HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٨٧

وحَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ ابن عُمَرَ ﵄: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: مَا هُنَّ؟ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ! قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ. وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ. وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ. وَرَأَيْتُكَ، إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ. وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رأيت رسول الله ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ. وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا. فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا. فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا. وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تنبعث به راحلته.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص9
ج ٢ ص ٨٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص١٦٩
(٥) - (بَابُ الإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٨] (١١٨٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأمَّا الإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ) التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، والحارث بن مالك بن الْبَرْصاء. وروى عنه زيد بن أبي عَتّاب، وسليمان بن موسى، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن قُسَيط. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: مكيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ في «الشمائل»، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، وقد دخلها. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) قال في «الفتح» هو مدنيّ مولى بني تيم، وليس بينه وبين ابن جريج الفقيه المكيّ مولى بني أمية نَسَبٌ، فإن الفقيه هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد يُظَنّ أن هذا عمه، وليس كذلك، وهذا الإسناد كله مدنيون، وفيه رواية الأقران؛ لأن عبيدًا وسعيدًا تابعيان من طبقة واحدة. انتهى . (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر - ﵄ - (رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي: أربع خصال (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا) يعني أصحاب رسول الله - ﷺ -، والمراد بعضهم، والظاهر من السياق انفراد ابن عمر بما ذُكِر دون غيره، ممن رآهم عبيد بن جُريج، وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون مراده: لا يصنعهن غيرك مجتمعةً، وإن كان يصنع بعضها. (قَالَ) ابن عمر - ﵄ - (مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء هذه الخصال؟ (قَالَ) عبيد (رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ) من مَسَسِت أَمَسُّ بكسر الماضي، وفتح المستقبل مَسًا ومسيسًا، وهو الذي اختاره ثعلب في مَسِست أمسّ بكسر الماضي في «الفصيح»، وفي «الصحاح»، و«أفعال ابن القطاع» عن أبي عبيدة، والمطَرِّزيّ في «شرحه» عن ابن الأعرابيّ، وابن فارس في «مُجْمَله»، وابن السِّكِّيت في «كتاب الإصلاح» مَسِسْتُ بالكسر، ومَسَست بالفتح، وبالكسر أفصح، وحكاه أيضًا ابن سِيدَهْ، وزعم ابن درستويه في كتاب «تصحيح الفصيح» أن مَسَسْتُ بالفتح خطأ، مما تلحن فيه العامة، ذكره في «العمدة» . (مِنَ الْأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة، وظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد صَحّ ذلك عن معاوية وابن الزبير - ﵃ -. (إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ) تثنية يَمَانٍ، بتخفيف الياء، هذا هو الأفصح الذي اختاره ثعلب، ولم يذكر ابن فارس غيره، وذكر الْمُطَرِّزيّ في كتابه «غرائب أسماء الشعر» عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عن الكسائيّ، قال: العرب تقول في النسبة إلى اليمن: رجل يَمَانٍ، وَيمَنِيّ، وَيَمَانِيّ، وفي «الجامع»: النسبة إلى اليمن يَمَانٍ على غير قياس، والقياس يَمَنِيّ. وفي «الْمُحْكَم»: يَمَانٍ على نادر المعدول، وألفه عوض عن الياء؛ لأنه يدلّ على ما تدل عليه الياء، وبنحوه ذكره في «المغرب»، وفي «الصحاح»: قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد، قال أمية بن خلف [من الوافر]: يَمَانِيًّا بَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا … وَيَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظِ وسُميت باليمن؛ لأنها تلي يمين الكعبة، كما قيل للشام شام؛ لأنها عن شمال الكعبة . والمراد بهما الركن الأسود، والذي يسامته من مقابلة الصفا، وقيل للأسود: يمان تغليبًا . وقال النوويّ - ﵀ - في «شرحه»: قوله: «إلا اليمانيين» هما بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى سيبويه وغيره من الأئمة تشديدها في لغة قليلة، والصحيح التخفيف، قالوا: لأن نسبه إلى اليمن، فحقّه أن يقال: اليمنيّ، وهو جائز، فلما قالوا: اليماني أبدلوا من إحدى ياءي النسب ألفًا، فلو قالوا: اليمانيّ بالتشديد لزم منه الجمع بين البدل والمبدل، والذين شدّدوها قالوا: هذه الألف زائدة، وقد تزاد في النسب، كما قالوا في النسب إلى صَنْعاء صنعانيّ، فزادوا النون الثانية، وإلى الرّيّ رازيّ، فزادوا الزاي، وإلى الرَّقَبَة رَقَبانيّ ، فزادوا النون. والمراد بالركنين اليمانيين: الركن اليمانيّ، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له العراقيّ؛ لكونه إلى جهة العراق، وقيل للذي قبله: اليمانيّ؛ لأنه إلى جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان، تغليبًا لأحد الاسمين، كما قالوا: الأبوان للأب والأم، والقمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر - ﵄ -، ونظائره مشهورة، فتارةً يُغَلِّبون بالفضيلة، كالأبوين، وتارة بالخفة كالعمرين، وتارة بغير ذلك. قال