HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢١١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «من كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ. ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا». قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي. وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» قَالَتْ فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَاعْتَمَرْتُ. فَقَالَ: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» فَطَافَ، الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ حَلُّوا. ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص27
ج ٢ ص ٨٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٤٤٦
(فَأَمَرَهَما أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ) بضمّ التاء، من الإهلال؛ أي: ترفع صوتها بالتلبية، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللهِ - ﵄ - من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٩٠٩] (١٢١٠)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٢٢ و١٥٤ و١٩٥ و٢٠٨)، و«المناسك» (٥/ ١٦٤)، و«الكبرى» (١/ ١١٢)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩١٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٩٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٠٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ١٣٨ و١٤١)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ١٥٥)، و(الضياء) في «المختارة» (١/ ١٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٢)، و«الصغرى» (٣/ ٥٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الإِحْرَامِ الثَّلَاَثةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَان، وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَة، والأَمْرِ بِفَسْخِ الْحَجِّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٠] (١٢١١) - (حَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَة، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ»، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ»، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوة، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأمّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يحيَى بْنُ يَحْيَى التَّميمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، أبو عبد اللهِ المدنيّ، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام الحجة [٧] (ت ١٧٩) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المدنيّ الحجة الثبت الفقيه [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٤٨. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر) بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ص ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵁ - (أنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ - ﷺ -) أي: من المدينة (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، وكسرها؛ أي: في عام حجة الوداع، وهو العام العاشر من الهجرة النبويّة، سُمّيت بحجة الوداع؛ لأن النبيّ - ﷺ - وَدَّع الناس فيها، ولم يحجّ بعد الهجرة غيرها. وقال القرطبيّ ﵀: سُمِّيت بذلك؛ لأنه - ﷺ - لما خطب الناس وَدَّعهم فيها، وقال: «لعلي لا أحج بعد عامي هذ»، وقال: «ألا هل بلغتُ؟» فقالوا: نعم، فقال: «اللَّهم اشهد»، وكذلك كان، فإنه - ﷺ - وجازاه عنا خيرًا - تُوُفِّي في ربيع الأول، في الثاني عشر منه - على أولى الأقوال وأشهرها - على رأس ثلاثة أشهر ونَيِّف من موقفه ذلك، ولم يحجّ في الإسلام غير تلك الحجة، وحجّ فيها بجميع أزواجه. انتهى . (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي: أحرم بعضنا بعمرة، ومنهم عائشة - ﵂ - كما سيأتي. قال القاضي عياض ﵀: اختلفت الروايات عن عائشة - ﵂ - فيما أحرمت به، اختلافًا كثيرًا، فذكر مسلم من ذلك ما سيأتي - يعني قولها: «ولم أهلّ إلا بعمرة» - وفي رواية لمسلم أيضًا عنها: «خرجنا لا نَرَى إلا الحجّ»، وفي رواية القاسم عنها: «خرجنا مهلّين بالحجّ»، وفي رواية: «لا نذكر إلا الحجّ»، وكلّ هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحجّ، وفي رواية الأسود عنها: «نلبّي لا نذكر حجًّا، ولا عمرة». قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة - ﵁ -، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديمًا، ولا حديثًا، وقال بعضهم: يترجّح أنها كانت محرمة بحجّ؛ لأنها رواية عمرة، والأسود، والقاسم، وغلّطوا عروة في العمرة، وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل، ورجّحوا رواية غير عروة على روايته؛ لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد، عن هشام، عنه: حدّثني غير واحد أن النبيّ - ﷺ - قال لها: «دعي عمرتك»، فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها. قال القاضي ﵀: وليس هذا بواضح؛ لأنه يَحْتَمِل أنها ممن حدّثه ذلك. قالوا أيضًا: ولأن رواية عمرة، والقاسم نَسّقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على وجهه. قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن إحرام عائشة، والجمع بين الروايات ممكن، فأحرمت أوّلًا بالحجّ كما صحّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحّ من فعل النبيّ - ﷺ -، وأكثر أصحابِه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي - ﷺ - أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وهكذا فسّره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر، ولم يذكر أول أمرها. قال القاضي: وقد تعارض هذا بما صحّ عنها في إخبارها عن فعل الصحابة، واختلافهم في الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحجّ، ثم فسخته إلى عمرة حين أُمر الناس بالفسخ، فلما حاضت، وتعذّر عليها إتمام العمرة، والتحلّل منها، وإدراك الإحرام بالحجّ، أمرها النبي بمكة - ﷺ - بالإحرام بالحجّ، فأحرمت، فصار مُدخلة للحجّ على العمرة، وقارنة. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن رواية عروة أنها أهلّت بالعمرة صحيحة؛ لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبيّ - ﷺ - بفسخ الحجّ إلى العمرة، وأما أول أمرها، فإنها ممن أحرم بالحجّ، فلا تعارض بين الروايات، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قولها: «فأهللنا بعمرة»؛ تعني: أنها هي أهلّت بعمرة مع غيرها من أزواج النبيّ - ﷺ -، أو تكون النون للعظمة، وفيه بُعْدٌ، وقد أخبرت عن نفسها وحدها؛ إذ قالت: «فأهللت بعمرة»، و«كنت فيمن أهلّ بعمرة»؛ وهذا يعارضه قولها في الرواية الأخرى: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلّين بالحج»، وفي أخرى: «لا نرى إلا الحج». فاختلف العلماء في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة؛ فمنهم من رجّح الروايات التي فيها: أنها أهلَّت بالحج، وغَلَّط من روى: أنها أهلَّت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي . ومنهم من ذهب مذهب الجمع بين هذه الرّوايات، وهو الأولى؛ إذ الرواة لتلك الألفاظ المختلفة أئمة ثقات مشاهير، ولا سبيل إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم، فالجمع أولى من الترجيح إذا أمكن. فمما ذُكِر في ذلك: أنها كانت أحرمت بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر النبيّ - ﷺ - من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلَّت بها، وهي التي حاضت فيها، ثم إنها لم تحلّ منها حتى حاضت، فأمرها النبيّ - ﷺ - أن تحرم بالحج، وتكون حينئذ مُردفة، فأحرمت بالحج، ووقفت بعرفة وهي حائض، ثم إنها طهرت يوم النحر، فأفاضت، فلما كملت مناسك حجها اعتمرت عمرة أخرى مع أخيها من التنعيم. قال: فعن تلك العمرة التي دخلت فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرة، وعلى ذلك يُحْمَل قولها: أهللت بعمرة؛ تعني بعد فسخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كل قول من أقوالها، وكل راو روى شيئًا من تلك الألفاظ. قال القرطبيّ ﵀: وَيَعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: فأمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحلّ من لم يسق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي؛ فأحللن، وهذا فيما يبدو تأويل حسن، غير أنه يبعده مساق قولها أيضًا في رواية أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: «من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليفعل»؛ قالت: فأهلّ رسول الله - ﷺ - بحج، وكنت فيمن أهلّ بعمرة، وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكل. وعلى هذا فيمكن التأويل على وجه آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديث على ظاهره، ويتأوَّل قولها: «لبّينا بالحج»؛ على أن ذلك كان إحرام أكثر الناس؛ لأنه لما أحرم النبيّ - ﷺ - بالحج اقتدى به كثير الناس في ذلك، وأما هي فإنما أحرمت بعمرة كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: «ولم أهلّ إلا بعمرة». وقولها: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، ولا نرى إلا أنه الحج»؛ يمكن أن يقال: كان ذلك منها، ومنهم قبل أن يخبرهم النبيّ - ﷺ - في أنواع الإحرام، ويبيّنها لهم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِل بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه - ﷺ - أمرهم بالقرآن، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك لمن قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمرًا بالإرداف. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: الذي تدلّ عليه نصوص الأحاديث في«صحيحي البخاريّ ومسلم» وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبيّ ﵀ إنما قال لهم هذا القول - يعني قوله: من كان معه هدي … إلخ - بعد إحرامهم بالحجّ، وفي منتهى سفرهم ودُنُوّهم من مكة بسَرِف كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت وسعيهم كما جاء في رواية جابر، ويَحْتَمِل تكريره الأمر بذلك مرتين في موضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى . (ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا») لأنه ممنوع التحلل حتى يبلغ الهدي محله، قال القرطبيّ ﵀: هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين. وسيأتي قوله - ﷺ - لعائشة:«يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وهو نصٌّ في الردّ عليه، وكذلك قولها: فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا. انتهى. وقال النوويّ ﵀: هذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وأحمد، وموافقوهما - يعني قوله:«ومن أحرم بعمرة، وأهدى فلا يحلّ حتى ينحر هديه» - على أن المعتمر، والمتمتّع إذا كان معه هدي، لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف، وسعى، وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء ساق الهدي، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تَحَلَّلَ من نسكه، فوجب أن يحلّ له كل شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة - ﵂ -، قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «من كان معه هدي، فليُهلّ بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحل منهما جميعًا»، فهذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجوا بها، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. انتهى كلام النوويّ بتصرّف. وقال الشوكانيّ ﵀ بعد أن ذكر نحو ما ذكره النوويّ من التأويل: ولا يخفى ما فيه من التعسّف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن المعتمر إذا ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر هديه هو الحقّ؛ لصحة الحديث بذلك، وتأويله على خلاف ظاهره تعسّف ظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ) سيأتي أنها حاضت بِسَرِف، وتمادى بها الحيض إلى يوم النحر (لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) أي: لقوله - ﷺ - لها: «افعلي ما يفعل الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». وقال القرطبيّ ﵀: إنما لم تطف بالبيت؛ لاشتراط الطهارة في الطواف، ولا بالصفا والمروة؛ لأن مشروعيته أن يكون على إثر طواف، وإنما امتنعت من ذلك لقول النبيّ - ﷺ - كما جاء في الرواية الأخرى: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». انتهى. (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأسَكِ) بضم القاف؛ أي: حُلِّي شعره (وَامْتَشِطِي) أي: سرّحي شعرك بالْمُشْط (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ) أي: مدخلةً له على العمرة، وحينئذ فتصير قارنةً بعد أن كانت متمتعة، وهو جائز بالإجماع، إذا كان قبل الطواف، وإنما فعلت ذلك؛ لأنه تعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها للحيض الطارئ المانع لها من الطواف، قاله وليّ الدين ﵀ . (وَدَعِي الْعُمْرَةَ») أي: اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة. وقال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا: أنه أمرها بأن تَرْفِض عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوت الحج: أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تُرْدِف الحج، وتكون قارنة، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور. وقد حمل هذا أصحابنا: على أنه - ﷺ -. أمرها بالإرداف، لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات: (أحدها): أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها فيها كما رخص لكعب بن عجرة - ﵁ -. (وثانيها): أن ذلك خاص بها، ولذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا، قديمًا ولا حديثًا. (وثالثها): أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر وتسريح الشعر، ويتايد بما في حديث جابر - ﵁ -: أنه - ﷺ - قال لها: «فاغتسلي، ثم أهلي بالحج». وقد تركنا من التأويلات ما فيه بُعد، واكتفينا بما ذكرناه؛ لأنه أوفقها، والله تعالى أعلم. قال: فأما قوله: «ودعي العمرة»؛ فمحمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: «وأمسكي» مكان «ودعي»، وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله - ﷺ - لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»؛ وهذا نصٌّ على أن حكم عمرتها باقٍ عليها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ. وخلاصة القول في المسألة أن الجمهور ذهبوا إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحج على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرداف الحج عليها، حتى تفسير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور، إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعرًا. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، والله تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالْمُشْط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ - ﷺ -، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه. انتهى . وقال العلامة ابن القيّم ﵀: أما قوله: «وانقضي رأسك، وامتشطي» فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. [المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. [المسلك الرابع]: أن قوله: «دعي العمرة» أي: دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: وبدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: «يسعك طوافك لحجك، وعمرتك». الثاني: قوله: «كوني في عمرتك»، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المسلك الرابع هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (فَفَعَلْتُ) أي: ما أمرها النبيّ - ﷺ - من ترك أفعال العمرة، والامتشاط، والإهلال بالحجّ (فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ) أي: أديناه بإتمام أعماله (أَرْسَلَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) تقدمت ترجمته في «الطهارة» ٩/ ٥٧٢. (إِلَى التَّنْعِيمِ) تفعيل بفتح التاء المثناة، وسكون النون، وكسر العين المهملة: موضع على ثلاثة أميال، أو أربعة من مكة، أقرب أطراف الحلّ إلى البيت، سُمِّي به لأن على يمينه جبل نُعيم - بضم النون - وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نَعمان - بفتح النون - قاله في «القاموس» . وقال في «الفتح»: والتنعيم - بفتح المثناة، وسكون النون، وكسر المهملة - مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيّ، وقال المحبّ الطبريّ: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ فقد تجوّز، قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. ورَوَى الفاكهيّ من طريق عُبيد بن عمير قال: إنما سُمّي التنعيم -؛ لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي نَعْمان. ورَوَى الأزرقيّ من طريق ابن جريج قال: رأيت عطاء يَصِفُ الموضع الذي اعتمرت منه عائشة - ﵂ -، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الْخَرِب. ونَقَل الفاكهيّ، عن ابن جريج وغيره أن ثَمّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الْخَرِب الأدنى من الحرم، هو الذي اعتمرت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبريّ، وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. انتهى . (فَاعْتَمَرْتُ) أي: أحرمت بها، وأديت أعمالها، قال القرطبيّ ﵀: هذا إنما كان بعد أن رَغِبت في أن تُحرِم بعمرة مفردة بعد فراغها من حجتها وعمرتها المقرونين بدليل قولها في الرواية الأخرى: «يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحجة»؛ تعني المتمتعين من الناس، وكما قالت في الرواية الأخرى: «فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا». انتهى . وقال وليّ الدين ﵀: قد تبيّن في رواية أخرى في «الصحيح» سبب اعتمار عائشة - ﵂ - من التنعيم، وهو أنها قالت للنبيّ - ﷺ -: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، وهو مشكلٌ إذ قد حصلت لها العمرة التي أدخلت عليها الحج، فإنها لم تبطلها كما تقدم. وأجيب عنه بأن معناه: يرجع الناس بحج مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حج، وأرجع وليست لي عمرة منفردة، حَرَصَت بذلك على تكثير الأفعال، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهنّ من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصلت لهم حجة منفردة، وعمرة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، وتقدم أنه - ﷺ - قال لها يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»؛ أي: وقد تَمّا وحُسِبا لك، فابت، وأرادت عمرة منفردة كما حصل لبقية الناس، وهذا معنى قولها: امكان عمرتي التي سكتُّ عنها«أي: التي سكت عن أعمالها، فلم أتمها منفردة، بل مضمومة للحج، وهو معنى قوله - ﷺ - في رواية أخرى:»هذه مكان عمرتك«. