HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٧١

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيل عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص174
ج ٢ ص ٨٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٧
قلت لأحمد - ﵀ -: تَعْرِف في فضل الاعتكاف شيئًا؟ قال: لا إلَّا شيئًا ضعيفًا، ولا نعلم بين العلماء خلافًا في أنه مسنون. انتهى . [تنبيه]: اختُلف هل الاعتكاف والمجاورة بمعنى واحد أم لا؟: قال وليّ الدين - ﵀ -: وأما المجاورة فهي بمعنى الاعتكاف، صَرَّح غير واحد من أهل اللغة والغريب بأنها الاعتكاف في المسجد، منهم الجوهريّ في «الصحاح»، وابن الأثير في «النهاية». قال: وحَكَى والدي: - ﵀ - في «شرح الترمذيّ» خلافًا في أن المجاورة الاعتكافُ أو غيره، فقال عمرو بن دينار: الجوار والاعتكاف واحد، وسئل عطاء بن أبي رَبَاح: أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أم شيء واحد؟ قال: بل هما مختلفان، كانت بيوت النبيّ - ﷺ - في المسجد، فلما اعتَكَف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد، فاعتكف فيه، قيل له: فان قال إنسان: عليّ اعتكاف أيام، ففي جوفه لا بدّ؟ قال: نعم، وإن قال: عليّ جوار أيام، فبابه، أو في جوفه إن شاء. كذا رواه عبد الرزاق في «المصنّف» عنهما. قال والدي: وقول عمرو بن دينار هو الموافق للأحاديث. انتهى. وذهب أبو القاسم السُّهيليّ إلى الثاني، فقال في «الروض»: إن بينهما فرقًا، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلَّا داخل المسجد، والجوار قد يكون خارجه، كذلك قال ابن عبد البر وغيره. انتهى . (١) - (بَابُ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٠] (١١٧١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتكِفُ في الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) الْجَمّال - بالجيم - أبو جعفر الرازيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٢. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ، إمامٌ في المغازي [٥١] (ت ١٤١ أو بعد ذلك) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ -، المتوفى سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والبخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فرازيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - اشتهر بشدّة اتّباعه للأثر، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: «أَن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ) تقدّم أن الاعتكاف في اللغة: هو ملازمة الشيء، والإقامة فيه، ولَمّا كان المعتكف ملازمًا للعمل بطاعة الله تعالى مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم، وهو في عرف الشرع: ملازمة طاعةٍ مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، على ما يأتي تفصيله، وأجمعوا على أنه ليس بواجب، وهو قربة من القُرب، ونافلة من النوافل، عَمِل بها رسول الله - ﷺ - وأصحابه وأزواجه من بعده (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ») زاد في الرواية التالية:«قال نافع: وقد أراني عبد الله - ﵁ - المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله - ﷺ - من المسجد»، وزاد ابن ماجة من وجه آخر عن نافع:«إن ابن عمر كان إذا اعتكف طُرح له فراشه وراء أسطوانة التوبة»، وزاد في حديث عائشة - ﵂ - الآتي:«حتى توفّاه الله - ﷿ -، ثمّ اعتَكَف أزواجه من بعده». قال في«الفتح»: فيؤخذ من الحديث الأول اشتراط المسجد له، ومن الثاني أنه لَمْ يُنْسَخ، وليس من الخصائص، وأما قول ابن نافع عن مالك: فَكَّرتُ في الاعتكاف، وترك الصحابة له مع شدة اتّباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلَّا عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن. انتهى. وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أَخَذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائزٌ، وأنكر ذلك عليهم ابن العربيّ، وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبيّ - ﷺ - ما يدلّ على تأكده، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٨٠ و٢٧٨١] (١١٧١)، و(البخاريّ) في «الاعتكاف» (٢٠٢٥)، و(أبو داود) في «الاعتكاف» (٢٤٦٥)، و(ابن ماجة) في «الاعتكاف» (١٧٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٣٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الاعتكاف في الجملة، وهو مجمع عليه، كما حكاه غير واحد، وحَكَى ابن العربيّ عن أصحابهم أنهم يقولون في كتبهم: الاعتكاف جائز، قال: وهو جهل. انتهى. وفي «سنن ابن ماجة» عن ابن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - قال في المعتكف: «هو يعكف الذنوب، ويجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها»، وهو ضعيف؛ لأن في سنده فَرْقدًا السَّبَخيّ ضعيف. ورَوَى أبو الشيخ في «فضائل الأعمال» عن أبي بكر - ﵁ - قال: خبّرني رسول الله - ﷺ -: «أنه من اعتكف يومًا وليلة يريد بذلك وجه الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، وهو أيضًا ضعيف. ٢ - (ومنها): بيان تأكده في العشر الأواخر من رمضان، وسببه طلب ليلة القدر، فإنها عند الجمهور منحصرة في العشر الأخير، وقد تقدّم أدلّة ذلك في أحاديث الباب الماضي. ٣ - (ومنها): أن قوله: «في العشر الأواخر» هي الليالي، وكان يعتكف الأيام معها أيضًا، فلم يكن يقتصر على اعتكاف الليالي، وإنما اقتصر على ذكرها على عادة العرب في التأريخ بها، وهذا يدلّ على دخوله محل الاعتكاف قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين، وإلا لَمْ يكن اعتكف عشرًا، أو شهرًا، وبه قال الأئمة الأربعة، وحكاه الترمذيّ عن الثوريّ. وقال آخرون: بل يبدأ العشر بكمالها، وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمن أراد الاعتكاف من أول النهار، وهو قول الأوزاعيّ، وأبي ثور، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر - ﵀ -، والليث بن سعد في أحد قوليه، وحكاه الترمذيّ عن أحمد بن حنبل، وحكاه النوويّ في «شرحه» عن الثوريّ، وصححه ابن العربيّ، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به إلَّا الأوزاعيّ، والليث، وقال به طائفة من التابعين. انتهى. واحتجّوا بحديث عائشة - ﵂ - الآتي في الباب التالي: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل مُعتَكفه»، متّفقٌ عليه. وتأوله الجمهور على أنه دخل المعتكَف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. ٤ - (ومنها): بيان جواز أن يقال: رمضان من غير ذكر الشهر، وبه قال البخاريّ، ونقله النوويّ عن المحققين، قالوا: ولا كراهة في ذلك. وقالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده، وإنما يقال: شهر رمضان، وهو قول المالكية، وتعلقوا في ذلك بأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فلا يُطْلَق على غيره إلَّا أن يُقَيَّد، وقال أكثر أصحاب الشافعيّ، وابن الباقلانيّ: إن كانت قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، دالا فيكره، فيقال: صمنا رمضان، ونحوه، ويكره جاء رمضان ونحوه، فهذه ثلاثة مذاهب. قال النوويّ - ﵀ -: والأول هو الصواب، والمذهبان الأخيران فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي شرعيّ، ولم يثبت فيه نهيّ، وقولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفيةٌ، لا تطلق إلَّا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لَمْ يلزم منه كراهة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن في قول عائشة - ﵂ -: «حتى قبضه الله» استمرار هذا الحكم، وعدم نسخه، وأكدت ذلك بقولها: «ثم اعتكف أزواجه من بعده»، فأشارت إلى استمرار حكمه حتى في حقّ النساء، فكُنّ أمهاتُ المؤمنين يعتكفن بعد النبيّ - ﷺ - من غير نكير، وإن كان هو في حياته قد أنكر عليهنّ الاعتكاف بعد إذنه لبعضهنّ، كما هو في الحديث الصحيح، فذاك لمعنى آخر، وهو كما قيل: خوف أن يكنّ غير مُخْلِصات في الاعتكاف، بل أردن القُرْب منه - ﷺ - لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهنّ، أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهنّ معه في المعتكَف، أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهن، والله أعلم. ٦ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الاستمرار على ما اعتاده من فعل الخير، وأنه لا يقطعه، وقد قال النبيّ - ﷺ - لعبد الله بن عمرو: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه»، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان حكم الاعتكاف: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضًا إلَّا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرًا، فيجب عليه، ومما يدلُّ على أنه سنةٌ فعلُ النبيّ - ﷺ -، ومداومته عليه تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لثوابه واعتكاف أزواجه معه وبعده. ويدلّ على أنه غير واجب أن أصحابه لَمْ يعتكفوا، ولا أمَرهم النبيّ - ﷺ - إلَّا من أراده، وقال - ﷺ -: «من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر»، ولو كان واجبًا لَمَا عَلّقه بالإرادة، وأما إذا نذره فيلزمه؛ لقول النبيّ - ﷺ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، رواه البخاريّ، وعن عمر - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبيّ - ﷺ -: «أوف بنذرك»، متّفقٌ عليه . قال الجامع عفا الله عنه: قد عُلم بما سبق أن الاعتكاف سنةٌ، وليس بواجب إلَّا بالنذر، وهذا مجمع عليه، وأقوى دليل عليه قوله - ﷺ -: «من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر»، فجعله إلى إرادة الشخص، وهذا شان الاستحباب لا الوجوب، فتنبّه والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط المسجد للاعتكاف: قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلّها»، قال في «الفتح»: أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، ووجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لَمْ يختص تحريم المباشرة به؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعُلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلَّا فيها، ونَقَل ابن المنذر - ﵀ - الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، ورَوَى الطبري وغيره من طريق قتادة، في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكفوا، فخرج رجل لحاجته، فلقي امرأته جامعها إن شاء، فنزلت. واتَّفَق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلَّا محمد بن عمر بن لبابة المالكيّ، فأجازه في كلّ مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعَدّ للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه، وللمالكية: يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل. وذهب أبو حنيفة، وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كلّ مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كلّ مسجد إلَّا لمن تلزمه الجمعة، فاستَحَبّ له الشافعيّ في الجامع، وشرَطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك. وخصّه طائفة من السلف كالزهريّ بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعيّ في القديم. وخصّه حُذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيِّب بمسجد المدينة. انتهى . وقال الإمام ابن قُدامة - ﵀ -: ولا يجوز الاعتكاف إلَّا في مسجد يُجَمَّع فيه؛ يعني تقام الجماعة فيه، وإنما