HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٥٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَالَ: قُلْتُ لعائشة ﵂: هل كان التبي ﷺ يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا سوى رمضان؟ قالت: والله! إن صام مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ. حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ. وَلَا أفطره حتى يصيب منه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص160
ج ٢ ص ٨٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٤١١
(٣٦) - (بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَطَوُّعًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٧] (١١٥٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ - ﵂ -: هَل كَانَ النَّبِي - ﷺ - يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا، سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ اِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا، سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) -بضمّ الجيم مصغّرًا- هو: سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ٢٦٦. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٤/ ٤٥٠. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن شقيق ما أخرج له البخاريّ في «الصحيح». ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة - ﵂ -، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ ممن اختَلَط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفًا، لكن الراوي عنه هنا يزيد بن زُريع ممن روى عنه قبل اختلاطه، كما بيّنت ذلك في منظومتي في المختلطين، فقلت: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَة سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِي وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ - ﵂ -: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا) وفي الرواية التالية: «أكان النبيّ - ﷺ - يصوم شهرًا كلّه» (سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ) فيه تأكيد الجواب بالقسم، وإن كان مما لا يُشكّ فيه؛ تأكيدًا (إِنْ) - بكسر الهمزة، وسكون النون -. [فائدة]: قال ابن هشام الأنصاريّ -﵀- في «مغنيه» ما حاصله: أنّ «إِنْ» تكون نافية، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ومن ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به، فحُذف المبتدأ، وبقيت صفته، ومثله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وتدخل أيضًا على الجملة الفعلية، نحو: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. قال: وقول بعضهم: لا تأتي «إِن» النافية إلا وبعدها «إلا» كهذه الآيات، أو «لَمَّا» المشددة التي بمعناها، كقراءة بعض السبعة: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] بتشديد الميم؛ أي: ما كلُّ نفس إلا عليها حافظ، مردود بقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥]، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] انتهى كلام ابن هشام -﵀- . والمعنى هنا: ما (صَامَ) النبيّ - ﷺ - (شَهْرًا مَعْلُومًا) وفي رواية أيوب الآتية: «وما رأيته صام شهرًا كاملًا» (سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ) وفي الرواية التالية: «حتى مضى لسبيله»، وهو كناية عن الموت؛ أي حتى مات، قال القاري -﵀-: واللام في «لسبيله» مثلها في قولك: لقيته لثلاث بَقِين من الشهر، تريد مُستقبلًا لثلاث؛ أي كان حالُه ما ذُكِر إلى أن مات، وفيه إشارة إلى أنه بُعِث لأداء الرسالة، فلما أدّاها مضى إلى مأواه ومستقرّه. انتهى . (وَلَا أَفْطَرَهُ) أي الشهر المعلوم (حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ) أي حتى يصيب بعضه بالصوم، وهو بمعنى قوله في رواية التالية: «حتى يصوم منه». قال الطيبيّ -﵀-: «حتى» هذه بمعنى «كي»، كقولك: سرت حتى أدخلَ البلد بالنصب؛ إذا كان دخولك مُتَرَقَّبًا لَمَّا يوجد، كأنك قلت: سرت كي أدخلَها، أو كان منقضيًا، إلا أنه في حكم المستقبل، من حيث إنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقَّبًا. وتحريره إن «حتى» هنا غاية عدم العلم باستمرار الإفطار المستعقِب للصوم، و«حتى» في قوله: «حتى مضى … إلخ» غاية لعدم علمه بالحالتين، من الصيام والإفطار، والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل على الماضي، والحديث وارد على هذا؛ لأنه - ﷺ - حين عَزَم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقبًا أن يصوم بعضه، و«حتى» في قوله: «حتى مضى … إلخ» غاية لما تقدمه من الْجُمَل كلها. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- بتصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - من رواية عبد الله بن شقيق عنها من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧١٧ و٢٧١٨ و٢٧١٩ و٢٧٢٠ و٢٧٢١ و٢٧٢٢ و٢٧٢٣] (١١٥٦) و(٧٨٢)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٦٨)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و١٩٩ و٢٠٠) و«الكبرى» (٢/ ٨٤)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧١٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٤٩٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٥٧ و١٧١ و٢٢٧ و٢٤٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٠٧٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٥٨٠)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٣/ ٧٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٦٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان هدي النبيّ ﷺ - في صيامه في غير رمضان. ٢ - (ومنها): استحباب أن لا يُخلي الإنسان أيّ شهر من الشهور عن الصوم فيه. ٣ - (ومنها): بيان أن صوم النفل غير مختصّ بزمان معيّن، بل كل السنة صالحة له، إلا رمضان، والعيد، والتشريق. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من شدّة طلبهم للعلم، وشدّة حرصهم على معرفة أحوال النبيّ - ﷺ - في الصوم وغيره حتى يقتدوا به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ - ﵂ -: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ - يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟، قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، حَتى مَضَى لِسَبِيلِهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (كهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتى مَضَى لِسَبِيلِهِ) تقدّم بلفظ: «حتى مضى لوجهه»، والمعنى متقارب، وهو كناية عن الموت. والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ حَمَّادٌ: وَأَظُنُّ أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - عَنْ صَوْمِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٤ - (هِشَامُ) بن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الإمام المشهور، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ حَمَّادٌ: وَأَظُن أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) «حمّاد» هو: ابن زيد؛ يعني أن هذا الحديث