HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٩٨

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عائشة زوج النبي ﷺ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ. يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». قَالَ فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقْتَلُ بصغر لها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص17
ج ٢ ص ٨٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٢٩٠
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٠] (١١٩٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ ، وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ، وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضل [٣] (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ) من آل طلحة، لأبيه صحبة، وهو صدوقٌ [٣] (خ م س) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٥. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، صحابيّ أسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب. روى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمه طلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عفان. ورَوى عنه ابناه: عثمان، ومعاذ، والسائب بن يزيد، وابن المسيب، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. قُتل مع عبد الله بن الزبير، ودُفن بالْحَزَوَّرَة، فلما زيد في المسجد دخل قبره في المسجد الحرام. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١١٩٧) وحديث (١٧٢٤): «نهي عن لقطة الحاجّ». ٤ - (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة - ﵁ -، استُشْهِد يوم الْجَمَل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. والباقون ذُكروا في الباب، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن المنكدر، وابن جريج مكيّ، ويحيى بصريّ، وزهير بغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن طلحة - ﵁ - أحد العشرة المبشّرين بالجنة - ﵃ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن عثمان - ﵁ -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله) أحد العشرة - ﵁ - (وَنَحْنُ حُرُمٌ) بضمّتين: جمع حَرَام، بمعنى محرم، والجملة في محل نصب على الحال (فَأُهدِيَ لَهُ طَيْرٌ) ببناء الفعل للمفعول، والضمير لطلحة - ﵁ -، وفي نسخة: «فأُهدي لنا طير» (وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ) جملة حالية؛ أي: والحال أنه نائم (فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ) من ذلك الطير (وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ) أي: كفّ عن الأكل منه؛ لكونهم محرمين، وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فمنا من تورّع»؛ أي: كفّ ورَعًا؛ أي: لم يتوقّف جازمًا بالمنع، ولكنّه تردّد، وتخوّف، فتورّع، والوَرَعُ والرَّعَةُ: الانكفاف عما يريب. انتهى . (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ) - ﵁ - من نومه (وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ) أي: صوّب أكل من أكله، يقال: وفّقه الله توفيقًا: سدّده، قاله الفيّوميّ - ﵀ -. (وَقَالَ) طلحة - ﵁ -، مستدلًّا على تصويبه فعل من أكل (أَكَلْنَاهُ) أي: جنس الطير، فليس المراد أنهم أكلوا الذي أُهدي له في ذلك الوقت (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: ونحن محرمون، فهو حلال لكم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ - من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: ذكر الدارقطنيّ - ﵀ - الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ونصّ «العلل»: (٥١٩) - وسئل عن حديث عبد الرحمن بن عثمان التيميّ، عن طلحة، عن النبيّ - ﷺ - في إباحة لحم الصيد للمحرم. فقال: يرويه محمد بن المنكدر، واختُلِف عنه، فرواه ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبيه، عن طلحة، وتابعه ربيعة بن عمر، عن ابن المنكدر. ورواه فُليح بن سليمان، عن ابن المنكدر، عن عبد الرحمن بن عثمان، عن طلحة، ولم يذكر معاذًا. ورواه أبو حنيفة، عن ابن المنكدر، عن عثمان بن محمد، عن طلحة. ورواه الثوريّ، عن ابن المنكدر، عن شيخ لم يسمّه، عن طلحة. والصواب حديث ابن جريج، وهو حَفِظ إسناده، ورواه سلمة بن صالح الأحمر، عن ابن المنكدر، فقال: عن عبد الرحمن بن عثمان، أو عثمان بن عبد الرحمن، حدثناه عبد الملك بن أحمد، قال: ثنا حفص بن عمرو، وثنا أبو الحسن بن مبشر، قال: ثنا أحمد بن سنان، وثنا محمد بن سهل بن الفضيل، ثنا حميد بن الربيع، وثنا أبو ذرّ، ثنا عُمَر بن شَبّة، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني، وقال ابن سنان: حدّثني محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبيه، قال: كنا مع طلحة، ونحن حُرُم، فأُهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورّع، فلما استيقظ طلحة وافق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله - ﷺ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن رواية المصنّف صحيحة لا كلام فيها، وإنما الكلام فيما خالفها، وإنما ذكرت كلام الدارقطنيّ - ﵀ -؛ لبيان وقوع الاختلاف، لا لبيان العلّة في رواية المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٨٦٠] (١١٩٧)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٨٢) وفي «الكبرى» (٣٧٩٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٦١ و١٦٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٣٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٨٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٢٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦١] (١١٩٨) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «أَرْبَعٌ كُلُهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»، قَالَ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ) بن عبد الله بن الأشجّ، أبو المِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٥ - (أَبُوهُ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ) المدنيّ، ثقةٌ مشهور [٤] (خ م د س ق) تقدم في «الجنائز» ٢٣/ ٢٢٢٢. ٧ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قبل باب. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت أيضًا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد الأخذ والأداء، كما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مخرمة بن بُكير، والباقون مصريّون. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن عبيد الله، عن القاسم، وفيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، إلا في موضع. ٥ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عَنْ بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ مِقْسَمٍ) بكسر الميم، وسكون القاف (يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «أَرْبَعٌ) أي: من الدوابّ، وهو مبتدأ؛ لتخصّصه بالصفة المقدّمة، وقوله: (كُلُّهُنَّ) توكيد لـ»أربعٌ«، وقوله: (فَاسِقٌ) خبر المبتدإ، أو»كلّهُنّ«مبتدأ و»فاسق«خبره، والجملة خبر المبتدإ، وقوله:»يُقْتَلْنَ«بالبناء للمفعول خبر بعد الخبر. [تنبيهات]: (الأول): إنما أفرد«فاسق»باعتبار كلًّا منهنّ، يعني أن كلًّا منهنّ فاسق، وقال في«الفتح»: قيل:«فاسق»صفة لـ«كلُّ»، وفي«يُقتلن»الضمير راجع إلى معنى«كلّ». انتهى . (الثاني): سيأتي في الرواية الآتية:«خمسٌ فواسقُ، يُقتلن. . . إلخ»، قال النوويّ - ﵀ -: هو بإضافة«خمس» لا بتنوينه، وجوّز ابن دقيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثاني، فإنه قال: رواية الإضافة تُشعر بالتخصيص، فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، فيُشعر بان الحكم المرتب على ذلك، وهو القتل مُعَلَّل بما جُعل وصفًا، وهو الفسق، فيدخل فيه كل فاسق من الدوابّ، ويؤيده رواية يونس التي في حديث الباب . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الفسق لغة هو الخروج مطلقًا، وهو في لسان الشرع؛ اسم ذَمِّ؛ إذ هو خروج عن الطاعة، أو عن الحرمة، وتسميته - ﷺ - هذه الخمس فواسق؛ لأنهن خرجن عن الحرمة التي لغيرهن من الحيوانات، لا سيما على المحرم، وفي الحرم، وفي الصلاة. ويَحْتَمِل أن يقال: سميت فواسق: لخروجهن عن جِحَرَتهن لإضرار بني آدم، وأذاهم. انتهى . وقال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحةٌ جارية على وفق اللغة، فان أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فَسَقَت الرَّطْبة: إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرج، وسُمّي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه، فهو خروج مخصوص، وزعم ابن الأعرابيّ أنه لا يُعْرَف في كلام الجاهلية، ولا شعرهم فاسق، يعني بالمعنى الشرعيّ، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق، فقيل: لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل: في حل أكله؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد، وعدم الانتفاع، ومن ثَمَّ اختَلَفَ أهل الفتوى، فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحلّ، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نُهِي عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد. ووقع في حديث أبي سعيد - ﵁ - عند ابن ماجه: «قيل له: لم قيل للفأرة: فُويسقة؟ فقال: لأن النبيّ - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة؛ لتحرق بها البيت»، فهذا يومئ إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك؛ لكون فعلها يُشبه فعل الفُسَّاق، وهو يرجح القول الأخير، والله أعلم. انتهى . (الثالث): قال في «الفتح»: قوله: «خمسٌ. . . إلخ»: التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثرين، وعلى تقدير اعتباره، فيَحْتَمِل أن يكون قاله - ﷺ - أوّلًا، ثم بيّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة - ﵂ - بلفظ: «أربع»، وفي بعض طرقها بلفظ: «ستّ». فأما طريق «أربع» فأخرجها مسلم من طريق القاسم، عنها، فأسقط الغراب، وأما طريق «ست»، فأخرجها أبو عوانة في «المستخرج» من طريق المحاربيّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فأثبتها، وزاد الحيّة، ويشهد لها ما رواه مسلم عن شيبان بن فرّوخ، عن أبي عوانة، عن زيد بن جبير، قال: سأل رجل ابن عمر: ما يقتل المحرم، من الدوابّ، وهو محرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ - ﷺ -: «أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحيّة». وأغرب عياض، فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فصارت سبعًا. وتُعُقّب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية، والحديث الذي ذُكِرَت فيه أخرجه أبو عوانة في «المستخرج» من طريق ابن عون، عن نافع في آخر حديث الباب، قال: قلت لنافع: فالأفعى؟ قال: ومن يشكّ في الأفعى؟ انتهى. وقد وقع في حديث أبي سعيد، عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد السَّبُع العادي، فصارت سبعًا. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن خزيمة، وابن المنذر زيادة ذكر الذئب، والنَّمِر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهليّ أن ذكر الذئب، والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأبو داود من طريق سعيد بن المسيّب، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «يقتل المحرم الحية، والذئب»، ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة، عن وَبَرَة، عن ابن عمر، قال: «أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الذئب للمحرم»، وحجاج ضعيف، وخالفه مِسْعَر، عن وَبَرَة، فرواه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة. قال الحافظ - ﵀ -: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة، زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال. انتهى . وقوله: (يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) وفي حديث ابن عمر: «خمس لا جُناح على من قتلهنّ في الحرم، والإحرام»، وفي لفظ: «خمس ليس على المحرم في قتلهنّ جُناح»؛ أي: إثمٌ. فعرف بهذا أنه لا إثم في قتلها على المحرم، ولا على الحلال، في الحرم، ولا في غيره، ويعرف حكم الحلال أيضًا بكونه لم يَقُم به مانع، وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى. ثم إنه ليس في نفي الجناح، وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير، بلفظ: «أَمَرَ»، وكذا في طريق معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير، عن هشام، عن أبيه بلفظ: «ليقتل المحرم»، وظاهر الأمر الوجوب، ويَحْتَمِل الندب، والإباحة. وروى البزّار من طريق أبي رافع، قال: «بينا رسول الله - ﷺ - في صلاته، إذ ضرب شيئًا، فإذا هي عقرب، فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحية، والفأرة، والحدأة للمحرم». لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر؛ لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون للوجوب، ولا للندب، ويؤيّد ذلك رواية الليث، عن نافع، بلفظ: «أَذِنَ»، أخرجه مسلم، والنسائيّ، عن قتيبة، عنه، لكن لم يسق مسلم لفظه، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أبي داود، وغيره: «خمس قتلهنّ حلال للمحرم». انتهى . (الْحِدَأَةُ) مقصورًا، بوزن عِنَبة، واحدة الْحِدَإ بكسر أوله، وفتح ثانيه، بعدها همزة بغير مدّ، وحكى صاحب «المحكم» المدّ فيه ندورًا، والهاء فيه ليست للتأنيث، بل هي للوحدة، كالهاء في «التمرة»، وحكى الأزهريّ «حِدَوَة» بواو بدل الهمزة، ووقع في رواية هشام بن عروة، عن أبيه بلفظ «الْحُدَيَّا» بضمّ الحاء، وفتح الدال، وتشديد الياء بصيغة التصغير مقصورًا، وكذا في حديث ابن عمر من طريق زيد بن جبير. وقد أنكر ثابت في «الدلائل» هذه الصيغة، وقال: الصواب الْحُديأة، أو الْحُديّة؛ أي: بهمزة، وزيادة هاء، أو بالتشديد بغير همزة، قال: والصواب أن الحديّاة ليست من هذا، وإنما هي من التحدّي، يقولون: فلان يتحدّى فلانًا؛ أي: ينازعه ويغالبه، وعن أبي حاتم: أهل الحجاز يقولون لهذا الطائر: الحديّا، ويجمعونه الحدادي، وكلاهما خطأ، وأما الأزهريّ فصوّبه، وقال: الحديّاة تصغير الحدى. انتهى . ومن خواصّ الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين، قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الْحِدأة مهموزٌ، مثلُ عِنَبَة: طائر خبيث، والجمع بحذف الهاء، وحِدّانٌ أيضًا، مثلُ غِزْلانٍ. انتهى . [تنبيه]: يلتبس بالحدأة الْحَدَأة بفتح أوله، وهو فأس له رأسان. (وَالْغُرَابُ) زاد في رواية سعيد بن المسيِّب، عن عائشة الآتية: «الأبقع»، وهو الذي في ظهره، أو بطنه بياض، وأَخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث، كما حكاه ابن المنذر وغيره، قال الحافظ: ثم وجدت ابن خزيمة قد صرّح باختياره، وهو قضيّة حمل المطلق على المقيّد. وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصحّ؛ لأنها من رواية قتادة، عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذّ بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لا تثبت هذه الزيادة، وقال ابن قُدامة: الروايات المطلقة أصحّ. وفي جميع هذا التعليل نظر: أما دعوى التدليس، فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النسائيّ في روايته من طريق النضر بن شُميل، عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت، فمردود بإخراج مسلم. وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء، وتحريم الأكل. وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحبّ من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع. ومنها الغُدَاف على الصحيح كما في «الروضة»، بخلاف تصحيح الرافعيّ، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمي غراب البين؛ لأنه بان عن نوح - ﵇ - لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة، فوقع عليها، ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فكان إذا نعب مرتين، قالوا: آذن بشرّ، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك. وكان ابن عباس - ﵄ - إذا سمع الغراب قال: اللَّهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. وقال صاحب «الهداية»: المراد بالغراب في الحديث الغُداف، والأبقع؛ لأنهما يأكلان الْجِيَف، وأما غراب الزرع، فلا، وكذا استثناه ابن قُدامة، وما أظنّ فيه خلافًا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود، إن صحّ، حيث قال فيه: «ويرمي الغراب، ولا يقتله»، وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ، ومجاهد. قال ابن المنذر: أباح كل من يُحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء، قال في محرم كسر قرن غراب، فقال: إن أدماه، فعليه الجزاء، وقال الخطابيّ: لم يتابع أحد عطاء على هذا. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون مراده غراب الزرع. وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب، والحدأة، هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدئ بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم - كما قال ابن شاس - لا فرق، وفاقًا للجمهور. ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض، أو حمرة، وله ذِكْر في قصّة حفر عبد المطلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع. ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يعقّ فراخه، فيتركها بلا طعام، وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا. ووقع في «فتاوى قاضي خان» الحنفيّ: مَن خرج لسفر، فسمع صوت العقعق، فرجع كَفَر. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد: إن أكل الجيف، وإلا فلا بأس به، قاله في «الفتح» . (وَالْفَاْرَةُ) - بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل - ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم، إلا ما حُكي عن إبراهيم النخعيّ، فإنه قال: فيها جزاء، إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم. ورَوَى البيهقيّ بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعيّ؛ لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعًا لها من الشعبيّ؛ لكثرة ما سمع. ونقل ابن شاس عن المالكية خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى. والفأر أنواع: منها الْجُرَذ - بالجيم، بوزن عُمَر، والْخُلْد - بضم المعجمة، وسكون اللام -. وفأرة الإبل، وفأرة السمك، وفأرة الغيط، وحكمها في تحريم الأكل، وجواز القتل سواء. وقد وقع عند النسائيّ إطلاق اسم الفويسقة عليها، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبيّ - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح - ﵇ -، والله تعالى أعلم. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ») الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلُب، وكلاب، وكَلِيب - بالفتح، كأعبُد، وعِباد، وعَبيد، وفي الكلب بهيمية، وسبعية، وفيه منافع للحراسة، والصيد كما سيأتي في بابه - إن شاء الله تعالى -. وفيه من اقتفاء الأثر، وشمّ الرائحة، وخفّة النوم، والتودّد، وقبول التعليم ما ليس لغيره، وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح - ﵇ -. و«العقور»- بفتح العين - مبالغة عاقر، وهو الجارح المفترس. وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«العَقور»هو الذي يَعقِر كثيرًا؛ أي: يَجرح، يقال: سَرْجٌ مِعْقَرٌ؛ إذا كان يجرح الدابّة، قال الشاعر [من الكامل]: فَلَثَمْتُهَا فَتَنَفَّسَتْ … كَتَنَفُّسِ الظَّبْيِ الْعَقِيرِ أي: المجروح، وقيل: الدّهِشِ. انتهى . وقد سبق البحث في نجاسة الكلب، وعدمه مستَوفًى في«كتاب الطهارة»، فراجعه تستفد. (قَالَ) عبيد الله بن مِقْسَم (فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ) بن محمد (أفَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (الْحَيَّةَ؟) أي: أتقتل أم لا؟ و«الحيّة»هو الجنس المعروف، وهي الأفعى ، وتطلق الحية على الذكر والأنثى، فيقال: هو الحيّة، وهي الحيّة، وإنما دخلته الهاء؛ لأنه واحد من جنس؛ كبطّة، ودجاجة، على أنه قد رُوى عن العرب: رأيت حيًّا على حيّة؛ أي: ذكرًا على أنثى، واشتقاقها من الحياة في قول بعضهم، ولهذا قالوا في النسبة إليها: حيويّ، ولو كان من الواوي لقالوا: حوويّ، والحيّوت بتشديد الياء ذكر الحيّات، وأنشد الأصمعيّ: وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّوتَا (قَالَ) القاسم (تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا) بضمّ الصاد، وسكون الغين؛ أي: بمذلّة، وإهانة وقهر لها، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٢٨٦١ و٢٨٦٢ و٢٨٦٣ و٢٨٦٤ و٢٨٦٥ و٢٨٦٦ و٢٨٦٧] (١١٩٨)، و(البخاريّ) في «جزاء الصيد» (١٨٢٩)، و«بدء الخلق» (٣٣١٤)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٣٧)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٢٠٨ و٢١٠) و«الكبرى» (٢/ ٣٨٦ و٣٨٨)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٨٧)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٣٥٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٥٢١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨٣٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٣ و٨٧ و١٢٢ و١٥٩ و١٦٤ و٢٦١)، و(إسحاق ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٥١٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٦ - ٣٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤١٠ - ٤١١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٤/ ١٩١)، و(ابن حبّان) (١٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٢١٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٦٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٠٩ و٩/ ٣١٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكلب العقور هنا: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم، أم لا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: الكلب العقور: الأسد. وعن سفيان، عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور؟ فقال: وأيّ كلب أعقر من الحيّة؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا: الذئب خاصّة، وقال مالك في «الموطأ»: كل ما عَقَر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله - ﷺ -: «اللَّهم سلّط عليه كلبًا من كلابك»، فقتله الأسد، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه. واحتجّ أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فاشتقّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكلّ جارح: عقور. واحتَجّ الطحاويّ للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي، والصقر، وهما من سباع الطير، فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب، والحدأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلب، وما شاركه في صفته، وهو الذئب. وتُعُقّب بردّ الاتفاق، فمان مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا، وافترس، فيدخل فيه الصقر، وغيره، بل معظمهم قال: ويلتحق بالخمس كل ما نُهِي عن أكله، إلا ما نُهي عن قتله. واختُلِف في غير العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فصرّح بتحريم قتله القاضيان: حسين، والماوَرْدِيُّ، وغيرهما، ووقع في «الأم» للشافعيّ الجواز. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك - ﵀ -، وذهب إليه الجمهور من تفسير الكلب بكل ما عقر الناس. . . إلخ هو الأرجح؛ لقوّة حجته؛ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اتفق العلماء على جواز قتل هذه الخمسة المذكورة في هذا الحديث في الحلّ والحرم للمحرم، وغيره، إلا ما شذّ مما سنحكيه. واختلفوا في المعنى في ذلك على مذاهب: (الأول مذهب الشافعية، والحنابلة): قالوا: المعنى كونهنّ مما لا يؤكل، ولا يُنتفع به، فكلّ ما لا يؤكل، ولا هو متولّد من مأكول وغيره، ولا منفعة فيه، فقتله جائز للمحرم، ولا فدية فيه. وعبارة الشافعيّ في ذلك - كما حكاه البيهقيّ - في «المعرفة»: فكلّ ما جَمَعَ من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال، وأن يكون يضرّ قَتَلَه المحرم؛ لأن النبيّ - ﷺ - إذا أمر أن تقتل الفأرة، والغراب، والحدأة، مع ضعف ضرّهما إذا كانت مما لا يؤكل لحمه كان ما جمع أن لا يؤكل لحمه، وضرّه أكثر من ضرّها أولى أن يكون قتله مباحًا. انتهى. وقال أصحابه: هذا الضرب ثلاثة أقسام: (أحدها): ما يستحبّ قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذية؛ كالحيّة، والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدبّ، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبقّ، والزنبور، والقراد، والحلمة، والقرقس، وأشباهها. (القسم الثاني): ما فيه نفع، ومضرّة؛ كالفهد، والعقاب، والبازي، والصقر، ونحوها، فلا يستحبّ قتله؛ لما فيه من المنفعة، وهو أنه يُعَلَّمُ الاصطياد، ولا يكره؛ لما فيه من المضرّة، وهو أنه يعدو على الناس، والبهائم. (القسم الثالث): ما لا يظهر فيه نفع، ولا ضرر؛ كالخنافس، والجعلان، والدود، والسرطان، والبغاثة، والرخمة، والذباب، وأشباهها، فيكره قتلها، ولا يحرم كما قاله جمهورهم، وحَكَى إمام الحرمين وجهًا أنه يحرم قتل الطيور، دون الحشرات، وحَكَى ابن عبد البرّ: هذا التقسيم عن الشافعيّ نفسه من رواية الحسن بن محمد الزعفرانيّ عنه. وكلام الحنابلة في ذلك مثل كلام الشافعية، قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية في «المحرّر»: ولا يضمن بالإحرام ما لا يؤكل لحمه، لكن يكره له قتله إذا لم يكن مؤذيًا، وجوّز الشيخ موفق الدين ابن قُدامة في «المغني» في قول الخرقيّ في «مختصره»: «وكلّ ما عدا عليه، أو آذاه» وجهين: (أحدهما): أنه أراد ما بدأ المحرمَ، فعدا عليه في نفسه، أو ماله. (والثاني): أنه أراد ما طبعه الأذى، والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال، وكلام ابن حزم الظاهريّ يوافق ذلك أيضًا، وإن كان لا ينظر إلى المعنى، ولا يُعدّي بالقياس، لكنه اعتمد أن التحريم إنما ورد في الصيد، فلا يتعدى ذلك لغيره، وأجاب عن الاقتصار على هذه الخمس بما سيأتي ذكره بعدُ. ونقل الشيخ تقيّ الدين في «شرح العمدة» كون المعنى عند الشافعيّ منع الأكل بواسطة بعض الشارحين، وأراد به النوويّ، ثم قال: وهذا عندي فيه نظر، فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعيّ جواز الاصطياد، وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام على قتل ما لا يؤكل، مِمَّا ليس فيه ضرر، فغير هذا. انتهى. قال وليّ الدين: وفيه نظر، فقد حَكَى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: لا شيء على المحرم في قتله من الطير كلّ ما لا يحلّ أكله، قال: وله أن يقتل من داوبّ الأرض، وهوامها كل ما لا يحلّ أكله. انتهى، فصرّح بأن له قتل ما لا يحلّ أكله من الطير، والهوامّ. (الثاني مذهب المالكية): قالوا: المعنى في ذلك كونهنّ مؤذيات، فيلتحق بالمذكورات كلّ مؤذٍ. قال ابن شاس في «الجواهر» - بعد أن قرر تحريم صيد المأكول وغيره -: ولا يُستَثْنَى من ذلك إلا ما تناوله الحديث، وهو هذه الخمس، قال: والمشهور أن الغراب، والحدأة يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، وروى أشهب المنع من ذلك، وقاله ابن القاسم، قال: إلا أن يؤذي، فيقتل إلا أنه إن قتلهما من غير أذى، فلا شيء عليه. وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرر وداهما، واختُلِف أيضًا في قتل صغارهما ابتداء، وفي وجوب الجزاء بقتلهما، وأما غيرهما من الطير، فإن لم يؤذ فلا يقتل، فإن قتل ففيه الجزاء، وإن آذى فهل يقتل أم لا؟ قولان، وإذا قلنا: لا يقتل، فقتل، فقولان أيضًا: المشهور نفي وجوب الجزاء. وقال أشهب: عليه في الطير الفدية، وإن ابتدأت بالضرر، وقال أصبغ: من عدا عليه شيء من سباع الطير، فقتله وداه بشاة، قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط، وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ هذا على أنه كان قادرًا على الدفع بغير القتل، فأما لو تعيّن القتل في الدفع لا يختلف فيه. وأما العقرب، والحيّة، والفأرة، فيقتلن حتى الصغير، وما لم يؤذ منها لأنه لا يؤمن منها الأذى، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، فيختلف في حكمها، وهل يلحق صغير غيرها من الحيوان المباح القتل لأذية بصغارها في جواز القتل ابتداء؟ فيه خلاف، والمشهور من المذهب أن المراد من الكلب العقور الكلب الوحشيّ، فيدخل فيه الأسد، والنمر، وما في معناهما، وقيل: المراد الكلب الإنسيّ المتخذ، وعلى المشهور يقتل صغير هذه، وما لم يؤذ من كبيرها. انتهى كلامه. وذكر الشيخ تقيّ الدين أن المشهور عند المالكيّة قتل صغار الغراب، والحدأة، وشنّع عليهم ابن حزم الظاهريّ في تفرقتهم بين صغار الغربان، والحديا، وبين صغار السباع، والحيّات، وبين سباع الطير، وبين سباع ذوات الأربع، وقال: هلّا قاسوا سباع الطير على الحدأة، كما قاسوا سباع ذوات الأربع على الكلب العقور؟ وقوّى الشيخ تقيّ الدين في «شرح العمدة» التعليل بالأذى على التعليل بحرمة الأكل، فقال: (واعلم): أن التعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مؤذ قويّ بالإضافة إلى تصرّف القياسيين، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحدّ، وأما التعليل بحرمة الأكل، ففيه إبطال ما دلّ عليه إيماء النصّ، من التعليل بالفسق؛ لأن مقتضى العلة أن يتقيّد الحكم بها وجودًا وعدمًا، فإن لم يتقيّد وثبت الحكم عند عدمها بطل تأثيرها بخصوصها، وهو خلاف ما دلّ عليه ظاهر النصّ من التعليل بها. انتهى. (الثالث مذهب الحنفية): اقتصروا على الخمس المذكورة في هذا الحديث إلا أنهم ضمّوا إليها الحية أيضًا، وهي منصوصة، كما تقدم، وضموا إليها الذئب أيضًا، قال صاحب «الهداية» منهم: وقد ذُكر الذئب في بعض الروايات. وقيل: المراد بالكلب العقور: الذئب، ويقال: إن الذئب في معناه. انتهى، وعلى هذا الأخير، فيقال: لم اقتصر في الإلحاق على الذئب، ولم لا ألحق بالكلب العقور كل ما هو في معناه من نمر، وخنزير، ودبّ، وقرد، وغيرها؟ وذِكْر الذئب ذكره ابن عبد البرّ من طريق إسماعيل القاضي، حدثنا نصر بن عليّ، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج، عن وَبَرة، قال: سمعت ابن عمر يقول: «أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الذئب …» الحديث. قال القاضي إسماعيل: فإن كان محفوظًا، فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا عقورًا؛ أي: لذكره بدله، قال: وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى. ورواه البيهقيّ من رواية مالك بن يحيى، عن يزيد بن هارون، وفيه: قال يزيد بن هارون: يعني المحرم. ثم قال البيهقيّ: الحجاج بن أرطاة لا يحتجّ به، وقد رويناه من حديث ابن المسيب مرسلًا جيدًا، ثم رواه كذلك. وقال ابن عبد البرّ: وقول الأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن حيّ نحو قول أبي حنيفة. انتهى. ومحلّ المنع عند الحنفية فيما عدا الخمس، والذئب إذا لم تبدأه السباع، فإن بدأته، فقتلها دفعًا، فلا شيء عليه عندهم، إلا زفر، فإنه قال: يلزمه دم، وذكر الشيخ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» أن المذكور في كتب الحنفية الاقتصار على الخمس، ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعَدُّوا ذلك من مناقضاته، ثم قال: ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه أنه لا يجوز اصطياد الأسد، والنمر، وما في معناها من بقية السباع العادية، والشافعية يردون هذا بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطبيعيّ، والعدوان المركب في هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدّى القائسون ذلك الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى؛ كالستة التي في الربا، وقد وافق أبو حنيفة على التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعي في المعنى الذي يعدّى به. قال: وأقول: المذكورُ ثَمَّ تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهومًا عند الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، وهنا لو عدّينا لبطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى عوّل بعض مصنفي الحنفية في التخصيص بالخمس المذكورات، أعني مفهوم العدد. انتهى. قال وليّ الدين: وفي نقله الذئب من غير كتب الحنفية نظر، فهو مصرح به في «الهداية»، وغيرها من كتبهم، وما نقله عن مقتضى مذهبهم من منع اصطياد الأسد، ونحوه، قد صرّحوا به في كتبهم، وقالوا: إن على قاتله الجزاء، وممن صرح به صاحب «الهداية»، إلا أن يقتله لصياله عليه، فلا شيء عليه، إلا عند زفر، فإنه أوجب الجزاء بقتله للدفع عند الصيال، لكن صاحب «الهداية» قال بعد كلامه المتقدم أوّلًا: والضب، واليربوع، ليسا من الخمسة المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى، وليس في قتل البعوض، والنمل، والبراغيث، والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة من البدن، بل هي مؤذية بطباعها. انتهى. ومقتضاه موافقة من قال: إنه يلحق بالمذكورات كل مؤذ بالطبع، فإن كون الضبّ، واليربوع ليسا من الخمسة أمر معلوم، وإنما أراد ليس لهما حكمها، وعلل ذلك بأنهما لا يبتدئان بالأذى، ومقتضى ذلك ثبوت الحكم لكل ما يبتدئ بالأذى، ثم قوّى ذلك بما ذكره في البعوض، ونحوه، ولا سيما تعليله بأنها مؤذية بطباعها. ثم إن الشيخ ابن دقيق العيد ﵀ اقتصر في ردّ ذلك على القياس مع ورود النصّ فيه، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵀ عن النبيّ - ﷺ -، قال: «يقتل المحرم السبع العادي، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب»، لفظ الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هو حديث ضعيف؛ لأن في سنده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، كان يتلفن لكبره، وكان شيعيًّا، فلا يصلح الحديث للاحتجاج به، فتنبّه. