HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٧٧

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ. إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ. وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ. وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شيئا مسه الزعفران ولا الورس».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص2
ج ٢ ص ٨٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٥٤
تملكه، وما ملك، ومن حقّ هذه الأعمال أن يُنهى عنها، ويؤكّد ذلك، وأعمالًا انتحلوها، فخرًا، وعجبًا، كقول الحُمْس: نحن قُطّان بيت الله، فلا نخرج من حرم الله، فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]. (ومنها): أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة، هي من باب التعمّق في الدين، وفيها حرجٌ للناس، ومن حقّها أن تُنسخ، وتُهجَر، كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها، وكانوا يتسوّرون من ظهورها، ظنًّا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، وككراهيتهم التجارة في موسم الحجِّ، ظنًّا منهم أنَّها تُخِلّ بإخلاص العمل لله تعالي، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]، وكاستحبابهم أن يحجّوا بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكّلون، وكانوا يضيّقون على الناس، ويعتدون، فنزل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]. انتهى كلام وليّ الله ببعض تصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ وَبَيَانِ تَحْرِيمِ الطِّيبِ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩١] (١١٧٧) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٩/ ٣. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الحجة المجتهد [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -، مات سنة (٣) ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٧٣) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن الإمام البخاريّ - ﵀ -. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٥). شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ أقف على اسمه في شيء من الطرق، وفي رواية الليث، عن نافع بلفظ: «قام رجل، فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟» وفي رواية عمر بن نافع، عن أبيه: «أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا»، وفي رواية أيوب، عن نافع: «نادى النبيّ - ﷺ - رجل، فقال: ما نلبس إذا أحرمنا». وهذا مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام. وقد حَكَى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أن في رواية ابن جريجٍ، والليث، عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، نعم أخرج البيهقيّ ٥/ ٤٩ من طريق عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل من هذا الباب -يعني بعض أبواب مسجد المدينة -، فقال: يا رسول الله ما يلبس المحرم؟ و٥/ ٤٩ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: نادى رجل رسول الله - ﷺ -، وهو يخطب بذلك المكان - وأشار نافع إلى مقدّم المسجد - فذكر الحديث. فظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس - ﵄ - عند الشيخين: خطبنا رسول الله - ﷺ - بعرفات، فقال: «من لَمْ يجد الإزار …» الحديث، فيحمل على التعدّد، ويؤيّده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة. انتهى . (مَا يَلْبَسُ) «ما» استفهاميّة، أو موصولة، أو موصوفة في محلّ نصب مفعول ثان لـ «سأل»، و«يلبس» بفتح المثنّاة، والموحّدة، من اللبس بضم اللام، يقال: لَبِس الثوب يلبسه، من باب علم يعلم لُبْسًا بالضمّ، وأما اللبس بفتح اللام، فهو مصدر لَبَستُ عليه الأمرَ ألبِسه، من باب ضرب: إذا خلطت عليه، ومنه اشتباهه، ولا يناسب هنا. وقوله: (الْمُحْرِمُ) أجمعوا على أن المراد به الرجل، لا المرأة؛ لأنَّها لا تُمنع من لبس هذه الأنواع. قال ابن المنذر - ﵀ -: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذُكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى. وقوله: (مِنَ الثِّيَابِ؟) أي: من أنواع الثياب، وهو بيان لـ «ما»، أو للمسؤول عنه. [تنبيه]: قوله: «ما يلبس المحرم من الثياب إلخ» هذا هو المشهور في الرواية عن نافع، عن ابن عمر، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريجٍ، عن نافع، بلفظ: «ما يترك المحرم». قال الحافظ: وهي شاذّة، والاختلاف فيها على ابن جريجٍ، لا على نافع. وأخرجه أحمد ٢/ ٨ عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فقال مرّةً: «ما يترك؟» ومرّةً: «ما يلبس». وأخرجه أبو داود، عن ابن عيينة بلفظ: «ما يترك؟» من غير شكّ. ورواه سالم، عن ابن عمر بلفظ: «أن رجلًا قال: ما يجتنب المحرم؟». وأخرجه أحمد ٢/ ٣٤، وابن خزيمة، وأبو عوانة في «صحيحيهما» من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عنه. وأخرجه البخاريّ في أواخر الحجِّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهريّ يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا)»لا«ناهية، ولذا جُزم الفعل بها، كذا هو في رواية نافع بالخطاب، وواو الجماعة، وفي رواية سالم التالية:»لا يلْبَس المحرم القميص«، وهو بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي، وروي بالجزم على أنه نهي. وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين، وهي قول السائل:«ما يترك المحرم؟ »أو«ما يجتنب المحرم؟ »وأما على الرواية المشهورة؛ أي: قول السائل:«ما يلبس المحرم»، فإن المسؤول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه، والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم، ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولي، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير، غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لَمْ يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمّي هذا بـ«أسلوب حكيم»، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى. ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية. قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وجَزْله، فإنه - ﷺ - سُئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يُلبَس أولى؛ لأنه منحصر، فأما الملبوس الجائز للمحرم، فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: «لا يلبس كذا وكذا» يعني، ويلبس ما سواه. انتهى . وقال البيضاويّ: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يُلبس ليدلّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر، وأحصر. وفيه إشارة إلى أن حقّ السؤال عما لا يلبس. وقال الشيخ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: فيه دليل على أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود، كيف كان، ولو بتغيير، أو زيادة، ولا يشترط المطابقة. انتهى. (الْقُمُصَ) بضمّتين، وهو جمع قَمِيص، وهو نوع من الثياب معروف، وهو الدرع، وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من «فتح القدير» أنهما سواء، إلَّا أن القميص يكون مجيَّبًا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر. انتهى. ونبّه به وبالسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مُحيطًا، أو مخيطًا معمولًا على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبّة، والقميص، والقباء، والتُّبّان، وا لقفّاز. (وَلَا الْعَمَائِمَ) جمع عمامة - بكسر العين -: هي ما يُلفّ على الرأس، سميت بذلك لأنَّها تعمّ جميع الرأس، ونبّه به على كلّ ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط، حتى العصابة، فإنها حرام. (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سِرْوال، وهو واحد جاء بلفظ الجمع. وقيل: جمع سِرْوالة، وهو ئوب خاصّ بالنصف الأسفل من البدن، قال في «القاموس»: السراويل فارسيّة معرّبة، جمعها سراويلات، أو هي جمع سِرْوال، وسِرْوالة. انتهى، وقال صاحب «المحكم»: السراويل فارسيّ معرّب، يذكّر، ويؤنّث، ولم يَعْرِف الأصمعيّ فيها إلَّا التأنيث، والجمع سراويلات، والسراوين - بالنون -: السراويل، زعم يعقوب أن النون فيها بدلٌ من اللام. وقال أبو حاتم السجستانيّ: وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل - بالشين المعجمة - انتهى. (وَلَا الْبَرَانِسَ) - بفتح الموحدة، وكسر النون -: جمع بُرْنُس - بضمّتين - قال الأزهريّ، وصاحب «المحكم»، وغيرهما: البرنس كلّ ثوب رأسه ملتزق به، درّاعة كانت، أو جبّة، أو مِمْطَرًا ، من البِرْس بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة. قال النوويّ - ﵀ -: نبّه بالعمائم، والبرانس على كلّ ساتر للرأس، مخيطًا كان، أو غيره حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجّة، أو صُداع، أو غيرهما شدّها، ولزمته الفدية. انتهى. وقال الخطّابيّ - ﵀ -: ذكر العمامة، والبرنس معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد، ولا بالنادر، قال: ومن النادر الْمِكْتَل يحمله على رأسه، قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلا فمجرّد وضعه على رأسه على هيئات الحامل لحاجته لا يضرّ، ومما لا يضرّ أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا ستر الرأس باليد. انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين: والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا تحريم في حمل المكتل، ولا فدية فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال المالكيّة: لا بأس أن يحمل على رأسه ما لا بدّ له منه، كخَرْجِه، وجرابه، ولا يَحْمِل ذلك لغيره تطوّعًا، ولا بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا يحمل لنفسه تجارة، قال أشهب: إلَّا أن يكون عيشه بذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفرقة المالكية بين ما يحمله لنفسه، ولغيره يحتاج إلى دليل، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (وَلَا الْخِفَافَ) - بالكسر -: جمع خُفّ، وفي رواية سالم: «ولا الخفّين»: تثنية خُفّ بضم، فتشديد (إِلَّا أَحَدٌ) بالرفع، وهو الوجه المختار؛ لأن الاستثناء متّصل منفيّ، فيكون مرفوعًا على البدليّة من ضمير «تلبسوا»، وفي نسخة: «إلَّا أحدًا» بالنصب، وهو أيضًا جائز، فيكون منصوبًا على الاستثناء، كما