HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٥٥

وحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ الْقُرْدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ. فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وسقاه». بَاب صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَاسْتِحْبَابِ أَنْ لَا يُخْلِيَ شَهْرًا عَنْ صَوْمٍ
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص160
ج ٢ ص ٨٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٤٠٢
(٣٥) - (بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٦] (١١٥٥) - (وَحَدَّثَنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ الْقُرْدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ نَسِيَ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإئمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ) هو: هشام بن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: كون هشام هو الْقُردوسيّ كما صرّح به المصنّف هنا هو الصواب، ومن الغريب وقع في «الفتح» أنه هشام الدستوائيّ، وتبعه العينيّ في «العمدة» ، والظاهر أن هذا غلطٌ، وقد أورد الحديث الحافظ أبو الحجاج المزيّ ﵀ في ترجمة هشام بن حسّان، ولم يذكر في «التهذيبين» في ترجمة هشام الدستوائيّ محمدَ بنَ سيرين ممن روى عنه هشام، والظاهر أنه لم يرو عنه أصلًا، فليُتامّل، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: قوله: «الْقُرْدُوسيّ» بضمّ القاف، وسكون الراء، وضمّ الدال، بعدها واو، ثمّ سين مهملة، هذا هو الضبط الصحيح، فما وقع في «شرح السنوسيّ» (٣/ ٢٧٠) لهذا الكتاب، من قوله: «بضمّ الفاء بدل القاف» سبق قلم، أو غلطٌ، فليُتنبّه. قال في «اللباب»: «الْقُرْدوسيّ» -بضم القاف، وسكون الراء، وضم الدال المهملة، وبعد الواو سين مهملة-: هذه النسبة إلى القَرَاديس بطن من الأزد، نزلوا البصرة، فنسبت المحلَّة إليهم. انتهى . ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-) تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ) بفتح الميم شرطيّة، ولفظ البخاريّ:»إذا نَسِي«(نَسِيَ) مفعوله محذوف؛ أي صومه، كما يدلّ عليه قوله: (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، وللبخاريّ في»النذور«من طريق عوف، عن ابن سيرين:»من أكل ناسيًا، وهو صائم«، ولأبي داود من طريق حبيب بن الشهيد، وأيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة:»جاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسيًا، وأنا صائم«، وهذا الرجل هو أبو هريرة -﵁- راوي الحديث، أخرجه الدارقطنيّ بإسناد ضعيف، قاله في»الفتح«. (فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ) أي سواء قليلًا كان أو كثيرًا، كما رجحه النوويّ: ﵀؛ لظاهر إطلاق الحديث، وخص الأكل والشرب من بين المفطرات؛ لغلبتهما، ونُدْرة غيرهما، كالجماع. (فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) أضافه إليه إشارة إلى أنه لم يُفْطِر، وإنما أُمِر بالإتمام؛ لفوت ركنه ظاهرًا. وفي رواية الترمذيّ:«فلا يُفْطر»، قال العراقيّ ﵀: يجوز أن تكون«لا»في جواب الشرط للنهي، و«يُفْطِرْ»مجزوئم بها، ويجوز أن تكون نافية، و«يُفطرُ»مرفوع، وهو أولى، فإنه لم يُرَدْ به النهيُ عن الإفطار، وإنما المراد أنه لم يحصل إفطار الناسي بالأكل، ويكون تقديره:«من أكل، أو شَرِب ناسيًا لم يُفْطر». انتهى. ثم لَمّا لم يكن أكله وشُربه باختياره المقتضي لفساد صومه، بل لأجل إنساء الله تعالى له؛ لُطْفًا به، وتيسيرًا عليه بدفع الحرج عنه عَلَّله بقوله: (فإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ») وفي رواية الترمذيّ: «فإنما هو رزق رزقه الله»، وللدارقطنيّ، من طريق ابن علية، عن هشام: «فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه»؛ يعني أنه ليس له فيه مدخل، فكأنه لم يوجد منه فِعْلٌ، وقال السنديّ ﵀: كأن المراد قطع نسبة ذلك الفعل للعبد بواسطة النسيان، فلا يُعدّ فعله جنايةً منه على صومه، مفسدًا له، وإلا فهذا القدر موجود في كلّ طعام وشراب يأكله الإنسان، أكله عمدًا أو سهوًا. وقال الخطّابيّ ﵀: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضروريّة غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها. انتهى. وقال العينيّ ﵀: قوله: «فإنما» تعليلٌ لكون الناسي لا يُفطر، ووجه ذلك أن الرزق لَمّا كان من الله تعالى ليس فيه للعبد تحيّل، فلا يُنسب إليه شبه الأكل ناسيأ به؛ لأنه لا صنع للعبد فيه، وإلا فالأكل متعمّدًا حيث جاز له الفطر رزق من الله تعالى بإجماع العلماء، وكذلك هو رزقٌ وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة. انتهى . قال الطيبيّ ﵀: «إنما» للحصر؛ أي ما أطعمه، وما سقاه أحد إلا الله تعالى، فدَلَّ على أن النسيان من الله، ومن لطفه في حقّ عباده؛ تيسيرًا عليهم، ودفعًا للحرج. انتهى . [فائدة]: من المستظرفات ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة -﵁-، فقال: أصبحت صائمًا، فنسيت، فطَعِمتُ، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان، فنَسِيت، وطَعِمت وشربت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر، فنسيت، فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٢٧١٦] (١١٥٥) و(البخارىّ) في «الصوم» (١٩٣٣) و«الأيمان