HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٨٩

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قالت: طيبت رسول الله ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ. وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبيت.
ج ٢ ص ٨٤٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص١٩٥
(وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا) قيل: يَحْتَمِل أن تكون الصلاة للإحرام، ويَحْتَمل أن تكون للفرض، والظاهر أنها للفرض؛ لأنه - ﷺ - إنما أحرم بعد الفريضة، وفي حديث أنس - ﵁ -: «أنه - ﷺ - صلى الظهر بالمدينة أربعًا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين»، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢٨٢٣] (١١٨٨)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٣٢)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٢٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٧٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٤١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الإِحْرَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٤] (١١٨٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في السند الماضي. ٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريبًا. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، عن خالته. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -) أنها (قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) وفي رواية القاسم عنها التالية: «كنت أطيّب رسول الله - ﷺ -». قال وليّ الدين - ﵀ -: حقيقة قولها: «كنت أطيّب إلخ» تطييب بدنه، ولا يتناول ثيابه، وقد دل على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها: «حتى أجد وبيص الطيب في رأسه، ولحيته»، وقد اتفق الشافعيّة على أنه لا يستحبّ تطييب الثياب عند إرادة الإحرام، وشذّ المتولي، فحكى قولًا باستحبابه، وصححه في «المحرّر»، و«المنهاج»، وفي جوازه خلاف عندهم، والأصحّ الجواز، فإذا قلنا بجوازه، فنزعه، ثم لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان، صحح البغويّ وغيره الوجوب. انتهى كلام وليّ الدين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا دليل على منع تطييب الثياب عند الإحرام، والأعجب تصحيح البغويّ وجوب الفدية؛ فأين الدليل على ذلك من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع؟ والله تعالى أعلم. (لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطوا «لِحُرْمِهِ» بضم الحاء وكسرها، وقد سبق بيانه في «شرح المقدمة»، والضم أكثر، ولم يذكر الهرويّ وآخرون غيره، وأنكر ثابت الضم على المحدثين، وقال: الصواب الكسر، والمراد بـ «حِرمه» الإحرام بالحجّ. وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وبهذا قال جماهير الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين، والفقهاء، وقال آخرون بمنعه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، وترجيح الراجح بدليله، في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)؛ أي: لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وفي رواية عمرة: «ولحلّه قبل أن يُفِيض»، وللنسائيّ: «وحين يريد أن يزور البيت»، وله أيضًا: «ولحلّه بعدما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت». فتبيّن أن المراد طواف الإفاضة، ففيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق، وقبل الطواف، وبهذا قال جماهير العلماء إلا مالكًا، فإنه كرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وسيأتي تمام البحث في هذا في «المسألة الخامسة» - إن شاء الله تعالى -. وقال في «الفتح»: واستُدِلّ به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال إن الحلق نسك كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه - ﷺ - في حجته، رَمَى، ثم حَلَق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: «قبل أن يطوف بالبيت». قال النووي في «شرح المهذب»: ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهو في رواية عن أحمد، وحُكِي عن أبي يوسف . وفي قولها: (وَلحِلّه) دليل على أنه حصل له تحللٌ، وفي الحجّ تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول؛ أيَّ اثنين كانا، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات، إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهنّ غير الجماع بالتحلل الأول، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر - ﵀ - ما حاصله: هذا الحديث لم يُختلف فيه عن عائشة - ﵂ - والأسانيد متواترة به، وهي صحاح، وقال الإمام ابن حزم - ﵀ - بعد ذكر جُمَل من طرقه عن عائشة ما نصّه: فهذه آثار متواترة، متظاهرة، رواه عنها عروة، والقاسم، وسالم بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وعمرة، ومسروق، وعلقمة، والأسود، ورواه عن هؤلاء الناسُ الأعلام. