HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٠٧

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ لَهَا «أَرَدْتِ الْحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ! مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا «حُجِّي وَاشْتَرِطِي. وَقُولِي: اللَّهُمَّ! مَحِلِّي حيث حبستني» وكانت تحت المقداد.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص26
ج ٢ ص ٨٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٤١٦
(١٥) - (بَابُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٢] (١٢٠٧) - (حَدثنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَثنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيه، عَنْ عائشة - ﵁ - قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزبَيْر، فقَالَ لَهَا: «أَرَدْتِ الْحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُني إِلا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي، وَاشْتَرِطي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة»ج ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، ماتت سنة (٥٧) تقدّمت في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وهم المذكورون في قولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةُ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرْهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وِزِيَادٌ يُحْتَذَى وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن خالته. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - حبيبة رسول الله - ﷺ -، وبنت حبيبه، ومن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والنه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -) أنها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ) إنما دخل - ﷺ - عليها عيادة لها، أو زيارةً وصلةً؛ لأنها بنت عمه، وفيه بيان تواضعه - ﷺ -، وصلته، وتفقّده لأقاربه. و«ضُباعة» - بضم الضاد المعجمة، بعدها جاء موحّدة، مخفّفة، وبعد الألف عين مهملة - بنت الزبير بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّ النبيّ - ﷺ -، تزوّجها المقداد بن عمرو، فولدت له عبد الله، وكَرِيمة، فقتل عبد الله يوم الجمل مع عائشة - ﵂ -، رَوَت ضُباعة عن النبي - ﷺ -، وعن زوجها المقداد، وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، وعروة، وغيرهم، قال ابن عبد البرّ: لضباعة عن النبيّ - ﷺ - أحاديث: منها الاشتراط في الحجّ، قال الزبير بن بكّار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عَقِب إلا من بنتيه: ضُباعة، وأختها أم الحكم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: وأما قوله في رواية ابن ماجه من حديث أسماء، أو سعدى: «دخل على ضباعة بنت عبد المطلب»، فهو وَهَمٌ، لا يتأوّل بما قاله والدي ﵀ في «شرح الترمذيّ» من أنه نسبة إلى جدّها كقوله - ﷺ -: «أنا ابن عبد المطلب»، لأنه عَقَّبَ ذلك بقوله: فقال: «ما يمنعك يا عمّتاه من الحجّ»؛ فدلّ على أنه بنى على أنها بنت عبد المطلب حقيقة حتى تكون عمته - ﷺ -، وهو وَهَمٌ. ووقع في كلام إمام الحرمين، والغزاليّ أنها ضباعة الأسلمية، وهو غلط فاحش، كما قال النوويّ، وغيره، والصواب الهاشمية، وليس في الصحابة أخرى يقال لها: ضباعة الأسلميّة، ولكنهما وَهِما في نسبتها، نعم في الصحابة أخرى تسمى ضباعة بنت الحارث أنصارية، وهي أخت أم عطية. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . (فَقَالَ لَهَا: «أَرَدْتِ الْحَجَّ؟») هو بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية التالية: «فقالت: يا رسول الله إني أريد الحجّ، وأنا شاكيةٌ»، وفي حديث ابن عبّاس - ﵄ -: «أن ضباعة بنت عمّ المطّلب - ﵄ - أتت رسول الله - ﷺ -، فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ ..». قال الحافظ وليّ الدين ﵀: قولها: «وإني أريد الحجّ» قد يقتضي ظاهره أنها قالت له ذلك ابتداء، وفي «صحيح البخاريّ»: «لعلك أردت الحجّ»، وفي «صحيح مسلم» من ذلك الوجه: «أردت الحجّ». ولا منافاة، فقد تكون إنما قالت: إني أريد الحجّ في جواب استفهامه لها، وليس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجه من حديث ضباعة أنه - ﷺ - قال لها: «أما تريدين الحجّ العام؟»، ومن رواية أسماء، أو سعدى: «ما يمنعك من الحجّ؟»