قال في «الخلاصة»: مَا اسْتَثْنَتِ «الَّا» مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ وقال الزين ابن المنيّر - ﵀ - يستفاد منه جواز استعمال «أحد» في الإثبات، خلافًا لمن خصّه بضرورة الشعر، كقوله: وَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ … إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يُستعمل في الإثبات إلَّا إن كان يعقبه نفيٌ، وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي. (لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ) المراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده، أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن، إن وجد من يبيعه، أو الأجرة، ولو بيع بغبن لَمْ يلزمه شراؤه، أو وُهب له لَمْ يجب قبوله إلَّا إن أُعير له. واستُدلّ به على أن من وجد النعلين لا يلبس الخفّين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفيّة، وبعض الشافعيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لَمْ يجز إلَّا للفاقد. وقال الزرقانيّ: فإن لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك، والليث، وعن الشافعيّ قولان، قاله في «الفتح» . (فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ) وفي نسخة: «فليلبس خفّين» بالتنكير (وَلْيَقْطَعْهُمَا) ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شُرع للتسهيل لَمْ يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة، قاله في «الفتح»، وهو محلّ تأمّل، وهو تعالى أعلم. (أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) «أسفل» ظرف لـ «يقطع»، وفي رواية سالم: «حتى يكونا أسفل من الكعبين»؛ يعني أن فاقد النعلين إذا أراد أن يلبس الخفين يقطعهما بحيث يصير الكعبان، وما فوقهما من الساق مكشوفًا، لا قطع موضع الكعبين فقط. قال في «الفتح»: والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. ويؤيّده ما روى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: إذا اضطرّ المحرم إلى الخفّين خرق ظهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. وقال محمد بن الحسن، ومن تبعه من الحنفيّة: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وقيل: إن ذلك لا يُعرف عند أهل اللغة، وقيل: إنه لا يثبت عن محمد، وإن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد الله الرازيّ سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لَمْ يجد النعلين حيث يقطع خفيه، فأشار محمد بيده إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة، وبهذا يتعقّب على من نقل عن أبي حنيفة كابن بطّال أنه قال: إن الكعب هو الشاخص في ظهر القدم، فإنه لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن - على تقدير صحّته عنه - أن يكون قول أبي حنيفة. ونقل عن الأصمعيّ، وهو قول الإماميّة أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم، وجمهور أهل اللغة على أن في كلّ قدم كعبين. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما؛ إذا لَمْ يجد النعلين، وعن الحنفيّة تجب. وتُعُقّب بأنها لو وجبت لبيّنها النبيّ - ﷺ - لأنه وقت الحاجة. واستدلّ به على اشتراط القطع، خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفّين من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عبّاس - ﵄ - عند البخاريّ في أواخر الحجِّ بلفظ: «ومن لَمْ يجد نعلين، فليلبس خفّين». وتُعُقّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيّد، فينبغي أن يقول بها هنا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخرج النسائيّ من طريق أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس - ﵄ - بلفظ: «وإذا لَمْ يجد النعلين، فليلبس الخفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين»، فلو صحّت هذه الزيادة، فلا حاجة إلى القول بالتقييد بحديث ابن عمر - ﵄ -؛ لكنها لا تثبت في حديث ابن عباس، كما بيّنته في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد. وأجاب الحنابلة بأشياء: منها: دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطنيّ، من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عبّاس حديثه، وقال: انظروا أيّ الحديثين قبلُ؟ ثم حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قبلُ؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات. وأجاب الشافعيّ عن هذا في «الأمّ»، فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس؛ لاحتمال أن تكون عزبت عنه، أو شكّ، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته. انتهى. وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزيّ: حديث ابن عمر اختُلِف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لَمْ يُختلف في رفعه. انتهى. قال الحافظ: وهو تعليل مردود، بل لَمْ يُختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلَّا في رواية شاذّة، على أنه اختُلف في حديث ابن عبّاس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدّثين أن حديث ابن عمر أصحّ من حديث ابن عبّاس؛ لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وُصف