كما سمعه أيوب عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، كذلك سمعه من عبد الله بن شقيق مباشرة، كما ساق ما يدّل على ذلك في الرواية التالية، فيكون مما رواه أيوب عن عبد الله بن شقيق بواسطة، ودون واسطة، فتنبّه. والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَامًا، وَلَا مُحَمَّدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَامًا، وَلَا مُحَمَّدًا) الظاهر أن فاعل «يذكُر» ضمير قُتيبة؛ يعني أن قتيبة روى هذا الحديث عن حمّاد بن زيد مثل ما حدّث عنه أبو الربيع الزهرانيّ في السند، إلا أنه خالفه في إسقاط هشام ومحمد بين أيوب وعبد الله بن شقيق، فيكون مما رواه أيوب عن ابن شقيق بلا واسطة. والظاهر أن المصنّف -﵀- يرى صحة الطريقين، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية أيوب، عن عبد الله بن شقيق هذه ساقها أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٣/ ٢٣٢) فقال: حدّثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صيام النبيّ - ﷺ -، فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، قد أفطر، وما صام رسول الله - ﷺ - شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا رمضان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى إلامام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢١] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - أَنَّهَا قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا في شَعْبَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الإمام المشهور الحجة الفقيه الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) هو: سالم بن أبي أُميّة التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. ٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) وفي رواية ابن وهب عند النسائيّ، والدارقطنيّ في «الغرائب» عن مالك، عن أبي النضر أنه حدّثهم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ -) وفي رواية البخاريّ: «أن عائشة حدّثته»، وفي الرواية التالية عند المصنّف: «سألت عائشة - ﵂ - عن صيام رسول الله - ﷺ -». [تنبيه]: قال في «الفتح»: اتفق أبو النضر، ويحيى بن أبي كثير، ووافقهما محمد بن إبراهيم، وزيد بن أبي عَتّاب، عند النسائيّ، ومحمد بن عمرو، عند الترمذيّ على روايتهم هذا الحديث عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، وخالفهم يحيى بن سعيد، وسالم بن أبي الجعد، فروياه عن أبي سلمة، عن أم سلمة، أخرجهما النسائيّ، وقال الترمذيّ عقب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسناد صحيحٌ، وَيحْتَمِل أن يكون أبو سلمة رواه عن كلّ من عائشة وأم سلمة - ﵂ -. قال الحافظ: ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيميّ رواه عن أبي سلمة، عن عائشة تارةً، وعن أم سلمة تارةً أخرى، أخرجهما النسائيّ. انتهى . (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُ) أي صوم النفل متتابعًا (حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ) أي ينتهي صومه إلى غاية أن نقول: إنه لا يُفطر في هذا الشهر. قال التوربشتيّ -﵀- في «شرح المشكاة»: قوله: «حتى نقول» الرواية بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء على الخطاب، كأنها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرته، والرواية أيضًا بنصب «نقولَ»، وهو الأكثر في كلامهم، ومنهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع. انتهى . (وَيُفْطِرُ) أي يستمرّ على الإفطار (حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي ينتهي إفطاره إلى غاية أن نقول: إنه لا يصوم في هذا الشهر، وذلك لأن الأعمال التي يتطوّع بها ليست منوطة باوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها، قاله في «العمدة» . وقال القرطبي -﵀ -: معنى هذا أنه - ﷺ - كان يصوم متطوِّعًا، فيُكثر، ويوالي حتى تتحدث نساؤه وخاصّته بصومه، ويُفطر كذلك، ومثل هذا حديث ابن عبّاس - ﵄ -: «كان يصوم حتى يقول القائل: لا يُفطر، ويُفطر حتى يقول القائل: لا يصوم»، وبمثل هذا أخبر - ﷺ - به عن نفسه، فقال: «بل أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، فمن رَغِب عن سُنّتي فليس منّي»، متّفقٌ عليه. انتهى . (وَمَا) نافيةٌ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا رَمَضَانَ) إنما لمِ يستكمل شهرًا غيره؛ لئلا يُظنّ وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ) - ﷺ - (فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ) قال في «الفتح»: قوله: «أكثرَ صيامًا» كذا لأكثر الرواة بالنصب، وحَكَى السهيليُّ أنه رُوي بالخفض، وهو وَهَمٌ، ولعل بعضهم كتب «صيامًا» بغير ألف على رأي من يَقِف على المنصوب بغير ألف، فتُوُهّم مخفوضًا، أو أن بعض الرواة ظنّ أنه مضاف؛ لأن صيغة «أَفْعَل» تضاف كثيرًا، فتوهّمها مضافة، وذلك لا يصح هنا قطعًا . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «أكثرَ» ثاني مفعولي «رأيتُ»، والضمير في «منه» راجع إلى رسول الله - ﷺ -، و«في شعبان» متعلّق بـ «صيامًا»، والمعنى: كان رسول الله - ﷺ - يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثرَ من صيامه فيما سواه. انتهى . وقال في «المرقاة»: وقيل: قوله: «في شهر» يعني به غير شعبان، وهو حال من المستكنّ في «أكثر»، و«في شعبان» حال من المجرور في «منه» العائد إلى «رسول الله - ﷺ -»؛ أي ما رأيته كائنًا في غير شعبان أكثر صيامًا منه كائنًا في شعبان، مثل زيد قائمًا أحسن منه قاعدًا، أو كلاهما ظرف «أكثر»، الأوّل باعتبار الزيادة، والثاني باعتبار أصل المعنى، ولا تعلق له برأيته، وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة. انتهى . وفي حديث يحيى بن أبي كثير الآتية: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ»، وفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عائشة الآتية: «وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا». ورواه الشافعيّ من هذا الوجه بلفظ: «بل كان يصوم إلخ»، وهذا يبيّن أن المراد بقوله في حديث أم سلمة - ﵂ - عند أبي داود وغيره: «أنه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان، يصله برمضان»؛ أي كان يصوم مُعْظَمه، ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى، واشتغل ببعض أمره، قال الترمذيّ: كأن ابن المبارك جَمَعَ بين الحديثين بذلك . وحاصله أن الرواية الأولى مفسِّرة للثانية مخَصِّصةٌ لها، وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز، قليل الاستعمال. واستبعده الطيبيّ، قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوّز، فتفسيره بالبعض منافي له، قال: فَيُحْمَل على أنه كان يصوم شعبان كله تارةً، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يتوهم أنه واجبٌ كله كرمضان. وقيل: المراد بقولها: «كله» أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يُخْلِي شيئًا منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. وقال الزيق ابق الْمُنِّير: إما أن يُحْمَل قولُ عائشة - ﵂ - على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يُجْمَع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق، عن