والنذور» (٦٦٦٩)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٣٩٨)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٢١ و٧٢٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٤٤)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٦٧٣)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٧٣٧٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٢٥ و٤٢٩١ و٤٩٣ و٥١٥)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ١٠٧ و١٧٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥١٩ و٣٥٢٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٨٩ و٣٩٠)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٧٨ و١٧٩ و١٨٠)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٩٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣١)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٢٠٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٤٥٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٢٩) و«المعرفة» (٣/ ٣٧٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من أكل، أو شَرِب ناسيًا لا يُفطر، بل يُتمّ صومه، ولا قضاء عليه، وسيأتي في المسألة التالية بيان اختلاف العلماء في ذلك -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيرة، وقد روى الإمام أحمد ﵀ لهذا الحديث سببًا، فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحاق، أنها كانت عند النبيّ -ﷺ-، فأتي بقَصْعَة من ثريد، فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمةً، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعتِ؟ فقال لها النبيّ -ﷺ-: «أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك»، لكن الحديث في سنده بشّار بن عبد الملك، وثّقه ابن حبّان، وضعّفه أبو زرعة الدمشقيّ. ٣ - (ومنها): بيان لطف الله بعباده، والتيسير عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم من أكل، أو شرب ناسيًا لصومه: ذهب الجمهور: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعيّ، والثوريّ، وعطاءٌ، وطاوس إلى أن من أكل، أو شرب ناسيًا لصومه، فإنه لا يُفطر، ولا يجب عليه القضاء. وذهب مالك إلى أنه يبطل صومه، ويجب عليه القضاء، وهو قول شيخه ربيعة الرأي، وجميع أصحاب مالك، لكنهم فرّقوا بين الفرض والنفل. واحتجّ الجمهور بحديث الباب؛ لأنه -ﷺ- أَمره بالإتمام، وسَمّى الذي يُتمّه صومًا، والظاهر حمله على الحقيقة الشرعيّة، فيُتمسّك به حتى يدلّ دليلٌ على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغويّة، وإذا كان صومًا وقع مجزئًا، ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء، كذا قرّره ابن دقيق العيد ﵀، قال: وقوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه» يُستدلّ به على صحّة الصوم، فإن فيه إشعارًا بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه. انتهى . واستَدَلّ من ذهب إلى الفطر، وإيجاب القضاء بأن ركن الصوم، وهو الإمساك عن المفطّرات فات، فإذا فات ركنه فسد صومه كيف ما كان، قال ابن دقيق العيد: ذهب مالك إلى إيجاب القضاء، وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثّر في باب المأمورات. قال في «الفتح»: قال ابن العربيّ: تمسّك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتطلّع مالك إلى المسألة من طريقها، فأشرف عليه؛ لأن الفطر ضدّ الصوم، والإمساك ركن الصوم، فاشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة ، قال: وقد رَوَى الدارقطنيّ فيه: «لا قضاء عليك»، فتأوله علماؤنا على أن معناه: لا قضاء عليك الآن، وهذا تعسّف، وإنما أقول: ليته صحّ فنتبعه، ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد، لم يُعْمَل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها، فلم نعمل به. وقال القرطبي -﵀-: احتَجَّ به من أسقط القضاء. وأجيب بأنه لم يتَعَرَّض فيه للقضاء، فَيُحْمَل على سقوط المؤاخذة؛ لأن المطلوب صيام يوم لا خَرْمَ فيه، لكن رَوَى الدارقطنيّ فيه سقوط القضاء، وهو نَصٌّ لا يَقْبَل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صحّ وجب الأخذ به، وسقط القضاء. انتهى. وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع، كما حكاه ابن التين، عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار، واعتَل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، فَيُحْمَل على التطوع. وقال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إثبات القضاء، فَيُحْمَل على سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بيّتها. انتهى. والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطنيّ، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه، ولا كفارة»، فعَيَّن رمضان، وصرَّح بإسقاط القضاء. قال الدارقطنيّ: تفرّد به محمد بن مرزوق، عن الأنصاريّ. وتُعُقّب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضا عن إبراهيم بن محمد الباهليّ، وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازيّ، كلاهما عن الأنصاريّ، فهو المنفرد به، كما قال البيهقيّ، وهو ثقةٌ، والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط، لا بتعيين رمضان، فإن النسائيّ أخرج الحديث من طريق عليّ بن بكار، عن