HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٨٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ﵁ يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا. مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عند المسجد يعني ذا الحليفة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص8
ج ٢ ص ٨٤٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص١٦٤
(٤) - (بَابُ أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٦] (١١٨٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - ﵁ - يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ - (يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ) بالمدّ (هَذِهِ) التي فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صَعِد الوادي، قاله أبو عبيد البكريّ وغيره، وأضافها إليهم؛ لكونهم كَذَبوا بسببها كَذِبًا يَحْصُل لها به الشرف، قاله الزرقانيّ - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: هذه البيداء هي الشَّرَف الذي قُدّام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسُمِّيت بيداء؛ لأنه ليس فيها بناء، ولا أَثَرٌ، وكل مَفَازة تُسَمَّى بيداء، وأما هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه. انتهى . وقال البكريّ: البيداء هذه فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صَعِد من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. انتهى . (الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا) وفي الرواية التالية: «كان ابن عمر - ﵄ - إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله - ﷺ -»، فقوله: «فيها»؛ أي: في شأنها، ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عنده، وقال الزرقانيّ - ﵀ -؛ أي: بسببها، فـ «في» للتعليل، نحو: قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، وحديث: «دخلت النار امرأة في هرة»، فتقولون: إنه أحرم منها، ولم يُحرم منها. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «تكذبون فيها»؛ أي: تقولون: إنه - ﷺ - أحرم منها، ولم يُحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسماهم ابن عمر كاذبين؛ لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو، وقد سبق في أول هذا الشرح في مقدمة «صحيح مسلم» أن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء تعمده، أم غَلِطَ فيه، أو سها، وقالت المعتزلة: يُشترط فيه العمدية، وعندنا أن العمدية شرط لكونه إثمًا، لا لكونه يُسَمَّى كذبًا، فقول ابن عمر - ﵄ - جارٍ على قاعدتنا، وفيه أنه لا بأس بإطلاق هذه اللفظة، انتهى . وقال في «العمدة»: [فإن قلت]: كيف يجوز لابن عمر أن يُطلِق الكذب على الصحابة؟ [قلت]: الكذب يجيء بمعنى الخطإ؛ لأنه يشبهه في كونه ضدّ الصواب، كما أن ضدّ الكذب الصدق، وافترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يَعْلَم أن الذي يقوله كذبٌ، والمخطئ لا يَعْلَم، ولا يُظَنّ به أنه كان يَنْسُب الصحابة إلى الكذب. انتهى . (مَا أهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: ما رفع صوته بالتلبية (إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ) أي: حين ركب راحلته، لا حين فرغ من الركعتين، وفي الرواية التالية: «ما أهلّ رسول اللهﷺ - إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره». قال الحافظ - ﵀ -: وكان ابن عمر - ﵄ - ينكر رواية ابن عباس - ﵄ - عند البخاريّ بلفظ: «رَكِبَ راحلته حتى استوى على البيداء أَهَلّ»، وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عَجِبتُ لاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلاله، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله - ﷺ - حجة واحدة، فمن هنا اختلفوا، خرج - ﷺ - حاجًّا، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين، أوجب في مجلسه، فأَهَلّ بالحج حين فَرَغ منهما، فسمع ذلك منه قوم، فحَفِظُوه، ثم ركب، فلما استقلّت به راحلته أهلّ، وأدرك ذلك قومٌ لم يشهدوا في المرة الأولى، فسمعوه حين ذاك، فقالوا: إنما أهلّ حين استقلت به راحلته، ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنَقَلَ كل واحد ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه، وأيمُ الله، ثم أهلّ ثانيًا وثالثًا. وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء، عن ابن عبّاس نحوه دون القصّة، فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتَّفَقَ فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. انتهى . قال الزرقانيّ - ﵀ - بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وحديث ابن عباس - ﵄ -، وإن زال به الإشكال، لكن فيه خُصَيف بن عبد الرحمن ضعيف عند الجمهور، ومحمد بن إسحاق الراوي عنه مدلِّس، وفيه مقال، وإن صرح بالتحديث، ولذا قال النوويّ، والمنذريّ: حديث ضعيف. وعلى تسليم توثيق خُصيف وتلميذه، فقد عارضه حديث ابن عمر وأنس في «الصحيحين» وغيرهما أنه - ﷺ - إنما أهلّ حين استوت به ناقته قائمةً. انتهى ، وهو تعقّبٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٨١٦ و٢٨١٧] (١١٨٦)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٤١)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٧١)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨١٩)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٦٢) و«الكبرى» (٢/ ٢٥٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٣٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٠ و٢٨ و٦٦ و٨٥ و١١١ و١٥٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦١١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٦٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢/ ٢٧٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٢٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة؛ اقتداءً بالنبيّ - ﷺ -. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى البيداء، وبهذا قال جميع العلماء، قاله النوويّ - ﵀ -. ٣ - (ومنها): بيان أن الإحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله؛ لأنه - ﷺ - ترك الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه. [فإن قيل]: إنما أحرم من الميقات؛ لبيان الجواز. [قلنا]: هذا غلط لوجهين: [أحدهما]: أن البيان قد حَصَل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت. [والثاني]: أن فعل رسول الله - ﷺ - إنما يُحْمَل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيرًا، فيفعله مرّةً أو مرات على الوجه الجائز؛ لبيان الجواز، ويواظب غالبًا على فعله على أكمل وجوهه، وذلك كالوضوء مرةً ومرتين وثلاثًا كله ثابت، والكثير أنه - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر، وإنما جَرَى منه - ﷺ - مرةً واحدةً، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه، قاله النوويّ - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - إِذَا قِيلَ لَهُ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْبَيْدَاءِ، قَالَ: الْبَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ، حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ) - بفتح الموحّدة، وكسر العين المهملة -: مثلُ الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبت بَعِيري، والْجَمَلُ بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما ذُكر من أن البعير يُطلق على الذكر والأنثى أنه لا تخالف بين هذه الرواية، والرواية السابقة بلفظ: «ثم إذا استوت به ناقته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ»، فالمراد بالبعير هنا هي الناقة، وبمعنى ذلك الرواية التي قبلها: «كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أَهَلّ»، فالراحلة هي الناقة، وقد ذكر أهل اللغة أن الراحلة تُطلق أيضًا على الذكر والأنثى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١١)

١. »شرح الزرقانيّ«٢/ ٣٢٨.

٢. »شرح النوويّ«٨/ ٩٤.

٣. راجع:»المرعاة«٩/ ٤٤٧.

٤. «شرح الزرقانيّ» ٢/ ٣٢٨.

٥. «شرح النوويّ» ٨/ ٩٤.

٦. «عمدة القاري» ٩/ ١٥٩.

٧. «الفتح» ٤/ ٤٢١.

٨. «شرح الزرقانيّ على الموطأ» ٢/ ٣٢٨.

٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٩٢.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٥٣.

١١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.