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢٨٢٤ و٢٨٢٥ و٢٨٢٦ و٢٨٢٧ و٢٨٢٨ و٢٨٢٩ و٢٨٣٠ و٢٨٣١ و٢٨٣٢ و٢٨٣٣ و٢٨٣٤ و٢٨٣٥ و٢٨٣٦ و٢٨٣٧ و٢٨٣٨ و٢٨٣٩ و٢٨٤٠] (١١٨٩ و١١٩٠)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٦٧ و٢٧٠ و٢٧١) وفي «الحجّ» (١٥٣٨ و١٥٣٩) وفي «اللباس» (٥٩١٨ و٥٩٢٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٤٥ و١٧٤٦)، و(الترمذيّ) في «الحج» (٩١٧)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٣٧) و«الكبرى» (٢/ ٣٣٨ و٤٥٨ و٤٥٩)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٢٦ و٢٩٢٧ و٢٩٢٨ و٣٠٤٢)، و(مالك) في «الموطإ» (٧٢٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٢٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٢٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٩ و١٨١ و١٨٦ و٢١٤ و٢٣٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٠١ و١٨٠٢ و١٨٠٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٨١ و٢٥٨٢ و٢٥٨٣ و٢٩٣٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٢١ و٤١٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٧٤ و٢٧٥ و٢٧٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٥٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٨/ ١٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٤ و١٣٦) و«الصغرى» (٣/ ٥٤٠) و«المعرفة» (٣/ ٥٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إباحة الطيب للمحرم عند إرادة إحرامه. ٢ - (ومنها): أنه لا بأس باستدامة الطيب بعد الإحرام، ولا يضرّ بقاء لونه، ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء اللَّه تعالى -. ٣ - (ومنها): استحباب الطيب بعد التحلّل الأول قبل الطواف، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وتابعه أصحابه. ٤ - (ومنها): استحباب الطيب للرجال والنساء مطلقًا؛ لأنه إذا فُعل في هذه الحالة التي من شأنها الشعث، فغيرها أولى. ٥ - (ومنها): بيان مشروعيّة خدمة المرأة زوجها. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ بقولها: «كنت أطيّب» على أن «كان» لا تقتضي التكرار؛ لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرّة واحدة، وقد صرّحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع، كذا استدلّ به النوويّ في «شرح مسلم». وتُعُقّب بأن المدّعَى تكراره إنما هو التطيّب، لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرّر التطيّب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرّة واحدة، ولا يخفى ما فيه. وقال النوويّ في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا، ولا استمرارًا. وكذا قال الفخر في «المحصول». وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدنا من قولهم: «كان حاتم يَقري الضيف» أن ذلك كان يتكرّر منه. وقال جماعة من المحقّقين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدلّ على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيّب لو تكرّر منه فعل الإحرام لما اطّلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه اللفظة لم تتّفق الروايات عنها عليها، فقد حُذفت في أكثر الطرق، واللَّه تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الجماعة، من أن «كان» تقتضي التكرار إلا لدليل، هو الحقّ، وقد بيّنت ذلك في «التحفة المرضيّة»، و«شروحها» في الأصول، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على حلّ الطيب وغيره، من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمرّ امتناع الجماع، ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دالّ على أن للحجّ تحلّلين، فمن قال: إن الحلق نسك، كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعيّة يوقّف استعمال الطيب وغيره من المحرّمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه - ﷺ - في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي، والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: «قبل أن يطوف بالبيت». قال النوويّ في «شرح المهذّب»: ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهي رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، واللَّه تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): طهارة المسك؛ لقوله في الرواية الآتية: «كنت أطيّب النبيّ - ﷺ -. . . بطيب فيه مسك»، وهذا مجمع عليه، إلا في قول شاذّ، لا يُعتدّ به ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطيب عند الإحرام: ذهب الجمهور إلى استحباب التطيّب عند إرادة الإحرام، ولو بقي لونه ورائحته بعد الإحرام. وممن قال بذلك الأئمةُ: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو يوسف، وأحمد بن حنبل، وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقّاص، وابن الزبير، وابن عبّاس، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وحكاه الخطّابيّ عن أكثر الصحابة. وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن جعفر، وعائشة، وأمّ حبيبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والشعبيّ، والنخعيّ، وخارجة بن زيد، ومحمد ابن الحنفيّة، قال: واختُلف في ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير. وقال به الثوريّ، والأوزاعيّ، وداود. وحكاه النوويّ عن جمهور العلماء من السلف والخلف، والمحدّثين، والفقهاء، وعدّ منهم غير من قدّمنا معاوية، وحكاه ابن قُدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه أقول. وذهب مالك إلى منع أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه، وحكى الشيخ أبو الظاهر قولًا بوجوب الفدية، وعلّله بأن بقاء الطيب كاستعماله. وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، وحكاه صاحب «الهداية» من الحنفيّة عن الشافعيّ، ولا يُعرف ذلك في مذهبه. وحكى ابن المنذر عن عطاء كراهة الطيب قبل الإحرام، وحكاه النوويّ عن الزهريّ. قال القاضي عياض: وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة، والتابعين. وقال ابن عبد البرّ: وممن كره الطيب للمحرم قبل الإحرام عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد اللَّه بن عمر، وعثمان بن أبي العاصي، وعطاء، وسالم بن عبد اللَّه، على اختلاف عنه، والزهريّ، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، على اختلاف عنهم. وهو اختيار أبي جعفر الطحاويّ؛ إلا أن مالكًا كان أخفّهم في ذلك