وفيه جواز القسم على التزام العبادة، وفائدتُهُ الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يُخِلّ بصحة النية والإخلاص فيها، وأن اليمين على ذلك لا يُلْحِقها بالنذر الذي يجب الوفاء به.
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وأن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال.
وفيه جواز التفدية بالأب والأم؛ لقوله: «بأبي أنت وأمي».
وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في أنواع العبادات.
وفيه أن طاعة الوالد لا تجب في ترك العبادة، ولهذا احتاج عمرو إلى شكوى ولده عبد الة، ولم ينكر عليه النبيّ - ﷺ - ترك طاعته لأبيه.
وفيه زيارة الفاضل للمفضول في بيته، وإكرام الضيف بإلقاء الفُرُش ونحوها تحته، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يُفْرَش له، وأن لا حرج عليه في ذلك؛ إذا كان على سبيل التواضع، والإكرام للمزور، وقد تقدّم معظم هذه الفوائد، وإنما أعدتها لإجل الزيادات فيها، وبيانًا لأهمّيتها، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٨) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسِ).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٤٤] (١١٦٠) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوَّيةُ، أنَهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبرَي مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦.
٣ - (يَزِيدُ الرِّشْكِ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، وَهِمَ من لَيّنه [٦] (ت ١٣٠) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في «الحيض» ١٤/ ٧٦٧.
٤ - (مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ) بنت عبد الله، أو الصهباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في «الحيض» ٩/ ٧٣٨.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، ماتت سنة (٥٧)، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ - بضمّتين، وتشديد اللام - نسبة إلى قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث والعنعنة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ) بالجرّ بدل من يزيد، أو عطف بيان له، قال المجد -﵀-: الرِّشْك بالكسر: الكبير اللحية، والذي يَعُدُّ على الرُّماة في السَّبَقِ، وأصله القاف، ولقبُ يزيد بن أبي يزيد الضبَعيّ أحْسَبِ أهل زمانه. انتهى .
(قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ، أنَهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النِّبِيِّ - ﷺ -) بنصب «زوجَ» على البدليّة (أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ)
عائشة - ﵂ - (نَعَمْ) أي كان يصومها؛ أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه (فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ) احترازٌ من أيام الأسبوع (كَانَ يَصُومُ؟) أي هذه الثلاثة، من أولها، أو أوسطها، وآخرها، متصلةً، أو منفصلة؟ (قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي) أي لم يكن يَهْتَمّ للتعيين (مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) أي كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه الشريف، فتارةً من أولها، وتارةً من وسطها، وتارةً من آخرها.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين هذا الحديث وحديث ابن مسعود - ﵁ -: «كان يصوم من غُرّة كل شهر ثلاثة أيام»؟، رواه أبو داود.
[أجيب]: بأن ابن مسعود - ﵁ - حدّث بما اطلع عليه من أحوال النبيّ - ﷺ -، وظنّ أنه الغالب منها، وعائشة - ﵂ - اطلعت من ذلك على ما لم يطلع عليه هو، فحدّثت بما علمت، فلا تنافي بين الأمرين.
وقال العراقيّ -﵀-: يَحْتَمِل أنه يريد بغرته أوله، وأن يريد الأيام الغُرّ؛ أي الْبِيض، وقال القاضي عياض: غُرَر الشهر أوائله. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٧٤٤] (١١٦٠)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٥٣)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٦٣)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٠٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٤٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢١٣٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من إكثار الصوم والاجتهاد فيه.