف: قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به. انتهى . (قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي من المكان الذي خرج إليه (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّة، أَوْ) للشكّ من الراوي (جَاءَنَا زَوْرٌ، وَقَدْ خَبَأتُ لَكَ شَيْئًا) أي أفردت لك بعضه، وتركته مستورًا عن أعين الناس (قَالَ) -ﷺ- («مَا هُوَ؟») «ما» استفهاميّة: أي أَيُّ شيء هو، أي المخبوء لي (قُلْتُ: حَيْسٌ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، آخره سين مهملة-: شيءٌ يُتّخذ من تمر، وسَمْن، وأَقِطٍ، وقال القاري ﵀: هو تمر مخلوطٌ بسمن، وأَقِطٍ، وقيل: طعامٌ يُتَّخَذ من الزُّبْد، والتمر، والأقط، وقد يُبْدَل الأقط بالدقيق، والزبدُ بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت. انتهى. وقال الفيّوميّ: تمر يُنزَع نواه، ويُدَقّ مع أَقِطٍ، ويُعجنان بالسمن، ثم يُدْلَكُ باليد حتى يبقى كالثريد، وربّما جُعل معه سَوِيقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاسَ الرجلُ حَيْسًا، من باب باع: إذا اتخذ ذلك. انتهى. وقال محمد المرتضى ﵀ في «شرح القاموس»: «الحَيْس»: الخَلْطُ، ومنه سُمِّيَ الحَيْسُ هو تَمْرٌ يُخلَطُ بسَمنٍ، وأقِطٍ، فيُعجَن، وفي «اللِّسان»: هو التَّمرُ البَرْنيُّ، والأَقِطُ، يُدَقَّانِ، ويُعجَنانِ بالسَّمنِ عَجْنًا شديدًا، ثم يُندَرُ النَّوى عنه نواةً نَواةً، ثمّ يُسَوَّى كالثَّريدِ، وهي الوَطيئَةُ، وربّما جُعِلَ فيه سَويقٌ، أو فَتيتٌ عِوَضَ الأَقِط، قال: وقد حاسَهُ يَحِيسُه اتَّخذَهُ، قال الراجز: التَّمرُ والسَّمنُ معًا ثمَّ الأَقِطْ … الحَيْس إلّا أنّه لم يَخْتَلِطْ وقال هُنَيُّ بن أَحْمَرَ الكنانيُّ، وقيل: هو لزَرافَةَ الباهِليِّ [من الكامل]: هل في القَضيَّةِ أنْ إذا اسْتَغنَيْتُمُ … وأَمِنْتُمُ فأنا البَعيدُ الأَجْنَبُ وإذا الكَتائبُ بالشَّدائدِ مَرةً … حَجَرَتْكُمُ فأنا الحبيبُ الأَقربُ ولجُندَب سَهْلُ البلادِ وعَذْبُها … وليَ المِلاحُ وحَزْنُهُنَّ المُجدِبُ وإذا تكون كَريهةٌ أُدعى لها … وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُنْدَبُ عَجَبًَا لتلكَ قَضِيَّةً وإقامَتي … فيكم على تلكَ القضيَّةِ أَعْجَبُ هذا لَعَمْرُكم الصَّغارُ بعَيْنهِ … لا أمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أَبُ انتهى ما قاله المرتضى ﵀ باختصار . (قَالَ) -ﷺ- («هَاتِيهِ») أي أحضري عندي ذلك الحيس حتى آكل منه. [تنبيه]: قال السمين الحلبيّ ﵀ اختُلف في «هات» على ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه فعلٌ، وهذا هو الصحيح؛ لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة، نحو هاتوا، وهاتي، وهاتيا، وهاتين. [الثاني]: أنه اسم فعل، بمعنى أَحْضرْ. [والثالث]: -وبه قال الزمخشريّ- أنه اسم صوتٍ، بمعنى ها التي بمعنى أَحْضِرْ. وإذا قيل: بأنه فعلٌ، فاختُلف فيه على ثلاثة أقوال أيضًا: [أصحّها]: أن هاءه أصل بنفسها، وأن أصله هاتَى يُهاتي مُهاتاةً، مثلُ رامَى يُرامِي مُراماةً، فوزنه فاعَلَ، فتقول: هاتِ يا زيدُ، وهاتي يا هندُ، وهاتوا يا قومُ، وهاتين يا هنداتُ، كما تقول: رامِ، رامي، راميا، راموا، رامين، وزعم ابن عطيّة أن تصريفه مهجورٌ، لا يُقال فيه إلا الأمر، وليس كذلك. [الثاني]: أن الهاء بدلٌ من الهمزة، وأن الأصل: أَاْتَى وزنه أَفْعَلَ، مثلُ أَكْرَمَ، وهذا ليس بجيّد؛ لوجهين: أحدهما: أن آتى يتعدّى لاثنين، وهاتى يتعدّى لواحد فقط. والثاني من الوجهين: أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها؛ لزوال موجب قلبها، وهو الهمزة الأولى، ولم يُسمَع ذلك. [الثالث]: أن هذه «ها» للتنبيه دخلت على «أتى»، ولزمتها، وحُذفت همزة «أتى دا لزومًا، وهذا مردود، فإن معنى»هات«أَحْضِرْ كذا، ومعنى»ائت«: احْضُرْ أنت، فاختلاف المعنى يدلّ على اختلاف المادّة. فتحصّل في«هاتوا»سبعة أقوال: فعلٌ، أو اسمُ فعلٍ، أو اسم صوتٍ، والفعل هل يتصرّف، أو لا يتصرّف؟ وهل هاؤه أصليّة، أو بدلٌ من همزة، أو هي ها التنبيه زيدت، وحُذفت همزته؟ وأصل«هاتوا»هاتيوا، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحُذف أولهما، وضُمّ ما قبله؛ لمجانسة الواو، فصار هاتوا. انتهى كلام السمين الحلبيّ ﵀ . وفي الرواية التالية:«أرنيه»، من الإراءة، وفي رواية أبي داود والنسائيّ:«أدنيه»من الإدناء، وهو التقريب. (فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ) زاد في رواية النسائيّ:«وكان يُحبّ الْحَيْسَ»(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا») أي مريدًا للصوم، وفي رواية النسائيّ:«إني قد أصبحتُ أريد الصوم». قال النوويّ: ﵀: وهاتان الروايتان -يعني هذا الحديث، والذي بعده- هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومُبَيِّنةٌ أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم واحد، كذا قاله القاضي وغيره، وهو ظاهرٌ. قال: وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه، في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم؛ لأنه نفلٌ، فهو إلى خِيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام، وممن قال بهذا جماعة من الصحابة، وأحمد، وإسحاق، وآخرون، ولكنهم كلهم، والشافعيّ معهم متفقون على استحباب إتمامه، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصرفي، ومكحول، والنخعيّ، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر، قال ابن عبد البرّ: وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. (قَالَ طَلْحَةُ) بن يحيى الراوي عن عائشة بنت طلحة (فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا) أي ابن جبر، أبا الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الإمام الحجة المشهور المتوفّى سنة (١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) تقدّمت ترجمته في «المقدمة» ٤/ ٢١. (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بما حدّثته عائشة بنت طلحة (فَقَالَ) مجاهد ﵀ (ذَاكَ) أي الصائم المتطوّع المفطر بعد شروعه في الصوم (بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ) أي ناويًا الصدقة بها (فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَما) أي أنفذ الصدقة، ودفعها للفقير (وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) أي ترك التصدّق بها. وحاصل ما أشار إليه مجاهد ﵀ أن إفطار الصائم المتطوّع جائز، وهذا الذي قاله يدلّ عليه ما أخرجه الترمذيّ عن أم هانئ -﵂-: أن رسول الله -ﷺ- دخل عليها، فدَعَا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمةً، فقال رسول الله -ﷺ- «الصائم المتطوع أمين نفسه، وفي رواية: أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر»، صححه الشيخ الألبانيّ ﵀، وفيه نظر، سيأتي. [تنبيه]: رواية المصنّف صريحة في أن هذا الكلام موقوف على مجاهد، ووقع في رواية النسائيّ ما يدلّ على أنه مرفوع، ولفظه: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ، يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا»، فظاهره يدلّ على أن قوله: «إنما مثل صوم المتطوّع إلخ» من كلام النبيّ -ﷺ-، لكن الذي في «صحيح مسلم» أصحّ، فهو من كلام مجاهد، لا من كلام النبيّ -ﷺ-. وقد صحح الشيخ الألبانيّ ﵀ رفع هذه الزيادة ، وقال: إن الرواي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى، فإذا صحّ السند بالرفع بدون شذوذ كما هنا، فالحكم له، ولذلك قالوا: زيادة الثقة مقبولة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا الحديث فيه نظر لا يخفى، والذي يظهر أنه من كلام مجاهد ، كما هو في «صحيح مسلم»، فتأملّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٧١٤ و٢٧١٥] (١١٥٤)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٥٥)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٣٣ و٧٣٤) و«الشمائل» (١٨٢)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) و«الكبرى» (٢/ ١١٤ - ١١٦)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٠١)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٧٠٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٧٩٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٩٨) ٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٩ و٢٠٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢١٤١ و٢١٤٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٢٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٩/ ١٠٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٥٦٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٧/ ٢٣٣)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣٠)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٠٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّهْ» (١٧٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صوم التطوّع بنيّة من النهار. ٢ - (ومنها): جواز الفطر للمتطوّع متى شاء، ولو بلا عذر. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التقلّل من الدنيا زهدًا في ملذّات الدنيا الفانية، وإيثارًا لما عند الله، من نعيم الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵁- من مواساة رسول الله -ﷺ - بما عندهم من طيبات الطعام. ٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- قبول الهدية. ٦ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب إلى الأذهان. ٧ - (ومنها): أن من أخرج شيئًا من ماله للتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدّق، فله ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم فطر الصائم المتطوّع: ذهبت طائفة إلى جواز الفطر لمن كان صائمًا تطوعًا، ولا قضاء عليه، وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو الدرداء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتجّوا بحديث الباب؛ لأنه لم يُذكر فيه القضاء. وأجيب عنه بأنه زاد فيه بعضهم: «فأكل، ثم قال: أصوم يومًا مكانه»، أخرجه النسائيّ في «الكبرى»، والدارقطنيّ، والشافعيّ، والبيهقيّ في «المعرفة»، و«السنن الكبرى»، والطحاويّ، كلّهم من رواية ابن عُيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمّته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين، قد صحّح هذه الزيادة أبو محمد عبد الحقّ، وقال ابن التركمانيّ: هذه زيادة من ثقةٌ أصرّ عليها، فهي مقبولة. قال صاحب «المرعاة»: في كون هذه الزيادة محفوظة صحيحة نظرٌ؛ فإنها قد ضغفها الأئمة الحفّاظ، كالشافعيّ، والنسائيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، قال النسائيّ: هذا خطأ؛ يعني من ابن عيينة، ونَسَب الدارقطنيّ الوهم فيها لمحمد بن عمرو الباهليّ الراوي عنده عن ابن عيينة، لكن رواها النسائيّ عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، وكذا رواها الشافعيّ عن ابن عيينة، لكن قال: سمعت سفيان بن عيينة عامّة مجالسه لا يذكر فيه: «ساصوم يومًا مكانه»، ثم عرضته عليه قبل موته بسنة، فذكره فيه. وقال في «التلخيص الحبير»: ذكر الشافعيّ أن ابن عيينة زادها قبل موته بسنة. انتهى. وابن عيينة كان في الآخر قد تغيّر، قال في «تهذيب التهذيب»: قال ابن عمّار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء، قال الحافظ: وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عنه ابن عمّار في حقّ ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعد ابن السمعانيّ في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن من «ذيل تاريخ بغداد» بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم، وتزيد في إسناده، أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سَمِنتُ، وقد ذكر أبو معين الرازيّ في زيادة «كتاب الإيمان» لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره. انتهى. وهذا كلّه يدلّ على أن الشافعيّ قد بيّن علّة الحديث بقوله: سمعت سفيان بن عيينة عامّة مجالسه لا يذكر فيه … إلخ. وقال البيهقيّ في «المعرفة»: وقد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللفظة، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون هذه اللفظة، منهم سفيان الثوريّ، وشعبة، ووكيعٌ، ويحيى القطّان، وغيرهم، وقال في «السنن» بعد ذكر كلام الشافعيّ المذكور: ورواية ابن عيينة عامّة دهره لهذا الحديث لا؛ يذكر فيه هذا اللفظ مع رواية الجماعة عن طلحة لا يذكره أحد، منهم الثوريّ، وشعبة، وعبد الواحد بن زياد، ووكيع، ويحيى القطّان، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم تدلّ على خطأ هذه اللفظة، وقد روي من وجه آخر عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة. انتهى. واجتماع هؤلاء الحفّاظ على تضعيف هذه الزيادة مقدّم على تصحيح عبد الحقّ، وليس كلّ زيادة من الثقة تُقبل، بل لكلّ زيادة حكم يخصّها، كما ذكره الزيلعيّ ، وها هنا قد وُجدت قرينة تدلّ على كون هذه الزيادة وَهَمًا أقلنا،: ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهوأنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقةٌ حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: «من المسلمين» في صدقه الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومَن حَكَمَ في ذلك حكمًا عامًا فقد غَلِطَ، بل كل زيادة لها حكم يخصها. ففي موضع يجزم بصحتها، كزيادة مالك، وفي موضع يَغْلِب على الظن صحتها، كزيادة سعد بن طارق في حديث: «جُعِلت الأرضُ مسجدًا، وجُعِلت تربتها لنا طهورًا»، وكزيادة سليمان التيميّ في حديث أبي موسى: «وإذا قرأ فانصتوا»، وفي موضع يُجْزَم بخطا الزيادة، كزيادة معمر ومن وافقه قوله: «وإن كان مائعًا فلا تقربوه»، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث: «قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، وإن كان معمر ثقةٌ، وعبد الله بن زياد ضعيفًا، فإن الثقة قد يَغْلَط. وفي موضع يغلب على الظنّ خطؤها، كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاريّ في «صحيحه»، وسئل: هل رواها غير معمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: «ولم يصلِّ عليه»، فقد اختُلِف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختُلف عليه أيضًا، = ومُدرجةَ، فالحكم بكونها مقبولة مردود، وعلى تقدير أن تكون محفوظة يُحمَل القضاء على الندب. قال البيهقيّ: وحَمَلَ الشافعيّ قوله: «سأصوم