قولًا، ذكر ابن عبد الحكم عنه، قال: وترك الطيب عند الإحرام أحبّ إلينا. انتهى. وقال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: والذي في «الصحيح» عن ابن عمر أنه قال: «ما أحبّ أن أُصبح محرمًا أنضخ طيبًا»، وليس في هذا التصريح بالمنع منه. انتهى. وتأوّل هؤلاء حديث عائشة - ﵂ - هذا على أنه تطيّب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيّد هذا قولها في الرواية الأخرى في «صحيح مسلم»: «طيّبتُ رسول الله - ﷺ - عند إحرامه، ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرمًا»، فظاهره أنه إنما تطيّب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، لا سيّما، وقد نُقل أنه كان يتطهّر من كلّ واحدة قبل الأخرى، فلا يبقى مع ذلك طيب، ويكون قولها: «ثم أصبح ينضخ طيبًا»؛ أي: قبل غسله. وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذَرِيرةً، وهي فُتاةُ قَصَب طيب، يُجاء به من الهند، وهي مما يذهبه الغسل. قالوا: وقولها: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - ﷺ -، وهو محرم»، المراد منه أثره، لا جرمه، هذا كلام المالكية. قال النوويّ: ولا يوافَقون عليه، بل الصواب ما قاله الجمهور: إن الطيب مستحبّ للإحرام؛ لقولها: «طيّبته لحرمه»، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام، لا للنساء، ويعضده قولها: «كأني أنظر إلى وَبيص الطيب». والتأويل الذي قالوه غير مقبول؛ لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه. انتهى. وقال ابن عبد البرّ على لسان الذاهبين إلى استحباب الطيب للإحرام: لا معنى لحديث ابن المنتشر - يعني الذي فيه: «ثم طاف على نسائه» - لأنه ليس ممن يعارض به هؤلاء الأئمة، ولو كان ما كان في لفظه حجة؛ لأن قوله: «طاف على نسائه» يَحْتَمِل أن يكون طوافه لغير جماع؛ ليعلّمهنّ كيف يُحرمن، وكيف يعملن في حجّهنّ، أو لغير ذلك، والدليل على ذلك ما رواه منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -، قالت: «كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - ﷺ - بعد ثلاث، وهو محرم». قالوا: والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عنه، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -، فقال فيه: «فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا، ينضخ طيبًا». قالوا: والنضخ في كلام العرب: اللطخ، والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦]. ذكر هذا كله وليّ الدين - ﵀ -. وقال الحافظ - ﵀ -: واحتجّ المالكيّة بأمور: (منها): أنه - ﷺ - اغتسل بعد أن تطيّب، لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدّمة في «الغسل»: «ثم طاف بنسائه، ثم أصبح محرمًا»، فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته - ﷺ - أن يغتسل عند كلّ واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر. ويردّه قولها في الرواية الماضية أيضًا: «ثم أصبح محرمًا، ينضخ طيبًا»، فهو ظاهر في أن نضخ الطيب - وهو ظهور رائحته - كان في حال إحرامه، ودعوى بعضهم أن فيه تقديمًا وتاخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه، ينضخ طيبًا، ثم أصبح محرمًا خلافُ الظاهر، ويردّه قوله في رواية الحسن بن عبيد اللَّه، عن إبراهيم عند مسلم: «كان إذا أراد أن يُحرم يتطيّب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه، ولحيته بعد ذلك»، وللنسائيّ، وابن حبّان: «رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث، وهو محرم». وقال بعضهم: إن الوَبِيص كان بقايا الدهن المطيّب الذي تطيّب به، فزال، وبقي أثره، من غير رائحة. ويردّه قول عائشة - ﵂ -: «ينضخ طيبًا». وقال بعضهم: بقي أثره، لا عينه، قال ابن العربيّ: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت. انتهى. وقد روى أبو داود، وابن أبي شيبة، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: «كنّا نضمّخ وجوهنا بالمسك المطيّب قبل أن نحرم، ثم نحرم، فنعرق، فيسيل على وجوهنا، ونحن مع رسول الله - ﷺ -، فلا ينهانا»، فهذا صريحٌ في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاصّ بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له، تمسّكًا برواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: «بطيب لا يشبه طيبكم»، قال بعض رواته: تعني لا بقاء له، أخرجه النسائيّ . ويردّ هذا التأويل ما في الذي قبله. ولمسلم من رواية منصور بن زاذان، عن عبد الرحمن بن القاسم: «بطيب فيه مسك»، وله من طريق الحسن بن عبيد اللَّه، عن إبراهيم: «كأني أنظر إلى وبيص المسك»، وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: «بأطيب ما أجد»، وللطحاويّ، والدارقطنيّ من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عائشة - ﵂ -: «بالغالية الجيّدة»، وهذا يدلّ على أن قولها: «بطيب، لا يُشبه طيبكم»؛ أي: أطيب منه، لا كما فهمه القائل: تعني ليس له بقاء. وادَّعَى بعضهم أن ذلك من خصائصه - ﷺ -، قاله المهلّب، وأبو الحسن القصّار، وأبو الفرج من المالكيّة، قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنَهَى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه، ففعله، ورجحه ابن العربيّ بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «حُبّب إليّ النساء والطيب»، أخرجه النسائيّ من حديث أنس - ﵁ -. وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلّب: إنما خُصّ بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. وتُعقّب بأنه فرع ثبوت الخصوصيّة، وكيف بها؟ ويردّها حديث عائشة بنت طلحة المتقدّم. ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة - ﵂ -، قالت: «طيّبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم»، وبقولها: «طيّبت رسول الله - ﷺ - بيديّ هاتين»، أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده، عنها، وعند البخاريّ من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: «وأشارت بيديها». واعتذر بعض المالكيّة بأن عمل أهل المدينة على خلافه. وتُعُقّب بما رواه النسائيّ، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لَمّا حجّ، جمع ناسًا من أهل العلم، منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم، وعبد اللَّه ابنا عبد اللَّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيّب قبل الإفاضة، فكلّهم أمر به. فهؤلاء فقهاء أهل المدينة، من التابعين، قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدّعي مع ذلك العمل على خلافه؟ انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من التحقيقات أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز استعمال الطيب عند إرادة الإحرام، ولو كان يبقى أثره بعد الإحرام هو الحق؛ لكونه سنة ثابتة عن رسول الله - ﷺ -، وإذا ثبتت السنّة بطل القياس، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولِ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): دلّ الحديث على إباحة التطيّب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق، وقبل طواف الإضافة، وهو المراد بالطواف هنا، وإنما قلنا: بعد رمي جمرة العقبة والحلق؛ لأنه - ﷺ - رتّب هذه الأفعال يوم النحر هكذا، فرمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن التطيّب كان بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: «قبل أن يطوف بالبيت». قال النوويّ في «شرح مسلم»: وهذا مذهب الشافعيّ، والعلماء كافّة، إلا مالكًا، فكرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وكذا حكاه القاضي عياض عن عامّة العلماء. وقال الترمذيّ في «جامعه»: رُوي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: حَلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وغيرهم، وهو قول أهل الكوفة. انتهى. وهذا الذي حكاه عن أهل الكوفة ليس بمعروف عنهم، وفي كتب الحنفية كـ «الهداية»، وغيرها الجزم بحلّ الطيب قبل الطواف. ثم إن مالكًا مع قوله باستمرار تحريم الطيب يقول: إنه لا فدية عليه لو تطيّب، بخلاف الصيد، فإنه ممنوع منه عنده قبل الطواف كالطيب عنده، ومع ذلك فيقول بلزوم الفدية لو اصطاد، وهو محتاج إلى الفرق بينهما. وحُكي عن بعض أهل الكوفة القول بتحريم الطيب قبل الطواف، وبلزوم الفدية لو تطيّب، وهو القياس، أعني لزوم الفدية على القول بالتحريم، وبالفدية يقول الشافعية تفريعًا على قول شاذّ، حكاه بعضهم أن الطيب يستمرّ تحريمه إلى أن يطوف، وأنكر جماعة منهم هذا القول، وقطعوا بجوازه، واللَّه أعلم. قاله وليّ الدين - ﵀ - . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ الذي لا شكّ فيه هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز الطيب قبل الطواف؛ لصحّة حديث الباب بذلك، ولا التفات إلى الرأي المخالف له، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): استدلّ بقولها: «لحِلّه قبل أن يطوف» على أنه حصل له التحلّل قبل الطواف، قال النوويّ في «شرح مسلم»: وهذا متّفق عليه، ويوافقه كلامه في «شرح المهذّب»، فإنه أورد فيه من «سنن أبي داود» حديث أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنها، مرفوعًا: «فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صِرْتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به». وقال: إنه حديث صحيح. ثم حكى عن البيهقيّ أنه قال: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، ثم قال النوويّ: فيكون الحديث منسوخًا، دلّ الإجماع على نسخه، فإن الإجماع لا يَنسخ، ولا يُنسخ، لكن يدلّ على ناسخ. قال وليّ الدين: وكذا قال البيهقيّ في «الخلافيّات»: يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار صار منسوخًا، ويستدلّ بالإجماع في جواز لبس المخيط بعد التحلّل الأول على نسخه. انتهى. لكن الخلاف في ذلك موجود، قال ابن المنذر في «الإشراف» لَمّا حكى الخلاف فيما أُبيح للحاجّ بعد الرمي، وقبل الطواف: وفيه قول خامس، وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. وقال عروة بن الزبير: من أخّر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفر، فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، وقد اختلف فيه عن الحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ -. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أم سلمة - ﵂ - الذي أشار إليه هو ما أخرجه أبو داود في «سننه»، ولفظه: ١٩٩٩ - حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين - المعنى واحد - قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحق، حدثنا أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة، عن أبيه، وعن أمه زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، يحدثانه جميعًا ذاك عنها، قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول اللَّه - ﷺ -، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمِّصَين، فقال رسول اللَّه - ﷺ - لوهب: «هل أفضت أبا عبد اللَّه؟»، قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه، قال - ﷺ -: «انزع عنك القميص»، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: «إن هذا يوم رُخِّصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا - يعني من كل ما حُرِمتُم منه - إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث وإن صححه بعض العلماء، وقد كنت تابعتهم في «شرح النسائيّ»، إلا أن الصواب أنه غير صحيح؛ لأن فيه ثلاث علل: [الأولى]: تفرّد أبي عُبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطّلب القرشيّ، وفيه جهالة، ولذا قال عنه في «التقريب»: مقبول. [الثانية]: تفرّد ابن إسحاق به أيضًا، وهو وإن كان إمامًا في المغازي إلا أنه إذا تفرّد بأحاديث الأحكام، ففيه نكارة، قال الإمام الذهبيّ - ﵀ - في «السير» في ترجمته: وأما في أحاديث الأحكام، فينحطّ حديثه فيها عن رتبة الصحّة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذّ فيه، فإنه يعدّ منكرًا. انتهى كلام الذهبي باختصار . وقد تفرّد بهذا الحديث، فيُعدّ منكرًا. [الثالثة]: الاضطراب الواقع في إسناده، وقد أجاد بعض أهل التحقيق من المعاصرين في دراسة هذا الحديث دراسة وافية، فتوصّل فيها إلى أن هذا الحديث شديد الضعف؛ لهذه العلل، وقد أجاد في ذلك وأفاد، فجزاه الله عن خدمة السنّة خير الجزاء. والحاصل أن الحديث ضعيف، لا يثبت بمثله مخالفة ما عليه جماهير أهل العلم من أن الحاجّ إذا تحلّل التحلّل الأول جاز له كلّ شيء إلا النساء، فتأمل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال وليّ الدين العراقيّ - ﵀ -: وإذا قلنا بقول الجمهور، فاختلف العلماء في كيفيّة ذلك التحلّل، فقال ابن حزم الظاهريّ: حلّ من كلّ وجه، وليس للحجّ إلا تحلّل واحد، فيباح له سائر المحرّمات على المحرم، إلا الجماع، فإنه مستمرّ التحريم إلى أن يطوف طواف الإفاضة، وليس ذلك لأنه بقي عليه شيء من إحرامه، بل انقضى إحرامه كلّه، ولكن الجماع محرّم على من هو في الحجّ، وإن لم يكن مُحْرِمًا. وسبقه إلى ذلك الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، من الشافعيّة، فقال: ليس للحجّ إلا تحلّل واحد، فإذا رمى جمرة العقبة زال إحرامه، وبقي حكمه حتى يحلق، ويطوف، كما أن الحائض إذا انقطع دمها زال الحيض، وبقي حكمه، وهو تحريم وطئها، حتى تغتسل، حكاه عنه صاحبه القاضي أبو الطيّب، وقال: هذا غلطٌ؛ لأن الطواف أحد أركان الحجّ، فكيف يزول الإحرام، وبعض الأركان باق؟ وهذان القائلان، وإن اتفقا على تحلّل واحد، فقد اختلفا في ذلك التحلّل، فقال الشيخ أبو حامد: هو بما سنحكيه بعد هذا عن الشافعيّة، وقال ابن حزم: هو دخول وقت الرمي بطلوع الشمس يوم النحر، فإذا دخل وقت الرمي حلّ المحرم، سواء رمى، أو لم يرم؛ لأنه - ﷺ - صحّ عنه جواز تقديم الطواف، والذبح، والرمي، والحلق بعضها على بعض، فإذا دخل وقتها بطل الإحرام، وإن لم يفعل شيئًا منها، وسبقه إلى ذلك أبو سعيد الإصطخريّ، من أئمّة الشافعيّة، فقال: إذا دخل وقت الرمي حصل التحلّل الأول، وإن لم يرم. وحكى صاحب «التقريب» وجهًا شاذًّا أنا إذا لم نجعل الحلق نسكًا حصل التحلّل الأول بمجرّد طلوع الفجر يوم النحر، وقائلا هذين القولين لا يوافقان ابن حزم على أن للحجّ تحلّلًا واحدًا، فمقالته مركّبة من أمرين، قال بكلّ منهما بعض الشافعيّة، ولا نعلم له سلفًا في مجموع مقالته، واللَّه أعلم. وقال جمهور الفقهاء، من أصحاب المذاهب الأربعة: للحجّ تحلّلان، ثم اختلفوا في أمرين: (أحدهما): فيما يحصل به التحلّل الأول، فقالت الشافعيّة: إن قلنا: إن الحلق نسك، وهو الصحيح المشهور، حصل التحلّل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور: وهي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل اثنين منها؛ أيُّ اثنين كانا، حصل التحلّل الأول. وإن قلنا: إن الحلق ليس نسكًا، حصل التحلّل الأول بواحد من الرمي، والطواف، فأيهما فعله أوّلًا حلّ التحلّل الأول، وعند أصحابنا يجوز تقديم بعض هذه الأمور على بعض، وترتيبها بتقديم الرمي، ثم الحلق، ثم الطواف مستحبّ فقط، قالوا: ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات الرمي، ولزمه دم، ويصير كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلّل به، والأصحّ عند الرافعيّ، والنوويّ أنه يتوقّف تحلّله على الإتيان ببدله، لكن نصّ الشافعيّ على خلافه. وحكى الرافعيّ وجهًا شاذًّا أنه يحصل التحلّل الأول بالرمي وحده، أو الطواف وحده، ولو قلنا: الحلق نسك. وقالت الحنابلة: يحصل التحلّل الأول بالرمي، والحلق. وقالت المالكيّة: للحجّ تحلّلان، يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة، والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدّم طواف الإفاضة على جمرة العقبة، قال مالك، وابن القاسم: يجزئه، وعليه هدي. وعن مالك أيضًا: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ. وقال أصبغ: أحبّ إليّ أن يعيد الإفاضة، وهو في يوم النحر آكد. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول مالك، وابن القاسم المذكور مما لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته النصّ الصحيح الصريح، حيث إنه - ﷺ - سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على بعضها، فقال: «افعل ولا حرج»، فكيف يقال: لا يجزئه، أو يجزئه، ولكن عليه هدي؟ هذا شيء عجيب، واللَّه تعالى أعلم. وقالت الحنفيّة: إن التحلّل الأول بالحلق خاصّة، دون الرمي، والطواف، فليسا من أسباب التحلّل، وفرّقوا بأن التحلّل هو الجناية في غير أوانها، وذلك مختصّ بالحلق، وأما ذبح الهدي، فليس مما يتوقّف عليه التحلّل، إلا أن الحنفية، والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هديٌ لا يحلّ من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد خالفهم الجمهور في ذلك. وقال الترمذيّ في «جامعه» في الكلام على هذا الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وغيرهم، يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، وذبح، وحلق، أو قصر، فقد حلّ له كلّ شيء، حرم عليه إلا النساء، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: فيه نظر من حيث إن المذكورين لا يتوقّف عندهم التحلّل الأول بالذبح، ثم حكى مقالة أبي حنيفة، وأحمد في المتمتّع الذي ساق الهدي، وقد