بكونه أصحّ الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفّاظ، منهم نافع، وسالم، بخلاف حديث ابن عبّاس، فلم يأت مرفوعًا إلَّا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخٌ بصريّ، لا يُعرف، كذا قال، وهو معروف، موصوفٌ بالفقه عند الأئمة. واستدلّ بعضهم بالقياس على السراويل، كما سيأتي البحث عنه فيه في حديث ابن عبّاس - ﵄ - إن شاء الله تعالى -. وأجيب بأن القياس مع وجود النصّ فاسد الاعتبار. واحتجّ بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحبّ الفساد. وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نَهَى الشرع عنه، لا فيما أَذن فيه. وقال ابن الجوزيّ: يُحمل القطع على الإباحة، لا على الاشتراط؛ عملًا بالحديثين، قال الحافظ: ولا يخفى تكلّفه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب قطع الخفين، حتى يكونا أسفل من الكعبين، هو الحقّ؛ حملًا لحديث ابن عباس - ﵄ - حديث ابن عمر - ﵄ -، وبه يحصل العمل بالحديثين، من غير إلغاء أحدهما، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: زاد الثوريّ في روايته لهذا الحديث عن أيوب، عن نافع: «ولا القباء»، أخرجه عبد الرزّاق عنه، قال الحافظ العراقيّ: وهو صحيح محفوظ من حديث سفيان الثوريّ، عن أيوب، ورواه الطبرانيّ من وجه آخر عن الثوري، وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أيضًا بلفظ: «والأقبية»، قال العراقيّ: إسناده صحيح. و«القباء» بالقاف والموحدة: معروف، ويطلق على كلّ ثوب مفرج، ومنعُ لبسه متّفقٌ عليه، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه، لا إذا القاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور، والخرقيّ من الحنابلة، وحكى الماورديّ نظيره إن كان كمه ضيّقًا، فإن كان واسعًا فلا. قاله في «الفتح» . (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَاب شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بالتعريف، وفي رواية سالم: «زعفران» بالتنكير والتنوين؛ لأنه منصرف؛ إذ ليس فيه إلَّا الألف والنون فقط، وهو لا يمنع الصرف، وهو بفتح الزاي، وسكون العين المهملة، وفتح الفاء، والراء -: اسم عربيّ. وقيل: اسم عجميّ تصرّفت فيه العرب، فقالوا: ثوب مزعفرٌ، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً، ويجمع على زعافر. واستُدلّ بقوله: «مسّه» على تحريم ما صُبغ كلّه، أو بعضه، ولو خفيت رائحته، قال مالك في «الموطّأ»: إنما يكره لبس المصبّغات؛ لأنَّها تنفض، وقال الشافعيّة: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لَمْ تفح له رائحة لَمْ يُمنع، والحجة فيه حديث ابن عبّاس - ﵄ -، عند البخاريّ، وفيه: «ولم ينه عن شيء من الثياب، إلَّا المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلدَ …» الحديث. وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز، خلافًا لمالك، ففي «الموطأ»: سئل مالك عن ثوب مسّه طيب، ثم ذهب ريح الطيب منه، هل يُحرِم فيه؛ قال: نعم، ما لَمْ يكن فيه صباغ زعفران، أو ورس. انتهى. واستُدلّ للجمهور بما رواه أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع في هذا الحديث: «إلَّا أن يكون غسيلًا»، أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ في «مسنده» عنه. وروى الطحاويّ عن أحمد بن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحمانيّ، فقال له عبد الرَّحمن بن صالح الأزديّ: قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال، فأخرج له أصله، فكتبه عنه يحيى بن معين. انتهى. وهي زيادة شاذّة؛ لأن أبا معاوية، وإن كان متقنًا، لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال، قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره. قال الحافظ: والحمّانيّ ضعيف، وعبد الرَّحمن الذي تابعه فيه مقال. ورد العينيّ إعلال هذا الحديث بما ذُكر، وصحح الحديث، وقال: وقد روى أحمد في مسنده من حديث ابن عبّاس حديثًا يدلّ على جواز لبس المزعفر للمحرم؛ إذا لَمْ يكن فيه نفضٌ، ولا ردع . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قال العينيّ نظر لا يخفى، فإن أبا معاوية زيادةً على ما ذُكِر من اضطرابه في حديث غير الأعمش كما قال أحمد، فإنه مدلّس، كما صرّح به يعقوب بن شيبة، وابن سعد، وقد عنعنه هنا، فكيف يصحّ؟. وأما الحديث الذي ذكره عن «المسند» ففي سنده حجاج بن أرطاة كثير التدليس عن الضعفاء، وفيه أيضًا حسين بن عبد الله بن عبيد الله، وهو ضعيف، كما قاله الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ٣/ ٢١٩. فالحقّ ما قاله الإمام مالك - ﵀ -، من عدم جواز لبس المصبوغ بزعفران، أو ورس، وإن كان مغسولًا؛ لإطلاق حديث الباب، وعدم صحّة ما احتجّ به الجمهور، كما عرفته آنفًا، والله تعالى أعلم. واستدلّ به المهلّب على منع استدامة الطيب، وفيه نظر. واستَنْبَط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران. وهذا قول الشافعيّة، وعن المالكيّة خلاف، وقال الحنفيّة: لا يحرم؛ لأن المراد اللبس، والتطيّب، والآكل لا يُعدّ متطيّبًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنفيّة أقوي، فتأمله، والله تعالى أعلم. (وَلَا الْوَرْسُ») - بفتح الواو، وسكون الراء، بعدها سين مهملة - قال في«القاموس»: نبات كالسمسم، ليس إلَّا باليمن، يُزرع، فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف طلاءً، والبَهَق شُربًا، وقال الجوهريّ: الورس نبت أصفر يكون باليمن، وقال الحافظ: الورس نبت أصفر طيّب الريح، يُصبغ به. قال ابن العربيّ: الورس ليس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه في ملاءمة الشمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه، فيما يُقصد به التطيّب. = الرجل، في ثوب مصبوغ بزعفران، قد غسل، ليس فيه نفض، ولا ردع. حدثنا يزيد، أخبرنا الحجاج، عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - مثله. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس» أجمعت الأمة على تحريم لباسهما؛ لكونهما طيبًا، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يُقْصد به الطيب، وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع، ولأنه ينافي تذلل الحاج، فإن الحاجّ أشعث أغبر، وسواء في تحريم الطيب الرجل والمرأة، وكذا جميع محرمات الإحرام سوى اللباس، كما سبق بيانه. قال: ومحرمات الإحرام سبعة: اللباس بتفصيله السابق، والطيب، وإزالة الشعر والظفر، ودهن الرأس واللحية، وعقد النِّكَاح، والجماع، وسائر الاستمتاع حتى الاستمناء، والسابع: إتلاف الصيد. قال: وإذا تطيّب، أو لبس ما نُهِيَ عنه لزمته الفدية، إن كان عامدًا بالإجماع، وإن كان ناسيًا فلا فدية عند الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة، ومالك. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من عدم الفدية بالنسيان، وكذا بالجهل هو الأرجح عندي، لحديث يعلى بن منية - ﵁ - الآتي قريبًا. قال: ولا يحرم المعصفر عند مالك، والشافعيّ، وحرّمه الثوريّ، وأبو حنيفة، وجعلاه طيبًا، وأوجبا فيه الفدية. قال: ويكره للمحرم لبس الئوب المصبوغ بغير طيب ولا يحرم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٩١ و٢٧٩٢ و٢٧٩٣] (١١٧٧)، و(البخاريّ) في «العلم» (١٣) و«الصلاة» (٣٦٦) و«الحج» (١٥٤٢ و١٨٣٨ و١٨٤٢) و«اللباس» (٥٧٩٤ و٥٨٠٣ و٥٨٠٥ و٥٨٠٦ و٥٨٤٧ و٥٨٥٢)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٢٣)، و(الترمذيّ) في «الحج» (٨٣٣)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (٢٩٢٩ و٢٩٣٠ و٢٩٣٢)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٣١ و١٣٥) و«الكبرى» (٢/ ٣٣٤ و٣٤٦)، و(مالك) في «الموطّإ» (٧١٦ و٧١٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣٠٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٨٣٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦٢٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣ و٤ و٢٢ و٢٩ و٣٢ و٤١ و٥٤ و٥٩ و٦٣ و٦٥ و٧٧ و١١٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٩٧ و٢٥٩٩ و٢٦٠٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٨٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٧٩٨ و١٨٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٥/ ٢٦٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ١٨١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٦١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٣٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٤٩ - ٥٠) و«الصغرى» (٤/ ٢٥) و«المعرفة» (٤/ ١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يلبسه المحرم من اللباس، وهو ما عدا هذه المذكورات. ٢ - (ومنها): بيان تحريم لبس هذه الأمور المذكورة، وما في معناها على المحرم، وهو مجمع عليه، فنبّه بالقميص على كلّ مخيط معمول على قدر البدن، وبالسراويل على ما هو معمول على قدر عضو منه، وبالعمامة على الساتر للرأس، وإن لَمْ يكن مخيطًا، وبالبرنس على الساتر له، وإن كان لبسه نادرًا، ومن ذلك يفهم تحريم ستر الرأس مطلقًا، وكذا يحرم ستر بعضه إذا كان قدرًا يقصد ستره لغرض، بخلاف الخيط ونحوه، ولا يضرّ الانغماس في الماء، والستر بكفه، وبالخفّ على كلّ ساتر للرجل من مداس، وجمجم، وجورب، وغيرها. قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: ويقدح في دعوى الإجماع ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» عن عطاء بن أبي رباح أنه رخّص للمحرم في لبس الخفّ في الدلجة. قال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ»: ولا يُعرف ذلك لغير عطاء، إلَّا أن الطحاويّ روى في «بيان المشكل» أن عمر - ﵁ - رأى على عبد الرَّحمن بن عوف - ﵁ - خفّين، وهو محرم، فقال: وخفّين أيضًا، وأنت محرم؟ فقال: فعلته مع من هو خير منك. قال العراقيّ: فلعلّ هذا مستند عطاء، ويحتمل عدم وجدان عبد الرَّحمن للنعلين. انتهى . ٣ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز للمحرم لبس الخفين المقطوعين إلَّا عند فقد النعلين، وهو الراجح من أقوال أهل العلم، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان تحريم لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران للمحرم. [تنبيه]: قال العلماء -رحمهم الله تعالى -: الحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم، ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفّه، ويتّصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكّر أنه محرم في كلّ وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكّر به الموت، ولباس الأكفان، وليتذكّر البعث يوم القيامة، حفاة، عُراة، مهطعين إلى الداعي. ذكره وليّ الدين - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لبس الخفيّن لمن لَمْ يجد النعلين: ذهبت طائفة إلى أن من لَمْ يجد نعلين يجوز له لبمس الخفّين بشرط قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعين، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه جواز لبسهما بحالهما عند فقد النعلين، ولا يجب قطعهما. واستدلّ له بحديث ابن عبّاس، وجابر - ﵃ - المذكور في الباب؛ إذ ليس فيهما ذكر القطع، وزعم أصحابه أن حديث ابن عمر المصرّح بقطعهما منسوخ، وقالوا: قطعهما إضاعة مال، وقال عمرو بن دينار: ولا أدري أيّ الحديثين نسخ الآخر، انظروا أيهما قبلُ. وقال الجمهور: يجب حمل حديث ابن عباس، وجابر على حديث ابن عمر؛ لأنهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادة لَمْ يذكراها يجب الأخذ بها، قال الشافعيّ: ابن عمر، وابن عباس، كلاهما صادقٌ حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لَمْ يؤدّه الآخر، إما عزب عنه، وإما شكّ فيه، فلم يؤدّه، وإما سكت عنه، وإما أدّاه فلم يُؤَدَّى عنه، لبعض هذه المعاني اختلفا. انتهى. وقولهم: إنه إضاعة مال: مردود، فإن الإضاعة إنما تكون في المنهيّ عنه، وأما ما ورد به الشرع فهو حقّ يجب الإذعان له. واللَّه أعلم. وحَكَى الخطّابيّ، عن عطاء بن أبي رباح أنه لا يقطعهما؛ لأن في قطعهما إفسادًا، ثم قال: يشبه أن يكون لَمْ يبلغه حديث ابن عمر، قال: والعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لَمْ تبلغه. وقال ابن العربيّ: أما عطاء فوَهِم في الفتوى، وأما أحمد فعلى صراط مستقيم، قال: وهذه القولة لا أراها صحيحة، فإنّ حَمْلَ المطلق على المقيّد أصل أحمد. انتهى ما ذكره وليّ الدين - ﵀ - . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته. والحاصل أن الراجح حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر - ﵄ -، وهو أن من لَمْ يجد نعلين لبس الخفّين، ولكن يقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، فبهذا يُجمَع بين الحديثين، وهو الطريق الذي يحصل به العمل بالحديثين، فيكون أولى من إبطال أحدهما بدعوى النسخ بلا بيّنة واضحة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الفدية على من لبس الخفّين لفقد النعلين: ذهبت طائفة إلى أنه إذا فقد النعلين، ولبس الخفّين مقطوعين أسفل من الكفين، لَمْ تلزمه فدية؛ إذ لو كانت لازمة لبيّنها النبيّ - ﷺ -، وهذا موضع بيانها، وهو من جهة المعنى واضح، فإنه لَمْ يرتكب محظورًا، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وآخرون - رحمهم اللَّه تعالى -. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه، وَيفدِي. ذكره وليّ الدين - ﵀ -. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الأرجح؛ عملًا بظاهر الحديث، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): دلّ الحديث على أنه لا يجوز لبس الخفّين مقطوعين إلَّا عند فقد النعلين، وهو الأصحّ عند أصحاب الشافعيّ، وبه قال مالك، والليث، وكذا قال الحنابلة: لو لبس واجد النعل خفًّا مقطوعًا تحت الكعب لزمته الفدية. وذهب بعض الشافعيّة إلى جواز لبسه مع وجودهما؛ لأنه صار في معناهما، وهو قول أبي حنيفة، أو بعض أصحابه، حكاه ابن عبد البرّ، وابن العربيّ عن أبي حنيفة، وحكاه المحبّ الطبريّ عن بعض أصحابه. وحكي عن أبي حنيفة نفسه موافقة مالك، والجمهور. وقال ابن العربيّ: والذي أقول: إنه إن كشف الكعب لبسهما إن لَمْ يجد نعلين، وإن وجد النعلين لَمْ يجز لبسهما، حتى يكون كهيئة النعل لا يستران من ظاهر الرجل شيئًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذكره ابن العربيّ - ﵀ - أقرب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): هذا الحكم خاصّ بالرجل، أما المرأة فلها لبس الخفّين مطلقًا، قال ابن المنذر - ﵀ -: وبه قال كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم. انتهى. لكن في «سنن أبي داود»: أن ابن عمر كان يصنع ذلك -يعني يقطع الخفّين - للمرأة المحرمة، ثم حدّثته صفيّة بنت أبي عُبيد أن عائشة - ﵂ - حدّثتها: أن رسول اللَّه - ﷺ - قد كان رخّص للنساء في الخفّين، فترك ذلك. قال ابن عبد البرّ: لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت، وهذا إنما كان من ورع ابن عمر، وكئرة اتباعه، فاستعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص. انتهى، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ -: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَان ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فقيهٌ إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٣. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ الفقيه المشهور، من كبار [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقيان ذُكرا قبله.
مصادر المؤلف (١٥)