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: يقتل المحرم السبع العادي. ولفظ أبي داود: إن النبيّ - ﷺ - سئل عما يقتل المحرم؟ قال: «الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغرابَ، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي»، ولم يذكر ابن ماجه «الحدأة»، ولا «الغراب»، وزاد: فقيل له: لم قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. فتناول قوله - ﷺ -: «السبع العادي» الأسد، والنمر، وغيرهما من السباع، بل قوله: «الكلب العقور» يتناول هذه الأشياء، كما سنحكيه بعد ذلك. وما ذكره من أن مفهوم العدد حجة محكيّ عن الشافعيّ ﵀، لكن ذهب القاضي أبو بكر الباقلّاني، وإمام الحرمين، وغيرهما إلى أنه ليس بحجة، وجزم به البيضاويّ في «مختصره»، وكذا قال الإمام فخر الدين: إنه ليس بحجة، إلا أنه قال: قد يدلّ عليه لدليل منفصل. ثم إن المشهور عن الحنفية أنهم لا يقولون بالمفاهيم مطلقًا؛ لا هذا المفهوم، ولا غيره، وبتقدير قولهم بالمفهوم، فهم لم يقفوا عند هذا المفهوم، بل ضمّوا إليها الحية، والذئب أيضًا، كما تقدم، والنصّ على الحية في «صحيح مسلم» وغيره، كما تقدم، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ذكر السبع العادي، وهو ينافي الوقوف عند هذا المفهوم، فإنها مع الحية، والسبع العادي، ليست خمسًا، بل سبع، كيف؟ وقد جاء في بعض الروايات «خمس»، وفي بعضها «أربع»، فلو كان هذا المفهوم حجة لتدافع هذان المفهومان، وسقطا. انتهى منقولًا مما كتبه الحافظ وليّ الدين ﵀ في كتابه «طرح التثريب» بتصرّف. وقال أبو محمد بن حزم ﵀: وجائز للمحرم في الحل والحرم: وللمُحِلِّ في الحرم والحل قتلُ كل ما ليس بصيد من الخنازير، والأسد، والسباع، والقمل، والبراغيث، وقِرْدَان بعيره، أو غير بعيره، والحلم كذلك، وَنَسْتَحِبُّ لهم قتل الحيات، والفيران، والحدإ، والغِرْبَان، والعقارب، والكلاب العقورة، صغار كل ذلك وكباره سواء، وكذلك الوزغ، وسائر الهوامّ، ولا جزاء في شيء من كل ما ذكرنا، ولا في القمل، فإن قتل ما نُهِيَ عن قتله من هدهد، أو صُرَد، أو ضفدع، أو نمل، فقد عصى، ولا جزاء في ذلك. برهان ذلك أن الله تعالى أباح قتل ما ذكرنا، ثم لم ينه المحرم إلا عن قتل الصيد فقط، ولا نهى إلا عن صيد الحرم فقط، ولا جعل الجزاء إلا في الصيد فقط، فمن حَرَّمَ ما لم يأت النص بتحريمه، أو جعل جزاءً فيما لم يات النص بالجزاء فيه فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله. ثم ناقش أدلة العلماء الذين تقدمت أقوالهم مناقشة حادَّة على عادته، وقد أجاد في ذلك بما لا تجده في غير كتابه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بعد النظر فيما سبق من المذاهب وأدلتها قد ترجح عندي ما ذهب إليه أبو محمد بن حزم ﵀ لقوة حجته. وحاصله أن الصيد لا يجوز قتله، وهو الذي شُرع صيده للأكل، وأما غيره من أنواع السباع والهوام، والحشرات فيجوز قتله إلا إذا وُجِد نصّ خاص بمنع قتلها كالنحلة، والهدهد، والصَرد، ونحوها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): [إن قلت]: فعلى القول بأن مفهوم العدد حجة ما جوابكم عن تخصيص هذه المذكورات بالذكر؟ [قلت]: قال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀ في «شرح العمدة»: مَن علّل بالأذى إنما اختصّت بالذكر لينبّه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون كل نوع منها منبّهًا على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبّه بالحية، والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع؛ كالبرغوث مثلًا عند بعضهم، ونبّه بالفأرة على ما أذاه بالنقب والتقريض؛ كابن عرس، ونبّه بالغراب، والحدأة على ما أذاه بالاختطاف؛ كالصقر، والبازي، ونبّه بالكلب العقور على كل عادٍ بالعقر، والافتراس بطبعه؛ كالأسد، والنمر، والفهد. وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل لحمه، فقد أحالوا التخصيص في الذكر بهذه الخمس على الغالب، فإنها الملابسات للناس، المخالطات في الدُّور، بحيث يعمّ أذاها، فكان ذلك سببًا للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عُرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضًا عليه في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية، وتقريره أن إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسًا شرطه مساواة الفرع للأصل، أو رجحانه، أما إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء عامة الأذى، كما ذكرتم ناسب أن يكون ذلك سببًا لإباحة قتلها؛ لعموم ضررها، فهذا المعنى معدوم فيما لا يعمّ ضرره، مما لا يخالط في المنازل، ولا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به. وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: (أحدهما): أن الكلب العقور نادر، وقد أبيح قتله. (والثاني): معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر، ألا ترى أن تأثير الفأرة بالنقب مثلًا، أو الحدأة بخطف شيء يسير، لا يساوي ما في الأسد، والفهد، من إتلاف النفس، فكان بإباحة القتل أولى. انتهى. ولم يعرّج على ذكر الحديث الشامل لسائر السباع، وهو قوله - ﷺ -: «يقتل المحرم السبع العادي»، وقد تقدّم ذكره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. وقال ابن حزم: [فإن قيل]: فما وجه اقتصار رسول الله - ﷺ - على هذه الخمس؟ [قلنا]: ظاهر الخبر يدلّ على أنها محضوض على قتلهنّ، مندوب إليه، ويكون غيرهنّ مباحًا قتله أيضًا، وليس هذا الخبر مما يمتنع أن يكون غير تلك الخمس مأمورًا بقتله أيضًا؛ كالوزغ، والأفاعي، والحيات، والرتيلاء، والثعابين، وقد يكون - ﷺ - تقدّم بيانه في هذه، فأغنى عن إعادتها عند ذكره هذه الخمس. انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال النوويّ ﵀ في «شرحه»: وفي هذه الأحاديث دلالة للشافعيّ، وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص، أو رجم بالزنا، أو قتل في المحاربة، وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة كلّ الحدود فيه، سواء كان موجبُ القتل والحدّ جرى في الحرم، أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين. وقال أبو حنيفة، وطائفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجًا، ثم لجأ إليه، إن كان إتلاف نفس لم يُقَم عليه في الحرم، بل يُضَيَّق عليه، ولا يُكلّم، ولا يُجالَس، ولا يبايع، حتى يضطرّ إلى الخروج منه، فيقام خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه، قال القاضي عياض: رُوي عن ابن عباس، وعطاء، والشعبيّ، والحكم نحوه، لكنهم لم يفرّقوا بين النفس، ودونها، وحجتهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وحجة الأولين هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدوابّ في اسم الفسق، بل فسقه أفحش؛ لكونه مكلَّفًا؛ ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان، فقد خالفوا ظاهر ما فسّروا به الآية. قال القاضي: ومعنى الآية عندنا، وعند أكثر المفسّرين أنه إخبار كما كان قبل الإسلام، وعطف على ما قبله من الآيات، وقيل: آمِنٌ من النار. وقالت طائفة: يخرج، ويقام عليه الحدّ، وهو قول ابن الزبير، والحسن، ومجاهد، وحماد. انتهى. وقال الشيخ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» بعد ذكر هذا الاستدلال: وهذا عندي قويّ، ليس بالهين، وفيه غور، فليتنبّه له. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مذهب الأولين هو الأرجح؛ لقوة دليله، كما أشار إليه ابن دقيق العيد ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٤] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون ذُكروا في الباب، والذي قبله. وقوله: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ) بتنوين «خمسٌ»، و«فواسق» بالرفع على الوصفيّة. وقوله: (وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ) هو الذي في ظهره وبطنه بياض. وقوله: (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) بفتح، فضمّ: مبالغة في العقر؛ أي: الذي يَجْرَح. وقوله: (وَالْحُدَيَّا) بضمّ الحاء المهملة مصغّرًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قبل باب، و«أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ» هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ. وقوله: (وَالْعَقْرَبُ) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال لها: عقربة، وعقرباء، وليس منها العقربان، بل هي دُويبة طويلة، كثيرة القوائم، قال صاحب «المحكم»: ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضرّ ميتًا، ولا نائمًا، حتى يتحرّك، ويقال: لدغته العقرب، بالغين المعجمة، ولسعته بالمهملتين، وقد تقدّم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها قبل حديث، ومن جمعهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه - ﷺ - نبّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبيّن حكمهما معًا، حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها. وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟ وتعقبه ابن عبد البرّ بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم، وحمادًا؟ فقالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب، قال: ومن حجتهما أنهما من هوامّ الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية، والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. انتهى . وقال وليّ الدين ﵀: في أكثر الروايات ذكر العقرب، وفي بعضها، وهو عند مسلم ذكر الحية بدلها، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود، وحديث أبي سعيد عند أبي داود، وابن ماجه الجمع بينهما، وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مسعود الأمر بقتل الحية في غار المرسلات، وذلك في منى، وهي من الحرم، وكانوا محرمين، ففي «سنن النسائي» أن ذلك كان ليلة عرفة، وفي «صحيح مسلم» عنه أن رسول الله - ﷺ - أَمَر محرمًا بقتل حية بمنى، وفي «سنن البيهقيّ» أيضًا عنه قال: قال رسول - ﷺ -: «يَقْتُل المحرم الحية»، وهي أولى بالأمر بالقتل من العقرب، فكأنه نَبَّه في الرواية المشهورة بالعقرب على الحية من طريق الأولى. وقال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في ذلك. انتهى. وتقدم عند المالكية خلاف في قتل ما صَغُر من الحيات والعقارب، بحيث إنه لا يمكن منه الأذى، ولم يذكر غيرهم هذا الخلاف. وروى البيهقيّ في «سننه» عن أيوب، قلت لنافع: الحية؟ قال: الحية لا يُختلف فيها، وأصله في «صحيح مسلم»، إلا أنه لم يَسُقْ لفظه، وذكره ابن عبد البر بلفظ: «قال: الحية لا يختلف في قتلها»، ثم قال ابن عبد البر: ليس كما قال نافع، وقد اختَلَف العلماء في جواز قتل الحية للمحرم، لكنه شذوذ، ثم حكى عن الحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، أنهما قالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب، رواه شعبة عنهما، قال: ومن حجتهما أن هذين من هوامّ الأرض، فمن قال بقتلهما لزمه مثل ذلك في سائر هوامّ الأرض، قال: وهذا لا وجه له، ولا معنى؛ لأن رسول الله - ﷺ - قد أباح للمحرم قتلهما. انتهى. وحكى ابن حزم عن الطحاويّ أنه قال: لا يقتل المحرم الحية، ولا الوزغ، ولا شيئًا غير الخمس المنصوص عليها. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم ذُكروا في الباب، وفي البابين السابقين، و«ابن نُمير» هو: عبد الله بن نمير. [تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٢/ ٤١٢) فقال: (٣٦٣٦) - حدّثنا أبو الأزهر، نا ابن نُمير، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ليقتل المحرم الفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ (٨٥) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَم، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ … إلخ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير عبد الرزّاق. [تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن معمر هذه ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في «مسنده» (٢/ ١٨٥) فقال: (٦٨٨) - أخبرنا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: «أمر رسول الله - ﷺ - بقتل خمس فواسق في الحلّ والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ ، تُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ) - بتشديد الموحدة -: جمع دابّة، وهو ما دَبّ من الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الطير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، وهذا الحديث يردّ عليه، فإنه ذكر في الدوابّ الخمس: الغراب والحدأة، ويدلّ على دخول الطير أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٠]، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم في صفة بدء الخلق: «وخلق الدوابّ يوم الخميس»، ولم يُفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة، فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحَلِف، قاله في «الفتح» . وقوله: (كُلُّهَا فَوَاسِقُ) وفي نسخة: «كلّها فاسق»، قيل: «فاسقٌ» صفة
مصادر المؤلف (٢٢)