تقدّمت. انتهى. وقال الإسنويّ في «المهمّات»: اتفق الأصحاب على أنه لا مدخل للذبح في التحلّل. قال وليّ الدين: يشكل على ذلك ما أجاب به أصحابنا من حديث عائشة - ﵂ - في «الصحيح»: «من أحرم بعمرة، وأهدى، فلا يحلّ حتى ينحر هديه»، فقالوا: تقديره: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحجّ، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، قال: وممن ذكره النوويّ، وقال: ولا بدّ من هذا التأويل. انتهى، ومقتضاه أن الحاجّ لا يحلّ حتى ينحر هديه. وفي سنن الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث عائشة - ﵂ -، قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا رميتم، وحلقتم، وذبحتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء»، لكنه حديث ضعيف، مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومع ذلك فاضطرب في إسناده، ولفظه، ورواه أبو داود بلفظ: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حلّ له كل شيء، إلا النساء». ومقتضى كلام النوويّ في «شرح المهذّب» أن في رواية أبي داود ذكر الحلق أيضًا، وليس كذلك. (الأمر الثاني): فيما يحلّ بالتحلّل الأول، وقد اتفق هؤلاء على أنه يحلّ به ما عدا الجماع، ومقدّماته، وعقد النكاح، والصيد، والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحلّ الجماع، واختلفوا في بقيّة هذه الأمور: فقال الشافعيّة: يحلّ الصيد، والطيب، واختلفوا في عقد النكاح، والمباشرة فيما دون الفرج، وفيه قولان للشافعيّ، أصحّهما التحريم، كذا صححه النوويّ، ونقله عن الأكثرين، وذكر الرافعيّ أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر النصّ في «المختصر»، لكنه صحّح في «الشرح الصغير» الحلّ، واقتضى كلامه في «المحرّر» التفصيل بين المسألتين، فصرّح بإباحة عقد النكاح بالأول، وجعل المباشرة داخلة فيما يحلّ بالثاني، وكلام الحنابلة موافق للمرجّح عندنا، وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في «المحرّر»: ثم قد حلّ من كلّ شيء، إلا النساء، وعنه: يحلّ إلا الوطء في الفرج، وكذا مذهب الحنفيّة، قال صاحب «الهداية»: وقد حلّ له كل شيء، إلا النساء، ثم قال: ولا يحلّ الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافًا للشافعيّ، فنصب الخلاف معه على أحد قوليه، وأما عقد النكاح فهو جائزٌ عندهم في الإحرام. وقال المالكيّة: يستمرّ تحريم النساء، والصيد، والطيب، إلا أنهم أوجبوا في الصيد الجزاء، ولم يوجبوا في الطيب الفدية، كما تقدّم. قال ابن حزم: وهذا عجيب، فإن احتجّوا بالأثر الوارد في تطييب النبيّ - ﷺ - قبل أن يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر من أن يكون صحيحًا، ففرض عليكم ألا تخالفوه، وقد خالفتموه، أو غير صحيح، فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من تطيّب، كما أوجبتموه على من تصيّد. وقال ابن عبد البرّ: راعى مالك الاختلاف في هذه المسألة، فلم ير الفدية على من تطيّب بعد رمي جمرة العقبة، وقبل الإفاضة، وقال أبو العبّاس القرطبيّ: اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بادّعاء خصوصيّة النبيّ - ﷺ - بذلك. والجواب عنه: الأصل التشريع، وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس ثَمّ دليل على ذلك. وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد اللَّه بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء. وروينا ذلك عن ابن عباس. وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء، إلا النساء، والطيب. وقال مالك: له كلّ شيء، إلا النساء، والطيب، والصيد، وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء، والصيد. ثم قال: وفيه قول خامس، فذكر كلامه المتقدّم، وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت، ذكره وليّ الدين - ﵀ - بتصرّف . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد سبق أن الراجح عندي هو ما قاله الجمهور من أن التحلّل الأول يبيح كل شيء إلا النساء، وقد أسلفت أن حديث أم سلمة - ﵂ - من أن الحاجّ إذا لم يطف يوم النحر، ودخل عليه المساء عاد حرامًا ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، فتنّبه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدِي لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابد، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (أفلَحُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في «الحيض» ٩/ ٧٣٧. ٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قريبًا. ٤ - (عائشة - ﵂ -)، ذُكرت قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٧٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) فيه تصريح بأن التحلل الأول يَحْصُل بعد رمي جمرة العقبة والحلق قبل الطواف، وهذا مُتّفقٌ عليه، قاله النوويّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن النوويّ - ﵀ - أراد اتّفاق أهل مذهبه، وإلا فقد عرفت أن الخلاف فيه موجود، لكن هذا هو الصحيح، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ) تقدّم ضبطهما، والمراد عند إرادة الإحرام بالحج، وبعد الإحلال منه؛ لأن التطيّب بعد الإحرام لا يجوز، وكذا قبل التحلّل، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق القول فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرسانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. ٥ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ قليل الحديث [٦]. رَوَى عن أبيه، وجدّه، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرو بن سُليم الزُّرَقيّ. وروى عنه ابن جريج، وابن إسحاق، والقاسم بن عبد الواحد، ويزيد بن الهاد، وغيرهم. ذكره ابن حبان في «الثقات»، والبخاريّ في «تاريخه»، وابن أبي حاتم هكذا، وقال يعقوب بن شيبة: أنكر مصعب أن يكون لعبد الله بن عروة عقب، قال يعقوب: ولعل ابن جريج أراد بقوله: عمر بن عبد الله بن عروة عمر بن عروة. قال الحافظ المزيّ: كذا قال، ولا التفات إلى ذلك؛ لأنه جاء منسوبًا هكذا في عدّة أحاديث من غير رواية ابن جريج أيضًا، قال الحافظ: وقد صرّح ابن جريج بالسماع منه، ولو كان هو عمر بن عروة لم يَلحَقه ابن جريج؛ لأنه قُتل مع عمه عبد الله بن الزبير، وقد ذكر ابن سعد عمر بن عبد الله بن عروة في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: أمه أم حكيم بنت عبد الله بن الزبير، قال: وكان كبيرًا قليل الحديث، ولم يُعْقِب، وكذا ذكره ابن حبان في أتباع التابعين. انتهى . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ) هو جدّه عروة بن الزبير، وَ«الْقَاسِمَ» هو: ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق. وقوله: (بِذَرِيرَةٍ) بالذال المعجمة، وراءين، بوزن عَظِيمة: وهي نوع من الطيب مركَّبٌ، قال الداودي: تُجْمَع مفرداته ثم تُسْحَق، وتُنْخَل، ثم تُذَرّ في الشعر والطوق، فلذلك سُمِّيت ذَرِيرةً، كذا قال، وعلى هذا فكل طيب مركب ذريرةٌ، لكن الذريرة نوع من الطيب مخصوص، يعرفه أهل الحجاز وغيرهم، وجزم غير واحد منهم النوويّ بأنه فُتَاتُ قَصَب طيِّب، يجاء به من الهند، قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: «الذَّرِيرَةُ» ويقال أيضًا: «الذّرُورُ»: نوع من الطيب، قال الزمخشريّ: هي فُتاتُ قَصَب الطيب، وهو قَصَبٌ يُؤتى به من الهند، كقصب النُّشّاب، وزاد الصغانيّ: وأُنبُوبه محشُوّ من شيء أبيض، مثلِ نَسْج الْعَنكبوت، ومَسْحُوقه عَطِرٌ إلى الصُّفْرة والبياض. انتهى . وقوله: (لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ) كذا وقع مختصرًا، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج بلفظ: «حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت» . [تنبيه]: قوله: «بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ» اجتمع فيه أربع جارّات، وكلّها يتطلبه «طيّبت»، فيكون «بيدي» متعلّقًا به، و«بذريرة» متعلّقًا بحال، أو بالعكس؛ لئلا يتعلّق حرفا جرّ بمعنى على فعل واحد، وهو لا يجوز إلا في أفعل التفضيل، كما هو مقرّر في محلّه، وأما «في حجة الوداع»، فيَحْتَمِل أن يتعلّق بـ «طيّبتُ»، أو بخبر مبتدإ محذوف؛ أي: ذلك كائن في حجة الوداع، وكذا قوله: «للحلّ والإحرام»، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ حِرْمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام المدنيّ، أخو هشام، وكان أصغر منه، لكنه مات قبله، ثقةٌ [٦] ما قبل (١٤٠) (خ م س ق) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عِنْدَ حِرْمِهِ) أنه يجوز كسر حائه، وضمّها؛ أي: عند إرادته الإحرام. وقولها: (بِأَطْيَبِ الطِّيبِ) هو المسك، كما جاء تفسيره عند المصنّف - ﵀ - في «الأدب» من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - بلفظ: «والمسك أطيب الطيب». وفي الرواية التالية: «كنت أطيّب رسول الله - ﷺ - بأطيب ما أقدر عليه»، وفي رواية: «طيّبت رسول الله - ﷺ - لحِرمه حين أحرم، ولحلّه قبل أن يُفيض بأطيب ما وجدتُّ»، وفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يُحرِم يتطيّب بأطيب ما يجد»، وفي رواية: «كأني أنظر إلى وَبِيص المسك في مَفْرِق رسول الله - ﷺ -، وهو محرم»، وفي رواية: «كنت أطيّب رسول الله - ﷺ - قبل أن يُحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بطيب فيه مسك»، وكلها عند المصنّف. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِأَطْيَبِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ثُمَّ يُحْرِمُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ) قال في «الفتح»: هكذا أدخل هشام بينه وبين أبيه عروة في هذا الحديث أخاه عثمان، وذكر الحميديّ عن سفيان بن عيينة أن عثمان قال له: ما يروي هشام هذا الحديث إلا عني. انتهى. وقد ذكر مسلم فيما سبق في «مقدمة كتابه» أن الليث، وداود العطار، وأبا أسامة، وافقوا وهيب بن خالد، عن هشام في ذكر عثمان، وأن أيوب، وابن المبارك، وابن نمير، وغيرهم رووه عن هشام، عن أبيه، بدون ذكر عثمان. قال الحافظ: ورواية الليث عند النسائيّ، والدارميّ، ورواية داود العطار عند أبي عوانة، ورواية أبي أسامة وصلها مسلم، ورواية أيوب عند النسائيّ. وذَكَرَ الدارقطنيّ أن إبراهيم بن طَهْمان، وابن إسحاق، وحماد بن سلمة، في آخرين، رووه أيضًا عن هشام بدون ذكر عثمان، قال: ورواه ابن عيينة عن هشام، عن عثمان قال: ثم لقيت عثمان، فحدّثني به، وقال لي: لم يروه هشام إلا عني، قال الدارقطنيّ: لم يسمعه هشام عن أبيه، وإنما سمعه من أخيه، عن أبيه. وأخرج الإسماعيليّ، عن سفيان قال: لا أعلم عند عثمان إلا هذا الحديث. انتهى. وقد أورد له أحمد في «مسنده» حديثًا آخر في فضل الصفّ الأول، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه في «شرح المقدّمة» ، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٣١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ بأَطْيَبِ مَا وَجَدْتُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) - بضمّ الفاء مُصَغَّرًا - محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله الحزاميّ، أبو عثمان المدني، صدوق يهم [٧] تقدّم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٤. ٤ - (أَبُو الرِّجَالِ) - بكسر الراء، وتخفيف الجيم - لقب، وهو: محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٥] (خ م س ق) تقدم في «صلاة المسافرين» ٤٦/ ١٨٩٠.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. «الفتح» ٤/ ٤١٩.