، كلّ ذلك يقتضي أن كلامها كان جوابًا لسؤاله. لكن في حديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة: «أن ضباعة أتت رسول الله - ﷺ -، فقالت …»، وهذا قد ينافي قوله في حديث عائشة: «دخل على ضباعة …». وقد يُجمع بينهما بأنها أتت رسول الله - ﷺ -، ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء، فدخل عليها، وهي في منزله. وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والترمذيّ: أنها قالت له: إني أربد الحجَّ، فاشترط؟ فقال لها: «نعم»، وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد استئذانها. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . (قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُنِي) أي: ما أجد نفسي، واتّحاد الفاعل والمفعول مع كونهما ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب . (إِلا وَجِعَةً) بفتح الواو، وكسر الجيم؛ أي: مريضةً، وقال الطيبيّ ﵀؛ أي: أجد في نفسي ضعفًا من المرض، ولا أدري أأقدر على إتمام الحجّ أم لا؟ قال: فإن قلت: كيف طابق قولها: «والله» جوابًا عن قوله - ﷺ -: «لعلّك أردت؟». قلت: تضمّن في «لعلّ» معنى الاستقصار على سبيل التلطّف، ومن ثمة أظهرت العذر، وأقسمت عليه. انتهى . (فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي) أي: أحرمي بالحجِّ (وَاشْتَرِطي) أي: اجعلي شرطًا في حجك عند الإحرام، وهو اشتراط التحلّل متى احتجتِ إليه، فكأنها قالت لما سألها النبيّ - ﷺ - عن إرادتها الحجّ: إني أريده، وإني أُحسّ من نفسي مرضًا يمنعني من الاستمرار على الإحرام، أفأشترط شرطًا يجعلني في حِلّ متى أحتاج إليه؟ فقال - ﷺ -: نعم، ثم قالت كما في النسائيّ:»كيف أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهمّ لبيك، ومحلّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربّك ما استثنيت«؛ أي: قولي لدى إحرامك: اللهمّ مَحِلِّي؛ أي: موضع إحلالي من الأرض حيث حبستني؛ أي: هو المكان الذي عجزت عن الإتيان بالمناسك، وانحبست عنها بسبب قوّة المرض. (وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي) الْمَحِلّ - بفتح الميم، وكسر الحاء -: زمانٌ، أو مكانٌ، من حَلّ: إذا خرج من الإحرام، قاله الطيبيّ ﵀ . وقال وليّ الدين ﵀: قوله:«مَحِلّي»بكسر الحاء؛ أي: موضع حلولي، أو وقت حلولي، والمحلّ يقع على المكان والزمان. انتهى . والمعنى: زمان، أو مكان تحلّلي من الإحرام، فـ«محلّي»مبتدأ، خبره قوله: (حَيْثُ حَبَسْتَنِي«) أي: منعتني من السير بسبب ثِقَل المرض. وفائدة هذا الاشتراط أن تفسير حلالًا بدون دوم الإحصار. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني»؛ معناه: أنه - ﷺ - لما استفهمها عن إرادة الحج اعتَلَّت بأنها مريضة، وأنها خافت إن اشتد مرضها أن يتعذر عليها الإحلال، بناءً منها على أن المحصر بالمرض لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت، وإن طال مرضه، كما هو مذهب مالك وغيره، فلما خافت هذا أقرّها رسول الله - ﷺ - على ذلك، ثم رَخَّصَ لهادي أن تشترط: أن لها التحلل حيث حبسها مرضها. وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وللشافعي قولان، فقال كل هؤلاء: يجوز الاشتراط في الحج، وأنه له الفسخ إذا وقع شرطه. ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع؛ منهم: ابن عمر، والزهريّ، ومالك، وأبو حنيفة؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وبقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، واعتذروا عن هذا الحديث بوجهين: أحدهما: ادعاء الخصوص بهذه المرأة. وثمانيهما: أنهم حملوه على التحلل بالعمرة، فإنها أرادت أن تحج؛ كما جاء مفسرًا من رواية ابن المسيب، وهو: أن رسول الله - ﷺ - أمر ضباعة أن تشترط وتقول: «اللهم الحج أردت، فإن تيسر، وإلا فعمرة». وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: «للحج خرجت، وله قصدت، فإن قضيته فهو الحج، وإن حال دونه شيء فهوالعمرة»، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المذهب الأرجح هو ما ذهب إليه الأولون، وأن التأويلات التي تمسّك بها المانعون غير مقبولة، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (وَكانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ) بيّن به أن ضُباعة - ﵂ - كانت زوج المقداد بن الأسود - ﵁ -، قال في «الفتح»: ظاهر سياقه أنه من كلام عائشة - ﵂ -، ويَحْتَمِل أنه من كلام