HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٧٦

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاق (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أبو معاوية) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صائما في العشر قط.
ج ٢ ص ٨٣٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٣٨
والمعنى: أنه - ﷺ - يجتهد في العشر الأواخر اجتهادًا لا يجتهده في غيرها، من أيام رمضان، أو من غيرها. وقال في «المرقاة»: إنه يبالغ في طلب ليلة القدر في هذه العشر ما لا يجتهد في غير العشر رجاءَ أن يكون ليلة القدر فيها، قال: كذا قيل، والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة؛ للاغتنام في أوقاته، والاهتمام في طاعته، وحسن الاختتام في بركاته. انتهى . وفيه الترغيب والحثّ على مزيد الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر من غيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٧٨٨] (١١٧٥)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٣٩)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٥٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٧٠)، و(ابن ماجة) في «الصيام» (١٧٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٢٢ و٢٥٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢١٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٥٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٦١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣١٣) و«الصغرى» (٣/ ٤٠٢)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٤/ ٥١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤) - (بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٩] (١١٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثمّ فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجة، وأما شيخه أبو كريب فمن التسعة الذين روى لهم الجماعة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وعائشة فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -) أنَّها (قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ) تعني عشر ذي الحجة، وفي الرواية التالية: «لَمْ يصم العشر»، قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: هذا الحديث مما يُوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يُتَأَوَّل، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا، لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في «صحيح البخاريّ» أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من أيّامٍ العملُ المصالح فيها أفضل منه في هذه»؛ يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها: «لَمْ يصم العشر» أنه لَمْ يصمه لعارض مرضٍ، أو سفبر، أو غيرهما، أو أنَّها لَمْ تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ - ﷺ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كلّ شهر، أول اثنين من الشهر، والخميس»، ورواه أبو داود، وهذا لفظه، وأحمد، والنسائيّ، وفي روايتهما: «وخميسين» . انتهى . وقال في «المرعاة»: هذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدّم في «باب الأضحية» من فضيلة مطلق العمل المتضمّن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن فضيلة خصوص الصيام فيها، وما في حديث أبي قتادة من استحباب الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة، وما في حديث حفصة من عدم تركه - ﷺ - صيام العشر، وفي حديث هُنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ - ﷺ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجة …»الحديث، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. والجواب عن هذا أن المراد من قولها: «لَمْ يصم العشر» أنه لَمْ يصمها لعارض مرض، أو سفر، أو غيرهما، أو أنَّها لَمْ تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولى بالقبول. قال البيهقيّ - ﵀ - بعد رواية حديث هُنيدة، وحديث عائشة - ﵁ - ما لفظه: والمثبت أولى من النافي، مع ما مضى من حديث ابن عبّاس في فضيلة العمل المصالح في عشر ذي الحجة. وقيل: المراد نفي جمع العشر، وفيها يوم العيد، وهذا لا ينافي حوم بعضها. وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لكونه يترك العمل في بعض الأحيان، وهو يُحبّ أن يعمله؛ خشيةَ أن يُظنّ وجوبه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأظهرها حمل نفيها على علمها، فلا يلزم من نفي علمها نفي صومه - ﷺ -، كما مرّ التوجيه بذلك لقولها: «ما سبّح رسول الله - ﷺ - سبحة الضحى»، متّفقٌ عليه. والحاصل أن قول عائشة - ﵂ - هذا لا ينافي استحباب صوم تسع ذي الحجة، ولا سيّما اليوم التاسع لغير الحاجّ؛ للأدلة الكثيرة على ذلك: (فمنها): ما تقدّم في فضل صوم يوم عرفة، وأنه يكفّر ذنوب سنتين. (ومنها): حديث هُنيدة بن خالد المذكور، وهو حديث صحيح، راجع الكلام فيه في «شرحي على النسائيّ» . (ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ - مرفوعًا: «ما الْعَمَلُ في أَيَّامٍ العشر أَفْضَلَ من العمل في هذه»، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: «ولا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ»، وأخرجه أبو داود، ولفظه: «ما من أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فيها أَحَبُّ إلى اللهِ، من هذه الْأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ - قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ …» الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٧٨٩ و٢٧٩٠] (١١٧٦)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٣٩)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٧٥٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٦٥)، و(ابن ماجة) في «الصيام» (١٧٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٩٩ و٣/ ١٥٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٢ و١٢٤ و١٩٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢١٠٣)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: سفيان هو الثوريّ، وفي بعض النسخ شعبة بدل سفيان، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الفارسيّ، ونقل الأول عن جمهور الرواة لـ «صحيح مسلم». انتهى . والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله. [تنبيه]: قد انتقد الدارقطنيّ - ﵀ - هذا الإسناد، فقال - بعد إيراده سند المصنّف -: قال أبو الحسن: وخالفه منصورٌ، عن إبراهيم مرسلًا، قال: والصحيح عن الثوريّ، عن إبراهيم قال: حُدِّثت أن رسول الله - ﷺ -. وكذلك رواه أصحاب منصور، عن منصور مرسلًا، منهم فضيل بن عياض، وجرير. انتهى. وقال الإمام الترمذيّ - ﵀ - بعدما أخرجه - ما نصّه: هكذا رَوَى غير واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -، ورَوَى الثوريّ وغيره هذا الحديث عن منصور، عن إبراهيم: «أن النبيّ - ﷺ - لَمْ يُرَ صائمًا في العشر»، ورَوَى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه «عن الأسود»، وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصحّ، وأوصل إسنادًا، قال: وسمعت محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ الإسناد إبراهيم من منصور. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن تصحيح المصنّف - ﵀ - لهذا السند أرجح من انتقاد الدارقطنيّ؛ لأن الأعمش مقدّم في إبراهيم على منصور، كما قال وكيعٌ، فروايته أولى بالحفظ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ـ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٥ - (كِتَابُ الْحَجِّ) قال الجامع عفا الله عنه: قدّم المصنّف - ﵀ - «الصلاة»، ثم أتبعها بـ «الزكاة»؛ لأنَّها قرينتها في كتاب الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، ثم أتبعها بـ «الصيام»، ثم بـ «الحجِّ»؛ لأن ترتيبها وقع كذلك في بعض روايات حديث: «بُني الإسلام على خمسة …» وغيره من الأحاديث. مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط «الحجِّ»، ومعناه لغةً، وشرعًا: أما ضبطه، فإنه يقال: بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، قُرئ بهما في السبع، وأكثر السبعة على الفتح، وكذا «الحجّة» فيها لغتان، وأكثر المسموع الكسر، وهو القياس. قاله النوويّ - ﵀ -. انتهى . وقال في «الفتح»: «الحجِّ» - بفتح الحاء المهملة، وكسرها - لغتان، نقل الطبريّ أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم. ونقل عن حسين الْجُعْفيّ أن الفتح الاسمُ، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. انتهى . وقال في «العمدة»: قال الزّجّاج: يُقرأ بفتح الحاء، وكسرها - أي: في القرآن - والأصل الفتح. وقُرئ بهما في السبعة، وأكثرهم على الفتح. وفي أمالي الهجريّ: أكثر العرب يكسرون الحاء فقط، وقال ابن السّكّيت: بفتح الحاء القصد، وبالكسر القوم الْحُجّاج. والحجّة بالفتح الفَعْلة من الحجِّ، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة. وقال في «اللسان»: والحجّ بالكسر الاسم، والحجّة المرّة الواحدة، وهو من الشواذّ؛ لأن القياس بالفتح. والحاجّ: الذي يحجّ، وربما يُظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال الراجز: بِكُلِّ شَيْخٍ عَامِرٍ أَوْ حَاجِجِ ويُجمع على حُجُج، بضمّتين، نحو بازل وبُزُل، وعائذ وعُوذ . وأما معناه لغة: فهو القصد، وعن الخليل، قال: الحجِّ كثرة القصد إلى من تُعظّمه . وقال في «المصباح»: حَجّ حجًّا، من باب قتل: قصد، فهو حاجّ، هذا أصله، ثمّ قُصِرَ استعمالُهُ في الشرع على قصد الكعبة للحجّ، أو العمرة، ومنه يقال: ما حجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجّ: القصد للنسك، والدَّجُّ: القصد للتجارة، والاسم الحجِّ بالكسر، والحجّة: المرّة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَج، مثلُ سِدْرَة وسِدَر، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، وبها سمّي الشهر ذو الحجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة، وجمع الحاجّ حُجّاج، وحَجِيج. انتهى . وقال الأزهريّ: وأصل الحجِّ من قولك حَجَجت فلانًا أحُجّه حجًّا: إذا عُدت إليه مرّة بعد أخرى، فقيل: حجّ البيت؛ لأن الناس يأتونه كلّ سنة. وفي «العباب»: رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلاف إليه. ومنه قول المْخُبَّل السَّعديّ [من الطويل]: وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزَبْرِقَانِ الْمُزَعْفَراَ يقول: يأتونه مرّة بعد أخرى؛ لسؤدده، والْحُلُول بضمّ الحاء المهملة، يقال: قوم حُلُول: أي نُزُولٌ، وكذلك حلالٌ بالكسر، والسِّبُّ بكسر السين المهملة، وتشديد الباء الموحّدة: العمامة، والزِّبْرِقَان - بكسر الزاي، وسكون الباء الموحّدة، وكسر الراء، وبالقاف المخفّفة، وفي آخره نون - هو في الأصل اسم القمر، وهو لقبٌ، واسمه الحصين، قال ابن السّكّيت: لُقّب الزبرقان؛ لصفرة عمامته . وأما معناه شرعًا: فالحجّ قصدٌ إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة، وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمرة إلَّا مرّة واحدة؛ لعدم تكرار السبب. انتهى. وقال ابن قُدامة - ﵀ -: الحج أحد الأركان الخمسة التي بُنِي عليها الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، رُوي عن ابن عباس - ﵄ -: ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب. وقال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وأما السنة، فقول النبيّ - ﷺ -: «بُنِي الإسلام على خمس …» الحديث، وذَكَر فيها الحج، وروى مسلم بإسناده عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا»، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «ذَرُوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه»، في أخبار كثيرة سوى هذين، وأجمعت الأمة على وجوب الحجِّ على المستطيع في العمر مرّة واحدة. انتهى . [تنبيه]: يوجد في بعض النسخ ما لفظه: «كتاب المناسك»، بدل «كتاب الحج». و«المناسك» جمع مَنسك - بفتح السين، وكسرها -: وهي العبادة، أو مكانها، أو زمانها، فهو صالح للزمان، والمكان، والحدث، وجميعها مرادٌ هنا؛ إذ الكتاب مسوق لبيان أعمال الحجِّ، وأزمنته، وأمكنته، ثمّ سمّيت أمور الحجِّ كلّها مناسك. قال الفيّوميّ - ﵀ -: نَسَكَ لله يَنسُك نَسْكًا، من باب قتل: تطوّع بقربة، والنسك - بضمّتين -: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، والمنسك - بفتح السين، وكسرها: يكون زمانًا، ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تُذبح فيه النَسِيكة، وهي الذبيحة، وزنًا ومعنىي، وفي التنزل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ بالفتح، والكسر في السبعة. ومناسك الحجِّ: عباداته. وقيل: مواضع العبادات، ومن فَعَل كذا عليه نُسُكٌ: أي دمٌ يُريقه، ونَسَكَ: تزهّد، وتعبّد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك، مثلُ عابد وعُبّاد. انتهى . وقال في «العمدة»: المنسك المذبح، وقد نَسَك ينسُك نسكًا: إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك، والنُّسُكُ أيضًا: الطاعة، والعبادة، وكلّ ما يُتقرّب به إلى الله - ﷿ -. والنسك: ما أَمَرت به الشريعة، والورع، وما نهت عنه، والناسك: العابد، وسئل ثعلبٌ عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النَّسِيكة، وهي سبيكة الفضّة، المصفّاة، كأنّ الناسك صفّى نفسه لله تعالى. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وقت ابتداء فرض الحجِّ: قال العلّامة القرطبيّ - ﵀ - في «المفهم»: واختُلف في زمان فرض الحجِّ، فقيل: سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكّة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحجّ بالناس في تلك السنة عَتّاب بن أَسيد، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا عليه في الجاهليّة، فلما كانت سنة تسع فُرض الحجِّ، ثم إن النبيّ - ﷺ - أَمَرَ أبا بكر، فحجّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه عليّ بن أبي طالب - ﵁ - بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة، على ما كانوا يديرون الحجِّ في كلّ شهر من شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حجّ رسول الله - ﷺ - حجته المسمّاة بحجة الوداع، على ما يأتي بيانها في حديث جابر وغيره، ووافق النبيّ - ﷺ - تلك السنة أن وقع الحجِّ في ذي الحجة في زمانه، ووقته الأصليّ، الذي فرضه الله فيه، ولذلك قال - ﷺ -: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض …» الحديث . انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: واختُلف في وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذّ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سَنَته، فالجمهور على أنَّها سنة ستّ؛ لأنَّها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيّده قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ بلفظ: «وأقيموا»، أخرجه الطبريّ بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدّم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام بن ثعلبة ذكر الأمر بالحجّ، وكان قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ - إن ثبت - على تقدّمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي هو القول بأن فرض الحج كان سنة ستّ، أو قبلها؛ لوضوح قصّة كعب بن عجرة - ﵁ - التي نزل بسببها قوله - ﷿ -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في كون الحجِّ على الفور، أم على التراخي؟