HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٦٧

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (وَهُوَ ابن مضر) عن ابن الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ. فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ. وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ. ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ، جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا. فَخَطَبَ النَّاسَ. فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ. ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ. فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ. وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأُنْسِيتُهَا. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. فِي كُلِّ وِتْرٍ. وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَوَجْهُهُ مبتل طينا وماء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص171
ج ٢ ص ٨٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢١ ص٥٦٨
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٩] (١١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكلفَ مَعِي، فَلْيَبِتْ في مُعْتكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فنظَرْتُ إِلَيْهِ، وَقَد انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصرفي، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر بن مضر، فما أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، وشيخه بغلانيّ، وبكر مصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُجَاوِرُ) أي يعتكف (فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ) أي شهر رمضان، وذلك قبل أن يَعلَمَ كون ليلة القدر في العشر الأواخر منه. وفي الرواية الآتية من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: «اعتكفنا مع رسول الله - ﷺ - العشر الوُسْطى من رمضان»، ومن طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: «اعتكف رسول الله - ﷺ - العشر الأواسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبَان له، فلما انقضين أَمَرَ بالبناء، فقُوّض، ثم أُبينت له أنَّها في العشر الأواخر، فأَمَرَ بالبناء، فأُعيد»، وزاد في رواية عُمارة بن غزيّة، عن محمد بن إبراهيم عند البخاريّ أنه«اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم اعتكف العشر الأواخر»، ومثله عنده في رواية همّام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، وزاد فيها: «أن جبريل أتاه في المرّتين، فقال له: إن الذي تطلب أَمَامك». وهو بفتح الهمزة والميم: أي قُدّامك. قال الطيبي: وَصَفَ الأوّلَ والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع، إشارةً إلى تصوير ليلة القدر في كلّ ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين. انتهى . (فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي) اسم «كان» ضمير يعود إلى النبيِّ - ﷺ -، و«من» بمعنى «في»، كما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية: [الجمعة: ٩]، والجار والمجرور خبرها، و«حين» مضاف إلى جملة «يَمْضِي»، ويجوز إعرابه، وبناؤه على الأصح، فيُجرّ بالكسرة، وُيبنى على الفتح، لإضافته إلى فعل معرب، كما قال ابن مالك: وَابْنِ أَوَ أعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا أي: فإذا كان النبيّ - ﷺ - وقت مضيّ عشرين ليلة من رمضان. وَيحْتَمِل أن تكون «كان» تامّة، و«من» زائدة على رأي بعض النحاة في زيادتها في الإثبات، و«حين» فاعل «كان»، وقوله: (عِشْرُونَ) بالرفع على الفاعليّة لـ «يمضي»، و(لَيْلَةً) منصوب على التمييز؛ أي إذا جاء وقت مضيّ الليلة العشرين من رمضان. وفي رواية البخاريّ: «فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلةً تمضي». وقوله: (وَيَسْتَقْبِلُ) عطف على جملة «تمضي» إلَّا أن الفاعل ضمير النبيّ - ﷺ -؛ أي: واستقبال إحدى وعشرين منه، وقوله: (اِحْدَى وَعِشْرِينَ) منصوب على المفعوليّة لـ«يستقبل»، يقال: استَقْبلتُ الشيءَ: إذا واجههته، فهو مُسْتَقْبَلٌ، وقوله: (يَرْجعُ) جواب «إذا»، ولفظ البخاريّ: «رَجع»، وهو المناسب للسياق (إِلَى مَسْكَنِهِ) بفتح الميم، والكاف: أي يرجع النبيّ - ﷺ - إلى بيته (وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ) «من» فاعل «رجع»؛ أي: رجع من كان يعتكف مع النبيّ - ﷺ -، من أزواجه، وأصحابه - ﵃ -. والمعنى: أن النبيّ - ﷺ - مكان من هديه في رمضان أنه يعتكف العشر الأوسط منه طلبًا لليلة القدر، فإذا مضى عشرون ليلة من رمضان رجع إلى بيته؛ لظنه أن ليلة القدر انقضى وقت طلبها، ورجع أيضًا من اعتكف معه تلك الليالي إلى بيوتهم، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ إِنَّهُ) - ﷺ - (أقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ) أي: اعتكف (فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا) أي: يرجع إلى مسكنه في صبيحتها، وهي الليلة العشرون من رمضان. وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة التالية: «فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا»، وهي أصرح في المراد. (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ) أي من الأمور الدينيّة، والتوجيهات النبويّة (ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ) أي التي في وسط الشهر (ثُمَّ بَدَا) أي ظهر (لِي) يعني أنه تبيّن له بالوحي أن الاعتكاف المطلوب في العشر الأواخر، لا في الأواسط، وفي رواية البخاريّ:»اعتكف رسول الله - ﷺ - عشر الأُوَل من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فقام النبيّ - ﷺ - خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان … «الحديث. (أَنْ أجَاوِرَ هَذ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَبِتْ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أكثر النسخ:«فَلْيَبِتْ»من المبيت، وفي بعضها:«فَلْيَثْبُتْ»، من الثبوت، وفي بعضها:«فَلْيَلْبَثْ»، من اللَّبْث، وكله صحيح، وقوله في الرواية الثانية:«غير أنه قال: فليثبت»، هو في أكثر النسخ بالثاء المثلثة من الثبوت، وفي بعضها:«فليبت»، من المبيت. انتهى. (فِي مُعْتَكَفِهِ) متعلّق بـ«يبت»، وهو بفتح الكاف، وهو موضع الاعتكاف (وَقَدْ رَأَيْتُ هَذ اللَّيْلَةَ) أي علمتها، بالوحي، وفي رواية للبخاريّ:«إني أريت ليلة القدر»؛ يعني أنه أراه الله تعالى في منامه تعيين تلك الليلة (فَأُنْسِيتُهَا) وفي البخاريّ:«فأُنسيتها، أو نُسِّيتها»بالشك. قال في«الفتح»: شكٌّ من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نسيها هو من غير واسطة؟ ومنهم من ضبط«نُسّيتها»بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى«أنسيتها»، والمراد أنه أُنسي علم تعيينها في تلك السنة. انتهى. وسبب نسيانها هو ما يأتي من حديث عُبَادة بن الصامت - ﵁ -، قال: خرج النبيّ - ﷺ -؛ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال:«خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»، وقوله:«تلاحى»: أي تخاصم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: أي أُنسيت تعيينها في تلك السنة، ومثل هذا النسيان جائز عليه؛ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به، ولعل عدم تعيينها أبلغ في الحكمة، وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال - ﷺ -:«وعسى أن يكون خيرًا لكم»، رواه البخاريّ. ووجه ذلك: أنَّها إذا لَمْ تعيّن، أو كانت متنقلة في العشر، حَرَص الناس على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أجرها، وأجر قيام العشر كله، وهذا نحو مما جرى في تعيين الصلاة الوسطي، وساعة الجمعة، وساعة الليل، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَالْتَمِسُوهَا) أي: اطلبوها، واجتهدوا في إحيائها بالعمل المصالح. قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«فالتمسوها» أمر على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة، تغفر فيها الذنوب، ويُطلع الله تعالى فيها من شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به علمه، ولذلك عظّمها سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾، إلى آخر السورة، وبقوله: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ١ - ٦]. ومعنى «يفرق»: يُفْصَل ويبين، و«حكيم» مُحْكَم؛ أي: متقن. و«أمرًا»: منصوب على القطع، ويصح بنزع الخافض؛ أي: يفرق بأمر، فلما أسقط الخافض تعدى الفعل فنصب. قال: واختَلَف الناس اختلافًا كثيرًا في ليلة القدر: هل كانت مخصوصة بزمن النبيّ - ﷺ -، أو لا؟ فالجمهور: على أنَّها ليست مخصوصة. ثم اختلفوا: هل هي منتقلة في الأعوام، أو ليست منتقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست منتقلة اختلفوا في تعيينها، فمن معيّن ليلة النصف من شعبان، ومن قائل: هي ليلة النصف من رمضان، ومن قائل: هي ليلة سبع عشرة، ومن قائل: هي ليلة تسع عشرة، ثم ما من ليلة من ليالي العشر إلَّا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر، وقيل: هي آخر ليلة منه. وقيل: هي معيّنة عند الله تعالى غير معيّنة عندنا. وهذه الأقوال كلها للسَّلف وللعلماء. وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى. قال: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله - ﷺ - في طلبها: أنَّها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها منتقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها، وهو قول مالك، والشافعي، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض. فاعْتَمِدْ عليه، وتَمَسَّكْ به. انتهى . (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أي: من رمضان، وقوله (في كُلِّ وِتْرٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله؛ أي في كلّ وتر من لياليه، وهي الليلة الحادية والعشرون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون. (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء للمتكلم، وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول، وهو المتكلّم، وهو من خصائص أفعال القلوب؛ أي رأيت نفسي (أَسْجُدُ) بالرفع في محلّ نصب على الحال (فِي مَاءٍ وَطِينٍ) أي عليهما، وذلك علامةٌ على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر في تلك السنة. وقوله أيضًا: (فِي مَاءٍ وَطِينٍ») المراد بذلك الأرض الرطبة، ولعلّ أصله في ماء وتراب، وسُمّي طينًا؛ لمخَالطته به مآلًا، وللإيماء إلى غلبة الماء عليه. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) - ﵁ - (مُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرت السماءُ تَمْطُرُ مَطَرًا، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغة، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يُقال: مَطَرَت السماء وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) بنصب«ليلة»على الظرفيّة لـ«مُطِرنا» (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: وَكَفَ البيت بالمطر، والعينُ بالدمع وَكْفًا، من باب وَعَدَ، ووُكُوفًا، ووَكِيفًا: سأل قليلًا قليلًا، ويجوز إسناد الفعل إلى الدفع، وأوكف بالألف لغة. انتهى . والمعنى هنا: أي قطَرَ، وسال ماء المطر من سقف المسجد، فهو من باب ذكر المحلّ، وإرادة الحالّ (فِي مُصَلَّى) بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة: أي مكان سجود (رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) - ﷺ -، وقوله: (وَقَد انْصَرَفَ) جملة حاليّة من الضمير المجرور (مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) وقوله: (وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ) جملة حاليّة من فاعل «انصرف»، و«الْمُبتلّ» بضمّ الميم، وتشديد اللام: اسم مفعول من ابْتَلّ، وفي الرواية: «ممتلئًا طينًا وماءً»، وقوله: (طينًا وَمَاءً) منصوب على التمييز. وحاصل المعنى: أن أبا سعيد رأى النبيَّ - ﷺ - حينما انصرف من صلاة الصبح قد ابتلّ وجهه بالطين والماء، تصديقًا لما ذكره النبي - ﷺ - من علامة ليلة القدر في تلك السنة بقوله: «وقد رأيتني أسجُدُ في ماء وطين». وقال النوويّ: قال البخاريّ: وكان الحميديّ يحتجّ بهذا الحديث على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وكذا قال العلماء: يستحب أن لا يمسحها في الصلاة، وهذا محمول على أنه كان شيئًا يسيرًا لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض، فإنه لو كان كثيرًا بحيث يمنع ذلك لَمْ يصح سجوده عند الشافعيّ وموافقيه في منع السجود على حائل متصل به. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السجود مع الحائل المتّصل جائز؛ لهذا الحديث، وللأدلّة التي تقدّمت في موضعها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٢٧٦٩ و٢٧٧٠ و٢٧٧١ و٢٧٧٢ و٢٧٧٣ و٢٧٧٤] (١١٦٧)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٦٩ و٨١٣ و٨٣٦) و«فضل ليلة القدر» (٢٠١٦ و٢٠١٨) و«الاعتكاف» (٢٠٢٧ و٢٠٣٦ و٢٠٤٠)، و(أبو داود) في «الصوم» (١٣٨٢)، و(النسائيّ) في «السهو» (٣/ ٧٩) وفي «الكبرى» (١/ ٤٠٤)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣١٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٤٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٧٣ و٣٦٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٥٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٠٣ و٤/ ٣٠٩ و٣١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ليلة القدر، وأنها تكون في رمضان في ليالي العشر الأواخر منه. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من شدة تحريه لليلة القدر، وحثّ أمته على الحرص في طلبها. ٣ - (ومنها): ترك مسح جبهة المصلي. ٤ - (ومنها): جواز السجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يَعْكُر عليه قوله في بعض طرقه: «ووجهه ممتلئ طينًا وماءً»، وجواب النوويّ بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة مما لا يخفى ضعفه، والحقّ أن السجود على الحائل يجوز، وقد تقدم تحقيق ذلك في أبواب الصلاة، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): جواز السجود في الطين. ٦ - (ومنها): الأمر بطلب الأَولي، والإرشاد إلى تحصيل الأفضل. ٧ - (ومنها): أن النسيان جائز على النبيّ - ﷺ -، ولا نقص عليه في ذلك، لا سيما فيما لَمْ يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع، كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة، كما في هذه القصة؛ لأن ليلة القدر لو عُيِّنت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها، ففاتت العبادة في غيرها، وهذا - والله أعلم - هو المراد بقوله - ﷺ -: «وعسى أن يكون خيرًا لكم»، كما في حديث عبادة بن الصامت في «صحيح البخاريّ». ٨ - (ومنها): جواز استعمال رمضان بدون شهر. ٩ - (ومنها): استحباب الاعتكاف في رمضان، وترجيح اعتكاف العشر الأواخر منه. ١٠ - (ومنها): أن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقًا للواقع. ١١ - (ومنها): ترتب الإحكام على رؤيا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ١٢ - (ومنها): أن في أول قصة أبي سلمة مع أبي سعيد الخدريّ الآتي في الرواية الثالثة المشيّ في طلب العلم، وإيثار المواضع الخالية للسؤال، وإجابة السائل لذلك، واجتناب المشقة في الاستفادة، وابتداء الطالب بالسؤال. ١٣ - (ومنها): استحباب تقديم الخطبة على التعليم، وتقريب البعيد في الطاعة، وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطّف، والتدريج إليها. [تنبيه]: تقدّم في حديث عبادة بن الصامت عند البخاريّ أنه - ﷺ - قال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت». قوله: «لأخبركم بليلة القدر» أي بتعيين ليلة القدر. وقوله: «فرُفعت» أي رُفع من قلبي، فنسيت تعيينها؛ للاشتغال بالمتخاصمين، وقيل: المعنى: فرُفعت بركتها في تلك السنة، وقيل: «التاء» في رُفِعتْ للملائكة، لا لليلة. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قال بعضهم: رُفِعت؛ أي معرفتها، والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها، فإذا وقعت لَمْ يكن لرفعها معني، قال: ويمكن أن يقال: المراد برفعها أنَّها شَرَعت أن تقع، فلما تخاصما رُفعت بعدُ، فنَزَّل الشروع منزلة الوقوع. وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة، فهل أُعلم النبيّ - ﷺ - بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمالٌ، وقد نُقل عن ابن عيينة أنه أُعْلِم. ورَوَى محمد بن نصر، من طريق وأهب المغافريّ، أنه سأل زينب بنت أم سلمة - ﵄ -: هل كان رسول الله - ﷺ - يَعْلَم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو عَلِمها لَمَا قام الناس غيرها. انتهى. قال الحافظ: وهذا قالته احتمالًا، وليس بلازم؛ لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضًا، فيحصل الاجتهاد في جميع العشر، كما تقدم. قال: واستَنبَط السبكيّ الكبير - ﵀ - في «الحلبيات» من هذه القصة استحبابَ كتمان ليلة القدر لمن رآها، قال: ووجه الدلالة أن الله قَدَّر لنبيه - ﷺ - أنه لَمْ يخبر بها، والخير كله فيما قُدِّر له، فيستحب اتّباعه في ذلك. وذكر في «شرح المنهاج» ذلك عن «الحاوي» قال: والحكمة فيه أنَّها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها، بلا خلاف بين أهل الطريق، من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب، ومن جهة أن لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب، فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها، وذِكرِها للناس، ومن جهة أنه لا يَأُمَن الحسد، فيوقع غيره في المحذور، ويُستأنَس له بقول يعقوب: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] الآية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ التَّيِ فِي وَسَطِ الشَهْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أنهُ قَالَ: «فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ»، وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طينًا وَمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْن أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. والباقون ذُكروا قبله، و«يزيد»: هو ابن الهاد. وقوله: (فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتكَفِهِ) أي: بالثاء المثلّثة. وقوله: (وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً) قال النوويّ ﵀: كذا هو في معظم النسخ «ممتلئًا» بالنصب، وفي بعضها: «ممتلئ»، ويُقدّر للمنصوب فعل محذوف؛ أي: وجبينه رأيته ممتلئًا. قال: ولا يخالف ما تأوّلناه؛ لأن الجبين غير الجبهة، فالجبين في جانب الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء الجبهة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أنه لا حاجة للتأويل المذكور؛ لأن الحقّ جواز السجود على الحائل؛ للأدلّة الصحيحة على ذلك، فلا تغفل. [تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن يزيد بن الهاد هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه» مقرونًا بابن أبي حازم، فقال: (٢٠١٨) - حدّثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدّثني ابن أبي حازم، والدَّراورديّ، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ منه: كان رسول الله - ﷺ - يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حينَ يُمسي من عشرين ليلةً تمضي، ويَستَقْبِل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: «كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتَكَفَ معي، فليثبت في مُعْتَكَفه، وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كلّ وتر، وقد رأيتني أَسْجُد في ماء وطينًا، فاستَهَلَّت السماء في تلك الليلة، فأمْطَرت، فوَكَف المسجد في مُصَلَّى النبيّ ليلة إحدى وعشرين، فبَصُرَتْ عيني رسول الله - ﷺ -، ونظرت إليه انصَرَف من الصبح، ووجهه ممتلئٌ طينًا وماءً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧١] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، فِي قُبَّةٍ تُرْكِيةٍ، عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ، فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ، فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبُّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلْيَعْتَكِفْ»، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: «وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ»، فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ، فَمَطَرَت السَّمَاءُ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الطهارة» ١٢/ ٥٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ … الخ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر، كما قال في أكثر الأحاديث: «العشر الأواخر»، وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو باعتبار الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبيّ - ﷺ -. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: لَمْ خولف بين الأوصاف، فوصَفَ العشر الأول، والعشر الأوسط بالمفرد، وا لآخَرَ بالجمع؟. [قلت]: تصوّر في كلّ ليلة من الليالى العشر الأخير ليلة القدر، فَجَمَعَهُ، ولا كذلك في العشرين. انتهى . وقوله: (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) أي: قبّة صغيرة من لبود، قاله النوويّ - ﵀ - . وقوله: (عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ) قال المجد - ﵀ -: «السُّدّة» بالضمّ: باب الدار، جمعه سُدَدٌ. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: «السُّدّة»: كالظلّة على الباب؛ لتقي الباب من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: هى الساحة بين يديه. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: «السُّدّة» بالضم في كلام العرب: الْفِناء لبيت الشعر، وما أشبهه، وقيل: السدة: كالصُّفّة، أو كالسَّقِيفة فوق باب الدار، ومنهم من أنكر هذا، وقال: الذين تكلموا بالسُّدّة لَمْ يكونوا أصحاب أَبْنِية، ولا مَدَر، والذين جعلوا السدة كالصفة، أو كالسقيفة، فإنما فَسَّروها على مذهب أهل الحضر، والسُّدّة: الباب، ويُنسَب إليها على اللفظ، فيقال: السُّدّيّ، ومنه الإمام المشهور، وهو إسماعيل السُّدّيّ؛ لأنه كان يبيع المقانع، ونحوها في سُدّة مسجد الكوفة، والجمع: سُدَدٌ، مثلُ غُرْفَةٍ وغرَفٍ. انتهى . وقوله: (فَنَحَّاهَا) أي: أزال الحصير، وإنما أنّثها؛ لأنَّها بمعنى الباريّة، قال الفيّوميّ: الْحَصِير: الْبَاريّةُ، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُدٍ، وتأنيثها بالهاء عاميّ، قال: والباريّة: الْحَصير الْخَشِنُ. انتهى . وقوله: (فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ) أي أزالها إلى جانب القبّة. وقوله: (ثُمَّ أَطْلَعَ رَأسَهُ) بقطع الهمزة: أي أخرجه. وقوله: (ثُمَّ أُتِيتُ … إلخ) بالبناء للمفعول: أي أتاني ملكٌ، وقد تقدّم أنه جبريل - ﵇ -. وقوله: (وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ) قال النوويّ: هي بالثاء المثلّثة، وهي طرفه، ويقال لها أيضًا: أَرْنَبة الأنف، كما جاء في الرواية الأخرى. انتهى . وقوله: (فِيهِمَا) أي في جبينه، وروثة أنفه، وفي نسخة «فيها» بالإفراد، راجع إلى الروثة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَأَتَيْتُ؛ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - ﵁ -، وَكانَ لِي صَدِيقًا، فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ، فَخَرَجَ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ فَقَالَ: نَعَمْ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولي اللهِ - ﷺ - الْعَشْرَ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نَسِيتُهَا، أَوْ أُنسِيتُهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ كُلِّ وِتْرٍ، وَإِنِّي أُرِيتُ ؛ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلْيَرْجِعْ»، قَالَ: فَرَجَعْنَا، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، قَالَ: وَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمُطِرْنَا، حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، قَالَ: حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٢ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر - بوزن جَعَفر - الدّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى: «سمعت أبا سلمة». وقوله: (أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ) أي: إلى البستان الذي فيه النخل. وقوله: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) هي ثوبُ خَزّ، أو صوف مُعْلَم، وقيل: لا تُسمّى خميصةً إلَّا أن تكون سوداء مُعْلَمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها خَمَائص . وقوله: (اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْعَشْرَ الْوُسْطَى) - بضمِّ الواو - تأنيث الأوسط، ووقع عند البخاريّ بلفظ: «اعتكفنا مع رسول الله - ﷺ - العشر الأوسط»، قال في «الفتح»: هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد بالعشر الليالي، وكان من حقّها أن توصف بلفظ التأنيث، لكن وُصِفت بالمذكر على إرادة الوقت، أو الزمان، أو التقدير الثلث، كانه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر، ووقع في «الموطأ»: «العشر الوُسُط» بضم الواو والسين: جمع وُسْطَي، ويروى بفتح السين مثل كُبَر وكبْري، ورواه الباجيّ في «الموطأ» بإسكانها على أنه جمع واسط، كبازل وبُزْل، وهذا يوافق رواية «الأوسط». انتهى . وقوله: (فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية مالك: «حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه». قال في «الفتح»: وظاهره يخالف رواية الباب، ومقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغاير لقوله في آخر الحديث: «فأبصرت عيناي رسول الله - ﷺ -، وعلى جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين»، فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لبقية الطرق، وعلى هذا فكان قوله في رواية مالك المذكورة: «وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها» أي: من الصبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصبح إليها تجوّز. وقد أطال ابن دحية في تقرير أن الليلة تضاف لليوم الذي قبلها وَرَدَّ على من منع ذلك، ولكن لَمْ يُوَافَق على ذلك، فقال ابن حزم: رواية ابن أبي حازم، والدراورديّ يعني عند البخاريّ مستقيمة، ورواية مالك مشكلة، وأشار إلى تأويلها بنحو مما ذكرته. ويؤيده ما سبق في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بلفظ: «فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلةً، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه»، وهذا في غاية الإيضاح. وأفاد ابن عبد البرّ في «الاستذكار» أن الرواة عن مالك اختَلَفُوا عليه في لفظ الحديث، فقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه يحيى بن يحيى، ويحيى بن بكرٍ، والشافعيّ، عن مالك: «يَخرُج في صبيحتها من اعتكافه»، ورواه ابن القاسم، وابن وهب، والقعنبيّ، وجماعة، عن مالك، فقالوا: «وهي الليلة التي يَخرُج فيها من اعتكافه». قال: وقد روى ابن وهب، وابن عبد الحكم، عن مالك، فقال: «من اعتَكَف أول الشهر، أو وسطه، فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه، ومن اعتكف في آخر الشهر، فلا ينصرف إلى بيته حتى يَشْهَد العيد»، قال ابن عبد البر: ولا خلاف في الأول، وإنما الخلاف فيمن اعتكف العشر الأخير، هل يخرج إذا غابت الشمس، أو لا يخرج حتى يصبح؛ قال: وأظن الوَهْمَ دخل من وقت خروج المعتكف. قال الحافظ: وهو بعيدٌ؛ لِمَا قَرَّره هو من بيان محل الاختلاف، وقد وجّه شيخنا الإمام البلقينيّ رواية الباب بأن معنى قوله: «حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين» أي: حتى إذا كان المستَقْبَلُ من الليالي ليلة إحدى وعشرين، وقوله: «وهي الليلة التي يَخْرُج»الضمير يعود على الليلة الماضية، ويؤيد هذا قوله: «من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر»؛ لأنه لا يتمّ ذلك إلَّا بإدخال الليلة الأولى. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) - بضم أوله - على البناء للمفعول، وهي من الرؤيا؛ أي: أُعْلِمتُ بها، أو من الرؤية؛ أي: أبصرتها، وإنما أُري علامتها، وهو السجود في الماء والطين، كما وقع في رواية همام بن يحيى، عن أبي سلمة، عند البخاريّ بلفظ: «حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله - ﷺ - وأرنبته تصديق رؤياه». وقوله: (وَإِنِّي نَسِيتُهَا، أَوْ أُنْسِيتُهَا) قال في «الفتح»: شكّ من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نَسِيها هو من غير واسطة؟ ومنهم من ضبط «نُسِّيتُها» بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى أنسيتها، والمراد أنه أُنسِيَ علم تعيينها في تلك السنة، وقد تقدّم بيان سبب النسيان في هذه القصة في حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرته من عند البخاريّ، وسيأتي أيضًا عند المصنّف بعد حديثين ما يشير إليه في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -. وقوله: (فَمَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) فيه التفات، وفي رواية البخاريّ: «فمن كان اعتكف معي، فليرجعٍ». وقوله: (وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بفتح القاف والزاي: أي قطعة من سحاب رقيقة. وقوله: (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، وفي رواية البخاريّ: «فجاءت سحابة، فمَطَرَت»، وله من وجه آخر: «فاستَهَلَّت السماءُ، فأمطرت». وقوله: (حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) وفي رواية مالك: «فوكف المسجد - أي قطر الماء من سقفه - وكان على عَرِيش»؛ أي مثل العَرِيش، وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مُظَلّلًا بالجريد، والْخُوص، ولم يكن مُحْكَم البناء، بحيث يُكِنّ من المطر الكثير. وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) وفي رواية مالك: «على جبهته أثر الماء والطين»، وفي رواية ابن أبي حازم عند البخاريّ: «انصرف من الصبح، ووجهه ممتلئ طينًا وماءً»، وهذا يُشعِر بأن قوله: «أثر الماء والطين» لَمْ يُرِد به محض الأثر، وهو ما يبقى بعد إزالة العين، قاله في «الفتح» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٣] (…) - (وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَز (ع) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ انْصَرَفَ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ، وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدَّم قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقنديّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ متقنٌ فاضلٌ إمامٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٥ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجّاج الْخَولانيّ الْحِمصيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ٢٦/ ١٧٧٤. ٦ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، تقدَّم قريبًا. و«يحيى» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لمعمر، والأوزاعيّ. وقوله: (وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ) «الأرنبة» بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح النون، ثم الموحّدة: طرف الأنف . [تنبيه]: أما رواية معمر، عن يحيى بن أبي كثير، فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» (٢/ ٢٦٠ - ٢٥٩) فقال: (٣٠٦٩) - أخبرنا الحسن بن عبد الأعلى بن إبراهيم الصنعاني أبو محمد البوسيّ والدبريّ جميعًا، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، فخرجنا ضاحية عشرين، فخطبنا رسول الله - ﷺ -، فقال: «إني رأيت ليلة القدر، فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، في وتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتَكَف معي فليرجع إلى مُعْتَكَفه»، قال: فخرجنا، وما في السماء قَزَعَةٌ، فجاءت سحابة، فمُطِرنا حتى سأل سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت على أرنبة رسول الله - ﷺ - حين انصرف أثرُ الطين في جبهته وأرنبته؛ يعني ليلة إحدى وعشرين. انتهى. وأما رواية الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فقد ساقها أيضًا أبو عوانة في «مسنده» (٢/ ٢٥٩) فقال: (٣٠٦٧) - أخبرني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيّ، وحدّثنا محمد بن عوف، حدّثنا أبو المغيرة، وحدّثنا الكيساني، حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، قال: أتيت أبا سعيد الخدريّ، فقلت له: يا أبا سعيد اخرُجْ بنا إلى النخل، قال: نعم، فدعا بِخَمِيصة، فأخذها عليه، قال: فخرجا، فقلت: يا أبا سعيد، هل سمعت رسول الله - ﷺ - يذكر ليلة القدر؛ قال: نعم، اعتكفنا مع رسول الله - ﷺ - العشر الأوسط من رمضان، فلما كان صبيحة عشرين، قام فينا رسول الله - ﷺ -، فقال: «إني رأيت ليلة القدر، وإني أُنسيتها، وإني رأيت أني أسجد في طين وماء، فالتمسوها في العشر الأواخر، في وتر»، قال: وما نَرَى في السماء قَزَعَةً، قال: ونودي بالصلاة، وثار سحاب، فمُطِرنا، حتى سأل سقف المسجد، وهو من جريد النخل، قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - يسجد في الطين والماء، حتى نظرت إلى أثر الطين في أرنبته وجبهته. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ «الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ ، أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:»يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ، مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا، قَالَ: أَجَلْ، نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ، وَقَالَ ابْنُ خَلَّادٍ مَكَانَ «يَحْتَقَّانِ»: «يَخْتَصِمَانِ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر - ﵀ - بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) تقدّم أن المشهور تأنيث العشر، ويجوز أيضًا تذكيره باعتبار الأيام، فلذا جاز تذكير الأوسط بهذا الاعتبار، فتنبّه. وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ) بالبناء للمفعول، أن تُظهر له بأنها في العشر الأواخر، قال الفيّوميّ - ﵀ -: بأن الأمر، يَبِينُ، فهو بيّنٌ، وجاء بائنٌ على الأصل، وأبان إبانةَ، وبَيَّنَ، وتبيَّنَ، واستبان، كلّها بمعنى الوضوح والانكشاف، والاسم البيان، وجمعها يُستَعْمَل لازمًا ومتعهدّيًا، إلَّا الثلاثيّ، فلا يكون إلَّا لازمًا. انتهى . وقوله: (فَلَمَّا انْقَضَيْنَ) وفي نسخة:«قال: فلما انقضين»بزيادة لفظة«قال»، أي انتهت أيام العشر الأوسط. وقوله: (أَمَرَ بِالْبِنَاءِ) أي: بخبائه التي نُصبت له لأن يعتكف فيها. وقوله: (فَقُوِّضَ) بقاف مضمومة، وواو مكسورة مشدّدة، مبنيًّا للمفعول، ومعناه: أُزيل، يقال: قاض البناءُ، وانقاض: أي: انهدم، وقوّضته أنا، قاله النوويّ - ﵀ - . وقوله: (فَجَاءَ رَجُلَانِ) قال العلامة سراح الدين ابن الملقّن - ﵀ -: هما كعب بن مالك، وعبد الله بن أبي حَدْرَد - ﵄ -، وعزاه لابن دِحية في«العلم المشهور»، قاله صاحب«التنبيه». وقوله: (يَحْتَقَّانِ) بتشديد القاف: أي يطلب كلّ واحد منهما حقّه، وَيدَّعي أنه الْمُحقّ. قال الجامح عفا الله عنه: قصّة كعب بن مالك، وصاحبه ذكرها البخاريّ - ﵀ - في«صحيحه»، فقال: (٤٧) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، حدّثني أنس بن مالك، قال: أخبرني عبادة بن الصامت: أن رسول الله - ﷺ - خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال:«إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفِعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع، والتسع، والخمس». قال في«الفتح»: قوله:«فتلاحى»بفتح الحاء المهملة مشتقّ من التلاحي بكسرها، وهو التنازع، والمخاصمة، والرجلان أفاد ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد - بحاء مفتوحة، ودال ساكنة مهملتين، ثم راء مفتوحة، ودال مهملة أيضًا - وكعب بن مالك. وقوله:«فرُفعت»أي فرُفع تعيينها عن ذكري، هذا هو المعتمد هنا. والسبب فيه ما أوضحه مسلم، من حديث أبي سعيد - ﵁ - في هذه القصّة، قال:«فجاء رجلان يَحْتَقّان - بتشديد القاف؛ أي يَدّعِي كلٌّ منهما أنه الْمُحِق - معهما الشيطان، فنسيتها». قال القاضي عياض - ﵀ -: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومةٌ، وأنها سبب في العقوبة المعنوية؛ أي: الحرمان، وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان تُرفَع منه البركة والخير. [فإن قيل]: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومةً؟. [قلت]: إنما كانت كذلك؛ لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر، لا اللغو، ثم في الوقت المخصوص أيضًا بالذكر، لا اللغو، وهو شهر رمضان، فالذمّ لِمَا عَرَضَ فيها، لا لذاتها، ثم إنها مستلزمة لرفع الصوت، ورفعه بحضرة رسول الله - ﷺ - منهي عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. انتهى . وقوله: (فَنُسِّيتُهَا) بضمّ النون، وتشديد السين، مبنيّا للفاعل، وفي بعض النسخ: «فَنَسِيها» بفتح النون، وكسر السين المخفّفة. وقوله: (قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ … إلخ) أي هل هي تاسعة ما مضي، أو تاسعة ما بقي؟ فهذا وجه السؤال، وهو ظاهر في التاسعة، والسابعة، وأما الخامسة فهي متعينةٌ، ومُحَصَّلُ ما أجاب به أبو سعيد - ﵁ - أن المراد بالعدد تاسعة ما بقي من الليالي، وسابعته، وخامسته، وعند البخاريّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ -: «في تاسعة تبقي، في سابعة تبقي، في خامسة تبقى». وفي حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - عنده أيضًا: «فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». قال في «الفتح»: قوله: «فالتمسوها في التاسعة … إلخ» يَحْتَمِل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير، فتكون ليلة تسع وعشرين، وَيحْتَمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى، أو اثنين بحسب تمام
مصادر المؤلف (٣٥)