العلماء: ويقال للركنين الآخرين اللذين يليان الْحِجْر - بكسر الحاء -: الشاميان؛ لكونهما بجهة الشام، قالوا: فاليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم - ﷺ -، بخلاف الشاميين، فلهذا لم يُسْتَلَما، واستُلِم اليمانيان؛ لبقائهما على قواعد إبراهيم - ﷺ -، ثم إن العراقيّ من اليمانيين اختَصَّ بفضيلة أخرى، وهي الْحَجَر الأسود، فاختص لذلك مع الاستلام بتقبيله، ووضع الجبهة عليه، بخلاف اليمانيّ، والله أعلم. قال القاضي عياض: وقد اتَّفَقَ أئمة الأمصار والفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يُسْتَلمان، وإنما كان الخلاف في ذلك العصر الأول، من بعض الصحابة، وبعض التابعين، ثم ذهب. انتهى . وقال في «العمدة»: واليمانيّان: الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقيّ؛ لكونه إلى جهة العراق، والذي قبله يمانيّ؛ لأنه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان تغليبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم - ﷺ -. [فإن قلت]: لِمَ لا قالوا: الأسودين، ويأتي فيه التغليب أيضًا؟ [قلت]: لو قيل كذلك ربما كان يشتبه على بعض العوام أن في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهمه بخلاف اليمانيين. انتهى . (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، لُبْسًا بضم، فسكون (النِّعَالَ) بكسر النون: جمع نعل، وهي الْحِذاءُ، وهي مؤنّثةٌ، وتُجمَع أيضًا على أَنْعُل، مثلُ سَهْم وسِهَام، وأسهُمٍ . وقال في «الفتح»: النعال: جمع نَعْل، وهي مؤنّثة، قال ابن الأثير: هي التي تُسمّى الآن تاسومةً، وقال ابن العربيّ: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يُطلق النعل على كلّ ما يقي القدم، قال صاحب «المحكم»: النعل، والنعلة: ما وقيت به القدم. انتهى . (السِّبْتِيَّةَ) - بكسر المهملة-: هي التي لا شعر فيها، مشتقة من السَّبْت، وهو الحلق، قاله في «التهذيب»، وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقَرَظ، وقيل: بالسُّبْت بضم أوله، وهو نبت يُدْبَغ به، قاله صاحب «المنتهى»، وقال الهرويّ: قيل لها: سبتية؛ لأنها انسبتت بالدباغ؛ أي: لانت به، يقال: رطبةٌ منسبتةٌ؛ أي: لَيِّنَةٌ، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: وأما «السبتية» - فبكسر السين، وإسكان الباء الموحدة - وقد أشار ابن عمر - ﵄ - إلى تفسيرها بقوله: «التي ليس فيها شعر»، وهكذا قال جماهير أهل اللغة، وأهل الغريب، وأهل الحديث: إنها التي لا شعر فيها، قالوا: وهي مشتقة من السَّبْت - بفتح السين - وهو الْحَلْق، والإزالة، ومنه قولهم: سَبَتَ رأسَهُ؛ أي: حلقه، قال الهرويّ، وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها انسبتت بالدباغ؛ أي: لانت، يقال: رَطْبَةٌ مُنْسَبِتةٌ؛ أي: لَيِّنَةٌ، قال أبو عمرو الشيبانيّ: السبت كلُّ جلد مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر مدبوغةً كانت، أو غير مدبوغة، وقيل: هو نوع من الدباغ يَقْلَع الشعر، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سُودًا لا شعر فيها، قال القاضي عياض: وهذا ظاهر كلام ابن عمر في قوله: «النعال التي ليس فيها شعر»، قال: وهذا لا يخالف ما سبق، فقد تكون سُودًا مدبوغةً بالقرظ، لا شعر فيها؛ لأن بعض المدبوغات يبقى شعرها، وبعضها لا يبقى، قال: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تُعْمَل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرَّفَاهية، كما قال عنترة يمدح رجلًا [من الكامل]: بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ … يُحْذَى نِعَاَل السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ يعني أنه لم يولد توأمًا . وقال كُثَيِّر [من الوافر]: كَأَنَّ مَشَافِرَ النَّجَدَاتِ مِنْهَا … إِذَا مَا قَارَفَتْ قَمْعَ الذُّبَابِ بِأَيْدِي مَأْتَمٍ مُتَصَاعِدَاتٌ … نِعَالُ السِّبْتِ أَوْ عَذْبُ الثِّيَابِ شَبَّهَ اضطراب مشافر الإبل، وهي تنفي الذباب عنها بنعال السِّبت في أيدي المأتم، والمأتم النساء اللواتي يبكين، ويَنُحْنَ على الميت. وقوله: «أو عذب الثياب» يريد خِرَقًا يَحْبِسها النساء بأيديهنّ عند النياح، ويَحْبِسْن أيضًا النِّعَال بأيديهنّ، كان هذا من فعل المأتم في الجاهلية، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . وقال القاضي عياض - ﵀ -: والسين في جميع هذا مكسورة، قال: والأصح عندي أن يكون اشتقاقها، وإضافتها إلى السِّبْت الذي هو الجلد المدبوغ، أو إلى الدباغة؛ لأن السين مكسورة في نسبتها، ولو كانت من السَّبْت الذي هو الحلق، كما قاله الأزهريّ وغيره لكانت النسبة سَبْتِيّة، بفتح السين، ولم يروها أحد في هذا الحديث، ولا في غيره، ولا في الشِّعر فيما علمت إلا بالكسر. انتهى كلام القاضي - ﵀ - . (وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ) - بضم الباء الموحّدة، وفتحها - لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، قال المازريّ: قيل: المراد في هذا الحديث صَبْغُ الشعر، وقيل: صَبْغ الثوب، قال: والأشبه أن يكون صبغ الثياب؛ لأنه أخبر أن النبيّ - ﷺ - صبغ، ولم يُنْقَل عنه - ﷺ - أنه صبغ شعره. قال القاضي عياض: هذا أظهر الوجهين، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر بَيَّنَ فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأن النبيّ - ﷺ - كان يُصَفِّر لحيته بالوَرْس والزعفران، رواه أبو داود . وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه بأن النبيّ - ﷺ - كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته . انتهى . وقال ابن عبد البرّ - ﵀ - في «الاستذكار»: اختَلَفَ العلماء في تأويل هذا الحديث، فقال قوم: أراد الخضاب بها، واحتجوا بما وقع في بعض روايات هذا الحديث بلفظ: «وأما تصفيري لحيتي، فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يُصَفِّر لحيته»، وفي رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبيد بن جريج قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تُصَفِّر لحيتك، قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يُصَفِّر بالوَرْس، فأنا أُحِبّ أن أُصَفِّر به كما كان يصنع، ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن ابن جريج ، قال: رأيت ابن عمر يُصَفِّر لحيته، قلت له: رأيتك تصفر لحيتك، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصفّر لحيته. قال وفي حديث أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: ما كان رسول الله - ﷺ - يَخْضِب، ولكنه قد كان فيه شعرات بِيضٌ، فكان يغسلها بالحناء والسدر. وقال آخرون: معنى قول عبيد بن جريج: «رأيتك تصبغ بالصفرة»، أراد أنه كان يُصَفِّر ثيابه، ويلبس ثيابًا صُفْرًا، وأما الخضاب فلم يكن رسول الله - ﷺ - يخضب. ثم أخرج بسنده عن حميد الطويل قال: سئل أنس بن مالك عن الخضاب، فقال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكتم، فخضب عمر بالحناء، قيل له: فرسول الله - ﷺ -؟ قال: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء ، قال حميد - ﵁ - كُنّ سبع عشرة شعرةً. وأخرج أيضًا عن قتادة، قال: سألت سعيد بن المسيِّب: أخضب رسول الله - ﷺ -؟ قال: لم يبلغ ذلك. وذكر مالك عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يلبس الثوب المصبوغ بالْمِشْق، والمصبوغ بالزعفران. ثم قال أبو عمر - ﵀ -: حديث ابن عمر هذا يدلّ على أن قوله في حديث عُبيد بن جريج كان في صبغ الثياب بالصُّفْرة، لا في خضاب الشعر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأصحّ كون المراد بقوله: «تصبغ بالصفرة» صبغ الشعر والثياب؛ لما تقدّم من أن ابن عمر كان يُصفّر لحيته، ويحتجّ بأن النبيّ - ﷺ - كان يُصَفِّر لحيته بالوَرْس والزعفران، وهو حديث صحيحٌ رواه أبو داود. ولِمَا صحّ أيضًا في حديثه الآخر من احتجاجه بأن النبيّ - ﷺ - كان يصبُغ بها ثيابه حتى عمامته. انتهى. ويُجمع بين هذا وبين نفي أنس - ﵁ - خضابه - ﷺ - بأن ابن عمر - ﵄ - أخبر بما شاهده، ويدلّ على أن ذلك كان في بعض الأحيان، وأما نفي أنس - ﵁ - فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله - ﷺ -، أشار إلى هذا في«الفتح»، وسيأتي الجمع بين هذا الحديث وحديث النهي عن التزعفر للرجال في«كتاب اللباس»حيث يذكر المصنّف - ﵀ - هناك حديث النهي عن التزعفر للرجال - إن شاء الله تعالى -. (بِالصُّفْرَةِ) متعلّق بـ«تصبغ»، وهو بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء: لون دون الحمرة. (وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ) أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية من أول ذي الحجة (وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ) ولفظ البخاريّ:«حتى كان»، ويجوز في«تكون»أن تكون تامةً، وأن تكون ناقصةً، فإن كانت تامة يكون«يومُ»مرفوعًا؛ لأنه اسم«يكون»، وإن كانت ناقصة تكون خبر«يكون». (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) أي: الثامن من ذي الحجة، ومراده: فتُهِلّ أنت حينئذ، وتَبَيَّن من جواب ابن عمر - ﵄ - أنه كان لا يُهِلّ حتى يركب قاصدًا إلى منى . قال النوويّ - ﵀ -: يوم التروية بالتاء المثناة فوقُ، وهو الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء؛ أي: يحملونه معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره. انتهى . وقال في«العمدة»: اختلفوا في سبب التسمية بيوم التروية على قولين، حكاهما الماورديّ وغيره: [أحدهما]: لأن الناس يتروون فيه من الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء. [والثاني]: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم - ﵇ - حواء. قال: وفيه قول آخر، وهو أن جبريل - ﵇ - أرى فيه إبراهيم أول المناسك، وعن ابن عباس - ﵄ -: سُمِّي بذلك؛ لأن إبراهيم - ﵇ - أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتَرَوَّى في نفسه: أمن الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحقّ من ربه، فسُمِّيت عرفة، رواه البيهقيّ في«فضائل الأوقات» من رواية الكلبيّ، عن أبي صالح عنه ، ثم قال: هكذا قال في هذه الرواية. ورَوَى أبو الطفيل، عن ابن عباس - ﵄ - أن إبراهيم - ﵇ - لما ابْتُلِي بذبح ابنه أتاه جبريل - ﵇ -، فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأن جبريل - ﵇ - قال لإبراهيم - ﵇ -: هل عرفتَ؟ قال: نعم، فمن ثَمّ سُمِّيت عرفة. انتهى . (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) - ﵄ - مجيبًا لعبيد بن جُريج عما سأله عنه (أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النعال، قال النوويّ: معناه: يتوضّأ، ويلبسها، ورجلاه رطبتان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ، وفيه نظر، بل الظاهر أنه - ﷺ - كان يتوضّأ، ويغسل رجليه، وهما في نعليه، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: حتى تستوي قائمة، يقال: بعثتُ الناقةَ: أَثَرتُها، فانبعثت هي، وبعثته، فانبعث في السير؛ أي: أسرع، والمعنى هنا: استواؤها قائمةً، وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج. والراحلةُ: هي الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، كما تقدّم . قال المازريّ - ﵀ -: أجاب ابن عمر - ﵄ - السائل بضرب من القياس، حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله - ﷺ - على المسألة بعينها، فاستَدَلّ بما في معناه، ووجه قياسه أن النبيّ - ﷺ - إنما أحرم عند الشروع في أفعال الحج، والذهاب إليه، فأَخَّر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحجّ، وتوجهه إليه، وهو يوم التروية، فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى. قال: ووافق ابن عمر على هذا الشافعيّ، وأصحابه، وبعض أصحاب مالك وغيرهم، وقال آخرون: الأفضل أن يُحرم من أول ذي الحجة، ونقله القاضي عن أكثر الصحابة، والعلماء، والخلاف في الاستحباب، وكل منهما جائز بالإجماع. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٨١٨ و٢٨١٩ و٢٨٢٠ و٢٨٢١ و٢٨٢٢] (١١٨٧)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٦٦)، و«الحجّ» (١٥١٤ و١٥٥٢) و«اللباس» (٥٨٥١)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٧٢)، و(الترمذيّ) في «الشمائل» (٧٤)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٨٠ - ٨١) و«المناسك» (٥/ ١٦٣ - ١٦٤)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٦٢٦)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٣٣٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٤٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٧ - ١٨ و٢٩ و٣٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٧١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٢٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٦٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٨٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٢٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٧٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣١ و٧٦) و«المعرفة» (٤/ ٥٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الأفضل في الإحرام أن يكون وقت انبعاث الراحلة متوجّهةً إلى مكةً، لا عقب الركعتين، قال النوويّ - ﵀ - قوله في هذا الحديث: «حتى تنبعث به راحلته»، وفي الحديث السابق: «ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ»، وفي الحديث الذي قبله: «كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلّ»، وفي رواية: «حين قام به بعيره»، وفي رواية: «يُهِلّ حين تستوي به راحلته قائمةً». هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو: استواؤها قائمةً، وفيها دليل لمالك، والشافعيّ والجمهور، أن الأفضل أن يُحْرِم إذا انبعثت به راحلته. وقال أبو حنيفة: يُحْرِم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعيّ، وفيه حديث من رواية ابن عباس - ﵄ -، لكنه ضعيف. انتهى . ٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن التلبية لا تتقدّم على الإحرام. ٣ - (ومنها): أن فيه جواز لبس النعال السّبتيّة، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: لا أعلم خلافًا في جواز لبسها في غير المقابر، وأما في المقابر فقد جاء فيها النهي عن النبيّ - ﷺ - وعن العلماء. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قال أبو عمر - ﵀ -: في هذا الحديث دليلٌ على أن الاختلاف في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودًا، وهو عند العلماء أصحُّ ما يكون في الاختلاف، إذا كان بين الصحابة، وأما ما أجمع عليه الصحابة، واختَلَف فيه مَن بعدهم، فليس اختلافهم بشيء، وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة والله أعلم في التأويل الْمُحْتَمِل فيما سمعوه، ورأوه، أو فيما انفرد بعلمه بعضهم دون بعض، أو فيما كان منه - ﷺ - على طريق الإباحة في فعله لشيئين مختلفين. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر - ﵀ - أيضًا: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الحجة عند الاختلاف السنّة، وإنها حجة على من خالفها، وليس من خالفها بحجة عليها، ألا ترى أن ابن عمر - ﵄ - لما قال له عُبيد بن جريج: رأيتك تصنع أشياء لا يصنعها أحد من أصحابك، لم يستوحش من مفارقة أصحابه؛ إذ كان عنده في ذلك علم من رسول الله - ﷺ -، ولم يقل له ابن جريج: الجماعة أعلم برسول الله - ﷺ - منك، ولعلك وَهِمْتَ كما يقول اليوم مَن لا علم له، بل انقاد للحقّ إذ سمعه، وهكذا يلزم الجميع، وبالله التوفيق . ٦ - (ومنها): ما قاله - ﵀ - أيضًا: وأما قوله في الحديث: «فقال ابن عمر: لم أر رسول الله - ﷺ - يُهِلّ حتى تنبعث به راحلته»، فإن ابن عمر - ﵄ - قد جاء بحجة قاطعة، نَزَعَ بها، وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله - ﷺ -، ولم يخص مكة من غيرها، وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله، وقصده إلى البيت، ومواضع المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله - ﷺ - أهلّ، واتصل له عمله، وقد تابع ابن عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير أهلها جماعة من أهل العلم، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الإهلال بالحجّ: قال الإمام ابن قُدامة - ﵀ -: المستحب أن يحرم عقب الصلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا، وأحرم عقيبهما، استَحَبّ ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس - ﵄ -. وقد رُوي عن أحمد أن الإحرام عقب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء؛ لأن الجميع قد رُوي عن النبيّ - ﷺ - من طرق صحيحة، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: أيما أحب إليك: الاحرام في دبر الصلاة، أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوَسَّع في ذلك كله. قال ابن عباس - ﵄ -: ركب النبيّ - ﷺ - راحلته حتى استوت على البيداء أهلّ هو وأصحابه، وقال أنس - ﵁ -: لَمّا ركب راحلته، واستوت به أهلّ، وقال ابن عمر - ﵄ -: أهلّ النبي - ﷺ - حين استوت به راحلته قائمةً، رواهنّ البخاري. ثم قال بعد ذكر الاختلاف: وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز، لا نعلم أحدًا خالف في ذلك. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - . وقال ابن عبد البرّ - ﵀ - بعد ذكر حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في الباب ما نصّه: وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله - ﷺ -، ولم يخص مكة من غيرها، وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله، وقصده إلى البيت، ومواضع المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله - ﷺ - أهلّ، واتصل له عمله، وقد تابع ابن عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير أهلها جماعة من أهل العلم، ذَكَر عبد الرزاق قال: حدّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ - قال: لا يُهِلّ أحد من مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى منى، قال ابن طاوس: وكان أبي إذا أراد أن يُحرم من المسجد استلم الركن، ثم خرج، قال ابن جريج: وقال عطاء: إهلال أهل مكة أن يُهِلّ أحدهم حين تتوجه به دابته نحو منى، فإن كان ماشيًا فحين يتوجه نحو منى، قال ابن جريج: قال لي عطاءٌ: أهلّ أصحاب رسول الله - ﷺ - إذ دخلوا في حجتهم مع النبيّ - ﷺ - عشية التروية حين توجهوا إلى منى، قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، وهو يخبر عن حجة النبيّ - ﷺ - قال: فأمرنا بعدما طفنا أن نُحِل، قال: وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلُّوا، قال: فأحللنا من البطحاء. قال: وفي هذه المسألة مذهب آخر لعمر بن الخطاب - ﵁ -، تابعه عليه أيضًا جماعة من العلماء. ذكر مالك في «الموطأ» عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون شُعْثًا، وأنتم مُدَهِّنون؟ أهلُّوا إذا رأيتم الهلال. وذكر مالك، عن هشام بن عروة، أن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع سنين يُهِلّ بالحج لهلال ذي الحجة، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك. قال مالك: من أهلّ بمكة من أهلها، ومن كان مقيمًا بها من أهل المدينة وغيرهم، فليؤخر الطواف الواجب بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، حتى يرجع من منى، ويكون إهلاله من جوف مكة، لا يخرج إلى الحرم، وكذلك فعل ابن عمر، وأصحاب رسول الله - ﷺ - الذين أهلّوا من مكة أخّروا الطواف، والسعي حتى رجعوا من منى. وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: أقام عبد الله بن الزبير تسع سنين يُهِلّ بالحج إذا رأى هلال ذي الحجة، ويطوف بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى منى. قال: وأخبرنا هشام بن حسان، قال: كان عطاء بن أبي رباح يُعجبه إذا توجه إلى منى أن يُهِلّ، ثم يمضي على وجهه. وقال عطاء: إذا أحرم عشية التروية، فلا يطف بالبيت حتى يروح إلى منى. قال هشام: وقال الحسن: أي ذلك فعل فلا بأس، إن شاء أهلّ حين يتوجه إلى منى، وإن شاء قبل ذلك، وإن أهلّ قبل يوم التروية، فإنه يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة. قال أبو عمر: ليس يريد الطواف الواجب؛ لأن الطواف الواجب لا يكون إلا بعد رمي جمرة العقبة، ولكنه يطوف ما بدا له بالبيت، ويركع إن شاء، وهو قول مالك أيضًا. قال أبو عمر: قد روي عن ابن عمر في هذا الباب أنه فعل فيه أيضًا بقول أبيه، وهو كله واسع جائز لمن فعله، لا يختلف الفقهاء في جواز ذلك. ذكر عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، قال: أهلّ ابن عمر مرةً بالحج حين رأى الهلال، ومرةً أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرة أخرى حين راح منطلقًا إلى منى، قال: وأخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه أهلّ بالحج من مكة ثلاث مرات، فذكر مثله، قال: وأخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله، وعن معمر، وابن جريج، عن خُصَيف، عن مجاهد، عن ابن عمر نحوه، قال مجاهد: فقلت لابن عمر: قد أهللت فينا إهلالًا مختلفًا، قال: أما أول عام الأول فأخذت بأخذ أهل بلدي، ثم نظرت فإذا أنا أَدْخُل على أهلي حرامًا، وأخرج حرامًا، وليس كذلك كنا نصنع، إنما كنا نُهِل ثم نُقبل على شأننا، قلت: فبأيّ ذلك نأخذ؟ قال: نُحرِم يوم التروية. قال: وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن شاء المكيّ ألا يحرم بالحج إلا يوم منى فعل، قال: وكذلك إن كان أهله دون الميقات إن شاء أهلّ من أهله، وإن شاء من الحرم. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض أقوال أهل العلم وأدلّتهم في هذه المسألة أن الأرجح هو مذهب ابن عمر - ﵄ - وجماعة، أنه لا يُحرم إلا حين تنبعث به راحلته، سواء كان مكيًّا أو آفاقيًّا؛ اقتداء برسول الله - ﷺ -، فخير الهدي هدي محمدّ - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في استلام الأركان: قال أبو عمر - ﵀ -: السنة التي عليها جمهور الفقهاء أن الركنين اليمانيين يُستلمان دون غيرهما، وأما السلف فقد اختلفوا في ذلك، فرُوي عن جابر، وأنس، وابن الزبير، والحسن، والحسين، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثل ذلك، واختُلِف عن معاوية، وابن عباس في ذلك، فقال أحدهما: ليس من البيت شيء مهجور، والصحيح عن ابن عباس أنه كان لا يستلم إلا الركنين الأسود واليمانيّ، وهما المعروفان باليمانيين، وهي السنة، وعلى ذلك جماعة الفقهاء، منهم مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ. وحجتهم حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في الباب، وما كان مثله عن النبيّ - ﷺ - ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال قول من قال: لا يُستلم من الأركان إلا اليمانيان؛ لعدم ثبوته عن النبيّ - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَن ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵄ - بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثِنْتَيْ عَشرَةَ مَرَّةً، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ أَرْبَعَ خِصَالٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِهَذَا الْمَعْنَى، إِلَّا فِي قِصَّةِ الْإِهْلَالِ، فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر، أبو جعفر السعديّ مولاهم، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو صَخْرٍ) ابن أبي المخارق، حُميد بن زياد الْخَرّاط، صاحب الْعَباء المدنيّ، ثم المصريّ، صدوقٌ يَهِمُ [٦] (ت ١٨٩) (بخ م د ت عس ق) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٨. ٤ - (ابْنُ قُسَيْطٍ) - مصغّرًا - هو: يزيد بن عبد الله بن قُسيط بن أسامة الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٢) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٠/ ١٣٠١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير ابن قُسيط؛ أي: ساق ابن قُسيط الحديث بمعنى حديث سعيد المقبريّ. وقوله: (فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ. . . إلخ) سيأتي نصّ ما ذكره ابن قسيط مخالفًا لرواية المقبري في التنبيه التالي. وقوله: (فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ) «ذَكَرَه» الأول بصيغة الماضي، وفاعله ضمير ابن قُسيط، والمنصوب ضمير الحديث، وأما «ذِكْرِه» الثاني فهو بصيغة المصدر، وأُضيف إليه «سوى»، وهو نعت لـ «معنًى»، والضمير المضاف إليه للمقبريّ، و«إيّاه» يعود إلى الحديث. [تنبيه]: رواية ابن قُسيط، عن عبيد بن جُريج هذه ساقها أبو عَوَانة - ﵀ - في «مسنده» (٢/ ٢٧٨) فقال: وحدّثنا ابن أخي ابن وهب، قال: حدثني عَمِّي، قال: أخبرني أبو صَخْر، عن يزيد بن قُسيط، عن عُبيد بن جُريج، قال: حججت مع عبد الله بن عمر بين حجّ وعمرة ثنتا عشرة مرةً، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت منك أربع خصال، ما رأيتهنّ من أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - غيرك قال: وماذا يا ابن جريج؟ قال: رأيتك إذا أهللتَ، فدخلت العُرُش قَطَعْت التلبية، ورأيتك إذا طُفْت بالبيت، كان أكثر ما تَمَسّ من الأركان الركن اليماني، ورأيتك تَحْتَذِي السِّبْت، وهو محلوق الشعر، ورأيتك تُغَيِّر بالصفرة، فقال: صدقت يا ابن جريج، خرجت مع رسول الله - ﷺ -، فلما دَخَل الْعُرُش قطع التلبية، فلا تزال تلبيتي حتى أموت، وطُفْتُ معه البيت، فكان أكثر ما يَمَسّ من الأركان الركن اليماني، فلا أزل أمسّه أبدًا، وهذا حذاؤه يا ابن جريج، ولا أزال أحتذيه، وهذا تغييره يا ابن جريج فلا أزال أغيره أبدًا. قال أبو عوانة: قصة الإهلال مخالفة لقصة سعيد المقبريّ. انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج هذه الرواية أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه» مع بيان ما دلّت عليه من الفوائد، ودونك نصّه (٤/ ٢٠٥): (٢٦٩٦) - حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثنا عمي، حدّثني أبو صخر، عن ابن قُسيط، عن عُبيد بن حُنين قال: حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب بين حجة وعمرة اثنتي عشرة مرة، قال: قلت له: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت منك أربع خصال، فذكر الحديث، وقال: رأيتك إذا أهللت، فدخلت العُرُش، قَطَعت التلبية، قال: صدقت يا ابن حنين، خرجت مع رسول الله - ﷺ -، فلما دخل العُرُش قطع التلبية، فلا تزال تلبيتي حتى أموت. قال أبو بكر - هو ابن خزيمة -: قد كنت أرى للمعتمر التلبية حتى يستلم الحجر، أولَ ما يبتدئ الطواف لعمرته؛ لخبر ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. (٢٦٩٧) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ، ومحمد بن هشام قالا: حدّثنا هُشيم، أخبرني ابن أبي ليلى، قال محمد بن هشام: عن ابن أبي ليلى، قال أبو بكر: فلما تدبرت خبر عبيد بن حنين، كان فيه ما دلّ على أن النبيّ - ﷺ - قد كان يقطع التلبية عند دخول عُرُوش مكة، وخبر عُبيد بن حُنين أثبت إسنادًا من خبر عطاء؛ لأن ابن أبي ليلى ليس بالحافظ، وإن كان فقيهًا عالمًا، فأرى للمحرم كان بحج أو عمرة، أو بهما جميعًا قطع التلبية عند دخول عروش مكة، فإن كان معتمرًا لم يَعُدْ إلى التلبية، وإن كان مفردًا، أو قارنًا عاد إلى التلبية عند فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ لأن فعل ابن عمر كالدالّ على أنه رأى النبيّ - ﷺ - قطع التلبية في حجته إلى الفراغ من السعي بين الصفا والمروة. حدّثناه الربيع بن سليمان، حدّثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، قال: قال عطاء بن أبي رباح: كان ابن عمر يَدَعُ التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصفا والمروة. (٢٦٩٨) - حدّثنا محمد بن مهديّ العطار، حدّثنا عمرو - يعني ابن أبي سلمة - حدّثني ابن زَبْر - وهو عبد الله بن العلاء بن زَبْر - حدّثني القاسم بن محمد، قال: رأيت عبد الله بن عمر يقطع التلبية إذا دخل الحرم، ويعاود إذا طاف بالبيت، وإذا فرغ من الطواف بين الصفا والمروة. = تصحيف من «ابن جُريج»، وهو عُبيد بن جُريج المذكور قبلُ، فليُحرّر، وأما عُبيد بن حُنين فراو آخر مدنيّ من طبقته، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. قال أبو بكر : وأخبار النبيّ - ﷺ - أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة دالّة على أنه لم يقطع التلبية عند دخوله الحرم قطعًا لم يعاود، سأذكر تلبيته إلى أن رمى جمرة العقبة في موضعها من هذا الكتاب، إن وفق الله لذلك وشاء. انتهى كلام ابن خزيمة - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، وسنعود إلى إتمام البحث فيه في موضعه المناسب له - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر الْعُمريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر تقدّم قبل باب. ٥ - و(ابن عمر - ﵄ -) ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ) ولفظ البخاريّ - ﵀ -: «إذا أدخل رجله في الْغَرز، واستوت به ناقته» (فِي الْغَرْزِ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، بعدها زاي - هو: ركاب كُور البعير إذا كان من جِلْد، أو خَشَب، أو حديد، وقيل: هو الكُور مطلقًا؛ كالرِّكاب للسرج ، قال في «المصباح»: الْغَرْزُ مثالُ فَلْس: ركاب الإبل. انتهى . (وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ)؛ أي: استوت به قائمةً، وفي الرواية التالية: «أهلّ حين استوت به ناقته قائمةً»؛ أي: رفعته مستويًا على ظهرها، فالباء للتعدية، وقيل: «به» حال، وكذا قوله: (قَائِمَةً) قاله القاري - ﵀ - . (أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ أي: رفع صوته بالتلبية، ونوى أحد النسكين، أو كليهما معًا (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أي: من عند مسجد ذي الحليفة، والمراد أنه بدأ بالإهلال منه، وكان ابن عمر - ﵄ - يُنكر بذلك على من روى أنه - ﷺ - إنما أهلّ حين استوى على البيداء. وقد اختلفت الروايات