: قال الإمام النوويّ - ﵀ - في «شرح المهذّب» ما حاصله: ذهب إلى أن الحجِّ على التراخي: الشافعيُّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ونقله الماروديّ عن ابن عبّاس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس، - ﵃ -. وذهب إلى أنه على الفور مالك، وأبو يوسف، والمزنيّ، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نصّ لأبي حنيفة في ذلك. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الفور، وبحديث ابن عباس - ﵄ -: «من أراد الحجِّ فليعجل»، وبالحديث الآخر: «من لَمْ يمنعه من الحجِّ حاجة، أو مرضٌ حابسٌ، أو سلطان جائرٌ، فليمت إن شاء يهوديًّا، أو نصرانيًّا»، ولأنها عبادة تجب الكفّارة بإفسادها، فوجبت على الفور كالصوم، ولأنها عبادة تتعلّق بقطع مسافة بعيدة كالجهاد، ولأنه إذا لزمه الحجِّ، وأخّره، إما أن تقولوا: يموت عاصيًا، وإما غير عاص، فإن قلتم: ليس بعاص خرج الحجِّ عن كونه واجبًا، وإن قلتم: عاصٍ، فإما أن تقولوا: عصى بالموت، أو بالتأخير، ولا يجوز أن يعصي بالموت؛ إذ لا صُنْعَ له فيه، فثبت أنه بالتأخير، فدلّ على وجوبه على الفور. واحتجّ الأولون القائلون بالتراخي بأن فريضة الحجِّ نزلت بعد الهجرة، وفتح رسول الله - ﷺ - مكّة في رمضان سنة ثمان، وانصرف عنها في شوّال من سنته، واستخلف عتّاب بن أَسِيد، فاقام للناس الحجِّ سنة ثمان، بأمر رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - مقيمًا بالمدينة هو، وأزواجه، وعامّة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك في سنة تسع، وانصرف عنها قبل الحجِّ، فبعث أبا بكر - ﵁ -، فأقام للناس الحجِّ سنة تسع، ورسول الله - ﷺ -، وأزواجه، وعامّة أصحابه قادرون على الحجِّ، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ثمّ حجّ النبيّ - ﷺ - بأزواجه، وأصحابه كلّهم سنة عشر، فدلّ على جواز تأخيره. هذا دليل الشافعيّ، وجمهور أصحابه. قال البيهقيّ: وهذا الذي ذكره الشافعيّ مأخوذ من الأخبار، قال: فأما نزول فرض الحجِّ بعد الهجرة، فكما قال. واستدلّ أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة - ﵁ -، قال: وقف عليّ رسول الله - ﷺ - بالحُدَيبية، ورأسي يَتَهافَت قملًا، فقال: «يؤذيك هوامّك؟»، قلت: نعم يا رسول الله، قال أبو داود: فقال: «قد آذاك هوامّ رأسك؟»، قال: نعم، قال: «فاحلق رأسك»، قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، رواه الشيخان. فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية نزلت سنة ستّ من الهجرة، وهذه الآية دالّة على وجوب الحجِّ، وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ستّ من الهجرة في ذي القعدة، وثبت بالأحاديث الصحيحة، واتفاق العلماء أن النبيّ - ﷺ - غزا حُنينًا بعد فتح مكّة، وقسم غنائمها، واعتمر من سنته في ذي القعدة، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يبق بينه وبين الحجِّ إلَّا أيامٌ يسيرة، فلو كان على الفور لَمْ يرجع من مكّة حتى يحجّ مع أنه هو، وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة، ولا عذر لهم، ولا قتال، ولا شغل آخر، وإنما أخّره - ﷺ - عن سنة ثمان بيانًا لجواز التأخير، وليتكامل الإسلام، والمسلمون، فيحجّ بهم حجّةَ الوداع، ويحضرها الخلق، فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال في حجة الوداع: «ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، ولتأخذوا عني مناسككم»، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. قال أبو زرعة الرازيّ، فيما رويناه عنه: حضر مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع مائة ألف، وأربعة عشر ألفًا، كلّهم قد رآه، وسمع منه. فهذا قول الإمام أبي زرعة الذي لَمْ يحفظ أحدٌ من حديث رسول الله - ﷺ - كحفظه، ولا ما يقاربه. [فإن قيل]: إنما أخّره إلى سنة عشر؛ لتعذّر الاستطاعة؛ لعدم الزاد والراحلة، أو الخوف على المدينة، والاشتغال بالجهاد. [فجوابه]: ما سبق قريبًا. واحتجّ أصحابنا أيضًا بحديث أنس - ﵁ -، قال: نُهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم، أن الله أرسلك، قال: «صدق»، قال: فمن خلق السماء؟ قال: «الله»، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله»، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله»، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا خمس صلوات، في يومنا وليلتنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا زكاة في أموالنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا صوم شهر رمضان، في سنتنا، قال: «صدق»، قال: فبا لذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: «صدق»، قال: ثم ولَّي، قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي - ﷺ -: «لئن صدق ليدخلن الجَنَّة». رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاريّ أصله. وفي راوية للبخاريّ أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة، وقدوم ضمام على النبيّ - ﷺ - كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب، وآخرون، وقال غيرهم: سنة سبع، وقال أبو عبيد: سنة تسع، وقد صرّح في الحديث بوجوب الحجِّ. وأما الجواب عن احتجاج الحنفيّة بالآية الكريمة، وأن الأمر يقتضي الوجوب، فجوابه نعم يقتضي الفور، لكن إذا لَمْ تقم قرينة تصرفه إلى التراخي، وقد قامت هنا، وهي ما قدّمناه من فعل رسول الله - ﷺ -، وأكثر أصحابه. وأما الحديث: «من أراد الحجِّ فليعجل»، فإنه ضعيف، وأيضًا إنه حجة لنا؛ لأنه فوّض فعله إلى إرادته، واختياره، ولو كان على الفور لَمْ يفوّضه إلى اختياره. وأما حديث: «فليمت إن شاء يهوديًا» فجوابه أنه ضعيف، وأيضًا الذمّ لمن أخّره إلى الموت، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يُفعل قبل الموت، أوأنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافرٌ، ويؤيّد هذا قوله: «فليمت، إن شاء يهوديًا، أو نصرانيًّا»، وظاهره أنه يموت كافرًا، ولا يكون ذلك إلَّا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستطاعة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحجِّ، فلم يحجّ، ومات، لا يحكم بكفره، بل عاصٍ، فوجب تأويل الحديث لو صحّ. والجواب عن قياسهم على الصوم أنه مُضيَّق، فكان فعله مُضَيَّقًا بخلاف الحجِّ. والجواب عن قياسهم على الجهاد أنه لا نسلّم وجوب الجهاد على الفور، بل هو موكول إلى رأي الإمام بحسب المصلحة في الفور والتراخي، وأيضًا في تأخير الجهاد ضررٌ على المسلمين، بخلاف الحجِّ. والجواب عن قولهم: إذا أخّره، ومات هل يموت عاصيًا؟ الصحيح عندنا موته عاصيًا، وإنما عصى لتفريطه بالتأخير إلى الموت، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، كما إذا ضرب ولده، أو زوجته، أو ضرب المعلّم الصبيّ، أو عزّر السلطان إنسانًا، فمات، فإنه يجب الضمان؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - باختصار، وتصرّف ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: ومن الدليل على أن الحجِّ على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحجِّ إذا أخّره العامَ والعامين، ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجِّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض، أو سفر، فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه، فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاضٍ لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحجِّ موسّع فيه، وأنه على التراخي، لا على الفور. انتهى كلام ابن عبد البرّ ، وهو تحقيق نفيسٌ أيضًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأقوال وأدلّتها أن الأرجح قول من قال: إن وجوب الحجِّ على التراخي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان فوائد الحجِّ: لقد اعتنى العلماء بذكر فوائد الحجِّ، ومنهم الشاه وليّ الله الدهلويّ - ﵀ -، فقد أفاد، وأجاد في كتابه «حجة المبالغة» (٢/ ٤٢) فلنقتصر على ما ذكره، قال - ﵀ -: المصالح المرعيّة في الحجِّ أمور: (منها): تعظيم بيت الله تعالى، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه تعظيم لله تعالى. (ومنها): تحقيق معنى العرضة، فإدن لكلّ دولة، أو ملّة اجتماعًا، يتوارده الأقاصي والأداني، ليعرف بعضهم بعضًا، ويستفيدوا أحكام الملّة، ويعظّموا شعائرها، والحجّ عرضة المسلمين، وظهور شوكتهم، واجتماع جنودهم، وتنويه ملّتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]. (ومنها): موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم، وإسماعيل - ﵇ - فإنهما إماما الملّة الحنيفية، ومُشَرّعاها للعرب، والنبيّ - ﷺ - بُعث لتظهر به الملّة الحنيفيّة، وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها، كخصال الفطرة، ومناسك الحجِّ، وهو قوله - ﷺ -: «قِفُوا على مشاعركم، فإنكم على إرث، من إرث أبيكم إبراهيم» . (ومنها): الاصطلاح على حال يتحقّق بها الرفق لعامّتهم، وخاصّتهم، كنزول مني، والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لَمْ يُصطَلَح على مثل هذا لشقّ عليهم، ولو لَمْ يسجّل عليه، لَمْ تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم، وانتشارهم. (ومنها): الأعمال التي تُعلِنُ بأن صاحبها موحّد، تابعٌ للحقّ، متديّن بالملّة الحنيفيّة، شاكر لله تعالى على ما أنعم على أوائل هذه الملّة، كالسعي بين الصفا والمروة. (ومنها): أن أهل الجاهليّة كانوا يحجّون، وكان الحجِّ أصل دينهم، ولكنّهم خلطوا فيه أعمالًا ما هي مأثورة عن إبراهيم - ﵇ -، وإنما هي اختلاق منهم، وفيها إشراك لغير الله بالله تعالى، كتعظيم إساف، ونائلة، وكالإهلال لمناة الطاغية، وكقولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك،
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «المرقاة» ٤/ ٥١٥.