عائشة - ﵂ - عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائيّ، ولفظه: «ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان»، وهو قال العينيّ -﵀-: لا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا؛ لأن من قال ذلك، قال في اللفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان. انتهى. «عمدة القاري» (١١/ ٨٣). مثل حديث ابن عباس - ﵄ - الآتي بعد حديث عائشة - ﵂ - . [فائدة]: «شعبان»: اسم من أسماء الشهور، غير منصرف؛ للعلميّة وزيادة الألف والنون، كرمّان، وجمعه شعبانات، وشَعَابين، أفاده في «المصباح» . وإنما سُمّي شعبان به؛ لتشعّبهم؛ أي تفرّقهم في طلب المياه، وقيل: في الغارات بعد أن يَخْرُج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل: إنما سُمّي شعبان؛ لأنه شَعَبَ؛ أي ظهر بين شهري رمضان ورَجَب، قاله في «الفتح»، و«اللسان» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧٢١ و٢٧٢٢ و٢٧٢٣، (١١٥٦) و(٧٨٢)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٦٩)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢/ ٣٢٤)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٩٩ - ٢٠٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٠٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢/ ٣٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٠٧ و١٥٣ و٢٤٢) و«الكبرى» (٢/ ٨٣ و١١٩ و١٧٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٣٠٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٢٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٣٢)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٤٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٢ و٢٩٩) و«المعرفة» (٣/ ٤٤٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان هدي النبيّ - ﷺ - في صوم التطوّع. ٢ - (ومنها): بيان استحباب أن لا يخلو شهر من الشهور عن صوم التطوّع. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على فضل الصوم في شعبان. ٤ - (ومنها): بيان إكثاره - ﷺ - من صوم شعبان. [فإن قلت]: كيف تجمع بين إكثاره - ﷺ - الصوم في شعبان مع قوله - ﷺ -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم»؟، رواه مسلم. [قلت]: أجاب النوويّ -﵀- عنه بأنه يَحْتَمِل أن يكون - ﷺ - ما عَلِم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتَّفَق له فيه من الأعذار بالسفر، أو المرض مثلًا ما منعه من كثرة الصوم فيه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكمة إكثار النبيّ - ﷺ - من صوم شعبان، وتخصيصه بذلك من بين سائر الشهور: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: فقيل: سببه أنه - ﷺ - كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر، أو غيره، فتجتمع، فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطّال، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -: كان رسول الله - ﷺ - يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أَخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان. وابن أبي ليلى ضعيف، وحديث الباب دالّ على ضعف ما رواه. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر، أخرجه الترمذيّ من طريق صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، قال: سئل النبيّ - ﷺ -: أيُّ الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: «شعبان لتعظيم رمضان»، قال الترمذيّ: حديث غريبٌ، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. قال الحافظ: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم». وقيل: الحكمة في إكثاره - ﷺ - من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كُنّ يقضين ما عليهنّ من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدم في الحكمة في كونِهِنّ كُنّ يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهنّ كُنّ يشتغلن معه - ﷺ - عن الصوم. وقيل: الحكمة في ذلك أنه يَعْقُبه رمضان وصومه مفترَضٌ وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان. قال الحافظ -﵀-: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصحّ مما مضى، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذلك شهر يَغْفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرْفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرْفَع عملي، وأنا صائم». ونحوه من حديث عائشة - ﵂ - عند أبي يعلى، لكن قال فيه: «إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم». قال: ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يُحْمَل النهي على من لم تَدخُل تلك الأيام في صيام اعتاده. انتهى كلام الحافظ -﵀-» ، وهو بحث نفيسٌ مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أفطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَمْرٌو الناقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) - بفتح اللام - هو: عبد الله بن أبي لبيد، أبو المغيرة المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] مات سنة بضع و(١٣) (خ م د س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤٠/ ١٤٥٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا) قال القرطبيّ -﵀-: قيل: إن الكلام الأول يفسِّره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يوافق قولها هذا مع قولها: «ما رأيته أكثر صومًا منه في شعبان»، وكذلك قال ابن عبَّاس - ﵄ -: «إنه - ﷺ - ما صام شهرًا غير رمضان»، وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة كله، ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه. وقيل في قولها: «كان يصوم شعبان كله»: أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره، ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمُّه بصيام، وهذا أبعدها، وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٣] (٧٨٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ يَقُولُ: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا»، وَكَانَ يَقُولُ: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصرفي، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس وُيرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِن اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ) تقدّم شرح هذا الكلام في «كتاب صلاة المسافرين وقصرها» [٣٢/ ١٨٢٧] (٧٨٢)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وقال في «الفتح»: مناسبة هذا الكلام للحديث الإشارة إلى أن صيامه - ﷺ - لا ينبغي أن يَتأسَّى به فيه إلا من أطاق ما كان يُطيقه - ﷺ -، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خُشِي عليه أن يَمَلَّ فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قَلَّت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالبًا، وقد تقدم الكلام على مداومته - ﷺ - على صلاة التطوع في بابها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢١)