عن الصحابة - ﵃ - في مبدإ إهلاله - ﷺ -. (فمنها): ما يدلّ على أنه أهلّ في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، كما في رواية ابن عبّاس عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، وفي رواية أبي داود المازني عن ابن حزم . (ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به ناقته خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة، كما وقع في روايات ابن عمر - ﵄ - عند أحمد، والشيخين، وغيرهم، وفي حديث أنس عند البخاريّ، وأبي داود، والبيهقيّ، والطحاويّ، وقال الزيلعيّ بعد ذكر حديث أنس: وأخرج - أي البخاريّ - أيضًا عن عطاء، عن جابر أن إهلال رسول الله - ﷺ - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. انتهى. (ومنها): ما يدلّ على أنه - ﷺ - أهلّ حين استوت به على البيداء؛ أي: بعدما علا على شَرَف البيداء، كما وقع في روايات ابن عبّاس - ﵄ - أيضًا عند أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والطحاويّ، وفي حديث أنس عند أحمد، والنسائيّ، وأبي داود، وفي حديث سعد بن أبي وقّاص عند أبي داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، والحاكم. وقد جُمع بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالًا، جماعة بعد أخرى، فرأى قوم شروعه - ﷺ - في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة، فنقلوا عنه أنه أهلّ بذلك المكان، ثمّ أهلّ لَمّا استقلّت به راحلته، فسمعه آخرون، فظنّوا أنه شرع في الإهلال في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلّ عندما استقلّت به راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يُهلّ على شرف البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابن القيّم، حيث قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلّاه، ثم ركب على ناقته، وأهلّ أيضًا، ثم أهلّ لَمّا استقلّت به على البيداء. انتهى مختصرًا ملخّصًا. ويؤيّد هذا الجمع ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، والطحاويّ عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلال رسول الله - ﷺ - حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله - ﷺ - حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله - ﷺ - حاجًّا، فلما صلى في = قال عليّ - هو ابن حزم -: ومن حيث أهلّ أجزأه؛ لأنه فعل، لا أمرٌ. انتهى. مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهلّ بالحجّ حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلما استقَلّت به ناقته أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهِلّ، فقالوا: إنما أهلّ رسول الله - ﷺ - حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله - ﷺ -، فلما علا على شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلّ حين علا على شرف البيداء، وايمُ الله لقد أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به ناقته، وأهلّ حين علا على شرف البيداء. انتهى. قال في «الفتح»: وقد أزال الإشكال؛ أي: إشكال اختلاف الروايات في مكان إهلاله - ﷺ - ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عجبت. . . إلخ، فذكره، ثم قال: فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سلك كثير من العلماء كابن القيّم، والحافظ، والشوكانيّ، وغيرهم طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، ودليلهم حديث ابن عبّاس المذكور، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه من رواية خُصيف بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، فلا يمكن الجمع بروايته، والحقّ أن الترجيح هو الأحقّ، فيُقدّم حديث ابن عمر المذكور في الباب على غيره من الأحاديث؛ لكونه أرجح، وقد أجاد أبو محمد بن حزم - ﵀ - في ذلك، فقال: حديث ابن عبّاس في طريقه خصيف، وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصاريّ المازنيّ من طريق قوم غير مشهورين، والأحاديث الدالّة على إحرامه - ﷺ - بعدما استقلّت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متّفقٌ على صحّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس، وعائشة - ﵃ -، وهو أنه - ﷺ - أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في الْغَرْز، واستقلّت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقب الركوب، ولا في مصلّاه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس، وأبي داود لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لَمّا كان حديث ابن عمر متّفقًا على صحّته، ولم يصحّ حديثهما وجب المصير إليه دونهما، ولَمّا كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتُّفق على صحّة روايته، وهي كون الإهلال من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذ يلبّي، فظنّ أن ذلك أول إهلاله. قال: ويُمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عبّاس، ويكون قوله: «في مصلّاه» زيادة من الراوي ليس من قول ابن عبّاس، ويصدُق على من أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لَمّا فرغ من ركعتيه أهلّ، ولا يلزم من ذلك التعقيب، وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله، والله أعلم. انتهى كلام ابن حزم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: تحقيق ابن حزم - ﵀ - المذكور حسنٌ إلا قوله: «ويمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر. . . إلخ»، ففيه نظر لا يخفى، إذ هذا الجمع فرع الصحّة، وقد سبق أن الحديث ضعيف، فلا حاجة إلى تكلّف الجمع، بل يُعمل بما اتّفق على صحّته، وهو حديث ابن عمر - ﵄ -. والحاصل أن الأفضل هو الإحرام حين تنبعث به راحلته، ويضع رجله على الغرز، كما صحّ ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وقد تقدّم تحقيق هذا، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْن مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً).
مصادر المؤلف (٤٣)