٢. صححه الشيخ الألبانيّ - ﵀ - في «صحيح سنن أبي داود» ٢/ ٣٢٥.

٣. «شرح النوويّ» ٨/ ٧١ - ٧٢.

٤. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٧/ ٥٢.

٥. راجع: «ذخيرة العقبى» ٢١/ ٢٨٢.

٦. قال الدارقطنيّ في «التتبّع»: وخالفه منصور، رواه عن إبراهيم مرسلًا. انتهى.

٧. «شرح النوويّ» ٨/ ٧٢.

٨. «سنن الترمذيّ» ٣/ ١٢٩.

٩. وفي نسخة: «كتاب المناسك».

١٠. «المجموع» ٧/ ٧.

١١. «الفتح» ٤/ ١٥٢.

١٢. «عمدة القاري» ٧/ ٣٨٦. بزيادة من «اللسان».

١٣. «المغني» لابن قدامة ٥/ ٥.

١٤. «المصباح» في مادة: «حج».

١٥. «عمدة القاري» ١/ ٢١٤ و٧/ ٣٨٦.

١٦. «المغني» لابن قُدامة - ﵀٣/ ١٥٩ - ١٦١.

١٧. «المصباح المنير» في مادة: «نسك».

١٨. «عمدة القاري» ٧/ ٣٨٦.

١٩. الحديث متّفقٌ عليه.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦.

٢١. «الفتح» ٤/ ١٥٢ - ١٥٣.

٢٢. راجع: «المجموع شرح المهذّب» ٧/ ٨٦ - ٩٢.

٢٣. راجع: «تفسير القرطبي» ٤/ ١٤٤.

٢٤. حديث صحيحٌ، أخرجه النسائيّ - ﵀ - برقم (٣٠١٤).