١. اخترت هذه الصيغة؛ لاختصارها، وبنحوها ترجم القرطبيّ -﵀- في «مختصره»، وقريب منه ترجمة أبي نعيم -﵀- في «مستخرجه»، حيث قال: «باب في صوم رسول الله - ﷺ - تطوّعًا».

٢. أي: قبل اختلاطه.

٣. «وُهيب» هو: ابن خالد، و«إسماعيل» هو: ابن عليّة، و«سفيان» هو: الثوريّ، و«الحمادان» هما: ابن سلمة، وابن زيد، و«بشر» هو: ابن المفضّل، و(عبد الأعلى«هو: ابن عبد الأعلى، و»الثقفيّ«هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد، و»ابن زريع« هو: يزيد الذي في سند مسلم هنا.

٤. «مغني اللبيب» ١/ ٣٣ - ٣٤.

٥. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٤٦٥.

٦. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٠٤.

٧. «الفتح» ٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧ كتاب «الصوم» رقم (١٩٦٩).

٨. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٥٣.

٩. «عمدة القاري» ١١/ ٨٣.

١٠. «المفهم» ٣/ ٢٢٢.

١١. «الفتح» ٥/ ٣٨٧.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٠٣.

١٣. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٤٦٤ - ٤٦٥.

١٤. وقال الحافظ العراقيّ -﵀- متعقبًا لهذا الجمع: هذا فيه ما فيه؛ لأنه قال فيه: «إلَّا شعبان ورمضان»، فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه، وإن مشى ذلك، فإنما يمشي على رأي من يقول: إن اللفظ الواحد يُحْمَل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول. انتهى.

١٥. راجع: «الفتح» ٥/ ٣٨٧.

١٦. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٣١٤.

١٧. «الفتح» ٥/ ٣٨٦، و«لسان العرب» ١/ ٥٠٢.

١٨. راجع: «شرح النوويّ» ٨/ ٣٧.

١٩. «الفتح» ٥/ ٣٨٨.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٢٢٣.

٢١. راجع: «الفتح» ٥/ ٣٨٩.