٣. راجع: «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٧٤ - ٧٥.

٤. راجع: «الفتح» ٤/ ١٧٨.

٥. راجع: «طرح التثريب في»شرح التقريب« ٥/ ٨٣.

٦. برقم (٤١/ ٢٦٨٨).

٧. «الفتح» ٤/ ١٧٨ - ١٨٠.

٨. «طرح التثريب» ٥/ ٧٧ - ٧٨.

٩. «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤١.

١٠. وهو الشيخ الفاضل محمد سعيد بن عبد الله الكثيري، وقد قدّم له العلامة المحدث الشيخ مقبل بن هادي الوادعيّ - ﵀ -، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد.

١١. رمز بعضهم لهذا الترتيب بقوله: (ر ذ حط) فالراء للرمي، والذال للذبح، والحاء للحلق، والطاء للطواف.

١٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٧٨ - ٨٢.

١٣. وفي نسخة: «أخبرنا».

١٤. هكذا صرّح في «الفتح» ١٣/ ٤٤٤ بأنه ثقةٌ، فقوله في «التقريب»: مقبول غير مقبول، فتنبّه.

١٥. راجع:«تهذيب التهذيب»٧/ ٤١٢.

١٦. «الفتح»١٣/ ٤٤٤.

١٧. «المصباح المنير»١/ ٢٠٧.

١٨. «الفتح»١٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥.

١٩. «الفتح» ١٣/ ٤٤٢ «كتاب اللباس» رقم (٥٩٢٨).

٢٠. راجع: «قرة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجّاج» ٢/ ٤١٠ - ٤١٦.