١. وفي نسخة: «فليثْبُت»، وفي أخرى: «فليَلْبَث».

٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٢٣.

٣. «المفهم» ٣/ ٢٥٢.

٤. «المفهم»٣/ ٢٥٠ - ٢٥١.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٥.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٠.

٧. «شرح النوويّ» ٨/ ٦١.

٨. «الفتح» ٤/ ٢٨٦.

٩. وفي نسخة: «وجبينه ممتلئٌ».

١٠. «شرح النوويّ» ٨/ ٦١.

١١. وفي نسخة «فيها».

١٢. «شرح النوويّ» ٨/ ٦١ - ٦٢.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٢٣.

١٤. «شرح النوويّ» ٨/ ٦٢.

١٥. «القاموس المحيط» ١/ ٣٠٠.

١٦. «النهاية» ٢/ ٣٥٣.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٤٧ و١٣٨ - ١٣٩.

١٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٦٢.

٢٠. وفي نسخة:«أو نُسّيتها»- بالتشديد -.

٢١. وفي نسخة:«رأيتُ».

٢٢. «النهاية»٢/ ٨٠ - ٨١.

٢٣. «الفتح» ٤/ ٢٥٧.

٢٤. «الفتح» ٥/ ٤٥٥ - ٤٥٦.

٢٥. «الفتح» ٥/ ٤٥٦ - ٤٥٧.

٢٦. وفي نسخة: «ورأيتُ».

٢٧. «القاموس المحيط» ١/ ٧٦.

٢٨. هكذا النسخة، ولعله: «قالا»، فليُحرّر.

٢٩. وفي نسخة: «قال: فلما انقضين».

٣٠. وفي نسخة: «فَنَسِيتها» - بالتخفيف -.

٣١. وفي نسخة: اثنتان وعشرون».

٣٢. «المصباح المنير»١/ ٧٠.

٣٣. «شرح النوويّ»٨/ ٦٣.

٣٤. «تنبيه المعلم»(ص ٤٦٨).

٣٥. «الفتح» ١/ ٢٠٦.