١. «الفتح» ١/ ٤٦٢.

٢. «عمدة القاري» ٣/ ٣٧.

٣. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٣٧.

٤. «لسان العرب» ١٣/ ٤٦٤.

٥. «الفتح» ١/ ٤٦٣.

٦. قال في «القاموس»: الأرقبُ: الأسد، والغليظ الرَّقَبَ، كالرَّقَبَانيّ، والرَّقَبَان محرّكةً، والاسم: الرَّقَبَةُ محرَّكة. انتهى.

٧. «شرح النوويّ» ٨/ ٩٤ - ٩٥.

٨. «عمدة القاري» ٣/ ٣٨.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٣.

١٠. «الفتح» ١٣/ ٣٤١ «كتاب اللباس» رقم (٥٨٥٠).

١١. «الفتح» ١/ ٤٦٢.

١٢. «التمهيد» لابن عبد البر ٢١/ ٧٧.

١٣. «التمهيد» ٢١/ ٧٧ - ٧٨.

١٤. «إكمال المعلم» ٤/ ١٨٥ - ١٨٦.

١٥. حديث صحيحٌ، رواه أبو داود في «سننه» ٢/ ٤٠٤.

١٦. رواه أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح ٢/ ٣٧٤.

١٧. «إكمال المعلم» ٤/ ١٨٤.

١٨. هو عبيد بن جُريج، فتنبّه.

١٩. حديث أنس - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس: أخضب النبيّ - ﷺ -؟ قال: لم يبلغ الشيب إلا قليلًا«، وعن ثابت قال: سئل أنس عن خضاب النبيّ - ﷺ -، فقال: إنه لم يبلغ ما يُخْضَب.

٢٠. «الاستذكار»٤/ ٥٣ - ٥٤.

٢١. «الفتح»١٣/ ٤١٦«كتاب اللباس»رقم (٥٨٩٤).

٢٢. راجع:«عمدة القاري»٣/ ٣٨.

٢٣. «الفتح»١/ ٤٦٢.

٢٤. «شرح النوويّ»٨/ ٩٦.

٢٥. والكلبيّ ضعيف.

٢٦. «عمدة القاري» ٣/ ٣٨ - ٣٩.

٢٧. «عمدة القاري» ٣/ ٣٩.

٢٨. «شرح النوويّ» ٨/ ٩٦.

٢٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٩٤.

٣٠. «التمهيد» لابن عبد البر ٢١/ ٧٥ - ٧٦.

٣١. «التمهيد» لابن عبد البر ٢١/ ٧٥ - ٧٦.

٣٢. «المغني» ٣/ ٢٢٩ - ٢٣١.

٣٣. «التمهيد» ٢١/ ٨٦ - ٩٠.

٣٤. «التمهيد» ٢١/ ٧٦ - ٧٧.

٣٥. هكذا النسخة «ثنتا» بالألف، وهو على لغة من يُلزِم المثنّى الألف في الأحوال كلها، فتنبّه.

٣٦. أي: بيوت مكة، قال في «المصباح» ٢/ ٤٠٢: العَرْشُ: السرير، وعَرْشُ البيت: سقفه، والْعَرْشُ أيضًا: شِبْهُ بيت من جَرِيد يُجعل فوقه الثُّمام، والجمع عُرُشٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، والْعَرِيشُ مثله، وجمعه عُرُشٌ بضمّتين، مثلُ بَرِيد وبُرُد، وعلى الثاني: تمتّعنا مع رسول الله - ﷺ -، وفلان كافرٌ بالْعُرُش؛ لأن بيوت مكة كانت عِيدانًا تُنْصَب، ويُظلّل عليها، وعلى الأول: وكان ابن عمر يقطع التلبية إذا رأى عُرُش مكة، يعني البيوت. انتهى.

٣٧. هكذا نسخة «صحيح ابن خزيمة»: «ابن حُنين» مكرّرًا عدّة مرّات، والظاهر أنه =

٣٨. هو ابن خزيمة.

٣٩. «شرح النوويّ» ٨/ ٩٧.

٤٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٥.

٤١. «مرقاة المفاتيح» ٥/ ٤٥٠.

٤٢. قال أبو محمد بن حزم - ﵀ - في «المحلَّى» ٧/ ٩٣: نا أحمد بن محمد بن الجسور، نا أحمد بن الفضل الدينوريّ، نا محمد بن جرير الطبريّ، حدّثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطيّ، نا يعقوب بن محمد، نا محمد بن موسى، نا إسحاق بن سعيد بن جبير، عن جعفر بن حمزة بن أبي داود المازنيّ، عن أبيه، عن جدّه أبي داود، وهو بدريّ، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في الحج، فلما كان بذي الحليفة صلى في المسجد أربع ركعات، ثم لبى دبر الصلاة، ثم خرج إلى باب المسجد، فإذا راحلته قائمة، فلما انبعثت به أهلّ، ثم مضى فلما علا البيداء أهلّ. =

٤٣. راجع: «المرعاة على المشكاة» ٩/ ٤٤٨ - ٤٤٩.