HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٠٥

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن زيد ابن أَسْلَمَ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَهَذَا حَدِيثُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن عبد الله ابن حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنهما اختلفا بالأبواء فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ. فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ. وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ. أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ ﵁ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ. فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ. ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ. فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يفعل.
ج ٢ ص ٨٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن ابن ماجه
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٣٧٧
(١٣) - (بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ) «الغسل» - بفتح الغين المعجمة -: مصدر غَسَلَ الشيءَ، من باب ضرب، والغُسل بالضم اسم منه، والجمع أَغسال، مثل قُفْل وأقفال، وبعضهم يجعل المضموم والمفتوح بمعنًى، وعزاه إلى سيبويه، وقيل: الغُسل بالضمّ هو الماء الذي يُتطهّر به، أفاده في «المصباح» . قال في «الفتح» عند قول البخاريّ: «باب الاغتسال للمحرم»: أي: ترَفُّهًا، وتنظّفًا، وتطهّرًا من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة. واختلفوا فيما عدا ذلك. وكأن المصنّف أشار إلى ما رُوي عن مالك أنه كره للمحرم أن يُغطّي رأسه في الماء. وروى في «الموطّإ» عن نافع، عن ابن عمر، كان لا يغسل رأسه، وهو محرم، إلا من احتلام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨٩] (١٢٠٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْه، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَهُمَا اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاء، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ أَسْأَلهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْن، وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْسِلُ رَأسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ - ﵁ - يَدَهُ عَلَى الثَّوْب، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا في رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ: اصْبُبُ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِه، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْه، فَأَقبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ - ﷺ - يَفْعَلُ). رجال هذا الاإسناد: تسعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨١. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن حُنين الهاشميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك في أول المائة الثانية (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨١. ٦ - (أَبُو أَيُّوبَ الْأنصَارِيُّ) خالد بن زيد بن كُليب الصحابيّ الشهير، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ومات غازيًا بالروم سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحول، وفي الأول له أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم أخذًا وأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولين، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول كوفيّ، والثاني والثالث بغداديّان، والرابع بغلاني. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: زيد عن إبراهيم عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -، نزل النبيّ - ﷺ - عليه حينما هاجر إلى المدينة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ المدني مولى عمر بن الخطاب التابعيّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) قال في «الفتح»: قوله: «عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم» كذا في جميع «الموطّآت»، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسيّ، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابن عبد البرّ: وذلك معدود من خطئه. انتهى. وقال أيضًا: قوله: «عَنْ إِبْرَاهِيمَ» في رواية ابن عيينة، عن زيد: أخبرني إبراهيم، أخرجه أحمد، وإسحاق، والحميديّ في «مسانيدهم»، عنه، وفي رواية ابن جريج التالية: «أخبرني زيد بن أسلم»، وعند أحمد: عن زيد بن أسلم: أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عبّاس أخبره. كذا قال: «مولى ابن عباس». وقد اختلف في ذلك، والمشهور أن حنينًا كان مولى للعبّاس، وهبه له النبيّ - ﷺ -، فأولاده موالٍ له، قاله في «الفتح». (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حنين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الحبر البحر - ﵄ -، تقدّم قبل باب (وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة الزهريّ، أبي عبد الرحمن، له، ولأبيه صحبة - ﵄ -، مات سنة (٦٤ هـ) تقدّمت ترجمته في «الحيض» ١٨/ ٧٧٩. والمراد أنه أخبر عن قصّتهما، فالكلام على حذف مضاف، فليس المراد أن عبد الله بن حنين أخبر بهذا الخبر راويًا عنهما. وقوله: (أنَّهُمَا اخْتَلَفَا) في تأويل المصدر بدل عن المجرور قبله؛ أي: عن اختلافهما. وفي رواية البخاريّ من رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك: «أن عبد الله بن عباس، والمسور بن مَخْرَمة اختلفا … إلخ»، وفي رواية ابن جريج عند أبي عوانة: كنت مع ابن عباس، والمسور. (بِالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة وزان أَفْعال: موضع بين مكة والمدينة، ويقال له: وَدّان، قاله في «المصباح»؛ أي: وهما نازلان بها، وفي رواية ابن عيينة: «بالعَرْج»، وهو بفتح أوّله، وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ) - ﵁ - (لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ) الظاهر أنه قال ذلك اجتهادًا منه؛ لأنه ربما يتسبّب في انتتاف شعره، فخشيةً لذلك قال: لا يغسل (فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ) - ﵁ -، زاد ابن جريج، فقال: «قل له: يقرأ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبدُ الله بن عباس، ويسألك». (أَسْألهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن حكم غسل المحرم رأسه (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: «بَيْنَ قَرْنَيِ الْبِئْرِ»، وهو بفتح القاف: تثنية قَرْن، وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، وشبههما من البناء، وتُمدّ بينهما خشبة يُجرّ عليها الحبل المستقَى به، وتُعلّق عليها البكرة، قاله النوويّ. (وَهُوَ يَسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) فيه أنه يُشرع السلام على من يغتسل، ولذا لم ينكر عليه أبو أيوب، وقد ثبت في «الصحيحين»، وغيرهما في قصّة أم هانئ - ﵂ - أنها قالت: ذهبت إلى رسول الله - ﷺ -، عام الفتح، فوجدته يغتسل - وفاطمة ابنته تستره - قالت: فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟ ..» الحديث. (فَقَالَ) أبو أيوب - ﵁ - (مَنْ هَذَا؟) أي: المسلّم عليه (فَقُلْتُ: أنا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْسِلُ رَأسَهُ (قال الحافظ أبو عمر ﵀: الظاَهر أن ابن عبّاس - ﵄ - كان عنده نصّ عن النبيّ - ﷺ - أخذه عن أبي أيوب، أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حُنين لأبي أيوب: أسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولم يقل: هل كان يغسل رأسه، أوْ لا؟ على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور، وابن عباس. قال الحافظ ﵀: ويَحْتَمِل أن يكون عبد الله بن حُنين تصرّف في السؤال لفطنته، كأنه لَمّا قال له: سله، هل يغتسل المحرم، أوْ لَا؟ فجاء، فوجده يغتسل، فَهِم من ذلك أنه يغتسل، فأحبّ أن لا يرجع إلا بفائدة، فسأله عن كيفيّة الغسل، وكأنه خصّ الرأس بالسؤال؛ لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محلّ الشعر الذي يُخشى انتتافه، بخلاف بقية البدن غالبًا. انتهى. (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ - ﵁ - يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) أي: الذي جعله ساترًا بينه وبين الناس (فَطَأَطَأَهُ) أي: أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: «جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه» (حَتى بَدَا لِي رَأسُهُ) أي: ظهر لي رأسه، فرأيته، وفي رواية ابن جريج: «حتى رأيت رأسه، ووجهه». (ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (يَصُبُّ) وفي رواية النسائيّ: «يصُبّ عَلَى رَاسِهِ»، والجملة في محلّ جرّ صفة ل«إنسان». ومقول القول قوله: (اصْبُبْ، فَصَبَّ) ذلك الإنسان الماء (عَلَى رَأسِهِ) أي: على رأس أبي أيوب - ﵁ - (ثُمَّ حَرَّكَ رَأسَهُ بِيَدَيْه، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) أي: ذهب بيديه إلى جهة قُدَّامه، ثم ردّهما إلى ورائه، مبالغة في وصول الماء إلى البشرة. وفي رواية ابن جريج: «فأَمَرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا، على جميع رأسه، فأقبل بهما، وأدبر». (ثُمَّ قَالَ) أي: أبو أيوب - ﵁ - (هَكَذَا رَأَيْتُهُ - ﷺ - يَفْعَلُ) وفي رواية النسائيّ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللُّهِ - ﷺ - يَفْعَلُ»، زاد في رواية ابنه جريج التالية: «فقال المسور لابن عبّاس: لا أماريك أبدًا»، وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: «فرجعت إليهما، فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبّاس: لا أُماريك أبدًا»؛ أي: لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرى فلان فلانًا: إذا استخرج ما عنده، قاله ابن الأنباريّ. وأطلق ذلك في المجادلة؛ لأن كلًّا من المتجادلين يَستخرج ما عند الآخر من الحجة، قاله في «الفتح»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٢٨٨٩ و٢٨٩٠] (١٢٠٥)، و(البخاريّ) في «جزاء الصيد» (١٨٤٠)، و(أبو داود) في دؤالمناسك«(١٨٤٥)، و(النسائيّ) في»المناسك«(٢٦٦٥)، وفي»الكبرى«(٣٦٤٥)، و(ابن ماجه) في»المناسك«(٢٩٣٤)، و(مالك) في»الموطّإ«(٧١٢)، و(الشافعيّ) في»مسنده«(١/ ٣٠٨)، و(الحميديّ) في»مسنده«(٣٧٩)، و(أحمد) في»مسنده«(٥/ ٤١٦ و٤١٨ و٤٢١)، و(الدارمي) في»سننه«(١٧٩٣)، و(ابن خزيمة) في»صحيحه«(٢٦٥٠)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٣٩٤٨)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٢/ ٢٦٥)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، و(الطبرانيّ) في»الكبير«(٤/ ١٥٠)، و(ابن الجارود) في»المنتقى«(٤٤١)، و(الدارقطنيّ) في»سننه«(٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٥/ ٦٣)، و»المعرفة«(٤/ ٢٩)، و(البغويّ) في»شرح السنّة« (١٩٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاغتسال للمحرم. ٢ - (ومنها): غسل المحرم رأسه، وتشريبه شعره بالماء، ودلكه بيده إذا أمن تناثره، واستدلّ به القرطبيّ على وجوب الدلك في الغسل، قال: لأن الغسل لو كان يتمّ بدونه لكان المحرم أحقّ بأن يجوز له تركه، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. ٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء بأن على استحبابه، خلافًا لمن قال: يكره، كالمتولّي من الشافعيّة، خشية انتتاف الشعر؛ لأن في الحديث: «ثم حرّك رأسه بيده»، ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب. والتحقيق أنه خلاف الأولى في حقّ بعض دون بعض. قاله السبكيّ الكبير. قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الإطلاق هو التحقيق؛ لأن الشارع الحكيم ما استثنى الحاجّ حين شرع تخليل اللحية، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند الاختلاف، وترك الاجتهاد، والقياس عند وجود النصّ. قال الحافظ أبو عمر ﵀: في هذا الحديث من الفقه أن الصحابة - ﵃ - إذا اختلفوا لم تكن في قول واحد منهم حجة على غيره، إلا بدليل يجب التسليم له، من الكتاب، أو السنّة، ألا ترى أن ابن عباس والمسور - ﵃ - لَمّا اختلفا لم يكن لواحد منهما حجة على صاحبه حتى أدلى ابن عبّاس بالحجة بالسنة، ففلج - أي: فاز، وغلب خصمه بحجته -. وهذا يبيّن لك أن قوله - ﷺ -: «أصحابي كالنجوم» هو على ما فسّره المزنيّ وغيره، وأن ذلك في النقل؛ لأن جميعهم ثقات عدول، فواجب قبول من نقل كلّ واحد منهم، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم، واجتهادهم إذا أختلفوا لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم، وأنا نجمٌ، فلا عليك، وبأيّنا اقتدى المقتدي فقد اهتدى، ولَمَا احتاج لطلب البيّنة، والبرهان من السنّة على صحّة قوله. وكذا سائر الصحابة - ﵃ - إذا اختلفوا حكمهم كحكم ابن عبّاس والمسور، وهم أوّل من تلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. قال العلماء: إلى كتاب الله، وإلى سنة نبيّه - ﷺ - ما كان حيًّا، فإن قُبض فإلى سنّته. ألا ترى أن ابن مسعود قيل له: إن أبا موسى الأشعريّ قال في أخت، وابنة ابن: إن للابنة