محمد بن عمرو، ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيًا: «فقال: الله أطعمه وسقاه». وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر، عن أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه الدارقطنيّ من رواية محمد بن عيسى بن الطباع، عن ابن عُلَيَّة، عن هشام، عن ابن سيرين، ولفظه: «فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه»، وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيحٌ، وكلهم ثقات. قال الحافظ: لكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية، وليس فيه هذه الزيادة. ورَوَى الدارقطنيّ أيضًا إسقاط القضاء، من رواية أبي رافع، وأبي سعيد المقبريّ، والوليد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، كلهم عن أبي هريرة - ﵁ -. وأخرج أيضًا من حديث أبي سعيد - ﵁ - رفعه: «من أكل في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه»، وإسناده وإن كان ضعيفًا لكنه صالح للمتابعة، فاقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا، فيصلح للاحتجاج به. وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوّة، وَيعْتَضِد أيضًا بأنه قد أفتَى به جماعة من الصحابة - ﵃ - من غير مخالفة لهم، منهم - كما قاله ابن المنذر، وابن حزم، وغيرهما -: عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥] فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل، لا بنسيانه، فكذلك الصيام. وأما القياس الذي ذكره ابن العربيّ فهو في مقابلة النصّ فلا يقبل، ورَدُّه للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس بمسلَّم؛ لأنه قاعدة مستقلة بالصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فُتِحَ باب ردّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لَمَا بقي من الحديث إلا القليل، ولردّ من شاء ما شاء. قال الشوكانيّ -﵀-: وأما اعتذار ابن دقيق العيد، فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدّعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصّصًا لها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب مذهب الجمهور القائلين بصحّة صوم من أكل أو شرب ناسيًا، وأنه لا قضاء عليه؛ لوضوح حجته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم من جامع ناسيًا صومه: ذهب الحسن البصريّ، ومجاهد، والثوريّ، وأصحاب الرأي، والشافعيّ، وإسحاق أن الجماع ناسيًا حكمه حكم الأكل والشرب ناسيًا. واستُدلّ لهم بأن الحديث، وإن ورد في الأكل والشرب، لكنه معلّل بمعنى يوجد في الكلّ؛ أي الأكل والشرب والجماع، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى حيث قال: «فإنما أطعمه الله وسقاه» قطع إضافتها عن العبد بوقوعه فيه من غير قصد واختيار، وهذا المعنى يوجد في الكلّ، والعلّة إذا كانت منصوصًا عليها كان الحكم منصوصًا عليه، ويتعمّم الحكم بعموم العلّة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكلّ. واستُدلّ لهم أيضًا بما تقدّم في رواية ابن خزيمة وغيره من قوله: «من أفطر في شهر رمضان»؛ لأن الفطر أعمّ من أن يكون بأكل، أو شرب، أو جماع، وإنما خصّ الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب؛ لكونهما أغلب وقوعًا، ولعدّ الاستغناء عنهما غالبًا، قال ابن دقيق العيد -﵀-: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب؛ لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي مفهومًا. انتهى. وذهب عطاء، والأوزاعئ، ومالك، والليث بن سعد إلى أن عليه القضاء، لا الكفّارة، وقال أحمد: عليه القضاء والكفّارة، واحتَجّ بأن النبيّ - ﷺ - لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيتَ أم تعمّدت، ولو افترق الحال لسأل، واستفصل. وتعقّبه الخطّابيّ بأن معناه في هذا اقتضاء العموم من الفعل، والعموم إنما يُقْتَضَى من القول دون الفعل، وإنما جاء الحديث بذكر حال، وحكاية فعل، فلا يجوز وقوعه على العمد والنسيان معًا، فبطل أن يكون له عموم، ومن مذهب أبي عبد الله -يعني الإمام أحمد - أنه إذا أكل ناسيًا لم يفسد صومه؛ لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية، فكذلك إذاس جامع ناسيًا، فأما المتعمّد لذلك فقد حصل منه الفعل على وجه المعصية، فلذلك وجبت عليه الكفّا رة. انتهى . وتُعُقّب أيضًا بأن الأصل في الأفعال أن تكون عن عمد، وأن الناسي لا بدّ أن يذكر النسيان إذا استفتى؛ لأنه عذرٌ، ولا يحتاج إلى السؤال عنه . قال الجامح عفا الله ضه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح قول الأولين من أن من جامع ناسيًا لصومه لا يفسد صومه، ولا قضاء عليه، ولا كفّارة؛ لقوّة حجته، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٢)

١. راجع: «الفتح» ٥/ ٢٩٦.

٢. راجع: «عمدة القاري» ١١/ ١٧.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب»٣/ ٢٤.

٤. «الفتح»٥/ ٢٩٦.

٥. راجع: «المرعاة» ٦/ ٤٩٣.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٥٩٢.

٧. «الفتح» ٥/ ٢٩٨.

٨. راجع: «إحكام الأحكام» ٢/ ٢١٢.

٩. سيأتي الجواب عن هذا الاستدلال قريبًا.

١٠. راجع: «الفتح» ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٨، و«مرعاة المفاتيح» ٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥.

١١. «معالم السنن» ٣/ ٢٧٧.

١٢. راجع: «المرعاة» ٦/ ٤٩٥ - ٤٩٦.