١. راجع:«المرعاة»٨/ ٢٩٣ - ٢٩٤.

٢. وفي نسخة:«إلَّا أحدًا».

٣. وفي نسخة:«فليلبس خفّين».

٤. «الفتح» ٤/ ١٨٢.

٥. «شرح النوويّ» ٨/ ٧٣.

٦. «الممطر» بكسر الميم الأولى، وفتح الطاء: ما يُلبس في المطر، يُتوقّى به. ذكره في «المرعاة» ٩/ ٣٣٣.

٧. «الفتح» ٤/ ٤٢٤.

٨. «الفتح» ٤/ ١٨٦.

٩. أي: تلطخ، يقال: ردع: إذا التطخ، والردع أثر الطيب. قاله في «الفتح» ٤/ ١٨٨.

١٠. ٣٣٠٣ - حدثنا يزيد، أخبرنا الحجاج، عن عطاء، أنه كان لا يرى بأسًا، أن يحرم =

١١. «شرح النوويّ» ٨/ ٧٥.

١٢. «طرح التثريب» ٥/ ٤٥ - ٤٦.

١٣. المصدر المذكور ٥/ ٥٥.

١٤. «طرح التثريب» ٥/ ٥٣ - ٥٤.

١٥. وفي نسخة: «ورسٌ أو زعفران».