النصفَ، وللأخت السدسَ، ولا شيء لبنت الابن، وأنه قال للسائل: ائت ابن مسعود، فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ [الأنعام: ٥٦] أقضي فيها بقضاء رسول الله - ﷺ -: «للبنت النصفُ، ولابنة الابن السدسُ تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت». وبعضهم لم يرفع هذا الحديث، وجعله موقوفًا على ابن مسعود. وفي «الموطإ» أن أبا موسى الأشعريّ أفتى بجواز رضاع الكبير، وردّ ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. وروى مالك عن ابن مسعود: أنه رجع عن قوله في الربيبة إلى قول أصحابه في المدينة . وهذا الباب طويل إذا كان الصحابة خير أُمّة أُخرجت للناس، وهم أهل العلم والفضل، لا يكون أحدهم حجة على صاحبه، إلا الحجة من كتاب الله، أو سنّة نبيّه - ﷺ -، فمن دونهم أولى أن يَعضِدَ قولَه بما يجب التسليم له. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [سبأ: ٦] قال: أصحاب محمد - ﷺ -. قال مالك: الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب الله، وحكم أحكمته السنّةُ، قال: ومجتهدُ رأيه، فلعلّه يُوفّق، ومتكلّف، فطُعن عليه. قال: وذكر ابن وضّاح، عن ابن وهب، قال: قال لي مالك: الحكمة، والعلم نورٌ يهدي به الله من يشاء، ويؤتي الحكمة من أحبّ من عباده، وليس بكثرة المسائل. قال أبو عمر: وقد استوفينا هذا المعنى في «كتاب العلم» . انتهى كلام أبي عمر ﵀ ، وهو بحث نفيس جدًّا إلا ما يأتي من الكلام على الحديث الذي احتج به. = في ذلك، ثم إن ابن مسعود، قدم المدينة، فسأل عن ذلك، فأُخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله، حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارق امرأته، قال مالك، في الرجل تكون تحته المرأة، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنها تحرم عليه امرأته، ويفارقهما جميعًا، ويحرمان عليه أبدًا، إذا كان قد أصاب الأم، فإن لم يصب الأم، لم تحرم عليه امرأته، وفارق الأم، وقال مالك، في الرجل يتزوج المرأة، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبدًا، ولا تحل لأبيه، ولا لابنه، ولا تحل له ابنتها، وتحرم عليه امرأته، قال مالك: فأما الزنا، فإنه لا يحرم شيئًا من ذلك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فإنما حرم ما كان تزويجًا، ولم يذكر تحريم الزنا، فكل تزويج كان على وجه الحلال، يصيب صاحبه امرأته، فهو بمنزلة التزويج الحلال، فهذا الذي سمعت، والذي عليه أمر الناس عندنا. ٥ - (ومنها): استتار الشخص بالثوب عند الاغتسال، وأن الذي كان يستره بالثوب، لا يطّلع منه على ما يتستّر به من مثله، فالسترة واجبة عن القريب والبعيد. ٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة - ﵃ -. ٧ - (ومنها): السلام على المتطهّر في وضوء، أو غسل، بخلاف المجالس على الحدث. ٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا لحاجة، قاله النوويّ ﵀. ٩ - (ومنها): أن فيه الاعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حيث ذكر الحافظ أبو عمر في كلامه السابق حديث: «أصحابي كالنجوم» موهمًا أنه حديث ثابت، مع أنه لا يثبت، وقد تَكَلّم فيه هو في غير هذا الكتاب، فلا بدّ من بيان ما قاله العلماء فيه، حتى يتبيّن الحقّ، وكذلك ما اشتهر على الألسنة: «اختلاف أمتي رحمة». أما الأول، فقد رُوي من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله - ﵃ -: (أما حديث جابر - ﵁ -) فهو: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». رواه ابن عبد البرّ في «جامع العلم» ٢/ ٩١، وابن حزم في «الإحكام» ٦/ ٨٢ من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غُضَين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعًا به. وقال ابن عبد البرّ: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غضين مجهول، وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غُضَين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك. قال الشيخ الألبانيّ ﵀: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم - ويقال: ابن سليمان، وهو الطويل - أولى، فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن خراش: كذّاب، وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة. وأما أبو سفيان فليس ضعيفًا، كما قال ابن حزم، بل هو صدوق، كما قال الحافظ في «التقريب»، وأخرج له مسلم في «صحيحه». انتهى. (وأما