عروة . والمقداد هو: ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الْكِنديّ، ثم الزهريّ، حالف أبوه كِنْدة، وتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين الأولين، لم يَثبُت أنه كان ببدر فارسٌ غيره، مات - ﵁ - سنة (٣٣) وهو ابن (٧٠) سنةً. أخرج له الجماعة، وتقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨١. [تنبيه]: صرّح في هذه الرواية بأن ضُباعة - ﵂ - كانت تحت المقداد بن الأسود - ﵁ -، وكذا هو في «صحيح البخاريّ»، وبسبب ذلك أورد البخاريّ هذا الحديث في «كتاب النكاح» في «باب الأكفاء في الدين» يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفؤًا لها من حيث النسب، فإِنه كِنْديّ، وليس كندة أكفاء لقريش، فضلًا عن بني هاشم، عند من يعتبر الكفاءة في النسب من العلماء، وإنما هو كفؤ لهادي الدين فقط، قاله وليّ الدين ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ في مسألة الكفاءة أن المعتبر هو الكفاءة في الدين، لا في أمر آخر، من النسب أو غيره، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وهو مذهب مالك من الأئمة، كما حقّقته في «شرح النسائيّ»، وستأتي هنا أيضًا مستوفاة في محلّها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٩٠٢ و٢٩٠٣ و٢٩٠٤] (١٢٠٧)، و(البخاريّ) في «النكاح» (٥٠٨٩)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٧٦)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٤١)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٦٨)، و«الكبرى» (٢/ ٢٥٧)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٣٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١١/ ٢٣ و٣٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١٦/ ٦٤ و٢٠٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨١١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٠٠ و٣٠١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٠٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩/ ٨٦ و٨٧ و٨٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٧٩ و٥/ ١١٥)، و«الكبير» (٢٤/ ٨٣٧ و٨٤٠ و٨٤١ و٨٤٢)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٢٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٢١)، و«الصغرى» (٤/ ٣٩٢)، و«المعرفة» (٤/ ٢٤٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): حديث قصّة ضُباعة أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، وغيرهم، ورواه الشافعيّ ﵀ عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، وقال: لو ثبت حديث عروة، عن النبيّ - ﷺ - في الاستثناء لم أَعْدُهُ إلى غيره؛ لأنه لا يحلّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله - ﷺ -. قال البيهقيّ: أما حديث ابن عيينة، فقد رواه عنه عبد الجبّار بن العلاء موصولًا بذكر عائشة فيه. وثبت وصله أيضًا من جهة أبي أسامة حماد بن أسامة، أخرجه البخاريّ، ومسلم. وثبت عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه مسلم. وعن عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ - ﷺ -، وهو مخرّج في «صحيح مسلم». انتهى. وأخرج حديث ابن عباس أيضًا أصحاب السنن الأربعة، ورواه ابن حبّان في «صحيحه»، والدارقطنيّ من رواية عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. وقال ابن حزم: وقال الشافعيّ: إن صحّ الخبر قلت به، قال: قد صحّ الخبر، وبالغ في الصحّة، فهو قوله، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي سليمان - يعني داود -. وفي الباب أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر، أو سعدى بنت عوف، رواه ابن ماجه على الشكّ هكذا، وجابر، رواه البيهقيّ. وقال ابن حزم في «المحلّى» بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء، أو سعدى: فهذه آثار متظاهرة، متواترة، لا يسع أحدًا الخروج عنها. وقال النسائيّ: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهريّ، غير معمر، وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم. وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث، فإنه قال: قال الأصيليّ: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، وقال: قال النسائيّ: لا أعلم أسنده عن الزهريّ غير معمر. قال النوويّ في «شرح مسلم»: وهذا الذي عرّض به القاضي، وقاله الأصيليّ من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًّا، نبهت عليه لئلا يغترّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وسائر كتب الحديث المعتمدة من طُرُق متعدّدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: والنسائيّ، لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد، الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضرّه، وكم في «الصحيحين» من الانفراد، ولا يضرّ إرسال الشافعيّ له، فالحكم لمن وصل. هذا معنى كلامه، ذكر ولده الحافظ وليّ الدين ﵀ ، وهو بحث نفيس جدًّا. والحاصل أن حديث قصّة ضُباعة - ﵂ - صحيح لا غبار عليه، فمن ضعّفه، أو طعن فيه، فهو الضعيف في نقده، المطعون في فهمه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في الفوائد التي اشتمل عليها حديث قصّة ضباعة برواياته المختلفة: ١ - (منها): بيان مشروعية الاشتراط في الحجّ. ٢ - (ومنها): أن دخوله - ﷺ - على ضباعة - ﵂ - كان عيادة، أو زيارة، وصلة، فإنها قريبته، كما تقدّم. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان تواضعه - ﷺ -، وصلته لرحمه، وتفقده، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه - ﷺ - لم يكن يخلو بالأجنبيات، ولا يصافحهنّ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة؛ لعصمته، لكنهم لم يعدّوا ذلك من خصائصه - ﷺ -، فهو في ذلك كغيره في التحريم، ذكره وليّ الدين ﵀ . ٤ - (ومنها): جواز اليمين في درج الكلام بغير قصد. ٥ - (ومنها): أن المرأة لا يجب عليها أن تستأذن زوجها في حج الفرض، كذا قيل، ولا يلزم من كونه لا يجوز له منعها أن يسقط عنها استئذانه، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): أن الحديث ورد في الحجّ، ولكن العمرة في معناه، فلو أحرم بعمرة، فشرط التحلّل منها عند المرض كان كذلك، قال وليّ الدين ﵀: ولا خلاف في هذا بين المجوّزين للاشتراط فيما أعلم، ولعلّ العمرة داخلة في قوله في رواية النسائيّ من حديث ابن عباس - ﵄ - عند النسائيّ: «فإن لكِ على ربّك ما استثنيت»، وقد عزا ابن قدامة في «المغني» هذا الحديث لمسلم، وفيه هذه الزيادة، وليست عند مسلم. انتهى. ٧ - (ومنها): أنه قد يُستَدَلّ به على أن المشترط لذلك يحلّ بمجرّد المرض والعجز، ولا يحتاج إلى إحلال، وقد قال الشافعية: إن اشترط التحلّل بذلك، فلا يحلّ إلا بالتحلّل، وإن قال: إذا مرضت، فأنا حلال، فهل يحتاج في هذه الصورة إلى تحلل، أو يصير حلالًا بنفس المرض، فيه وجهان لهم، الذي نصّ عليه الشافعيّ أنه يصير حلالًا بنفس المرض، قال وليّ الدين: ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله: «محلّي» يَحْتَمِل أن يكون معناه: موضع حلّي، ويحتمل أن يكون معناه: موضع إحلالي. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الاحتمال الأول هو الظاهر، فما نصّ عليه الشافعي هو الأرجح، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب. ٨ - (ومنها): أن المراد بالتحلل أن يُصَيِّر نفسه حلالًا، فلو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند المرض، فذكر الشافعيّة أنه أولى بالصحّة من شرط التحلل، ونصّ عليه الشافعي، وإذا أجاز إبطال العبادة للعجز، فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز. وروى ابن خزيمة في «صحيحه»، والبيهقيّ في «سننه» من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن ضُباعة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني أريد الحجّ، فكيف أهلّ بالحجّ؟ قال: «قولي: اللَّهم إني أُهلّ بالحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمحلّي حيث حبستني». قال الحافظ وليّ الدين: وهذه زيادة حسنة، يجب الأخذ بها، ويقال: ينبغي أن لا يجوز للحاجّ شرط التحلل منه مطلقًا، إلا مع العجز عنه، وعن العمرة، فمع القدرة على العمرة لا ينتقل للتحلّل المطلق. انتهى. ٩ - (ومنها): أنّ سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله: «حبستني» يصدق بالحبس بالمرض، وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة، وفراغها، وضلال الطريق، والخطإ في العدد، وقد صرّح الشافعيّة، والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلّل بها، ومن الشافعية من خالف فيه. ١٠ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلُّل بالشرط دم؛ إذ لو وجب لذكره - ﷺ -، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرّح الحنابلة، والظاهريّة، وهو