اشتُرِط ذلك؛ لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يُفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا، مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم المعتكَف، والإقامةُ على طاعة الله فيه، ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد؛ إذا كان المعتكف رجلًا، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا. والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فخصّها بذلك، فلو صح الاعتكاف في غيرها لَمْ يختص تحريم المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأقوال، وأظهرها أن الاعتكاف لا يجوز إلَّا في مسجد تقام فيه الجماعة، كما حقّقه ابن قُدامة - ﵀ - فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في مدّة الاعتكاف، وفي اشتراط الصوم فيه: قال في «الفتح»: واتَّفَقوا على أنه لا حدّ لأكثره، واختلفوا في أقله فمن شَرَط فيه الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم، حكاه ابن قدامة، وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه: يوم أو يومان، ومن لَمْ يشترط الصوم قالوا: أقله ما يُطْلَق عليه اسم لَبْث، ولا يشترط القعود، وقيل: يكفي المرور مع النية، كوقوف عرفة. ورَوَى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي - ﵁ -: إني لأمكث في المسجد الساعةَ، وما أمكث إلَّا لأعتكف. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: المشهور في المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم، رُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشافعيّ، وإسحاق. وعن أحمد رواية أخرى: أن الصوم شرط في الاعتكاف، قال: إذا اعتكف يجب عليه الصوم؛ وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وبه قال الزهريّ، ومالك، وأبو حنيفة، والليث، والثوريّ، والحسن بن حيّ؛ لما رُوي عن عائشة - ﵄ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «لا اعتكاف إلَّا بصوم»، رواه الدارقطنيّ. وعن ابن عمر: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية، فسال النبيّ - ﷺ -، فقال: «اعتكف، وصم»، رواه أبو داود. واحتجّ الأولون بما رواه البخاريّ عن ابن عمر - ﵄ - عن عمر - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبيّ - ﷺ -: «أوف بنذرك»، ولو كان الصوم شرطًا لما صَحَ اعتكافه بالليل. والجواب عما احتجّ به الآخرون: أنه لا يصحّ، أما حديثهم عن عمر فتفرد به عبد الله بن بديل، وهو ضعيف، قال أبو بكر النيسابوريّ: هذا حديث منكر، والصحيح عنه ما أخرجه البخاريّ الذي ذكرناه آنفًا. وأما حديث عائشة - ﵂ - فموقوف عليها، ومن رفعه فقد وَهِمَ، ولو صحّ فالمراد به الاستحباب، فإن الصوم فيه أفضل . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان الأقوال، وأدلتّها أن الأرجح أنه لا يُشترط الصوم للاعتكاف؛ لقوّة دليله، وأنه لا حدّ لأقل الاعتكاف، بل ما يُطلق عليه الاسم؛ لإطلاق الأدلّة، لكن كونه في العشر الأواخر من رمضان هو الأولى؛ اقتداء بالنبيّ - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في خروج المعتكِف من محل اعتكافه: قال ابن قُدامة - ﵀ -: ليس للمعتكف الخروج من معتكفه إلَّا لما لا بُدّ له منه، قالت عائشة - ﵂ -: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلَّا لما لا بدّ له منه، رواه أبو داود، وقالت أيضًا: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه، فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلَّا لحاجة الإنسان»، مُتَّفَقٌ عليه. ولا خلاف في أن له الخروج لما لا بُدّ له منه، قال ابن المنذر - ﵀ -: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول، ولأن هذا مما لا بدّ منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه لَمْ يصح لأحد الاعتكاف، ولأن النبيّ - ﷺ - كان يعتكف، وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط، كُنِي بذلك عنهما؛ لأن كلّ إنسان يحتاج إلى فعلهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب؛ إذا لَمْ يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بَغَتَهُ القيء، فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لا بدّ له منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وهو عليه ما لَمْ يَطُل، وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعيّ: لا يعتكف في غير الجامع؛ إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله تعالى - كما بيّنه ابن قُدامة - ﵀ - هو الأرجح، فيجوز الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجمعة؛ لإطلاق النصّ ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، ويجوز أن يخرج لأداء الجمعة إلى مسجد الجمعة؛ لأنه أمر ضروريّ شرعًا، فيجوز الخروج له، كما جاز الخروج لحاجة الإنسان؛ لحديث عائشة - ﵂ - المذكور، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَن نَافِعًا حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵂ -: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»، قَالَ نَافِعٌ: «وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللهِ - ﵁ - الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْمَسْجِدِ») رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «المغني» لابن قُدامة - ﵀ - ٣/ ٦٣.

٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٤/ ١٥٩.

٣. بكسر الميم، وسكون الهاء.

٤. «الفتح» ٥/ ٤٧٧.

٥. «المغني» ٣/ ٦٣.

٦. «الفتح» ٥/ ٤٧٦.

٧. «المغني» ٣/ ١٢٣.

٨. «الفتح» ٥/ ٤٧٦.

٩. راجع: «المغني» ٣/ ١٢٠ - ١٢١.

١٠. «المغني» ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.