١. وفي نسخة: «فأُهدي لنا طيرٌ».

٢. وفي نسخة: «وأكلنا».

٣. «المفهم» ٣/ ٢٨٣.

٤. «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» للدارقطني - ﵀ - ٤/ ٢١٥ - ٢١٦.

٥. وفي نسخة: «حدّثنا».

٦. «الفتح» ٥/ ١٠٢.

٧. «الفتح» ٥/ ١٠٢.

٨. «المفهم» ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥.

٩. «الفتح» ٥/ ١٠٢ - ١٠٣.

١٠. «الفتح» ٥/ ١٠١ - ١٠٢.

١١. «الفتح» ٥/ ١٠٣ - ١٠٤.

١٢. «الفتح» ٧/ ٥٩٣ «كتاب بدء الخلق» رقم (٣٣١٤).

١٣. «الفتح» ٥/ ١٠٥.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ١٢٥.

١٥. «الفتح» ٥/ ١٠٤ - ١٠٥.

١٦. «المفهم»٣/ ٢٨٦.

١٧. قاله في«المصباح» ١/ ١٦١.

١٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٥٨ - ٦٣.

١٩. «الفتح» ٥/ ١٠٥ - ١٠٦.

٢٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٦٧ - ٦٨.

٢١. وفي نسخة: «كلها فاسقٌ يُقتلن».

٢٢. «الفتح» ٥/ ١٠٢.