الأصحّ عند الشافعية، ومحلّ الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلّل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أن الحنابلة ذكروا أن هذا الشرط يؤثّر في إسقاط الدم فيما إذا حبسه عدوّ، وقالت الشافعية: لا يسقط دم الإحصار بهذا الشرط؛ لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فشرطه لاغٍ. ومنهم من حكى فيه خلافًا، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة أرجح؛ لإطلاق حديث الاشتراط، فتأمل، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط؛ إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى. ١٣ - (ومنها): أنه لا يجب القضاء عند التحلل بشرط، وبه صرّح الشافعية، وغيرهم. ١٤ - (ومنها): أن المفهوم من لفظ الشرط أنه لا بدّ من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه، أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرّح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: «اشترطي عند إحرامك»، وهو بهذا اللفظ في «مصنّف ابن أبي شيبة». ١٥ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا بدّ من التلفظ بهذا الشرط كغيره من الشروط، وهو ظاهر كلام الشافعية، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما: هذا، قال: ويدلّ عليه ظاهر قوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: «قولي: محلّي من الأرض حيث تحبسني»، وكذا في حديث عائشة في «الصحيحين»: «وقولي: اللَّهم محلي حيث حبستني». والثاني: أنه تكفي فيه النية، ووجهه بأنه تبع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنيّة، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون الاحتمال الأول هو الأقوى، والأظهر؛ لظاهر النصّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. ١٦ - (ومنها): أنه لا يتعيّن في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، بل كلّ ما يؤدّي معناه يقوم مقامه في ذلك، قال ابن قُدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه؛ لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما تُعتَبر لتأدية المعنى، ثم استشهد يقول علقمة: اللَّهم إني أريد العمرة إن تيسرت، وإلا فلا حرج عليّ، وبقول شُريح: اللَّهم قد عرفتَ نيتي، وما أريد، فإن كان أمرًا تتمه، فهو أحبّ إليّ، والا فلا حرج عليّ، ونحوه عن الأسود، وقالت عائشة لعروة: قل: اللَّهم إني أريد الحج، وإياه نويت، فإن تيسر، وإلا فعمرة، ونحوه عن عميرة بن زياد، والله تعالى أعلم. ١٧ - (ومنها): أن قوله: «محلّي حيث حبستني» يدلّ على أن المحصر يحلّ حيث يُحْبَس، وهناك يَنْحَر هديه، ولو كان في الحلّ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا ينحر هديه إلا في الحرم، والأول أصحّ، والله تعالى أعلم. ١٨ - (ومنها): أنه خرج بقوله: «حيث حبستني» ما إذا شَرَط التحلّل بلا عذر، بأن قال في إحرامه: متى شئت، أو كَسِلت خرجت، فإن هذا لا يعتبر اتفاقًا، قاله وليّ الدين ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله من أن الاشتراط لا بدّ أن يكون بعذر هو الذي يدلّ عليه ظاهر حديث الباب، فما يفعله بعض الناس من أنه يشترط، ثم يتحلّل بلا عذر، وإنما لمجرد كسل، وعدم نشاط، فمخالف لما يقتضيه النصّ، فليُتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاشتراط في الإحرام: اختلفوا في ذلك على مذاهب: (المذهب الأول): جوازه، وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، فإنه نصّ عليه في القديم، وعلّق القول به في الجديد على صحة الحديث، وقد صحّ، كما تقدم، وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن عليّ، وعلقمة، والأسود، وشُريح، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، والأمر به عن عائشة، وعبد الله بن مسعود، وعن عثمان أنه رأى رجلًا واقفًا بعرفة، فقال له: أشارطت؟ فقال: نعم، وعن الحسن، وعطاء في المحرم قالا: له شرطه، وروى البيهقيّ الأمر به عن أم سلمة. وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وهو مذهب عَبِيدة السلمانيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة، وشُريح، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال الشافعيّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول، وحكاه ابن حزم عن جمهور الصحابة، وحكاه الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» عن جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. (المذهب الثاني): استحبابه، وهو مذهب الإمام أحمد، فإن ابن قدامة جزم به في «المغني»، وهو المفهوم من قول الخرقيّ، والمجد ابن تيمية في «مختصريهما» عند ذكر الإحرام. (المذهب الثالث): إيجابه، واليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، تمسّكًا بالأمر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا وليّ الدين الوجوب إلى الظاهرية، وكذا الحافظ في «الفتح» والذي ذكره ابن حزم في «المحلّى» ٧/ ٩٩ - الاستحباب، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (المذهب الرابع): إنكاره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكيّة، وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحجّ شيئًا. وعن إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يشترطون، ولا يرون الشرط شيئًا. وعن طاوس، والحكم، وحماد: الاشتراط في الحج ليس بشيء. وعن سعيد بن جبير: إنما الاشتراط في الحج فيما بين الناس، وعنه أيضًا: المستثني، وغير المستثني سواء. وعن إبراهيم التيميّ: كان علقمة يشترط في الحجّ، ولا يراه شيئًا. وروى الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحجّ، ويقول: «أليس حسبكم سنة نبيّكم - ﷺ -»، زاد النسائي في روايته: أنه لم يشترط؛ أي: النبيّ - ﷺ -، وهو في «صحيح البخاريّ» بدون أوله، ولفظه: «أليس حسبكم سنة رسول الله - ﷺ -، إن حُبس أحدكم عن الحجّ طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كلّ شيء حتى يحج عامًا قابلًا، فيهدي، أو يُطعم، إن لم يجد هديًا». وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهريّ أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن سفيان الثوريّ. وحكاه المحبّ الطبريّ عن أحمد، وهو غلط، فالمعروف عنه ما قدمناه. قال ابن قدامة: وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد إسقاط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار. وقال ابن حزم: روينا عن إبراهيم: كانوا يستحبّون أن يشترطوا، وكانوا لا يرون الشرط شيئًا لو أن الرجل ابتلي، وروينا عنه: كانوا يكرهون أن يشترطوا في الحجّ، قال ابن حزم: هذا تناقض مرّة كانوا يستحبّون، ومرّة كانوا يكرهون، فأقل ما في هذا ترك رواية إبراهيم لاضطرابها. قال الجامع عفا الله عنه: إن أرجح المذاهب مذهب القائلين بمشروعيّة الاشتراط، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان مُتمسَّك كل مذهب من هذه المذاهب: قال الحافظ وليّ الدين ﵀: من قال بالجواز تمسّك بهذا الحديث، ورأى أن الأمر به ترخيص، وتوسعة، وتخفيف، ورفق، وأنه يتعلّق بمصلحة دنيوية، وهي ما يحصل لها من المشقّة بمصابرة الإحرام مع المرض. ومن قال بالاستحباب رأى المصلحة فيه دينيّة، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها مرض يُشَعّث العبادة، ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد. ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذي قبله، ولو كان واجبًا لما أخلّ النبيّ - ﷺ - بفعله، ولا الصحابة - ﵃ -، ولو فعلوا ذلك في حجة النبيّ - ﷺ - لنُقِل، وقد صرّح ابن عمر بأنه لم يشترط، كما سيأتي ذكره في الباب التالي، ولما لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شكايتها له علمنا أن ذلك ترخيص حرّك ذكره هذا السبب، وهو شكواها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالوجوب يحتاج إلى ثبوته، كما أسلفته، والله تعالى أعلم. ومن قال بالإنكار منهم من ضعّف الحديث كما تقدّم ذكره، وردّه، ومنهم من أوّله، وفي تأويله أوجه: (أحدها): أنه خاصّ بضباعة، حكاه الخظابيّ عن بعضهم، قال: وقال: يشبه أن يكون بها مرض، أو حال كان غالب ظنها أنه يعوقها عن إتمام الحجّ، وهذا كما أذن لأصحابه في رفض الحجّ، وليس ذلك لغيرهم. وقال النوويّ في «شرح مسلم» بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في «شرح المهذّب» عن الرويانيّ من الشافعية، ثم قال: وهذا تأويل باطلٌ، ومخالف لنصّ الشافعيّ، فإنه إنما قال: لو صحّ الحديث لم أَعْدُهُ، ولم يتأوله، ولم يخصّه. (الثاني): أن معناه: محلي حيث حبستني بالموت؛ أي: إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي. حكاه النوويّ في «شرح المهذّب» عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله؟ (الثالث): أن المراد التحلل بعمرة، لا مطلقًا، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعضهم. ويردّه حديث ضباعة المتقدّم، حيث قال لها: «قولي: اللهم إني أريد الحج إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني، فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمحلّي حيث حبستني». فإن هذا فيه التصريح بالتحلل المطلق عن الحج والعمرة معًا. وحكى ابن حزم عن بعضهم أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن بعضهم أنه مخالف لقوله - ﷺ -: «كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل»، وعن بعضهم أن هذا الخبر رواه عروة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وروي عنهم خلافه. ثم قال ابن حزم: سمعناكم تعتلّون بهذا في الصاحب، فعذيتموه إلى التابع، وإن درجتموه بلغ إلينا، وإلى من بعدنا، فصار كلّ من بلغه حديث، فتركه حجة في ردّه، ولئن خالف هؤلاء ما رووا، فقد رواه غيرهم، ولم يخالفه، وأطنب ابن حزم في ردّ هذه المقالات، وهي حقيقة بذلك، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: والظن بمن يُعتَمَد عليه ممن خالف هذا الحديث أنه لم يبلغه، قال البيهقيّ: عندي أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره، كما لم ينكره أبوه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أو يُحْمَل على أنه بلغه، لكن تأوله بشيء من التأويلات السابقة. والحاصل أن الحقّ هو قول الجمهور، وهو جواز الاشتراط، وأنه إذا اشترط، وحصل المانع تحلّل، ولم يلزمه شيء من الدم أو غيره، عملًا بظاهر الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأنا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حُجِّي، وَاشْتَرِطي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَني»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل حديث. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (وَأنَا شَاكِيَةٌ) - بالشين المعجمة -؛ أي: مريضة، والشَّكْوُ، كالدَّلْو، والشَّكْوَى - بالقصر -، والشَّكْواءُ - بالمدّ، والشَّكَاةُ - بالهاء -، والشَّكَاءُ - بالمدّ -: المرض، أفاده في «القاموس». وقوله: (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أي: منعتني من السير بسبب ثقل المرض. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرَّ تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاق، أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عائشة - ﵂ - مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وهم المذكورون في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: رواية معمر، عن هشام بن عروة هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه» (٩/ ٨٧) فقال: (٣٧٧٤) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدّثنا ابن أبي السريّ، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: أن النبيّ - ﷺ - دخل على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي شاكية، فقال لها: «حُجِّي، واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني». انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج النسائيّ ﵀ رواية معمر هذه في «سننه» (٥/ ١٦٨) فقال: (٣٧٤٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، قال: أنبا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على ضُباعة، فقالت: يا رسول الله إني شاكية، وإني أريد الحجّ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «حُجِّي، واشترطي أن محلي حيث تحبسني». قَال إسحاق: قلت لعبد الرزاق: كلاهما عن عائشة: هشام والزهريّ؟ قال: نعم. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديثَ، عن الزهريّ غير معمر. انتهى. وقوله: «قلت لعبد الرزاق … إلخ» يعني أن إسحاق بن راهويه تأكد عن
مصادر المؤلف (١٣)

١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٦٧.

٢. «طرح التثريب»٥/ ١٦٨.

٣. «الفتح»٣٦٣/ ١١«كتاب النكاح»رقم (٥٠٨٩).

٤. «الكاشف عن حقائق السنن»٦/ ٢٠٣٧ - ٢٠٣٨.

٥. «الكاشف»٦/ ٢٠٣٨.

٦. «طرح التثريب»٥/ ١٦٨.

٧. «المفهم» ٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦.

٨. «الفتح» ١/ ٣٦٣١ - ٣٦٤ «كتاب النكاح» رقم (٥٠٨٩).

٩. «طرح التثريب» ٥/ ١٦٧.

١٠. «طرح التثريب» ٥/ ١٦٥ - ١٦٧.

١١. «طرح التثريب» ٥/ ١٧١.

١٢. «الفتح» ١١/ ٣٦٣.

١٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٧١ - ١٧٣.