يومًا مكانه»؛ أي تطوّعًا، وجعله بمثابة قهضائه -ﷺ- الركعتين اللتين بعد الظهر حين شغله عنهما الوفد. انتهى ما كتبه صاحب «المرعاة» ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. وحاصله أن زيادة: «أصوم يومًا مكانه» غير صحيحة؛ لما سبق من الأدلّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. واحتجّوا أيضًا بما رواه البخاريّ في «صحيحه» من طريق أبي العُمَيس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبي -ﷺ-، بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصلّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبيّ -ﷺ- فذكر ذلك له، فقال النبي - ﷺ-: «صدق سلمان». وأجاب القرطبيّ عن هذا بأن إفطار أبي الدرداء كان لقسَم سلمان، ولعذر الضيافة. وتُعُقّب بأن هذا يتوقّف على أن هذا العذر من الأعذار التي تُبيح الإفطار، وقد نَقَل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا يُفطر لضيف نَزَل به، ولا لمن حلف عليه بالطلاق والْعَتَاق . = والصواب أنه قال: «ولم يصلّ عليه»، وفي موضع يُتوقَّف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة. انتهى كلام الزيلعيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. واحتجّوا أيضًا بما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، عن أم هانئ -﵂-، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر»، قال النوويّ في«شرح المهذّب»: ألفاظ رواياتهم متقاربة المعنى، وإسنادها جيّد ، وقال الترمذيّ: في إسناده مقال. ومن حجتهم حديث أم هانئ: أنها دخلت على النبيّ -ﷺ-، وهي صائمة، فدعا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، ثم سألته عن ذلك، فقال:«أكنت تقضين يومًا من رمضان؟ »، قالت: لا، قال:«فلا بأس»، وفي رواية:«إن كان من قضاء، فصومي مكانه، وإن كان تطوعًا، فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضه»، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وفي إسناده هارون ابن ابنة أم هانئ، لا يعرف. ويشهد له ما أخرجه البيهقيّ، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: صنعتُ للنبيّ -ﷺ- طعامًا، فلما وُضع، قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله -ﷺ-:«دعاك أخوك، وتكلّف لك، أَفطِر، وصُمْ مكانه إن شئت». قال الحافظ: وإسناده حسن، وهو صريح في عدم وجوب القضاء. وبما رواه البيهقيّ عن ابن مسعود، قال:«إذا أصبحت، وأنت ناوي الصوم، فأنت بخير النظرين، إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت»، وبما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن جابر -﵁- أنه لم يكن يرى بإفطار المتطوّع بأسًا، وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن ابن عباس مثله. وبهذا قالت الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إذا دخل في صوم التطوّع استحبّ له إتمامه، وإذا أفطر بعذر، أو بغير عذر، فلا إثم عليه، ولا يجب عليه القضاء، لكن يكره له الفطر بدون عذر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الاستدلال بهذه الآية لهذه المسألة نظر لا يخفى؛ لأن هذا الفطر بإذن من الشارع، وما كان بإذنه ليس إبطالًا، وأيضًا إن الآية عامة، والأحاديث الدالة على جواز الفطر -كحديث الباب، وكحديث سلمان -﵁- المذكور- خاصّة والخاصّ يقضي على العامّ، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. قالوا: وخروجًا من خلاف من أوجب الإتمام، وإذا أفطر بعذر فلا كراهة، وعلى كلّ فيستحبّ قضاؤه. وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية، ومالك إلى أنه يجب إتمام ما شَرَع فيه من نفل الصوم، ولا يجوز فطره بلا عذر؛ للآية المتقدمة، فإن أفطر بلا عذر أَثِمَ، وعليه القضاء، وإن أفطر بعذر فلا إثم عليه، ولا قضاء عند المالكية، وأوجبه الحنفيّة. قال الحافظ: وأغرب ابن عبد البرّ، فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر. واحتجّ من أوجب القضاء بما رَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق جعفر بن بُرقان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة -﵂-، قالت: كنت أنا، وحفصة صائمتين، فعَرَضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله -ﷺ- فبدرتني إليه حفصة، وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله … فذكرت ذلك، فقال: «اقضيا يومًا آخر مكانه». قال الترمذيّ: رواه ابن أبي حفصة، وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ مثل هذا، ورواه مالك، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن عيينة، وغيرهم من الحفّاظ عن الزهريّ، عن عائشة مرسلًا، وهو أصحّ؛ لأن ابن جريج ذكر أنه سأل الزهريّ عنه، فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعت من ناس عن بعض من سأل عائشة، فذكره، ثم أسنده كذلك. وقال النسائيّ: هذا خطأ، وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهريّ عنه، أهو عن عروة؟ فقال: لا، وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذّ من وصله، وتواردَ الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولًا، ذكره الدارقطني في «غرائب مالك»، وبيّن مالك في روايته، فقال: إن صيامهما كان تطوعًا. وله طريق آخر عن أبي داود، من طريق زُميل مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله -ﷺ-، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها، فأفطرنا، فقال رسول الله -ﷺ-: «لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر»، وهو حديث ضعيف؛ لأن زميلًا مجهول، وقال البخاريّ: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد سماع من زميل، ولا تقوم به الحجة. قال في «الفتح»: وضعّفه أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ بجهالة حال زُميل . وقال في «المرعاة»: واحتجّوا أيضًا لذلك، ولتحريم الأكل من غير عذر بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يعمّ الفرض والنفل، وبقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا قد عَقَد الصوم، فوجب أن يفي به، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآيةُ سيقت في معرض ذمّهم على عدم رعاية ما التزموه من الْقُرَب التي لم تُكتب عليهم، والقدر المؤدَّى عَمَلٌ كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه؛ تفاديًا؛ أي تبعّدًا عن الإبطال. وأجيب بان هذه النصوص كلّها من الأدلّة العامّة، وقد تقرّر في موضعه أن الخاصّ يُقدّم على العامّ. قال ابن الْمُنَيِّر: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلّة العامّة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلا أن الخاصّ يُقدَّم على العامّ، كحديث سلمان ونحوه. وقال ابن عبد البرّ: من احتَجَّ في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثرين على أن المراد بذلك النهي عن الرياء؛ لأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أخلصوها لله، وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، أو بالكفر والنفاق، أو بالمنّ والأذى، ونحوها، ولو كان المراد بذلك النّهي عن إبطال ما لم يَفْرِضه الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر وغيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما أُبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان مذاهب العلماء، وأدئتهم أن الأرجح هو ما ذهب إليه القائلون بجواز الفطر للمتطوّع دون إيجاب القضاء عليه؛ لقوّة أدلّته. والحاصل أنه يجوز للصائم المتطوّع الفطر مطلقًا، ولا قضاء عليه إلا أن يشاء؛ إذ لم يصحّ دليل على وجوبه، وقد عرفت ضعف الأحاديث التي احتجّ بها الموجبون، وعلى تقدير صحتها، يحمل الأمر فيها بالقضاء على الندب؛ جمعًا بين الأدلة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أم الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَبِيُّ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ»، ثُمَّ أتانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقونه ذُكروا قبله. وقوله: (فَإِنَي إِذَنْ صَائِمٌ) هذا ظاهر في كونه -ﷺ- أنشأ الصوم في ذلك الوقت؛ لأن «إذن» حرف جواب، وهو حاليّ؛ أي: فإذا لم يكن عنكم شيء مما يؤكل، فإني أنوي الصوم من الآن، ففيه دلالة صريحة لجواز صوم النفل بنيّة من النهار. [فائدتان]: (الأولى): أن «إذن» هذه معناها عند سيبويه: الجواب والجزاء غالبًا لا دائمًا، كما قيل؛ لأنها قد تتمحّض للجواب، نحو: «إذن أظنّك صادقًا» جوابًا لمن قال: إني أُحبّك؛ لأن ظنّ الصدق لا يصلح جزاء للمحبّة، وأيضًا هو حاليّ، والجزاء لا يكون إلا مستقبلًا، أفاده الخضريّ في «حاشيته» . (الثانية): اختُلف في «إذن» هل هي بالألف، أم بالنون؟، قال الخضريّ ﵀ في «حاشية الخلاصة»: والصحيح إبدال نونها ألفًا في الوقف، كتنوين المنصوب؛ لأن الجمهور على كتابتها بالألف، «وكذا رُسمت في المصاحف، وعن المبرّد، والزجّاج يوقف بالنون، كـ»أَنْ«، و»لن«، وتُكتب بها، وعن الفرّاء إن أُهملت كتبت بالنون؛ لتُفرّق من»إذا«الظرفيّة، وإن أُعملت فبالألف؛ لتميّزها بالعمل، والخلاف في غير القرآن، أما فيه فالوقف والرسم بالألف إجماعًا، كما في»الإتقان«؛ اتّباعًا للمصاحف. انتهى . وقوله: (ثُمَّ أتانَا يَوْمًا آخَرَ) فذا يبين المراد من قولها في الرواية السابقة:«فلما رجع رسول الله -ﷺ- قلت … إلخ »أن رجوعه كان في يوم آخر، لا في نفس اليوم، قال النوويّ: ﵀: وهاتان الروايتان هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومُبَيِّنة أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم واحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وفي نسخة: «هل عندكم من شيء؟».

٢. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٤٩٩.

٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٣٥.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٦.

٥. «القاموس المحيط» ٤/ ٤٠٣.

٦. «شرح النوويّ» ٨/ ٣٤.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٠.

٨. راجع: «تاج العروس من جواهر القاموس» ١٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩.

٩. «الدر المصون في علوم الكتاب المكنون»٢/ ٧١ - ٧٢ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤] الآية.

١٠. سيأتي تعقّب الحافظ ﵀ لدعوى ابن عبد البرّ ﵀ الإجماع المذكور، فتنبّه.

١١. راجع: «إرواء الغليل» ٤/ ١٣٦.

١٢. كنت وافقت الشيخ الألبانيّ ﵀ في «شرح النسائي»، ثم ظهر لي هنا خلافه، فتراجعت، فتنبّه، والله تعالى ولي التوفيق.

١٣. وحاصل عبارة الزيلعيّ ﵀ «نصب الراية» (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧): [فإن قيل]: قد رواها نعيم المجمر، وهو ثقةٌ، والزيادة من الثقة مقبولة.

١٤. «المرعاة شرح المشكاة» ٧/ ١٠٥ - ١٠٦.

١٥. «المرعاة» ٧/ ١٠٥.

١٦. هذا ليس بجيّد، بل الصحيح ما قاله الترمذيّ من أن في إسناده مقالًا؛ لأن في إسناده جعدة المخزوميّ، قال فيه البخاريّ: فيه نظر، وضعفه ابن عديّ، وقد صحح الشيخ الألباني الحديث، انظر: «صحيح الجامع» ٢/ ٧١٧.

١٧. «الفتح» ٤/ ٧٣٠.

١٨. «المرعاة» ٧/ ١٠٧.

١٩. راجع:«حاشية الخضريّ على الخلاصة» ٢/ ١٧٣.

٢٠. المصدر المذكور.