حديث ابن عباس - ﵄ -): فهو: «مهما أوتيتم من كتاب الله، فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة». أخرجه الخطيب في «الكفاية» ص ٤٨، وابن عساكر، وغيرهما من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعًا به. وهذا الإسناد ضعيف جدًّا، سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث، وجويبر هو ابن سعيد الأزديّ متروك، والضحّاك لم يلق ابن عباس. (وأما حديث عمر - ﵁ -): فهو: «سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إليّ: يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى». رواه ابن بطّة في «الإبانة» ٤/ ١١، والخطيب، وابن عساكر، وغيرهم من طريق نعيم بن حماد، ثنا عبد الرحيم بن زيد العمّيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا به. قال ابن الجوزيّ في «العلل»: هذا لا يصحّ، نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين: كذّاب، وفي «الميزان»: هذا الحديث باطل. (وأما حديث ابن عمر - ﵄ -): فهو: «إنما أصحابي مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم». ذكره ابن عبد البر معلقًا، من طريق أبي شهاب الحناط، عن حمزة الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا به، ووصله عبد بن حميد في «المنتخب من المسند»، قال: أخبرني أحمد ابن يونس، حدثنا أبو شهاب به، ورواه ابن بطة في «الإبانة»، وفي سنده حمزة بن أبي حمزة قال الدارقطنيّ: متروك، وقال ابن عديّ: عامة مروياته موضوعة، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه. وقد ساق له الذهبي في «الميزان» أحاديث من موضوعاته، هذا منها. وقال أبو محمد بن حزم ٦/ ٨٣: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلًا، بل لا شكّ أنها مكذوبة؛ لأن الله تعالى يقول في صفة نبيّه - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] فإذا كان كلامه - ﷺ - في الشريعة حقًّا، وواجبًا، فهو من الله تعالى بلا شكّ، وما كان من الله تعالى، فلا يُختَلَف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد نهى الله تعالى عن التفرّق والاختلاف بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فمن المحال أن يأمر رسول الله - ﷺ - باتباع كلّ قائل من الصحابة - ﷺ -، وفيهم من يحلّل الشيء، وغيره يحرّمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالًا، اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البَرَد للصائم حلالًا، اقتداءً بأبي طلحة، وحرامًا اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا، اقتداء بعليّ، وعثمان، وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب، وحرامًا اقتداء بعائشة، وابن عمر، وكلّ هذا مرويّ عندنا بالأسانيد الصحيحة. ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطأوا فيها السنّة، وذلك في حياته - ﷺ -، وبعد مماته، ثم قال (٨٦): فكيف يجوز تقليد قوم يُخطئون، ويصيبون؟ وقال قبل ذلك ٥/ ٦٤ تحت باب «ذمّ الاختلاف»: وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صحّ عن رسول الله - ﷺ - الذي أمره الله تعالى ببيان الدين … فصحّ أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلًا، وقد غلط قومٌ، فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجّوا بما رُوي عن النبيّ - ﷺ -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق؛ لوجوه ضروريّة: (أحدها): أنه لم يصحّ من طريق النقل. (والثاني): أنه - ﷺ - لم يَجُز أن يأمر بما نهى عنه، وهو - ﷺ - قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره، وكَذَب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة، وخطّأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدّة، فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون - ﷺ - يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له - ﷺ - من هذه الصفة، وهو - ﷺ - قد أخبر أنهم يُخطئون، فلا يجوز أن يأمر باتباع من يُخطئ، إلا أن يكون - ﷺ - أراد نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم - ﵃ - كلهم ثقات، فمن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل. (والثالث): أن النبيّ - ﷺ - لا يقول الباطل، بل قوله الحقّ، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد مطلع الجدي، فأمّ جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وأخطأ خطأ فاحشًا، وليس كلّ النجوم يُهتدى بها في كلّ طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث، وسقوطه وضوحًا ضروريًّا. انتهى. ونقل خلاصته ابن الملقّن في «الخلاصة» ٢/ ١٧٥ وأقرّه، وبه ختم على الحديث، وقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصحّ قط. وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو: «أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذّاب، وقد قال الذهبيّ في هذه النسخة: فيها بلايا، وأحمد بن إسحاق لا يحلّ الاحتجاج به، فإنه كذاب، وأقرّه الحافظ في «اللسان». (وأما حديث: «اختلاف أمتي رحمة»): فلا أصل له، قال السبكي ﵀: ليس بمعروف عند المحدّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع. وأما قول السيوطيّ في «الجامع الصغير»: ولعله خُرّج في بعض كتب الحفّاظ التي لم تصل إلينا، فمن أعجب ما يُسمع ويرى من أمثال السيوطيّ الجامع بين النقل والعقل، فهل نقول لكل حديث موضوع: فلعل له سندًا صحيحًا لم يصل إلينا؟ إن هذا لهو العجب العجاب!. وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» ٥/ ٦٥ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق، أو اختلاف، وليس إلا رحمة، أو سخط. [فإن قيل]: إن الصحابة - ﵃ - قد اختلفوا، وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذمّ المذكور؟ [قلت]: أجاب عنه الإمام ابن حزم ﵀، فقال في كتابه المذكور ٥/ ٦٧ - ٦٨: كَلّا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كلّ امرئ منهم تحرّى سبيل الله، ووجهة الحقّ، فالمخطئ منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيّته الجميلة في إرادة الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمّدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كلّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين، ولم يبلغه، وإنما الذمّ المذكور، والوعيد المنصوص لمن ترك التعلّق بحبل الله تعالى، وهو القرآن، وكلام النبيّ - ﷺ - بعد بلوغ النصّ إليه، وقيام الحجّة به عليه، وتعلّق بفلان وفلان، مقلّدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها تعلّق بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ - ﷺ -، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم، مقلّدين له غير طالبين ما أوجبه النصّ عن الله، وعن رسوله - ﷺ -. انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيسٌ لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٩٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا، عَلَى جَمِيعِ رَأسِه، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه تقدّم قبل حديث. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريبًا. و«زيد بن أسلم» ذُكر قبله. وقوله: (فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ … إلخ) بتشديد الراء، من الإمرار. وقوله: (عَلَى جَمِيعِ رَأسِهِ) تأكيد لما قبله. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن زيد بن أسلم هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده» (٢/ ٢٦٥) فقال: (٣٠٧٨) - حدّثنا عبد الصمد بن الفضل، نا مكيّ (ح) وحدّثنا الصاغانيّ، ثنا رَوْح، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، أنه أخبره، عن أبيه عبد الله بن حُنين، قال: كنت مع ابن عباس والمسور بن مخرمة بالأبواء، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب، فقال: قل له: يَقْرَأُ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبد الله بن عباس، ويسألك كيف كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه، وهو محرم؟ قال: فوضع يده على الثوب، وطأطأه، حتى رأيت رأسه، وقال لرجل: صُبّ، فصَبَّ عليه، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه، وهو محرم، إلا أن مكيّ: قال: فأقبل بهما وأدبر، وقال مسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٤)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٧.

٢. رواه مالك في «الموطإ» في «كتاب النكاح»، «باب ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته»، ولفظه: وحدثني عن مالك، عن غير واحد، أن عبد الله بن مسعود، استفتي وهو بالكوفة، عن نكاح الأم بعد الابنة، إذا لم تكن الابنة مُسّت، فأرخص=

٣. أراد به: «كتاب جامع العلم» ٢/ ٢٦ - ٣٠.

٤. راجع: «الاستذكار» ١١/ ١٥ - ١٨.