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ - («هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ») قال الزركشيّ ﵀: المشهور رفع«مكانُ »على الخبر؛ أي: عِوَضُ عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف، وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها. انتهى . وقال السهيليّ: الوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى، لكن إن جُعلت«مكان»بمعنى عِوَض، أو بدل مجازًا؛ أي: هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذ. انتهى . قال القرطبيّ ﵀: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالةَ تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة؛ لِما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولم أحلل منها. انتهى . (فَطَافَ) أي: طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة عن الحجِّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ «طاف» (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) أي: سعوا بينهما، قال القاري ﵀: الطواف يراد به الدور الذي يَشْمَل السعي، فصحّ العطف، ولم يُحتج إلى تقدير عامل، وجَعْلِه نظير: «علفتها تبنًا وماء باردًا» (ثُمَّ حَلُّوا) أي: خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًاآخَرَ) أي: للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أي: إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولًا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه - ﷺ - في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور، والله تعالى أعلم الِحَجَّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى. (وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي: ابتداء، أو إدخالًا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفية: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك - إن ضاء الله تعالى -. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم، والثاني: طواف الإفاضة، والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في «حاشيته على البخاريّ»: حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمرر - ﵄ -، ففي «صحيح مسلم» عنه: «وبدأ رسول الله - ﷺ -، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ»، إلى أن قال: «وطاف رسول الله - ﷺ - حين قدم مكة»، إلى أن قال: «ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله - ﷺ - من أهدى، وساق الهدي من الناس». ثم ذكر حديث عائشة - ﵂ - أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: «وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا»؛ أي: ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أوّلًا كان طواف القدوم الذي هو من السنن، لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أؤلًا فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم تُرِد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلًا حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ - ﷺ - كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبتٌ أنه طاف أوّلًا حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الإفاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبتٌ أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرة فرضًا، والله أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله السنديّ ﵀ في معنى حديث عائشة - ﵂ - عنها المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩١٠ و٢٩١١ و٢٩١٢ و٢٩١٣ و٢٩١٤ و٢٩١٥ و٢٩١٦ و٢٩١٧ و٢٩١٨ و٢٩١٩ و٢٩٢٠ و٢٩٢١ و٢٩٢٢ و٢٩٢٣ و٢٩٢٤ و٢٩٢٥ و٢٩٢٦ و٢٩٢٧ و٢٩٢٨ و٢٩٢٩ و٢٩٣٠ و٢٩٣١ و٢٩٣٢ و٢٩٣٣ و٢٩٣٤ و٢٩٣٥] (١٢١١)، و(البخاريّ) في «الحيض» (٢٩٤ و٣٠٥ و٣١٦ و٣١٧ و٣١٩)، و«الحجّ» (١٥١٨ و١٥٥٦ و١٥٠٦ و١٥٦١ و١٦٣٨ و١٦٥٠ و١٧٠٩ و١٠٧٢ و١٧٨٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٥٠ و١٧٧٨ و١٧٧٩ و١٧٨١ و١٧٨٢)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٤٥)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٦٥ و٢٤٦)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٦٣ و٢٩٨١ و٣٠٠٠ و٣٠٧٥)، و«الأضاحي» (٣١٣٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (٧٤٦ و٨٩٦ و٩٤٠ و٩٤١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٤٠ و٦/ ٣٥ و٣٧ و١١٩ و١٦٣ و١٧٧ و٢٤٣ و٢٤٥)، و(الدارمي) في «سننه» (١٨٤٦ و١٩٠٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٣٤٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٠٥ و٢٧٤٤ و٢٧٨٤ و٢٧٨٨ و٢٧٨٩ و٢٩٤٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٩٢ و٣٧٩٥ و٣٨٣٤ و٣٨٣٥ و٣٩١٢ و٣٩١٧ و٣٩١٨ و٣٩٢٧ و٣٩٢٨ و٣٩٢٩ و٣٩٤٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٠٢ و٣٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٥٥)، و«المعرفة» (٤/ ٩٥ و١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (فمنها): بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحج أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. ٢ - (ومنها): مشروعية حج الرجل مع زوجته. ٣ - (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. ٤ - (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز الخلوةَ بالمحارم، والركوب معهم، وسيأتي في رواية أخرى: أنه أردفها وراءه. ٦ - (ومنها): أنه - ﷺ - إنما أمره بإخراجها في العمرة إلى التنعيم؛ لأنه أدنى الحل، ومن كان، بمكة وأراد الإحرام بعمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا يجوز أن يحرم بها في الحرم، والمعنى في ذلك الجمع في نسك العمرة بين الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي من الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، فلو خالف وأحرم بها في الحرم، ثم خرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان للشافعي: أحدهما: لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى ويحلق. والثاني: تصحّ، وعليه دم؛ لتركه الميقات، وهذا الثاني هو الأصح عند أصحابنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحل، وقال عطاء بن أبي رباح: لا شيء عليه، ذكره وليّ الدين ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله مالك ﵀ أرجح؛ لتوقيت النبيّ - ﷺ - ميقات المكيّ بالحلّ، فلا يُجزئ غيره، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن أفضل جهات الحل للإحرام بالعمرة منها: التنعيم، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، والأصح عندهم أن الأفضل الإحرام بها من الجعرانة؛ لكونه - ﷺ - فعله، ثم من التنعيم؛ لكونه أمر به، ثم من الحديبية؛ لكونه هَمّ به، وقالوا: إنما أمر عبد الرحمن بالتنعيم؛ لتيسّره فإنه أقرب الجهات كما تقدم. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشيرازيّ ﵀ أقرب، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: زاد بعضهم على هذا، فقال: إنه يتعين التنعيم للإحرام بالعمرة منه، وحكاه القاضي عياض عن مالك، وإنه ميقات المعتمرين من مكة، قال النوويّ: وهذا شاذ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحلّ سواء، ولا يختص بالتنعيم، والله تعالى أعلم . ٨ - (ومنها): جواز تكرار العمرة؛ لأن عائشة - ﵂ - اعتمرت في شهر واحد عمرتين بأمر النبيّ - ﷺ -، وقال ابن القيِّم ﵀: إنه لم ينقل أنه - ﷺ - اعتَمَر مدّة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة، إلا داخلًا إلى مكة، ولم يعتمر قطّ خارجًا من مكة إلى الحلّ، ثم يدخل مكة بعمرة، كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته، إلا عائشة وحدها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم ﵀، فيه نظر لا يخفى، فإن عائشة - ﵂ - اعتمرت مرّتين في شهر بأمره - ﷺ -، فدلّ على مشروعيته، فهل يُطلب دليلٌ أكثر من هذا؟ وأما الاستدلال بترك النبيّ - ﷺ - ذلك، فليس بشيء؛ لأنه - ﷺ - يترك الشيء خشية المشقّة على أمته أَبُو فعله، كما ندم على دخوله الكعبة لذلك، وأيضًا أنه لم يُنقل عنه أنه تردّد للطواف بالبيت بعد طوافه الأول للقدوم، ثم للإفاضة، ثم للوداع، فلم يثبت أنه كان يكثر الطوف غير هذا، فهل يكون هذا دليلًا على عدم تكرار الطواف بالبيت كلّ وقت؟ هذا مما لا يقوله أحد. والحاصل أن الاعتمار بعد الحج مشروع للحجاج، كما فعلته عائشة - ﷺ -، فإنها اعتمرت في شهر مرّتين، وكانت إذا جاءت للحج بعده - ﷺ - فعلت مثل ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. قال في «الفتح»: واختَلَف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة، فكرهه مالك، وخالفه مُطَرّف، وطائفة من أتباعه، وهو قول الجمهور، واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف، إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعيّ البائت بمنى لرمي أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقًا، كقول الجمهور. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت آنفًا أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أن المتمتّع لا بد له من طوافين، وسعيين. ١٠ - (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا. قال وليّ الدين ﵀: قولها: «وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا»، فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن، وأنه يقتصر على أفعال الحجّ، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحجّ، وبهذا قال الشافعيّ ﵀، وهو محكيّ عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن البصريّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والزهريّ، وأبي جعفر، وعطاء، وطاوس، وكان يحلف بالله أنه لم يطف أحد من الصحابة للحج والعمرة إلا طوافًا واحدًا، رواها ابن أبي شيبة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وداود، وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان وسعيان، وهو محكيّ عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، والشعبيّ، والأسود، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعيّ، وأبي جعفر، وحماد بن أبي سليمان، رواه عنهم ابن أبي شيبة. انتهى ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ١١ - (ومنها): أن الحجّ ليس خاصًّا بالرجال، بل يعمّ النساء أيضًا. ١٢ - (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه المحقّقون من أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. ١٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: (اعلم) أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع، والقران، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان - ﵄ -، فسنوضح معناه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله تعالى -. والإفراد أن يُحْرِم بالحج في أشهره، ويَفرُغ منه، ثم يعتمر، والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحج من عامه، والقران أن يحرم بهما جميعًا، وكذا أَبُو أحرم بالعمرة، وأحرم بالحج قبل طوافها صحّ، وصار قارنًا، فلو أحرم بالحجّ ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعيّ: أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصحّ، ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحجّ، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو غيره. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أيّ الأنساك الثلاثة أفضل: قال الحافظ وليّ الدين ﵀: اختلف العلماء في أفضل وجوه الإحرام بحسب اختلافهم فيما فعله النبيّ - ﷺ - عام حجة الوداع على أقوال: (أحدها): أن الأفضل الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي ثور، وحكاه النوويّ في «شرح المهذّب» عنهم، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، والأوزاعيّ، وداود، قال المالكيّة، والشافعيّة: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتّع، ثم القران. (الثاني): أن التمتّع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل، قال ابن قُدامة في «المغني»: وممن رُوي عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعيّ، وحكاه الترمذيّ عنه، وعن أحمد، وإسحاق، وأهل الحديث، قال الحنابلة: ثم الأفضل بعد التمتع الإفراد، ثم القران. (الثالث): أن القران أفضل، وهذا قول أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وإسحاق بن راهويه، ثم قال: لا شكّ أنه - ﷺ - كان قارنًا. انتهى. وهو قول للشافعيّ، وقال به من أصحاب الشافعيّ: المزنيّ، وأبو إسحاق المروزيّ، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، كما سيأتي، والمشهور عند الحنفيّة أن الأفضل بعد القران التمتّع، ثم الإفراد، وعن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من التمتّع. (الرابع): أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتّع أفضل، حكاه المروزيّ عن أحمد بن حنبل. (الخامس): أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على بعض، حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء. (السادس): أن التمتّع والقران سواء، وهما أفضل من الإفراد، حكي عن أبي يوسف، ثم ذكر وليّ الدين أدلة ترجيح الشافعي الإفراد على غيره، وطوّل في ذلك. وقال الحافظ - بعد أن ذكر أدلّة كونه - ﷺ - قارنًا -: ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتّع، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، واختاره من الشافعية: المزنيّ، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزيّ، ومن المتأخّرين: تقيّ الدين السبكيّ، وبحث مع النوويّ في اختياره أنه - ﷺ - كان قارنًا، وأن الإفراد مع ذلك أفضل، مستندًا إلى أنه - ﷺ - اختار الإفراد أوّلًا، ثم أدخل عليه العمرة؛ لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحجّ؛ لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور، وملخّص ما يُتعقّب به كلامه أن البيان قد سبق منه - ﷺ - في عُمَره الثلاث، فانه أحرم بكل منها في ذي القعدة: عمرة الحديبية التي صُدّ عن البيت فيها، وعمرة القضيّة التي بعدها، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره عمرة حجته بيان الجواز فقط، مع أن الأفضل خلافه لاكتفَى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة. وذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل؛ لكونه - ﷺ - تمنّاه، فقال: «لولا أني سُقت الهدي لأحللت»، ولا يتمنّى إلا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه. وأجيب بأنه إنما تمنّاه تطييبًا لقلوب أصحابه؛ لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمرّ عليه. وقال ابن قدامة: يترجّح التمتع بأن الذي يُفرِد إن اعتمر بعدها، فهي مختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، بخلاف عمرة التمتّع فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجّح التمتّع على الإفراد، ويليه القران. وقال من رجّح القران: هو أشقّ من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاث في الفضل سواء، وهو مقتضى تصرّف ابن خزيمة في «صحيحه». وعن أبي يوسف: القران، والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد. وعن أحمد: من ساق الهدي فالقران أفضل له؛ ليوافق فعل النبيّ - ﷺ -، ومن لم يسق الهدي فالتمتّع أفضل له؛ ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه. زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفرًا فالإفراد أفضل له. قال: وهذا أعدل المذاهب، وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن قال: الإفراد أفضل فعلى هذا؛ لأن أعمال سَفَرَيْن للنسكين أكثر مشقّة، فيكون أعظم أجرًا، ولتُجزئ عنه عمرته من غير نقص، ولا اختلاف. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عنديّ بعد النظر في هذه الأقوال، وأدلتها أن القران أفضل لمن ساق الهدي موافقة لفعل النبيّ - ﷺ -، والتمتع أفضل لمن لم يسق الهدي عملًا بأمر النبيّ - ﷺ - أصحابه الكرام - ﵁ -. وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، فإنه قال: وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي، فالقران أفضل، اقتداء برسول الله - ﷺ -، حيث قرن، وساق الهدي. وقال في تفضيل التمتع لمن لم يسق الهدي: فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين حجوا معه، ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا، أمرهم إذا طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أن يحقوا من إحرامهم، ويجعلوها متعة، قال: ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده، ولا حجة تكون أفضل من حجة أفضل الأمة، مع أفضل الخلق بأمره، فكيف يكون حج من حج مفردًا، واعتمر عقب ذلك، أو قارنًا، ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره؟ قال: ويقال في الجواب عن الحديث: «لو استقبلت …»: إنه لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول، بل لأن أصحابه شقّ عليهم أن يحلّوا من إحرامهم مع بقائه محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به عن انشراح، أو موافقة، قال: وقد ينتقل من الأفضل للمفضول لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب. قال: وعلى هذا التقدير يكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل، وبين أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل، فاجتمع له الأجران، وهذا هو اللائق بحاله - ﷺ -. انتهى المقصود من كلام ابن تيمية ﵀ بتصرّف ، وهو كلام نفيس جدًّا. والحاصل أن من ساق الهدي فالقران له أفضل، ومن لم يسق الهدي فالتمتّع له أفضل، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في - صفة حجة النبيّ - ﷺ -: (اعلم): أنه اختلفت روايات الصحابة - ﵃ - في حجه - ﷺ - حجة الوداع، هل كان مفردًا، أو قارنًا، أو متمتّعًا؛ ورُوي كلّ منها في «الصحيحين»، وغيرهما، واختلف الناس في ذلك، وفي إحرامه على أقوال: (أحدها): أنه حجّ مفردًا، لم يعتمر معه ، حُكي هذا عن الإمام الشافعيّ وغيره، قال القسطلّاني في «المواهب»: والذي ذهب إليه الشافعيّ في جماعة أنه - ﷺ - مفردًا، وحكاه الزرقانيّ في «شرح المواهب» عن الإمام مالك، وحكي عن الشافعيّ وغيره أن نسبة القران والتمتّع إليه - ﷺ - على سبيل الاتساع؛ لكونه أمر بهما. انتهى. وبه جزم الخطابيّ، حيث قال: اختلفت الروايات فيما كان النبيّ - ﷺ - به محرمًا. والجواب عن ذلك أن كلّ راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجّح أنه كان أفرد الحجّ. قال الحافظ في «الفتح»: هذا هو المشهور عند الشافعيّة، والمالكيّة، وقد بسط الشافعيّ القول فيه في اختلاف الحديث وغيره. انتهى. (القول الثاني): أنه لبّى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها حتى فرغ منها، ثم أحرم بعد ذلك بالحجّ، فكان متمتّعًا، وكان حجه حجّ تمتّع، قاله القاضي أبو يعلى وغيره . (القول الثالث): أنه حجّ متمتّعًا تمتعًا لم يحلّ فيه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارنًا، حكاه ابن القيّم عن صاحب «المغني» وغيره. (القول الرابع): أنه لبّى بالحجّ وحده، وحج مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم، قال الإمام ابن تيميّة: وهذا غلط، لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث. انتهى. وقال الإمام ابن القيّم: الذين قالوا: إنه حجّ مفردًا، واعتمر عقبه من التنعيم، لا يُعلم لهم عذر البتّة، إلا أنهم سمعوا أنه - ﷺ - أفرد الحجّ، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك. (القول الخامس): أنه لبّى بالحجّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة ، وصار قارنًا، فكان مفردًا ابتداءً، وقارنًا انتهاءً، وبه جزم عامة محققي الشافعيّة، وبعض المالكيّة. قال النوويّ في «شرح المهذّب»: والصواب الذي نعتقده أنه - ﷺ - أحرم بالحجّ أوّلًا مفردًا ، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحجّ جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصحّ لا يجوز لنا، وجاز للنبيّ - ﷺ - تلك السنة للحاجة. انتهى. واختاره القاضي عياض، إذ قال: أما إحرامه - ﷺ - بنفسه، فأخذ بالأفضل، فأحرم مفردًا للحجّ، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه كان متمتّعًا، فمعناه أمر به، وأما رواية من روى القران، فهو إخبار عن آخر أحواله، لا عن ابتداء إحرامه ؛ لأنه أدخل العمرة على الحجّ لَمّا جاء إلى الوادي، وقيل له: «قل: عمرة في حجة». انتهى. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، ومهّده المحبّ الطبريّ تمهيدًا بالغًا، يطول ذكره، ومحصّله: أن كلّ من روى عنه الإفراد حمل على ما أهلّ به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتّع أراد ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القران أراد ما استقرّ عليه أمره. (القول السادس): أنه لبّى بالعمرة وحدها، ثم لم يتحلّل منها إلى أن أدخل عليها الحجّ يوم التروية ، فصار قارنًا، حكاه الحافظ عن الطحاويّ، وابن حبان. (القول السابع): أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يُعيّن فيه نسكًا ، ثم عيّنه بعدُ، رجحه الشافعيّ في «اختلاف الحديث»، كما قال الحافظ في «الفتح». وقال وليّ الدين العراقئ: قال القاضي: وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به، من إفراد، أو تمتع، أو قران، ثم أمر بالحجّ، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: «صلّ في هذا الوادي، وقل: عمرة في حجة»، ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصحّ قول من قال: أحرم النبيّ - ﷺ - مطلقًا مبهمًا؛ لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة تردّه، وهي مصرّحة بخلافه. انتهى. (القول الثامن): أنه لبّى بالحجّ والعمرة معًا ، وكان قارنًا من أول الأمر، وحقّق هذا القول ابن الهمام في «شرح الهداية»، وابن القيّم في «الهدي»، وأجابا عن كلّ ما خالفه، قال ابن القيّم: والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معًا من حيث أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعًا، كما دلّت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث. انتهى، وإليه مال ابن حزم في كتابه «حجة الوداع»، وتأوّل باقي الأحاديث إليه، كما حكاه النوويّ، والوليّ العراقيّ. وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في كتابه «حجة الوداع»، ما مختصره: لما اختلفت الرواية عن الصحابة، فقال بعضهم: أفرد رسول الله - ﷺ - الحجّ، وقال بعضهم: تمتع - ﷺ -، وقال بعضهم قرن - ﷺ - بين حج وعمرة، كان هذا تنازعًا يجب رده إلى الله تعالى، وإلى نبيه - ﷺ - بنص القرآن، فلما فعلنا ذلك وجدناه - ﷺ - قد حكم بينهم، ونص بكلامه الذي ليس موقوفًا على غيره أنه كان قارنًا، كما ذكر عنه البراء بن عازب، إذ قال - ﷺ -: «لكني سقت الهدي، وقَرَنْتُ»، وكما ذكر أنس - ﵁ - أنه سمعه يقول: «لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرةً وحجًّا»، وكما ذكر عليّ بن أبي طالب - ﵁ - أنه سمعه - ﷺ - يلبي بهما معًا، وكما ذكرت حفصة أم المؤمنين - ﵂ - أنها قررته - ﷺ - على أنه معتمر بعمرة لم يحل منها، فلم ينكر - ﷺ - ذلك عليها، بل صدقها، وأجابها أنه مع ذلك حاجّ، وهو - ﷺ - لا يُقِرّ على باطل يسمعه أصلًا، بل ينكره، لا بدّ من ذلك، فصح بما ذكرنا قرانه - ﷺ - يقينًا. وليس في كل ما رُوي ما يَتَعَلّق به مَن ظَنّ أنه - ﷺ - يقول: لبيك بحج مفرد، ولا أحد قال: إنه - ﷺ - أخبر عن نفسه، فقال: أفردت الحجّ، ولا رُوي ذلك أيضًا عنه - ﷺ - أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولا أنه قال: إني تمتعت، وهو بلا شكّ أعلم بنفسه، فلما ذَكَرَ - ﷺ - أنه قَرَنَ، وسُمِع يلبي بحج وعمرة صحّ أنه قارن يقينًا. فهؤلاء أربعةٌ عدولٌ من أئمة الصحابة - ﵃ - يشهدون أنهم سمعوه - ﷺ - يُخبر عن نفسه بأنه قارنٌ، وكان هذا أولى عند كل ذي فهم من حكاية صاحب لم ينسبها إلى أنه سمعه من فيه - ﷺ -. فإن قيل: إن ابن عمر ذكر أنه سمع النبيّ - ﷺ - يقول: «لبيك بحجة»، قيل له: نعم، قد روينا ذلك، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه - ﷺ - لم يقل: إنه سمعه يقول في ذي الحليفة، ولعله سمعه - ﷺ - يقول ذلك إذ أتم عمرته، ونهض إلى منى. وقد يمكن أن يكون سمع ذكر الحجّ، ولم يسمع ذكر العمرة، ومن زاد ذكر العمرة أولى؛ لأنه زاد علمًا. ثم قال: فهذا وجه الرد إلى الله تعالى وإلى رسوله - ﷺ - قد لاح أنه - ﷺ - كان قارنًا، وبالله تعالى التوفيق. قال: أما من ذهب إلى إسقاط المتعارض من الروايات والأخذ بما لم يتعارض منها، فوجه علمه في هذا أن نقول: إن كل من رُوي عنه الإفراد قد اضطربت عنه الرواية، وروي عن جميعهم القران، وهم: عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس - ﵃ -، ووجدنا أيضًا عمران بن الحصين، وعليّ بن أبي طالب قد روي عنهم التمتع، وروي عنهم القران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك - ﵃ - تضطرب الرواية عنهم، ولا اختلفت عنهم في أنه - ﷺ - كان قارنًا، فننزل رواية كل من اضطُرِب عنه، ونرجع إلى رواية من لم يُضطرَب عنه، وليست إلا رواية من روى القران خاصة؛ كحفصة، والبراء، وأنس - ﵃ -. هذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يتعارض منها. قال: وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذًا كانت الألفاظ كلها، أو الأفعال كلها منسوبة إلى النبيّ - ﷺ -، ولم تكن موقوفة على غيره من دونه، ولا تنازعًا ممن سواه - ﷺ -، فوجه العمل في هذا أن نقول - وبالله تعالى التوفيق -: إنا وجدنا من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده، دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها، دون حج معها، ووجدنا من روى القران قد جمع الأمرين معًا، فزاد على ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجًّا، وكانت هذه زيادة علم لم يذكرها الآخرون، وزيادة حفظ ونقل على كلتا الطائفتين المتقدمتين، وزيادةُ العدل مقبولةٌ، وواجب الأخذ بها، فوجب بهذا أيضًا أن يُصْدَر إلى رواية من روى القران، دون رواية من روى غير ذلك، وأيضًا فالذين رووا القران زادوا زيادة لا يحل لمسلم تركها، وهي أنهم حكموا أنهم سمعوا ذلك من لفظه - ﷺ -، ولم يذكر ذلك غيرهم، فوجب ألا يُلْتَفَت إلى لفظ أحد بعد لفظه - ﷺ -. انتهى مختصر كلام ابن ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن حزم ﵀ في الجمع بين أحاديث الباب جمع نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. وحاصله أن الصواب والأرجح في حجة النبيّ - ﷺ - أنه كان قارنًا، وأهلّ بالقران أوّلَ ما أهلّ، ثم استمرّ على ذلك إلى أن تحلّل يوم النحر، والله تعالى أعلم. وقد أجاد الإمام ابن قيّم الجوزيّة ﵀ في كتابه الممتع «زاد المعاد» حيث حقّق الموضوع بما لا يوجد عنده، ودونك نصّه، قال ﵀: وإنما قلنا: إنه - ﷺ - أحرم قارنًا؛ لبضعة وعشرين حديثًا صحيحةً صريحةً في ذلك. [أحدها]: ما أخرجاه في «الصحيحين» عن ابن عمر - ﵄ - قال: تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحجّ، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ -، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وذكر الحديث. [وثانيها]: ما أخرجاه في «الصحيحين» أيضًا عن عروة، عن عائشة - ﵂ - أخبرته عن رسول الله - ﷺ - بمثل حديث ابن عمر سواءً. [وثالثها]: ما روى مسلم في «صحيحه» من حديث قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -. [ورابعها]: ما روى أبو داود، عن النُّفَيليّ، حدّثنا زهير، هو ابن معاوية، حدثنا أبو إسحاق، عن مجاهد، سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله - ﷺ -، فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - اعتمر ثلاثًا سوى التي قَرَن بحجته. ولم يناقض هذا قول ابن عمر: إنه - ﷺ - قرن بين الحج والعمرة؛ لأنه أراد العمرة الكاملة المفردة، ولا ريب أنهما عمرتان: عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وعائشة - ﵂ - رادت العمرتين المستقلتين، وعمرة القران، والتي صُدّ عنها، ولا ريب أنها أربع. [وخامسها]: ما رواه سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - حَجَّ ثلاث حِجَجٍ: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، معها عمرةٌ، رواه الترمذيّ وغيره . [وسادسها]: ما رواه أبو داود، عن ابن عباس - ﵄ - قال: اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطؤوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن حجته . [وسابعها]: ما رواه البخاري في «صحيحه» عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي ﷿، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرةً في حجة». [وثامنها]: ما رواه أبو داود، عن البراء بن عازب - ﵄ - قال: كنت مع عليّ - ﵁ - حين أَمَّره رسول الله - ﷺ - على اليمن، فأصبت معه أواقيّ من ذهب، فلما قَدِم عليّ من اليمن على رسول الله - ﷺ - قال: وجدت فاطمة - ﵂ - قد لبست ثيابًا صبيغات، وقد نَضَحَت البيت بنضوح، فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله - ﷺ - قد أمر أصحابه، فأحلُّوا، قال: فقلت لها: إني أهللت بإهلال النبيّ - ﷺ -، قال: فأتيت النبيّ - ﷺ -، فقال لي: «كيف صنعتَ؟» قال: قلت: أهللت بإهلال النبيّ - ﷺ -، قال: «فإني قد سقت الهدي، وقرنت»، وذكر الحديث . [وتاسعها]: ما رواه النسائيّ بسنده عن مروان بن الحكم قال: كنت جالسًا عند عثمان، فسمع عليًّا - ﵁ - يلبي بعمرة وحجة، فقال: ألم تكن تُنْهَى عن هذا؟ قال: بلى، لكني سمعت رسول الله - ﷺ - يلبي بهما جميعًا، فلم أدع قول رسول الله - ﷺ - لقولك . [وعاشرها]: ما رواه مسلم في «صحيحه» عن محمران بن حصين - ﵄ -: إن رسول الله - ﷺ - جَمَعَ بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن يحرمه. [وحادي عشرها]: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: إنما جمع رسول الله - ﷺ - بين الحج والعمرة؛ لأنه لا يحج بعدها، وله طرُقٌ صحيحة إليهما. [وثاني عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث سراقة بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، قال: وقرن النبيّ - ﷺ - في حجة الوداع، وإسناده ثقات. [وثالث عشرها]: ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث أبي طلحة الأنصاريّ أن رسول الله - ﷺ - جمع بين الحج والعمرة، ورواه الدارقطنيّ، وفيه الحجاج بن أرطاة . [ورابع عشرها]: ما رواه أحمد من حديث الْهِرْماس بن زياد الباهليّ، أن رسول الله - ﷺ - قَرَن في حجة الوداع بين الحج والعمرة . [وخامس عشرها]: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال: إنما جمع رسول - ﷺ - بين الحج والعمرة؛ لأنه عَلِم أنه لا يحج بعد عامه ذلك ، وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده، وقال آخرون: لا سبيل إلى تخطئته بغير دليل. [وسادس عشرهما]: ما رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قَرَن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا، ورواه الترمذيّ، وفيه الحجاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات. [وسابع عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث أمّ سلمة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أَهِلُّوا يا آل محمد بعمرة في حج» . [وثامن عشرها]: ما أخرجاه في «الصحيحين»، واللفظ لمسلم، عن حفصة - ﵂ - قالت: قلت للنبيّ - ﷺ -: ما شأن الناس حَلُّوا، ولم تَحِلَّ أنت من عمرتك؟ قال: «إني قلدت هديي، ولبَّدت رأسي، فلا أحِلُّ حتى أحلّ من الحج». وهذا يدلّ على أنه كان في عمرة معها حجّ، فإنه لا يحل من العمرة حتى يحلّ من الحجّ، وهذا على أصل مالك والشافعيّ ألزم؛ لأن المعتمر عمرة مفردة لا يمنعه عندهما الهدي من التحلل، وإنما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نَصٌّ. [وتاسع عشرها]: ما رواه النسائيّ والترمذيّ عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس، عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئسما قلت يا ابن أخي، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نَهَى عن ذلك، قال سعد: صنعها رسول الله - ﷺ -، وصنعناها معه، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ. ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج أحد نوعيه، وهو تمتّع القران، فإنه لغة القرآن والصحابة الذين شَهِدوا التنزيل والتأويل، شهدوا بذلك، ولهذا قال ابن عمر: تمتع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحجّ، فبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وكذلك عائشة، وأيضًا - فإن الذي صنعه رسول الله - ﷺ - هو متعة القران بلا شكّ، كما قطع به أحمد، ويدلّ على ذلك أن عمران بن حصين قال: تمتع رسول الله - ﷺ -، وتمتعنا معه، مُتَّفقٌ عليه، وهو الذي قال لمطرف: أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله - ﷺ - جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، وهو في «صحيح مسلم»، فأخبر عن قرانه بقوله: «تمتع»، وبقوله: «جمع بين حج وعمرة». ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت في «الصحيحين» عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع عليّ وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه؟ قال عثمان: دَعْنَا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى عليّ ذلك أهل بهما جميعًا، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاريّ: اختَلَف عليّ وعثمان بعسفان في المتعة، فقال عليّ: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله - ﷺ -؟ فلما رأى ذلك عليّ أهلّ بهما جميعًا. وأخرج البخاريّ وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليًّا، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى عليّ ذلك أهلّ بهما، لبيك بعمرة وحجة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله - ﷺ - لقول أحد. فهذا يبيّن أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وإن هذا هو الذي فعله رسول الله - ﷺ -، وقد وافقه عثمان على أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك، فإنه لما قال له: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه؟ لم يقل له: لم يفعله رسول الله - ﷺ -، ولولا أنه وافقه على ذلك لأنكره، ثم قصد عليّ إلى موافقة النبيّ - ﷺ -، والاقتداء به في ذلك، وبيانِ أن فعله لم يُنسَخ، وأهلّ بهما جميعًا تقريرًا للاقتداء به، ومتابعته في القران، وإظهارًا لسنةٍ نَهَى عنها عثمان؛ متأولًا، وحينئذ فهذا دليل مستقلٌّ [تمام العشرين]. [الحادي والعشرون]: ما رواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «من كان معه هدي، فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا». ومعلوم أنه كان معه الهدي فهو أولى مَن بادر إلى ما أَمَرَ به، وقد دل عليه سائر الأحاديث التي ذكرناها، ونذكرها. وقد ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي، والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يسق الهدي، منهم عبد الله بن عباس، وجماعة، فعندهم لا يجوز العدول عما فعله رسول الله - ﷺ -، وأمر به أصحابه، فإنه قرن، وساق الهدي، وأمر كل من لا هدي معه بالفسخ إلى عمرة مفردة، فالواجب أن نفعل كما فَعَل، أو كما أمر، وهذا القول أصحّ من قول من حَرَّم فسخ الحج إلى العمرة . [الثاني والعشرون]: ما أخرجاه في «الصحيحين» عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ -، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله وسبّح وكبّر، ثم أهلّ بحج وعمرة، وأهلّ الناس بهما، فلما قدمنا أَمَرَ الناس، فحلّوا حتى إذا كان يوم التروية أهلّوا بالحج. وفي «الصحيحين» أيضًا عن بكر بن عبد الله المزنيّ، عن أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسًا، فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدّوننا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله - ﷺ - أهلّ بهما: لبيك عمرة وحجًّا. ورَوَى أبو يوسف القاضي، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أنس - ﵁ -، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «لبيك بحج وعمرة معًا». وروى النسائيّ من حديث أبي أسماء ، عن أنس - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يلبّي بهما. ورَوَى أيضًا من حديث الحسن البصريّ، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - أهلّ بالحج والعمرة حين صلى الظهر . وروى البزار من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - أهلّ بحج وعمرة، ومن حديث سليمان التيميّ، عن أنس كذلك، وعن أبي قُدامة، عن أنس مثله، وذكر وكيع: حدّثنا مصعب بن سليم، قال: سمعت أنسًا مثله، قال: وحدّثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البنانيّ، عن أنس مثله، وذكر الخشنيّ: حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي قَزَعَة، عن أنس مثله. وفي «صحيح البخاريّ» عن قتادة، عن أنعس: اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عُمَر، فذكرها، وقال: وعمرة مع حجته. وذكر عبد الرزاق: حدّثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، وحميد بن هلال، عن أنس مثله. فهؤلاء ستة عشر نفسًا من الثقات كلهم متفقون عن أنس أن لفظ النبيّ - ﷺ - كان إهلالًا بحج وعمرة معًا، وهم: الحسن البصريّ، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وثابت البنانيّ، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وعبد العزيز بن صُهيب، وسليمان التيميّ، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حسين، وأبو قَزَعَة، وهو سُوَيد بن حُجَير الباهليّ. فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله - ﷺ - الذي سمعه منه، وهذا عليّ، والبراء، يخبران عن إخباره - ﷺ عن نفسه بالقران، وهذا عليّ أيضًا يخبر أن رسول الله - ﷺ -، وهذا عمر بن الخطاب - ﵁ - يخبر عن رسول الله - ﷺ - أن ربه أمره بأن يفعله، وعلّمه اللفظ الذي يقوله عند الإحرام، وهذا عليّ أيضًا يخبر أنه سمع رسول الله - ﷺ يلبي بهما جميعًا، وهؤلاء بقية من ذكرنا يخبرون عنه بأنه فعله، وهذا هو - ﷺ - يأمر به آله، ويأمر به من ساق الهدي. وهؤلاء الذين رووا القران بغاية البيان عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعليّ، وتقرير عليّ له، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، فهؤلاء هم سبعة عشر صحابيًّا - ﵃ -، منهم من رَوَى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به. [فإن قيل]: كيف تجعلون منهم ابن عمر، وجابرًا، وعائشة، وابن عباس، وهذه عائشة تقول: أهلّ رسول الله - ﷺ - بالحجّ، وفي لفظ: أفرد الحج، والأول في «الصحيحين»، والثاني في مسلم، وله لفظان: هذا أحدهما، والثاني أهلّ بالحج مفردًا، وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره البخاريّ ، وهذا ابن عباس يقول: وأهلّ رسول الله بالحج، رواه مسلم، وهذا جابر يقول: أفرد الحجّ، رواه ابن ماجه؟ [قيل]: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث الباقين لم تتعارض، فهَبْ أن أحاديث مَن ذكرتم لا حجة فيها على القران، ولا على الإفراد؛ لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين، مع صراحتها وصحتها، فكيف وأحاديثهم يُصَدّق بعضها بعضًا، ولا تعارض بينها، وإنما ظَنَّ من ظَنّ التعارض؛ لعدم إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم، وحملها على الاصطلاح الحادث بعدهم. قال ابن القيّم: ورأيت لشيخ الإسلام - يعني شيخه ابن تيميّة ﵀ - فصلًا حسنًا في اتفاق أحاديثهم، نسوقه بلفظه، قال: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة، ليست بمختلفة، إلا اختلافًا يسيرًا يقع مثله في غير ذلك، فإن الصحابة - ﵃ - ثبت عنهم أنه تمتع، والتمتع عندهم يتناول القران، والذين رُوي عنهم أنه أفرد، رُوي عنهم أنه تمتع، أما الأول ففي «الصحيحين» عن سعيد بن المسيِّب، قال: اجتمع عليّ وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال عليّ - ﵁ -: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه، فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى - ﵁ - ذلك، أهلّ بهما جميعًا، فهذا يبيّن أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبيّ - ﷺ -، ووافقه عثمان على أن النبيّ - ﷺ - فعل ذلك، لكن كان النزاع بينهما، هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟ وهل شُرع فسخُ الحج إلى العمرة في حقنا، كما تنازع فيه الفقهاء، فقد اتَّفَقَ عليّ وعثمان على أنه - ﷺ - تمتع، والمراد بالتمتع عندهم القران، وفي «الصحيحين» عن مُطَرِّف قال: قال عمران بن حصين: إن رسول الله - ﷺ - جمع بين حج وعمرة، ثم إنه لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه، وفي رواية عنه: تمتع رسول الله - ﷺ -، وتمتعنا معه، فهذا عمران، وهو من أجلّ السابقين الأولين، أخبر أنه تمتع، وأنه جمع بين الحج والعمرة، والقارن عند الصحابة متمتع، ولهذا أوجبوا عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، وذكر حديث عمر، عن النبيّ - ﷺ -: «أتاني آت من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرة في حجة»، رواه البخاري. قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون: عمر، وعثمان، وعليّ، وعمران بن حصين، رُوي عنهم بأصح الأسانيد: أن رسول الله - ﷺ - قرن بين العمرة والحج، وكانوا يسمون ذلك تمتعًا، وهذا أنس يذكر أنه سمع النبيّ - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة جميعًا. وما ذكره بكر بن عبد الله المزنيّ، عن ابن عمر أنه - ﷺ - لبى بالحج وحده، فجوابه أن الثقات الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر، مثل سالم ابنه، ونافع، رووا عنه أنه قال: تمتع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحج، وهؤلاء أثبت في ابن عمر من بكر، فتغليط بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم ونافع عنه، وأولى من تغليطه هو على النبيّ - ﷺ -، ويشبه أن ابن عمر قال له: «أفرد الحج»، فظن أنه قال: لبى بالحج، فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه، ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك رد منهم على من قال: إنه قَرَنَ قرانًا طاف فيه طوافين، وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنه حَلّ من إحرامه، فرواية من روى عن الصحابة أنه أفرد الحج تَرُدّ على هؤلاء، يبيّن هذا ما رواه مسلم في «صحيحه» عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا، وفي رواية: أهل بالحج مفردًا. فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبيّ - ﷺ - أهلّ بحج مفردًا، قيل: فقد ثبت بإسناد أصح من ذلك عن ابن عمر: أن النبيّ - ﷺ - تمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من رواية الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، وما عارض هذا عن ابن عمر إما أن يكون غلطًا عليه، وإما أن يكون مقصوده موافقًا له، وإما أن يكون ابن عمر لَمّا عَلِم أن النبي - ﷺ - لم يحلّ ظَنّ أنه أفرد كما وَهِمَ في قوله: إنه اعتمر في رجب، وكان ذلك نسيانًا منه، والنبيّ - ﷺ - لما لم يحلّ من إحرامه، وكان هذا حال المفرد ظنّ أنه أفرد، ثم ساق حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: تمتع رسول الله - ﷺ - … الحديث، وقولَ الزهريّ: وحدّثني عروة، عن عائشة بمثل حديث سالم، عن أبيه، قال: فهذا من أصحّ حديث على وجه الأرض، وهو من حديث الزهريّ، أعلم أهل زمانه بالسنة، عن سالم، عن أبيه، وهو من أصحّ أحاديث ابن عمر وعائشة. وقد ثبت عن عائشة - ﵂ - في «الصحيحين»: أن النبيّ - ﷺ - اعتمر أربع عُمَر، الرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعد الحج باتفاق العلماء، فيتعيّن أن يكون متمتعًا تمتع قران، أو التمتع الخاصّ. وقد صحّ عن ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة، وقال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -، رواه البخاريّ في «الصحيح». قال: وأما الذين نُقِل عنهم إفراد الحج، فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر، وجابر، والثلاثة نُقِل عنهم التمتع، وحديث عائشة، وابن عمر، أنه تمتع بالعمرة إلى الحج أصحّ من حديثهما، وما صح في ذلك عنهما، فمعناه إفراد أعمال الحج، أو أن يكون وقع منه غلطٌ، كنظائره، فإن أحاديث التمتع متواترةٌ، رواها أكابر الصحابة؛ كعمر، وعثمان، وعليّ، وعمران بن حصين، ورواها أيضًا عائشة، وابن عمر، وجابر، بل رواها عن النبيّ - ﷺ - بضعة عشر من الصحابة. قال ابن القيّم: وقد اتفق أنس، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، على أن النبي - ﷺ - اعتمر أربع عمر، وإنما وَهِمَ ابن عمر في كون إحداهن في رجب، وكلهم قالوا: وعمرة مع حجته، وهم سوى ابن عباس قالوا: إنه أفرد الحجّ، وهم سوى أنس قالوا: تمتع، فقالوا هذا، وهذا، وهذا، ولا تناقض بين أقوالهم، فإنه تَمَتَّعَ تَمَتُّعَ قران، وأفرد أعمال الحجّ، وقرن بين النسكين، وكان قارنًا باعتبار جمعه بين النسكين، ومفردًا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين، ومتمتعًا باعتبار ترفهه بترك أحد السفرين. ومن تأمل ألفاظ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر بعضها ببعض، وفَهِم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب، وانقمثمعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرشاد، والموفق لطريق السداد. فمن قال: إنه أفرد الحج، وأراد به أنه أتى بالحج مفردًا، ثم فرغ منه، وأتى بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثير من الناس، فهذا غلطٌ، لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة الحديث. وإن أراد به أنه حج حجًّا مفردًا، لم يعتمر معه، كما قاله طائفة من السلف والخلف، فوَهَمٌ أيضًا، والأحاديث الصحيحة الصريحة تردّه، كما تبَيَّنَ. وإن أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده، ولم يفرد للعمرة أعمالًا، فقد أصاب، وعلى قوله تدلّ جميع الأحاديث. ومن قال: إنه قرن، فإن أراد به أنه طاف للحج طوافًا على حدة، وللعمرة طوافًا على حدة، وسعى للحجّ سعيًا، وللعمرة سعيًا، فالأحاديث الثابتة ترد قوله. وإن أراد أنه قرن بين النسكين، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله، وقوله هو الصواب. ومن قال: إنه تمتع فإن أراد تمتع تمتعًا حَل منه، ثم أحرم بالحج إحرامًا مستأنفًا، فالأحاديث تردّ قوله، وهو غلط. وإن أراد أنه تمتع تمتعًا لم يحلّ منه، بل بقي على إحرامه لأجل سوق الهدي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ قوله أيضًا، وهو أقل غلطًا، وإن أراد تمتع القران، فهو الصواب الذي تدلّ عليه جميع الأحاديث الثابتة، وياتلف به شملها، ويزول عنها الإشكال والاختلاف. فصل غَلِط في عُمَرِ النبيِّ - ﷺ - خمس طوائف: [إحداها]: من قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط، فإن عُمَره مضبوطة محفوظةٌ، لم يخرج في رجب إلى شيء منها البتة. [الثانية]: من قال: إنه اعتمر في شوال، وهذا أيضًا وَهَمٌ، والظاهر - والله أعلم - أن بعض الرواة غَلِطَ في هذا، وأنه اعتكف في شوال، فقال: اعتمر في شوال، لكن سياق الحديث، وقوله: اعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عُمَر: عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة، يدلّ على أن عائشة، أو من دونها إنما قصد العمرة. [الثالثة]: من قال: إنه اعتمر من التنعيم بعد حجه، وهذا لم يقله أحدٌ من أهل العلم، وإنما يظنه العوامّ، ومن لا خِبْرة له بالسنة. [الرابعة]: من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلًا، والسنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردّها تبطل هذا القول. [الخامسة]: من قال: إنه اعتَمَرَ عمرة حَلَّ منها، ثم أحرم بعدها بالحجّ من مكة، والأحاديث الصحيحة تُبطل هذا القول، وتردُّهُ. فصل ووهم في حجه - ﷺ - خمس طوائف: [الطائفة الأولى]: التي قالت: حجّ حجّا مفردًا، لم يعتمر معه. [الثانية]: من قال: حج متمتعًا تمتعًا حلّ منه، ثم أحرم بعده بالحجّ، كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره. [الثالثة]: من قال: حجّ متمتعًا تمتعًا لم يحلّ منه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارنًا، كما قاله أبو محمد بن قُدامة، صاحب «المغني»، وغيره. [الرابعة]: من قال: حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين. [الخامسة]: من قال: حج حجًّا مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم. فصل وغَلِطَ في إحرامه - ﷺ - خمس طوائف: [إحداها]: من قال: لبى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها. [الثانية]: من قال: لبى بالحجّ وحده، واستمر عليه. [الثالثة]: من قال: لبى بالحجّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، وزعم أن ذلك خاصّ به - ﷺ -. [الرابعة]: من قال: لبى بالعمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحجّ في ثاني الحال. [الخامسة]: من قال: أحرم إحرامًا مطلقًا، لم يعيّن فيه نسكًا، ثم عَيَّنه بعد إحرامه. والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معًا، من حين أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعًا، فطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، وساق الهدي، كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث، والله أعلم. فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشإ الوهم والغلط: أما عذر من قال: اعتمر في رجب، فحديث عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - اعتَمَر في رجب، متّفقٌ عليه، وقد غلّطته عائشة وغيرها كما في «الصحيحين» عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالسًا إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعةٌ، ثم قلنا له: كم اعتمر رسول الله - ﷺ -؟ قال: أربعًا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نردّ عليه، قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أمّه، أو يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن رسول الله - ﷺ - اعتمر أربع عُمَر، إحداهنّ في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرةً قط إلا وهو شاهدٌ، وما اعتمر في رجب قطّ، وكذلك قال أنس، وابن عباس: إن عُمَرَه كلها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصواب. فصل وأما من قال: اعتمر في شوال، فعذره ما رواه مالك في «الموطإ»، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهن في شوال، واثنتين في ذي القعدة، ولكن هذا الحديث مرسلٌ، وهو غلطٌ أيضًا، إما من هشام، وإما من عروة، أصابه فيه ما أصاب ابن عمر، وقد رواه أبو داود مرفوعًا، عن عائشة، وهو غلطٌ أيضًا، لا يصح رفعه، قال ابن عبد البر: وليس روايته مسندًا مما يُذْكَر عن مالك في صحة النقل. قال ابن القيّم: ويدلّ على بطلانه عن عائشة، أن عائشة، وابن عباس، وأنس بن مالك، قالوا: لم يعتمر رسول الله - ﷺ - إلا في ذي القعدة، وهذا هو الصواب، فإن عمرة الحديبية، وعمرة القضيّة كانتا في ذي القعدة، وعمرة القران إنما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة أيضًا كانت في أول ذي القعدة، وإنما وقع الاشتباه أنه خرج من مكة في شوال للقاء العدوّ، وفرغ من عدوه، وقسم غنائمهم، ودخل مكة ليلًا معتمرًا من الجعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيت عمرته هذه على كثير من الناس، وكذلك قال مُحَرِّشٌ الكعبيّ - ﵁ -، والله أعلم. فصل قال ابن القيّم ﵀: وأما من ظَنَّ أنه - ﷺ - اعتمر من التنعيم بعد الحجّ فلا أعلم له عذرًا، فإن هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجته، ولم ينقله أحد قطّ، ولا قاله إمام، ولعل ظانّ هذا سمع أنه أفرد الحجّ، ورأى أن كل من أفرد الحجّ من أهل الآفاق لا بدّ له أن يخرج بعده إلى التنعيم، فَنَزَّل حجة رسول الله - ﷺ - على ذلك، وهذا عين الغلط. فصل قال: وأما من قال: إنه - ﷺ - لم يعتمر في حجته أصلًا، فعذره أنه لما سمع أنه أفرد الحجّ، وعلم يقينًا أنه لم يعتمر بعد حجته، قال: إنه لم يعتمر في تلك الحجة؛ اكتفاءً منه بالعمرة المتقدمة، والأحاديث المستفيضة الصحيحة تردّ قوله، كما تقدم من أكثر من عشرين وجهًا، وقد قال: «هذه عمرة استمتعنا بها»، وقالت حفصة: ما شأن الناس حَلُّوا، ولم تحل أنت من عمرتك؟ وقال سراقة بن مالك: تمتع رسول الله - ﷺ -، وكذلك قال ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن عباس، وصرح أنس، وابن عباس، وعائشة، أنه اعتمر في حجته، وهي إحدى عُمَرِه الأربع. فصل وأما من قال: إنه - ﷺ - اعتمر عمرة حَلَّ منها كما قاله القاضي أبو يعلى، ومن وافقه، فعذرهم ما صح عن ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وغيرهم، أنه - ﷺ - تمتع، وهذا يَحْتَمِل أنه تَمَتُّعٌ حَلَّ منه، ويَحْتَمِل أنه لم يَحِل، فلما أخبر معاوية أنه قصر عن رأسه بمشقص على المروة، وحديثه في «الصحيحين» دلّ على أنه حَلَّ من إحرامه، ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجة الوداع؛ لأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، والنبيّ - ﷺ - لم يكن زمن الفتح محرمًا، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة؛ لوجهين: أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديث الصحيح: وذلك في حجته. والثاني: أن في رواية النسائيّ باسناد صحيح: وذلك في أيام العشر، وهذا إنما كان في حجته، وحَمَلَ هؤلاء رواية مَن روى أن المتعة كانت له خاصّة، على أن طائفة منهم خَصُّوا بالتحلّل من الإحرام، مع سوق الهدي، دون من ساق الهدي من الصحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس بن تيميّة، وقالوا: من تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة، تبيّن له أن النبيّ - ﷺ - لم يحلّ لا هو، ولا أحد ممن ساق الهدي. فصل في أعذار الذين وَهِمُوا في صفة حجته - ﷺ - أما من قال: إنه حجّ حجًّا مفردًا لم يعتمر فيه، فعذره ما في «الصحيحين» عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا من أهلّ بحج، وأهلّ رسول الله - ﷺ - بالحج، وقالوا: هذا التقسيم والتنويع صريح في إهلاله بالحج وحده. ولمسلم عنها: أن رسول الله - ﷺ - أهلّ بالحج مفردًا. وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - لبى بالحج وحده. وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أهلّ بالحج، وفي «سنن ابن ماجه» عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحجّ، وفي «صحيح مسلم» عنه: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا ننوي إلا الحجّ، لسنا نعرف العمرة. وفي «صحيح البخاريّ» عن عروة بن الزبير، قال: حجّ رسول الله - ﷺ -، فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة، أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم حج أبو بكر - ﵁ -، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم عمر - ﵁ - مثل ذلك، ثم حج عثمان، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلُّون، وقد رأيت أمي وخالتي، حين تقدمان، لا تبدآن بشيء أول من البيت، تطوفان به، ثم إنهما لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلّت هي، وأختها، والزبير، وفلان، وفلان، بعمرة، فلما مسحوا الركن حلُّوا. وفي «سنن أبي داود»: حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا حمّاد بن سلمة، ووُهيب بن خالد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - موافين لهلال ذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يُهِلّ بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، ثم انفرد وهيب في حديثه بأن قال عنه - ﷺ -: «فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة»، وقال الآخر: «وأما أنا فأهلّ بالحج»، فصح بمجموع الروايتين أنه أهلّ بالحج مفردًا. فأرباب هذا القول عذرهم ظاهر كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: «سُقتُ الهدي، وقَرَنتُ»، وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذ من غيره، فهو من أصدق الناس يسمعه يقول: «لبيك بحجة وعمرة»، وخبر من هو من أعلم الناس عنه - ﷺ - علي بن أبي طالب - ﵁ - حين يخبر أنه أهلّ بهما جميعًا، ولبى بهما جميعًا، وخبر زوجته حفصة في تقريره لها على أنه معتمز بعمرة، لم يحلّ منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدّقها وأجابها بأنه مع ذلك حاجّ، وهو - ﷺ - لا يُقِرّ على باطل يسمعه أصلًا، بل ينكره؟ وما عذرهم عن خبره - ﷺ - عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه، يأمر فيه أن يُهِلّ بحجة في عمرة؟ وما عذرهم عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنه قَرَنَ؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها، وخبر من أخبر عنه - ﷺ - أنه اعتمر مع حجته؛ وليس مع من قال: إنه أفرد الحجّ شيء من ذلك البتة، فلم يقل أحد منهم عنه: إني أفردت، ولا أتاني آتٍ من ربي، يأمرني بالإفراد، ولا قال أحد: ما بال الناس حلُّوا، ولم تحلّ من حجتك كما حلّوا هم بعمرة، ولا قال أحد: سمعته يقول: لبيك بعمرة مفردة البتة، ولا بحج مفرد، ولا قال أحد: إنه اعتمر أربع عُمَر الرابعة بعد حجته، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يُخبر عن نفسه بأنه قارن، ولا سبيل إلى دفع ذلك، إلا بأن يقال: لم يسمعوه، ومعلوم قطعًا أن تطرُّق الوهم والغلط إلى من أخبر عما فهمه هو من فعله يظنه كذلك أولى من تطرّق التكذيب إلى من قال: سمعته يقول كذا وكذا، وإنه لم يسمعه، فإن هذا لا يتطرّق إليه إلا التكذيب، بخلاف خبر من أخبر عما ظنه من فعله، وكان واهمًا، فإنه لا يُنْسَب إلى الكذب، ولقد نزّه الله عليًّا وأنسًا والبراء وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول كذا، ولم يسمعوه، ونزّهه ربه ﵎ أن يرسل إليه أن افعَلْ كذا وكذا، ولم يفعله، هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل، فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم، ولا ناقضوهم، وإنما أرادوا إفراد الأعمال، واقتصاره على عمل المفرد، فإنه ليس في عمله زيادة على عمل المفرد، ومن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا، فإنه عَئر بحسب ما فهمه، كما سمع بكرُ بن عبد الله بنَ عمر يقول: أفرد الحجّ، فقال: لبى بالحج وحده، فحمله على المعنى، وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه: إنه تمتع، فبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، فهذا سالم يخبر بخلاف ما أخبر به بكر، ولا يصح تأويل هذا عنه بأنه فسره بقوله: وبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل رواية بكر على أنه أراد لبّى بالحج بعد فراغه من العمرة حين توجهه إلى منى أولى من تخطئته، ولا يحصل مخالفة لرواية سالم ونافع، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: وكذا الذين رووا الإفراد عن عائشة - ﵂ - فهما عروة والقاسم، وروى القران عنها عروة، ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد والزهريّ يروي عنه القران، فإن قدّرنا تساقط الروايتين، سلمت رواية مجاهد، وإن حُملت رواية الإفراد على أنه أفرد أعمال الحج تصادقت الروايات، وصدّق بعضها بعضًا، ولا ريب أن قول عائشة وابن عمر: أفرد الحج مُحْتَمِلٌ لثلاثة معان: [أحدها]: الإهلال به مفردًا. [الثاني]: إفراد أعماله. [الثالث]: أنه حج حجة واحدة لم يحج معها غيرها، بخلاف العمرة، فإنها كانت أربع مرات. وأما قولهما: تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، فحكيا فعله، فهذا صريح لا يحتمل غير معنى واحد، فلا يجوز ردّه بالمجمل، وليس في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة أنه أهلّ بالحج ما يناقض رواية مجاهد وعروة عنها، أنه قرن، فإن القارن حاجّ مهلّ بالحج قطعًا، وعمرته جزء من حجته، فمن أخبر عنها أنه أهل بالحجِّ فهو غير صادق، فإن ضمت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود، ثم ضمتا إلى رواية عروة تبيّن من مجموع الروايات أنه كان قارنًا، وصدّق بعضها بعضًا، حتى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا لوجب قطعًا أن يكون سبيله سبيل قول ابن عمر اعتمر في رجب، وقول عائشة أو عروة إنه - ﷺ - اعتمر في شوال، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلًا إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلها، وحملها على غير ما دلت عليه، ولا سبيل إلى تقديم هذه الرواية المجملة التي قد اضطرَبت على رواتها، واختُلِف عنهم فيها، وعارضهم من هو أوثق منهم، أو مثلهم عليها. وأما قول جابر - ﵁ -: إنه أفرد الحجّ، فالصريح من حديثه ليس فيه شيء من هذا، وإنما فيه إخبار عنهم أنفسِهِم أنهم لا ينوون إلا الحج، فأين في هذا ما يدلّ على أن رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا؟ قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم قريبًا أن هذا لا ينافي رواية القران، فإنه إخباره بأنه - ﷺ - لبّى بالحج مفردًا بعد انتهاء العمرة حينما توجّه يوم التروية إلى منى، فهذا أقرب المحمل وأظهره، فتأمّله، والله تعالى أعلم. وأما حديثه الآخر الذي رواه ابن ماجه أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحجّ، فله ثلاث طرق: أجودها: طريق الدراورديّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهذا يقينًا مختصر من حديثه الطويل في حجة الوداع، ومرويّ بالمعنى، والناس خالفوا الدراورديّ في ذلك، وقالوا: أهلّ بالحجّ، وأهلّ بالتوحيد. والطريق الثاني: فيها مُطَرِّف بن مصعب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن جعفر، ومطرّف قال ابن حزم: هو مجهول، قال ابن القيّم: ليس هو بمجهول، ولكنه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريّ، وبشر بن موسى، وجماعة، قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحب إليَّ من إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن عديّ: يأتي بمناكير، وكأن أبا محمد بن حزم رأى في النسخة مطرف بن مصعب فجَهَّله، وإنما هو مطرّف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. وممن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبيّ في كتابه «الضعفاء»، فقال: مطرف بن مصعب المدنيّ، عن ابن ابي ذئب منكر الحديث. قال ابن القيّم: والراوي عن ابن أبي ذئب، والدراورديّ، ومالك هو مطرف أبو مصعب المدنيّ، وليس بمنكر الحديث، وإنما غَرّه قول ابن عديّ: يأتي بمناكير، ثم ساق له منها ابن عديّ جملة، لكن هي من رواية أحمد بن داود بن صالح عنه، كذّبه الدارقطنيّ، والبلاء فيها منه. والطريق الثالث لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، ينظر فيه من هو؟ وما حاله؟ عن محمد بن مسلم، إن كان الطائفيّ فهو ثقةٌ، عند ابن معين، ضعيف عند الإمام أحمد، وقال ابن حزم: ساقط البتة، ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استَشْهَد به مسلم، قال ابن حزم: وإن كان غيره فلا أدري من هو؟ قال ابن القيّم: ليس بغيره، بل هو الطائفيّ يقينًا، وبكل حال فلو صحّ هذا عن جابر، لكان حكمه حكم المرويّ عن عائشة وابن عمر - ﵄ -، وسائر الرواة الثقات إنما قالوا: أهلّ بالحجّ، فلعلّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: أفرد الحجّ، ومعلوم أن العمرة إذا دخلت في الحج، فمن قال: أهلّ بالحجّ لا يناقض من قال: أهلّ بهما، بل هذا فصّل، وذاك أجمل، ومن قال: أفرد الحج، يَحْتَمِل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، ولكن هل قال أحد قط عنه: إنه سمعه يقول: لبيك بحجة مفردة؟ هذا ما لا سبيل إليه، حتى لو وجد ذلك لم يُقَدَّم على تلك الأساطين التي ذكرناها، والتي لا سبيل إلى دفعها البتة، وكان تغليط هذا، أو حمله على أول الإحرام ، وأنه صار قارنًا في أثنائه متعينًا، فكيف ولم يثبت ذلك، وقد قدمنا عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قرن في حجة الوداع، رواه زكريا الساجيّ، عن عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ، عن زيد بن الحباب، عن سفيان، ولا تناقض بين هذا وبين قوله: أهلّ بالحجّ، وأفرد بالحجّ، ولبى بالحجّ، كما تقدم. فصل قال ﵀: فحصل الترجيح لرواية مَن رَوَى القران لوجوه عشرة: [أحدها]: أنهم أكثر، كما تقدم. [الثاني]: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت، كما بيناه. [الثالث]: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد. [الرابع]: تصديق روايات مَن روى انه اعتمر أربع عُمَر لها. [الخامس]: أنها صريحة لا تَحْتَمِل التأويل، بخلاف روايات الإفراد. [السادس]: أنها متضمنة زيادةً سكت عنها أهل الإفراد، أو نفوها، والذاكر الزائد مقدَّم على الساكت، والمثبت مقذم على النافي. [السابع]: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، والأربعةُ رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه، ولا اختَلَفت؛ كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وحفصة، ومن معهم، ممن تقدم. [الثامن]: أنه النسك الذي أُمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه. [التاسع]: أنه النسك الذي أَمَر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. [العاشر]: أنه النسك الذي أَمَر به آله، وأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه. ثمت ترجيح [حادي عشر]: وهو قوله: «دَخَلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءًا منه، أو كالجزء الداخل فيه، بحيث لا يُفصَل بينها وبينه، وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه. وترجيح [ثاني عشر]: وهو قول عمر بن الخطاب - ﵁ - للصُّبَيّ بن معبد، وقد أهلّ بحج وعمرة، فأنكر عليه زيد بن صُوحان، أو سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هُدِيت لسنة نبيك محمد - ﷺ - ، وهذا يوافق رواية عمر عنه - ﷺ - أن الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدل على أن القران سنته التي فعلها، وامتثل أمر الله له بها. وترجيح [ثالث عشر]: أن القارن تقع أعماله عن كل من النسكين، فيقع إحرامه، وطوافه، وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما، وعمل كلّ فعل على حدة. وترجيح [رابع عشر]: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي، فإذا قَرَن كان هديه عن كل واحد من النسكين، فلم يخل نسك منهما عن هدي، ولهذا - والله أعلم - أمر رسول الله - ﷺ - بالحج والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من حديث البراء بقوله: «إني سُقْت الهدي، وقَرَنتُ». وترجيح [خامس عشر]: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لوجوه كثيرة: (منها): أنه - ﷺ - أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه. (ومنها): أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة». (ومنها): أنه أمر به كل من لم يسق الهدي. (ومنها): أن الحج الذي استقرّ عليه فعله، وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين لا هدي إلا ما جُمِع فيه بين الحل والحرم. فإذا ثبت هذا فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ومن متمتع ساق الهدي؛ لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحلّ، فكيف يُجعل مُفرِد لم يسق هديًا أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحلّ؟ فكيف إذا جُعِل أفضل من قارن ساقه من الميقات؟ وهذا - بحمد الله - واضح. فصل وأما قول من قال: إنه حجّ متمتعًا تَمَتُّعًا حَلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج، مع سوق الهدي، فعذره ما تقدم من حديث معاوية - ﵁ - أنه قصّر عن رسول الله - ﷺ - بمشقص في العشر، وفي لفظ: وذلك في حجته، وهذا مما أنكره الناس على معاوية، وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلَّها تدلّ على أنه - ﷺ - لم يحلّ من إحرامه إلا يوم النحر، ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت»، وقوله: «إني سقت الهدي، وقَرَنت، فلا أحل حتى أنحر»، وهذا خبر عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيما خبرًا يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به الجم الغفير، أنه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصير، ولا حلق، وأنه بقي على إحرامه حتى حَلَقَ يوم النحر، ولعل معاوية قصّر عن رأسه في عمرة الجعرانة، فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نَسِيَ، فظن أن ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أن عُمَرَه كانت كلها في ذي القعدة، وقال: كانت إحداهنّ في رجب، وقد كان معه فيها، والوهم جائز على من سوى الرسول - ﷺ -، فإذا قام الدليل عليه صار واجبًا. وقد قيل: إن معاوية لعله قصّر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق يوم النحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمد بن حزم، وهذا أيضًا من وهمه، فإن الحلاق لا يُبْقِي غَلَطًا شعرًا يقصر منه، ثم يبقي منه بعد التقصير بقيةً يوم النحر، وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة، فأصاب أبا طلحة أحد الشقين، وبقية الصحابة اقتسموا الشق الآخر، الشعرة، والشعرتين، والشعرات، وأيضًا فإنه لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيًا واحدًا، وهو سعيه الأول، لم يسع عقب طواف الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحج قطعًا، فهذا وهم محضٌ. وقيل: هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط، وخطأ أخطأ فيه الحسن بن عليّ، فجعله عن معمر، عن ابن طاوس، وإنما هو عن هشام بن حُجَير، عن ابن طاووس، وهشام ضعيف. قلت : والحديث الذي في البخاريّ عن معاوية: قصرت عن رأس رسول الله - ﷺ - بمشقص، ولم يزد على هذا، والذي عند مسلم: قصرت عن رأس رسول الله - ﷺ - بمشقص على المروة، وليس في «الصحيحين» غير ذلك. وأما رواية من روى: في أيام العشر، فليست في «الصحيح»، وهي معلولة، أو وَهَمٌ من معاوية، قال قيس بن سعد، راويها عن عطاء، عن ابن عباس، عنه: والناس ينكرون هذا على معاوية، قال ابن القيّم: وصَدَقَ قيس، فنحن نحلف بالله، إن هذا ما كان في العشر قطّ. ويشبه هذا وَهَم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود، عن قتادة، عن أبي شيخ الْهُنَائيّ أن معاوية قال لأصحاب النبيّ - ﷺ -: هل تعلمون أن النبيّ - ﷺ - نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النُّمُور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يُقْرَن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، فقال: أما إنها معها، ولكنكم نسيتم، قال ابن القيّم: ونحن نشهد بالله، إن هذا وَهْم من معاوية - ﵁ -، أو كَذِبٌ عليه، فلم ينه رسول الله - ﷺ - عن ذلك قطّ، وأبو شيخ شيخ لا يُحتج به فضلًا عن أن يقدَّم على الثقات الحفاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة، ويحيى بن أبي كثير، واسمه خَيْوَان بن خَلْدة - بالخاء المعجمة - وهو مجهول . فصل وأما من قال: حج متمتعًا تَمَتُّعًا لم يحلّ منه؛ لأجل سوق الهدي، كما قال صاحب «المغني»، وطائفة، فعذرهم قول عائشة وابن عمر - ﵄ -: تمتع رسول الله - ﷺ -، وقول حفصة - ﵁ -: ما شأن الناس حلُّوا، ولم تحل من عمرتك؟ وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسول الله - ﷺ -، وصنعناها معه، وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحج: هي حلال، فقال له السائل: إن أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله - ﷺ - أمْر أبي تتبع، أم أمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله - ﷺ -، فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -. قال هؤلاء: ولولا الهدي لحلّ كما يحل المتمتع الذي لا هدي معه، ولهذا قال: «لولا أن معي الهدي لأحللت»، فأخبر أن المانع له من الحلّ سوق الهدي، والقارن إنما يمنعه من الحل القران، لا الهدي، وأرباب هذا القول قد يُسَمُّون هذا المتمتع قارنًا؛ لكونه أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة، ولكن القران المعروف أن يحرم بهما جميعًا، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف. والفرق بين القارن والمتمتع السائق من وجهين: أحدهما: من الإحرام، فإن القارن هو الذي يُحرم بالحج قبل الطواف، إما في ابتداء الإحرام، أو في أثنائه. والثاني: أن القارن ليس عليه إلا سعي واحدٌ، فإن أتى به أوّلًا، وإلا سعى عقيب طواف الإفاضة، والمتمتع عليه سعي ثانٍ عند الجمهور، وعن أحمد رواية أخرى أنه يكفيه سعي واحد كالقارن، والنبيّ - ﷺ - لم يسع سعيًا ثانيًا عقيب طواف الإفاضة، فكيف يكون متمتعًا على هذا القول؟ [فإن قيل]: فعلى الرواية الأخرى يكون متمتعًا، ولا يتوجه الإلزام، ولها وجه قويّ من الحديث الصحيح، وهو ما رواه مسلم في «صحيحه» عن جابر - ﵁ - قال: لم يطف النبيّ - ﷺ -، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول، هذا مع أن أكثرهم كانوا متمتعين. وقد روى سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال: حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا. [قيل]: الذين نظروا أنه كان متمتعًا تمتعًا خاصًّا لا يقولون بهذا القول، بل يوجبون عليه سعيين، والمعلوم من سنته - ﷺ - أنه لم يسع إلا سعيًا واحدًا، كما ثبت في «الصحيح» عن ابن عمر أنه قَرَن، وقَدِم مكة فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق، ولا قصّر، ولا حلّ من شيء حرم منه، حتى يوم النحر، فنحر، وحلق رأسه، ورأى أنه قد قضى طواف الحجّ والعمرة بطوافه الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -، ومراده بطوافه الأول الذي قضى به حجه وعمرته الطواف بين الصفا والمروة، بلا ريب. وذكر الدارقطنيّ عن عطاء، ونافع، عن ابن عمر، وجابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - إنما طاف لحجه وعمرته طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا، ثم قدم مكة، فلم يسع بينها بعد الصدر، فهذا يدلّ على أحد أمرين، ولا بد: إما أن يكون قارنًا، وهو الذي لا يمكن من أوجب على المتمتع سعيين أن يقول غيره، وإما أن المتمتع يكفيه سعي واحدٌ، ولكن الأحاديث التي تقدمت في بيان أنه كان قارنًا صريحة في ذلك، فلا يُعْدَل عنها. [فإن قيل]: فقد روى شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن عمران بن حصين: أن النبي - ﷺ - طاف طوافين، وسعى سعيين، رواه الدارقطنيّ عن ابن صاعد، حدّثنا محمد بن يحيى الأزديّ، حدّثنا عبد الله بن داود، عن شعبة. [قيل]: هذا خبر معلول، وهو غلطٌ، قال الدارقطنيّ: يقال: إن محمد بن يحيى حدّث بهذا من حفظه، فوَهِم في متنه، والصواب بهذا الإسناد: أن النبي - ﷺ - قرن بين الحج والعمرة، والله أعلم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ما يدل على أن هذا الحديث غلط. قال ابن القيّم: وأظن أن الشيخ أبا محمد بن قُدامة إنما ذهب إلى أن رسول الله - ﷺ - كان متمتعًا؛ لأن الإمام أحمد قد نصّ على أن التمتع أفضل من القران، ورأى أن الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله - ﷺ - إلا الأفضل، ورأى الأحاديث قد جاءت بأنه تمتع، ورأى أنها صريحة في أنه لم يحلّ، فأخذ من هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعًا خاصًّا لم يحلّ منه، ولكن أحمد لم يُرَجِّح التمتع؛ لكون النبيّ - ﷺ - حج متمتعًا، كيف وهو القائل: لا أشك أن رسول الله - ﷺ - كان قارنًا، وإنما اختار التمتع؛ لكونه آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -، وهو الذي أمر به الصحابة أن يفسخوا حجهم إليه، وتأسف على فوته. ولكن نَقَل عنه المروزيّ أنه إذا ساق الهدي، فالقران أفضل، فمن أصحابه من جعل هذا رواية ثانية، ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا، وهي التي تليق بأصول أحمد، والنبيّ - ﷺ - لم يتمن أنه كان جعلها مع سوقه الهدي، بل وَدَّ أنه كان جعلها عمرة، ولم يسق الهدي. بقي أن يقال: فأي الأمرين أفضل: أن يسوق ويَقْرُن، أو يترك السوق ويتمتع، كما ودّ النبيّ - ﷺ - أنه فعله؟ قيل: وقد تعارض في هذه المسألة أمران: أحدهما: أنه - ﷺ - قرن، وساق الهدي، ولم يكن الله سبحانه ليختار له إلا أفضل الأمور، ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى، وخير الهدي هديه - ﷺ -. والثاني: قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، فهذا يقتضي أنه أَبُو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقتَ إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله، ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فبيّن أنه أَبُو كان مستقبلًا لِمَا استدبره، وهو الإحرام بالعمرة دون هدي، ومعلوم أنه لا يختار أنه لا ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنما يختار الأفضل، وهذا يدلّ على أن آخر الأمرين منه ترجيح التمتع. ولمن رجح القران مع السوق أن يقول: هو - ﷺ - لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول مرجوح، بل لأن الصحابة شقّ عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه هو محرمًا، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به مع انشراح، وقبول، ومحبة، وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول؛ لما فيه من الموافقة، وتأليف القلوب، كما قال لعائشة - ﵂ -: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابين»، فهذا تَرْكُ ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا هدي، وفي هذا جَمْعٌ بين ما فعله، وبين ما وَدَّه وتمناه، ويكون الله سبحانه قد جَمَع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والثاني بتمنيه ووُدّه له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجر ما نواه من الموافقة وتمناه. وكيف يكون نسك يتخلله التحلل، ولم يسق فيه الهدي أفضل من نسك لم يتخلله تحلل، وقد ساق فيه مائة بدنة؟ وكيف يكون نسك أفضل في حقه، من نسك اختاره الله له، وأتاه به الوحي من ربه؟ [فإن قيل]: التمتع، وإن تخلله تحلل، لكن قد تكرر فيه الإحرام، وإنشاؤه عبادة محبوبة للربّ، والقران لا يتكرر فيه الإحرام؟ [قيل]: في تعظيم شعائر الله بسوق الهدي، والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام، ثم إن استدامته قائمةٌ مقام تكرره، وسوقُ الهدي لا مقابل له يقوم مقامه. [فإن قيل]: فأيهما أفضل: إفراد يأتي عقيبه بالعمرة، أو تمتع يحل منه ثم يحرم بالحج عقيبه؟ [قيل]: معاذ الله أن نظن أن نسكًا قط أفضل من النسك الذي اختاره الله لأفضل الخلق، وسادات الأمة، وأن نقول عن نسك لم يفعله رسول الله - ﷺ -، ولا أحد من الصحابة الذين حجّوا معه، بل ولا غيرهم من أصحابه، إنه أفضل مما فعلوه بأمره، فكيف يكون حج على وجه الأرض أفضل من الحج الذي حجه النبيّ - صلوات الله عليه - وأمر به أفضل الخلق، واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما عداه عن الأنساك إليه، ووَدّ أنه كان فعله؟ لا حج قط أكمل من هذا وهذا، وإن صحّ عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتمتع، ففي جواز خلافه نظر، ولا يوحشك قلة القائلين بوجوب ذلك ، فإن فيهم البحر الذي لا يَنْزِف، عبد الله بن عباس، وجماعة من أهل الظاهر، والسنة هي الحكم بين الناس، والله المستعان. فصل وأما من قال: إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدارقطنيّ من حديث مجاهد، عن ابن عمر، أنه جمع بين حج وعمرة معًا، وقال: سبيلهما واحدٌ، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع، كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع كما صنعت. وعن عليّ - ﵁ - أيضًا أن النبيّ - ﷺ - كان قارنًا فطاف طوافين، وسعى سعيين. وعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: طاف رسول الله - ﷺ - لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعن عمران بن حصين: أن النبيّ - ﷺ - طاف طوافين، وسعى سعيين. وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد. أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عُمارة، وقال الدارقطنيّ: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عُمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث عليّ - ﵁ - الأول فيرويه حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث، وقال ابن خِرَاش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال الدارقطنيّ: عيسى بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبد الله، فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال الدارقطنيّ: وأبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإسناد ضعفاء. انتهى، وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذّاب خبيث، وقال الرازيّ، والنسائيّ: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين، فهو مما غَلِط فيه محمد بن يحيى الأزديّ، وحدّث به من حفظه، فوهم فيه، وقد حدّث به على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. وقد روى الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن حبان، في «صحيحه» من حديث الدّراورديّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - «من قرن بين حجته وعمرته، أجزأه لهما طواف واحد»، ولفظ الترمذيّ: «من أحرم بالحج والعمرة، أجزاه طواف وسعي واحد عنهما، حتى يحلّ منهما جميعًا» . وفي «الصحيحين» عن عائشة - ﵂ - قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال: من كان معه هدي، فَلْيُهِلّ بالحج والعمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا، فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. وصح أن رسول الله - ﷺ - قال لعائشة: «إن طوافك بالبيت، وبالصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك». وروى عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - طاف طوافًا واحدًا لحجه وعمرته ، وعبد الملك أحد الثقات المشهورين احتَجَّ به مسلم، وأصحاب «السنن»، وكان يقال له: الميزان، ولم يتكلم فيه بضعف ولا جرح، وإنما أنكر عليه حديث الشفعة، وتلك شكاة ظاهرٌ عنه عارها. وقد روى الترمذيّ عن جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قَرَن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، وخلق، قال الثوريّ: وما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وعِيبَ عليه التدليس، وقلّ من سلم منه، وقال أحمد: كان من الحفاظ، وقال ابن معين: ليس بالقويّ، وهو صدوق يدلِّس، وقال أبو حاتم: إذا قال: حدّثنا فهو صادقٌ، لا نرتاب في صدقه وحفظه. وقد روى الدارقطنيّ من حديث ليث بن أبي سليم، قال: حدّثني عطاء، وطاووس، ومجاهد، عن جابر، وعن ابن عمر، وابن عباس: أن النبيّ - ﷺ - لم يطف هو وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا لعمرتهم وحجهم، وليث بن أبي سليم احتَجَّ به أهل «السنن» الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: كان صاحب سنة، وإنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسبُ، وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدّث عنه الناس، وضعّفه النسائيّ، ويحيى في رواية عنه، ومثل هذا حديثه حسنٌ، وإن لم يبلغ رتبة الصحة. وفي «الصحيحين» عن جابر، قال: دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة، ثم وجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قد حضتُّ، وقد حلّ الناس، ولم أحلّ، ولم أطف بالبيت، فقال: «اغتسلي، ثم أهلّي»، ففعلت، ثم وقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبالصفا والمروة، ثم قال: «قد حلَلْتِ من حجك وعمرتك جميعًا». وهذا يدل على ثلاثة أمور: أحدها: أنها كانت قارنة، والثاني: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، والثالث: أنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة التي حاضت فيها، ثم أدخلت عليها الحجّ، وأنها لم تَرْفُض إحرام العمرة بحيضها، وإنما رفضت أعمالها، والاقتصار عليها، وعائشة لم تطف أوّلًا طواف القدوم، بل لم تطف إلا بعد التعريف، وسعت مع ذلك، فإذا كان طواف الإفاضة، والسعي الواحد بعدُ يكفي القارن، فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة، وسعيّ واحدٌ مع أحدهما بطريق الأولى، لكن عائشة تعذّر عليها الطواف الأول، فصارت قِصَّتها حجةً، فإن المرأة التي يتعذر عليها الطواف الأول، تفعل كما فعلت عائشة، تُدخل الحج على العمرة، وتصير قارنةً، ويكفيها لهما طواف الإفاضة والسعي عقيبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يبيّن أنه - ﷺ - يطف طوافين، ولا سعى سعيين، قول عائشة - ﵂ -: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا، متفق عليه. وقول جابر - ﵁ -: لم يطف النبي - ﷺ - وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول، رواه مسلم. وقوله لعائشة - ﵂ -: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك»، رواه مسلم. وقوله لها في رواية أبي داود: «طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك جميعًا». وقوله لها في الحديث المتفق عليه - لما طافت بالكعبة، وبين الصفا والمروة -: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا». قال: والصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله - ﷺ - كلهم نقلوا أنهم لما طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أمرهم بالتحلُّل، إلا من ساق الهدي، فإنه لا يحل إلا يوم النحر، ولم ينقُل أحد منهم أن أحدًا منهم طاف وسعى، ثم طاف وسعى، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم، والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد من الصحابة عُلِم أنه لم يكن. وعمدة من قال بالطوافين والسعيين، أثر يرويه الكوفيون عن عليّ، وآخر عن ابن مسعود - ﵁ -. وقد رَوَى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ - ﵁ - أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، خلاف ما روى أهل الكوفة، وما رواه العراقيون منه ما هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون، أو مجروحون، ولهذا طعن علماء النقل في ذلك، حتى قال ابن حزم: كلُّ ما روي في ذلك عن الصحابة لا يصحّ منه، ولا كلمة واحدة، وقد نُقل في ذلك عن النبيّ - ﷺ - ما هو موضوع بلا ريب، وقد حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - لحجته وعمرته إلا طوافًا واحدًا، وقد ثبت مثل ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم - ﵃ -، وهم أعلم الناس بحجة رسول الله - ﷺ -، فلم يخالفوها، بل هذه الآثار صريحة في أنهم لم يطوفوا بالصفا والمروة إلا مرة واحدة. فصل وأما الذين قالوا: إنه حج حجًّا مفردًا، اعتمر عقيبه من التنعيم، فلا يعلم لهم عذر البتة، إلا ما تقدم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك. فصل وأما الذين غَلِطوا في إهلاله، فمَن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها، فعذره أنه سمع أن رسول الله - ﷺ - تمتع، والمتمتع عنده من أهلّ بعمرة مفردة بشروطها، وقد قالت له حفصة - ﵂ -: «ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلّ من عمرتك؟»، وكلّ هذا لا يدل على أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولم ينقل هذا أحد عنه البتة، فهو وَهَمٌ محضٌ، والأحاديث الصحيحة المستفيضة في لفظه في إهلاله تبطل هذا. فصل وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، واستمر عليه فعذره، ما ذكرنا عمن قال: أفرد الحج، ولبى بالحج، وقد تقدم الكلام على ذلك، وأنه لم يقل أحد قط إنه قال: لبيك بحجة مفردة، وإن الذين نقلوا لفظه صرَّحوا بخلاف ذلك. فصل وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، وظَنّ أنه بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة، فحملها على ابتداء إحرامه، ثم أنه أتاه آتٍ من ربه تعالى، فقال: قل: عمرة في حجة، فأدخل العمرة حينئذ على الحج، فصار قارنًا، ولهذا قال للبراء بن عازب: «إني سقت الهدي، وقرنت»، فكان مفردًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه، وأيضًا فإن أحدًا لم يقل: إنه أهلّ بالعمرة، ولا لبى بالعمرة، ولا أفرد العمرة، ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة، بل قالوا: أهلّ بالحجّ، ولبّى بالحج، وأفرد الحجّ، وخرجنا لا ننوي إلا الحج، وهذا يدل على أن الإحرام وقع أولًا بالحج، ثم جاءه الوحي من ربه تعالى بالقران، فلبّى بهما، فسمعه أنس يلبي بهما، وصَدَقَ، وسمعته عائشة، وابن عمر، وجابر يلبي بالحج وحده أولًا، وصدقوا. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويزول عنها الاضطراب. وأرباب هذه المقالة لا يجيزون إدخال العمرة على الحج، ويرونه لَغْوًا، ويقولون: إن ذلك خاصّ بالنبيّ - ﷺ - دون غيره، قالوا: ومما يدل على ذلك أن ابن عمر قال: لبّى بالحج وحده، وأنس قال: أهلّ بهما جميعًا، وكلاهما صادق، فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقًا على إهلاله بالحج؛ لأنه إذا أحرم قارنًا لم يمكن أن يحرم بعد ذلك بحج مفرد، وينقل الإحرام إلى الإفراد، فتعيّن أنه أحرم بالحج مفردًا، فسمعه ابن عمر، وعائشة، وجابر، فنقلوا ما سمعوه، ثم أدخل عليه العمرة، فأهلّ بها جميعًا لَمّا جاءه الوحي من ربه، فسمعه أنس يُهلّ بهما، فنقل ما سمعه، ثم أخبر عن نفسه بأنه قَرَنَ، وأخبر عنه من تقدم ذكره من الصحابة بالقران، فاتفقت أحاديثهم، وزال عنها الاضطراب والتناقض. قالوا: ويدل عليه قول عائشة: خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، فقال: «من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليهلّ»، قالت عائشة: فأهلّ رسول الله - ﷺ - بحج، وأهلّ به ناس معه ، فهذا يدل على أنه كان مفردًا في ابتداء إحرامه، فعُلم أن قرانه كان بعد ذلك. قال ابن القيّم: ولا ريب أن في هذا القول من مخالفة الأحاديث المتقدمة، ودعوى التخصيص للنبيّ - ﷺ - بإحرام لا يصح في حق الأمة ما يردُّه ويبطله، ومما يردّه أن أنسًا قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر بالبيداء، ثم ركب، وصعد جبل البيداء، وأهلّ بالحج والعمرة حين صلى الظهر. وفي حديث عمر أن الذي جاءه من ربه، قال له: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة»، فكذلك فعل رسول الله - ﷺ -، فالذي رَوَى عمر أنه أُمر به، وروى أنس أنه فعله، فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم قال: لبيك حجًّا وعمرة. واختَلَف الناس في جواز إدخال العمرة على الحج، على قولين، وهما روايتان عن أحمد: أشهرهما أنه لا يصحّ، والذين قالوا بالصحة، كأبي حنيفة وأصحابه - ﵏ - بنوه على أصولهم، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج، فقد التزم زيادة عمل على الإحرام بالحج وحده، ومن قال: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، قال: لم يستفد بهذا الإدخال إلا سقوط أحد السفرين، ولم يلتزم به زيادة عمل، بل نقصانه، فلا يجوز، وهذا مذهب الجمهور. فصل وأما القائلون: إنه أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحجّ، فعذرهم قول ابن عمر: تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ -، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، متّفقٌ عليه. وهذا ظاهر في أنه أحرم أوّلًا بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، ويبيّن ذلك أيضًا أن ابن عمر لما حجّ زمن ابن الزبير أهلّ بعمرة، ثم قال: أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ثم انطلق يُهِلّ جميعًا، حتى قدم مكة، فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلّ من شيء حرُم منه حتى كان يوم النحر، فنحر، وحلق، ورأى أن ذلك قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -. فعند هؤلاء أنه كان متمتعًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه، وهؤلاء أعذر من الذين قبلهم، وإدخال الحج على العمرة جائز بلا نزاعٍ يُعْرَف، وقد أمر النبيّ - ﷺ - عائشة - ﵂ - بإدخال الحج على العمرة، فصارت قارنةً. ولكن سياق الأحاديث الصحيحة يردّ على أرباب هذه المقالة، فإن أنسًا أخبر أنه حين صلى الظهر أهلّ بهما جميعًا، وفي «الصحيح» عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله - ﷺ -: «من أراد منكم أن يهلّ بعمرة فليهلّ، فلولا أني أهديت، لأهللت بعمرة»، قالت: وكان من القوم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهلّ بالحج، فقالت: فكنت أنا ممن أهلّ بعمرة، وذكرت … الحديث، رواه مسلم. فهذا صريح في أنه لم يهلّ إذ ذاك بعمرة، فإذا جَمَعتَ بين قول عائشة هذا، وبين قولها في «الصحيح»: تمتّع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، وبين قولها: وأهلّ رسول الله - ﷺ - بالحج، والكل في «الصحيح»، علمتَ أنها إنما نَفَت عمرة مفردةً، وأنها لم تنف عمرة القران، وكانوا يسمونها تمتعًا، كما تقدم، وأن ذلك لا يناقض إهلاله بالحجّ، فإن عمرة القران في ضمنه، وجزء منه، ولا ينافي قولها: أفرد الحجّ؛ لأن أعمال العمرة لَمّا دخلت في أعمال الحجّ، وأُفردت أعماله، كان ذلك إفرادًا بالفعل. وأما التلبية بالحج مفردًا، فهو إفراد بالقول. وقد قيل: إن حديث ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وبدأ رسول الله - ﷺ -، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، مروي بالمعنى الآخر من حديثه، وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حجه في فتنة ابن الزبير، وأنه بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدٌ، أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، فأهلّ بهما جميعًا، ثم قال في آخر الحديث: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -، وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد، وسعي واحد، فحُمِل على المعنى، ورُوي به: أن رسول الله - ﷺ - بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وإنما الذي فعل ذلك ابن عمر، وهذا ليس ببعيد، بل متعين، فإن عائشة قالت عنه: «لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة»، وأنس قال عنه: إنه حين صلى الظهر أوجب حجًّا وعمرة، وعمر - ﵁ - أخبر عنه أن الوحي جاءه من ربه، فأمره بذلك. [فإن قيل]: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل حديث سالم، عن ابن عمر؟ [قيل]: الذي أخبرت به عائشة من ذلك، هو أنه - ﷺ - طاف طوافًا واحدًا عن حجه وعمرته، وهذا هو الموافق لرواية عروة عنها في «الصحيحين»: «وطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا»، فهذا مثل الذي رواه سالم، عن أبيه سواء، وكيف تقول عائشة: إن رسول الله - ﷺ - بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج؟ وقد قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: «لولا أن معي الهدي، لأهللت بعمرة»، وقالت: وأهلّ رسول الله - ﷺ - بالحج، فعُلِم أنه لم يهلّ في ابتداء إحرامه بعمرة مفردة، والله أعلم. فصل وأما الذين قالوا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا، لم يعيّن فيه نسكًا، ثم عيّنه بعد ذلك لَمّا جاءه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، وهو أحد أقوال الشافعيّ - ﵀ -، نَصّ عليه في «كتاب اختلاف الحديث»، قال: وثبت أنه خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو ما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهلّ، ومن لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، ثم قال: ومن وصف انتظار النبيّ - ﷺ - القضاء؛ إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلبًا للاختيار فيما وسّع الله من الحج والعمرة، فيشبه أن يكون أحفظ؛ لأنه قد أُتِي بالمتلاعنين، فانتظر القضاء، كذلك حفظ عنه في الحج ينتظر القضاء. وعذر أرباب هذا القول ما ثبت في «الصحيحين» عن عائشة - ﵂ - قالت: (أخرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكر حجًّا ولا عمرة«، وفي لفظ:»يلبي لا يذكر حجًّا ولا عمرة«، وفي رواية عنها:»خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نرى إلا الحج، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، وبين الصفا والمروة، أن يحل«، وقال طاووس: خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة، لا يسمي حجًّا ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه، من كان منهم أهلّ بالحجّ، ومن لم يكن معه هدي، أن يجعلها عمرة … الحديث. وقال جابر - ﵁ - في حديثه الطويل، في سياق حجة النبيّ - ﷺ -: فصلى رسول الله - ﷺ - في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصري، بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فما عَمِل به من شيء، عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك»، وأهلّ الناس بهذا يهلّون به، ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته، فأخبر جابر أنه لم يزد على هذه التلبية، ولم يذكر أنه أضاف إليها حجًّا ولا عمرةً، ولا قرانًا، وليس في شيء من هذه الأعذار ما يناقض أحاديث تعيينه النسك الذي أحرم به في الابتداء، وأنه القران. فأما حديث طاووس، فهو مرسلٌ، لا يعارض به الأساطين المسندات، ولا يعرف اتصاله بوجه صحيح، ولا حسن، ولو صحّ، فانتظاره للقضاء، كان فيما بينه وبين الميقات، فجاءه القضاء، وهو بذلك الوادي، أتاه آت من ربه تعالى، فقال: «صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة»، فهذا القضاء الذي انتظره جاءه قبل الإحرام، فعيَّن له القران، وقول طاووس: نزل عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، وهو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل عليه بإحرامه، فإن ذلك كان بوادي العقيق، وأما القضاء الذي نزل عليه بين الصفا والمروة، فهو قضاء الفسخ الذي أَمَر به الصحابة إلى العمرة، فحينئذ أَمَر كلَّ من لم يكن معه هدي منهم، أن يفسخ حجه إلى عمرة، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سُقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، وكان هذا أمر حتم بالوحي، فإنهم لما توقفوا فيه، قال: «انظروا الذي آمركم به، فافعلوه». وأما قول عائشة - ﵂ -: «خرجنا لا نذكر حجّا ولا عمرة»، فهذا إن كان محفوظًا عنها، وجب حمله على ما قبل الأحرام، وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها أن منهم من أهلّ عند الميقات بحج، ومنهم من أهلّ بعمرة، وأنها ممن أهلّ بعمرة، وأما قولها: «نلبي لا نذكر حجًّا ولا عمرة»، فهذا في ابتداء الإحرام، ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعًا، فإن الذين سمعوا إحرام رسول الله - ﷺ -، وما أهلّ به شهدوا على ذلك، وأخبروا به، ولا سبيل إلى ردّ رواياتهم، ولو صح عن عائشة ذلك، لكان غايته أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات، فنفته، وحفظه غيرها من الصحابة، فأثبته، والرجال بذلك أعلم من النساء. وأما قول جابر - ﵁ -: وأهلّ رسول الله - ﷺ - بالتوحيد، فليس فيه إلا إخباره عن صفة تلبيته، وليس فيه نفي لتعيينه النسك الذي أحرم به بوجه من الوجوه، وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفي التعيين، لكانت أحاديث أهل الإثبات أولى بالأخذ منها؛ لكثرتها، وصحتها، واتصالها، وأنها مثبتة مبيِّنة متضمنة لزيادة خَفِيت على من نفى، وهذا - بحمد الله - واضح، وبالله التوفيق. انتهى ما حقّقه الإمام ابن القيّم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي طوّل به ابن القيّم - ﵀ - نفسه في تحقيقه مرجّحًا أنه - ﷺ - كان قارنًا من أول ما أنشأ الإحرام، وأنه لا زال قارنًا حتى حلّ يوم النحر من النسكين جميعًا، هو التحقيق الحقيق بالقبول؛ حيث أيّدته الأحاديث الصحيحة التي لا تقبل التأويل، ولا سيّما حديث عمر - ﵁ - في قصّة إتيان الملك إليه - ﷺ -، وأمْره له بالقران، وذلك بيقين قبل إنشاء الإحرام؛ لأن وادي العقيق قبل ذي الحليفة، فقد قيل: إنه مكان قريب من البقيع، بينه وبين المدينة نحو أربعة أميال ، بينما المسافة التي بين المدينة وبين ذي الحليفة نحو ستة أميال . فظهر بهذا وتبيّن أن أمْره - ﷺ - بالقران كان قبل إنشاء الإحرام، وأنه - ﷺ - امتثل ما أَمَره به ربه، ولا يجوز أن يَظُنّ أحد أنه - ﷺ - خالف ما أُمر به من القران، ثم أهلّ بالحج المفرد، أو العمرة المفردة، ثم بعد ذلك أدخل أحد النسكين على الآخر، فهذا مما لا يُتصوّره عاقل. والحاصل أنه - ﷺ - حجّ قارنًا، وما عدا ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على خلاف هذا، فكلّها قابلة للتأويل بما يوافق هذا، وقد تقدّم تحقيق هذا وإيضاحه فيما سبق، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في طواف القارن، وسعيه: ذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إلى أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وهو محكيّ عن ابن عمر، وابن عبّاس - ﵄ -، وجابر، وعائشة، وعطاء، وطاوس، والحسن، والزهريّ، ومجاهد. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يجب عليه طوافان، وسعيان، وهو رواية عن أحمد، وبه قال سفيان الثوريّ، وحكي عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، والحسن بن عليّ. قال الحافظ وليّ الدين: ولم يصحّ عنهم. وبه قال إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وأبو جعفر الباقر، والشعبيّ، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن حيّ. واحتجّ هؤلاء بما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق الحسن بن عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: «خرج ابن عمر، يُهلّ بعمرة، وهو يتخوّف أيام نَجْدة أن يُحبس عن البيت، فلما سار أيامًا، قال: ما الحصر في العمرة، والحصر في الحجّ إلا واحد، فضمّ إليها حجة، فلما قدم طاف طوافين، طوافًا لعمرته، وطوافًا لحجته، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل». لكن هذه رواية ضعيفة جدًّا، ومع ذلك فهي شاذّة، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عُمارة، وهو متروك، وقال البيهقيّ: الحسن بن عمارة أجمع أهل النقل على ترك حديثه؛ لكثرة المناكير في رواياته، وكيف يصحّ هذا عن ابن عمر، وقد ثبت أنه طاف لهما طوافًا واحدًا في هذه السنة، كما سبق، قاله الحافظ وليّ الدين - ﵀ -. وقال في «الفتح» في شرح حديث عائشة - ﵂ - في حجة الوداع، وفيه: «وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا»، وحديثِ ابن عمر - ﵄ - في حجه عام نزل الحجاج بابن الزبير، أورده البخاريّ من وجهين في كلّ منهما أنه جمع بين الحج والعمرة، أهلّ بالعمرة أولًا، ثم أدخل عليها الحجّ، وطاف لهما طوافًا واحدًا، كما في الطريقة الأولى، وفي الطريقة الثانية: «ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول». ما نصّه: وفي هذه الرواية رفع احتمالٍ قد يؤخذ من الرواية الأولى أن المراد بقوله: «طوافًا واحدًا» أي: طاف لكلّ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه: عن النبيّ - ﷺ - قال: «من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيٌ واحد»، وأعلّه الطحاويّ بأن الدراورديّ أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسّك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة، وغير واحد، عن نافع نحو سياق ما في الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: «إن النبيّ - ﷺ - فعل ذلك»، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبيّ - ﷺ -. انتهى. قال الحافظ: وهو تعليلٌ مردود، فالدراورديّ صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين. واحتجّ الحنفيّة بما روي عن عليّ - ﵁ - أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل، وطرقه عن عليّ عند عبد الرزاق، والدارقطنيّ، وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود - ﵁ - بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج من حديث ابن عمر بنحو ذلك، وفيه الحسن بن عُمارة، وهو متروك، والمخرّج في «الصحيحين»، وفي «السنن» عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقيّ: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيُحْمَل على طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم: لا يصحّ عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلًا. قال الحافظ: لكن روى الطحاويّ، وغيره موقوفًا عن عليّ، وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصحّ من حديثي ابن عمر، وعائشة المذكورين في هذا الباب. وقد أجاب الطحاويّ عن حديث ابن عمر بأنه اختُلِف عليه في كيفية إحرام النبيّ - ﷺ -، وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه - ﷺ - أحرم أولًا بحجة، ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتّع بها إلى الحجّ، كذا قال الطحاويّ، مع جزمه قبل ذلك بأنه - ﷺ - كان قارنًا. وهبْ أن ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -؛ أي: أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد؟ وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنه - ﷺ - كان قارنًا، فإنه مع قوله: تمتّع رسول الله - ﷺ -، وصف فعل القران، حيث قال: بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من صور القران، وغايته أنه سمّاه تمتعًا؛ لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعًا. ثم أجاب عن حديث عائشة - ﵄ - بأنها أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا، يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ لأن حجتهم كانت بمكة، والحجة المكيّة لا يطاف لها إلا بعد عرفة، قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع تمتع، لا جمع قران. انتهى. قال الحافظ: وإني لكثير التعجّب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين، فإنها صرّحت بفعل من تمتع، ثم من قرَن، قالت: «فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى»، فهؤلاء أهلُ التمتع، ثم قالت: «وأما الذين جمعوا إلخ»، فهؤلاء أهلُ القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، والله المستعان. وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: «لم يطف النبيّ - ﷺ -، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا»، ومن طريق طاوس، عن عائشة: «أن النبيّ - ﷺ - قال لها: يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وهذا صريح في الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق، عن سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال: «حلف طاوس ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ - لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا»، وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما رُوي عن عليّ، وابن مسعود من ذلك، وقد رَوَى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن عليّ: «للقارن طواف واحد»، خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعّف ما روي عن عليّ من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أُذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحجّ أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، والذين احتجّوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلّت عليه، وإلا فلا حجة فيها. وقال ابن المنذر: احتجّ أبو ثور من طريق النضر بأنّا أجزنا جميعًا للحجّ والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف واحد، وسعيٌ واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات، وفي هذا القياس مباحث كثيرة، لا نُطيل بها. واحتجّ غيره بقوله - ﷺ -: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وهو صحيح، كما سلف، فدلّ على أنها لا تحتاج بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله. والحقّ أن الْمُتَّبَعَ في ذلك السنةُ الصحيحةُ، وهي مستغنية عن غيرها. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ - ﵀ - هو كلام نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن ما دلّت عليه السنة الصحيحة، وهو أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، هو الحقّ، ودليله هو السنة الصحيحة الصريحة فيه، ولا حاجة إلى الأدلة العقلية؛ لأن السنة الصحيحة فيها الكفاية؛ إذ هي العمدة البالغة، والحجة الدامغة، وكلّ قياس في مقابلتها فاسد الاعتبار، ولله درّ من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … جَارِي فِي مَيَادينِ الكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١١] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْد، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ»، قَالَتْ عائشة - ﵂ -: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَنْقُضَ رَأسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، حَتى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيم، مَكَانَ عُمْرَتي الَّتي أَدْرَكَني الْحَجُّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيل، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدِ) بن عَقِيل - الأول بالضمّ، والثاني بالفتح - الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ) تقدّم أن القاضي عياضًا - ﵀ - قال: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في «صحيحي البخاري ومسلم» وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبيّ - ﷺ - إنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودُنُوّهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت وسعيه، كما جاء في رواية جابر، ويَحْتَمِل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى. وقال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحَلَقَ حَلّ من عمرته، وحلّ له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا أم لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحلّ له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة - ﵂ - قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله: «من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا»، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى فليهلل بالحج، ولا يَحِلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضية واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون هذا التأويل متكلّفًا، بل الظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، ومن قال بقولهما، من أن من اعتمر، وساق الهدي لا يتحلّل حتى يبلغ الهدي محلّه، وينحره يوم النحر، ولا حاجة إلى تأويل هذه الرواية الصريحة، إلى الرواية الأخرى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) هذا بظاهره يقتضي أنه - ﷺ - ما أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة، مع أن الصحيح بروايات أربعة عشر من الصحابة - ﵃ - أنه أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ، وجعله عمرة، فحينئذ لا بدّ من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، والأمر بالفسخ من لم يسق الهدي، فلا منافاة، قاله السنديّ - ﵀ - في «حاشية مسلم» . وقولها: (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) قال القرطبي - ﵀ -: هذا مخالف لقولها في الرواية الأخرى: «فلما كان يوم النحر طهرت»، ووجه التوفيق أن يُحْمَل على أنه تقارب انقطاع الدم عنها يوم عرفة، ورأت علامة الطهر يوم النحر. انتهى . وقولها: (حَتى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) «كان» هنا تامّةٌ لا تحتاج إلى خبر، فهي بمعنى «جاء»، و«يوم» مرفوع على الفاعلية، قال الحريريّ - ﵀ - في «ملحته»: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَومِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ وقولها: (وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ) هذا صريح في كون عائشة - ﵂ - لم تُحرم إلا بعمرة، وقد سبق أن هذا في ثاني الحالين، فإنها كانت أولًا ابتدأت بالحجّ، ثم قلبته إلى العمرة بعد أن أمر - ﷺ - أصحابه بذلك، فصارت معتمرة، ثم أدخلت عليها الحجّ، فصارت قارنة، فتنبّه. وقولها: (وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ) تقدّم أن الصحيح في معناه ترك أعمالها، لا إبطالها، فإنها لا زالت معتمرة، وإنما تركت الطواف والسعي؛ لتعذّر ذلك عليها بالحيض، فأدخلت الحجّ عليها، والله تعالى أعلم. وقولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا) فيه دليل واضح على أنها لم تُبطل عمرتها، ولم تتحلّل منها، بل بقيت عليها، حتى أتمّتها مع الحج، ثم أتت بعمرة مفردة، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِه، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: «انْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَن الْعُمْرَة، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ»، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَني، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيم، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتي أَمْسَكْتُ عَنْهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، أبو نصر، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ، تغيّر بعدما عمي، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ) هذا ذكرته توطئةً لما تريد الإخبار به من استمرارها على تمحيض العمرة، وأنها لم تُدخل عليها الحجّ؛ لأنه - ﷺ - إنما أمر بضمّ الحجّ إلى العمرة من كان معه هدي. والْهَديُ بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان مشهورتان، الأولى أفصح، وأشهر، وهو اسم لما يُهْدَى إلى الحرم من الأنعام، وسوق الهدي سنّة من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، قاله وفي الدين - ﵀ - . وقوله: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ) قال القرطبي - ﵀ -: ظاهره أنه أمرهم بالقران، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك من قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمرًا بالإرداف. انتهى. وقوله: (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا) قال القرطبي - ﵀ -: هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحلّ إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين، وسيأتي قوله - ﷺ - لعائشة - ﵂ -: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وهو نصٌّ في الردّ عليه، وكذلك قولها: «فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا». انتهى . وقوله: (فَحِضْتُ) بكسر الحاء، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا، من باب باع يبيع بيعًا. وقولها: (أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي) وفي رواية البخاريّ: «أن النبيّ - ﷺ - أمره أن يُردف عائشة، ويعمرها من التنعيم»، قال في «الفتح»: وهذا يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبيّ - ﷺ -، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود، من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها: أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم …» الحديث، ونحوه رواية مالك السابقة في الحديث السابق، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: «أرسلني النبيّ - ﷺ - مع عبد الرحمن إلى التنعيم»، ورواية الأسود، عن عائشة الآتية: «قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم»، وعند البخاريّ من وجه آخر عن الأسود والقاسم جميعًا عنها، بلفظ: «فاخرجي إلى التنعيم»، وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبيّ - ﷺ -. قال: وكلُّ ذلك يفسر قوله في رواية القاسم عنها الآتية، حيث أورده بلفظ: «اخرج بأختك من الحرم». وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مُليكة عنها في هذا الحديث: «قال: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: احملها خلفك حتى تخرج من الحرم»، فوالله ما قال: فتخرجها إلى الجعرانة، ولا إلى التنعيم، فهي رواية ضعيفة؛ لضعف أبي عامر الخراز الراوي له عن ابن أبي مليكة. قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: فوالثه إلخ من كلام مَن دون عائشة، قاله متمسكًا بإطلاق قوله: «فأخرجها من الحرم»، لكن الروايات المقيَّدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة، فهو أولى، ولا سيما مع صحة أسانيدها، والله أعلم. [فائدة]: زاد أبو داود في روايته بعد قوله: «إلى التنعيم»: «فإذا هَبَطت بها من الأَكَمَة فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة»، وزاد أحمد في رواية له: «وذلك ليلة الصَّدَر»، وهو بفتح المهملة والدال؛ أي: الرجوع من منى. وفي قوله: «فإذا هَبَطت بها» إشارة إلى المكان الذي أحرمت منه عائشة - ﵂ -، وقد مرَّ تمام البحث في هذا في شرح الحديث الأول، فتنبّه. وقولها: (فَأَرْدَفَنِي) فيه دليل على جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقةً، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك، وفيه جواز إرداف الرجل المرأة من محارمه، والخلوة بها، وهذا مجمع عليه، قاله النوويّ - ﵀ - . وقولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا) قال النوويّ - ﵀ -: فيه دلالة ظاهرة على أنها لم تَخْرُج منها، وإنما أمسكت عن أعمالها، وأحرمت بالحج، فأدرجت أعمالها بالحج، كما سبق بيانه، وهو مؤيِّد للتأويل الذي قدمناه في قوله - ﷺ -: «ارفُضي عمرتك»، و«دَعِي عمرتك» أن المراد رفض إتمام أعمالها، لا إبطال أصل العمرة. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٣] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ»، قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. والباقون ذكروا في الباب. وقوله: («مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ … إلخ) فيه دليل على جواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا في أفضلها، وقد سبق أن الأرجح أن القران أفضل من ساق الهدي؛ اقتداء بالنبيّ - ﷺ -. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ»، قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَل بِالْحَجّ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أنا مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، فَخَرَجْنَا حَتى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ:«دَعِي عُمْرَتَك، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ»، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَة، وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي، وَخَرَجَ بِي إِلَى التنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَضَى اللهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. قال القرطبي - ﵀ -: قولها في هذه الرواية: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أي: مُطِلِّين عليه، ومُشْرِفين، يقال: أوفى على ثَنِيّة كذا؛ أي: شارفها، وأَطَلَّ عليها، ولا يلزم منه أن يكون دخل فيها، وقد دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة»، وكذلك كان، وقَدِم النبيّ - ﷺ - مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام النبيّ - ﷺ - طريقه إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة . وقال النوويّ - ﵀ -: قولها: «موافين لهلال ذي الحجة»؛ أي: مقاربين لاستهلاله، وكان خروجهم قبله لخمس في ذي القعدة، كما صَرَّحت به في رواية عمرة التي ذكرها مسلم بعد هذا من حديث عبد الله بن سَلِمَة، عن سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عمرة. انتهى . وقال في «الفتح»: قولها: «خرجنا موافين لهلال ذي الحجة»؛ أي: قرب طلوعه، وسيأتي أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، والخمس قريبة من آخر الشهر، فوافاهم الهلال، وهم في الطريق؛ لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة. انتهى. وقولها: (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء، وإسكان الصاد المهملتين -: هي الليلة التي بعد أيام التشريق، وسُمّيت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى، فنزلوا في الْمُحَصَّب، وباتوا بها، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبي - ﵀ -: وقولها: «فلما كانت ليلة الحَصْبة» - بسكون الصاد -، وهي: الليلة التي ينزل الناس فيها المحصب عند انصرافهم من منى إلى مكة، والتحصيب: إقامتهم بالمحصَّب، وهو الشِّعبُ الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ - ﷺ - حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة؛ الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما تسمَّى: الأبطح، والبطحاء: لقربه منه، ونزوله بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر والعصر والعشاءين ويخرج منه ليلًا سُنَّة عند مالك، والشافعي، وبعض السَّلف؛ اقتداءً بالنبيّ - ﷺ -، ولم يره بعضهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى . وقولها: (وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا) أي: والعمرة التي قرئت معه. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا محمول على إخبارها عن نفسها؛ أي: لم يكن عليّ في ذلك هدي، ولا صدقةٌ، ولا صوم، ثم إنه مشكلٌ من حيث إنها كانت قارنةً، والقارن يلزمه الدم، وكذلك المتمتع، ويمكن أن يُتأوَّل هذا على أن المراد لم يجب عليّ دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام، كالطيب، وستر الوجه، وقتل الصيد، وإزالة شعر وظفر، وغير ذلك؛ أي: لم أرتكب محظورًا، فيجب بسببه هديٌ، أو صدقةٌ، أو صوم، هذا هو المختار في تأويله. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه تكلّف ظاهر. وقال في «الفتح»: وأما قوله في هذا الحديث: «فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ، ولا صدقة، ولا صومٌ» فظاهره أن ذلك من قول عائشة - ﵂ -، وكذا أخرجه مسلم، وابن ماجه، من رواية عبدة بن سليمان، ومسلم من طريق ابن نُمَير، والإسماعيليّ من طريق عليّ بن مسهر وغيره، لكن قد تقدم الحديث عند البخاريّ في «كتاب الحيض» من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة إلخ، فقال في آخره: قال هشام: «ولم يكن في شيء من ذلك إلخ»، فتبيّن أنه في رواية يحيى القطان ومن وافقه مُدْرَج، وكذا أخرجه أبو داود، من طريق وُهيب، والحمادين، عن هشام، ووقع في الحديث موضعٌ آخر مُدْرَجٌ، وهو قوله قبل ذلك: «فقضى الله حجها وعمرتها»، فقد بَيَّن أحمد في روايته عن وكيع، عن هشام، أنه من قول عروة، وبَيَّنه مسلم، عن أبي كريب، عن وكيع بيانًا شافيًا، فإنه أخرجه عقب رواية عبدة، عن هشام: وقال فيه: فساق الحديث بنحوه، وقال في آخره: قال عروة: «فقضى الله حجها وعمرتها»، قال هشام: «ولم يكن في ذلك هديٌ، ولا صيامٌ ولا صدقةٌ»، وساقه الْجَوْزقيّ من طريق مسلم بهذا الإسناد بتمامه، بغير حوالة. ورواه ابن جريج، عن هشام، فلم يذكر الزيادة، أخرجه أبو عوانة، وكذا أخرجه الشيخان من طريق الزهريّ، وأبي الأسود، عن عروة، بدون الزيادة. قال ابن بطال: قوله: «فقضى الله حجها وعمرتها …» إلى آخر الحديث، ليس من قول عائشة - ﵂ -، وإنما هو من كلام هشام بن عروة، حدّث به هكذا في العراق، فوهم فيه، فظهر بذلك أن لا دليل فيه من قال إن عائشة لم تكن قارنةً، حيث قال: لو كانت قارنة لوجب عليها الهدي للقران، وحمل قوله لها: «ارْفُضي عمرتك» على ظاهره. لكن طريق الجمع بين مختلف الأحاديث تقتضي ما قررناه، وقد ثبت عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - ضحى عن نسائه بالبقر، كما تقدم، وروى مسلم من حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أهدى عنها، فيُحْمَل على أنه - ﷺ - أهدى عنها من غير أن يأمرها بذلك، ولا أعلمها به. وقال القرطبي - ﵀ -: قولها: «ولم يكن في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صوم» هذا الكلام مشكل على من يقول: إنها كانت معتمرة، أو قارنة؛ لأنها إن كانت معتمرة فقد استباحت مشط رأسها، وإلقاء القمل؛ إن تنزلنا على تأويل من قال: إنها كان بها أذى، وإنها رُخِّص لها كما رُخِّص لكعب بن عجرة، فكانت تلزم الفدية كما نصَّ الله على ذلك، وأما إن كانت قارنة فيلزمها الهدي للقران عند جماعة العلماء إلا داود فإنه لا يرى في القران هديًا. وقد أشكل هذا على أصحابنا حتى قال القاضي أبو الفضل عياض: لم تكن معتمرة ولا قارنة، وإنما كانت أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملت حجها اعتمرت عمرة مبتدأة، فلم تكن متمتعة، فلم يجب عليها هدي. قال القرطبي - ﵀ -: وكأن القاضي - ﵀ - لم يسمع قولها: «وكنت فيمن أهلّ بعمرة»، وقولها: «ولم أهلّ إلا بعمرة»، ولا قوله - ﷺ - لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك». قال: وهذا الكلام المشكل يهوّن إشكاله: أنه قد رواه وكيع موقوفًا على هشام بن عروة وأبيه، فقال: قال عروة: إنه قضى الله حجها وعمرتها، قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صيام، ولا صدقة، وإذا كان الأمر كذلك سهل الانفصال؛ بأن يقال: إن عروة وهشامًا لمّا لم يبلغهما في ذلك شيء أخبرا عن نفي ذلك في علمهما، ولا يلزم من ذلك انتفاء ذلك الأمر في نفسه، فلعل النبيّ - ﷺ - أهدى عنها، ولم يبلغهما ذلك، وهذا التأويل أيضًا منقدح على تقدير: أن يكون هذا الكلام من قول عائشة - ﵂ -، ويؤيده قول جابر: أن النبيّ - ﷺ - أهدى عن عائشة بقرة على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -. ويَحْتَمِل أن يكون معنى قولهم: «لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة» أي: لم يأمرها بذلك، ولم يكلّفها شيئًا من ذلك؛ لأنه نوى أن يقوم به عنها، كما قد فعل على ما رواه جابر وغيره. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ. وقال ابن خزيمة: معنى قوله: «لم يكن في شيء من ذلك هديٌ» أي: في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا، وهذا تأويل حسنٌ، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة أنه إن كان هذا الكلام - أعني: «ولو يكن في شيء من ذلك هديٌ … إلخ» - من قول عائشة - ﵂ - ما قاله ابن خزيمة - ﵀ -: إن المراد أنه لم يلزمها شيء في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا، وهذا لا ينافي هدي القران، وهو قد ذُكر في قول جابر - ﵁ -: «إن النبيّ - ﷺ - أهدى عن نسائه بالبقر»، ومنهنّ عائشة - ﵂ -، فزال الإشكال، وعلى هذا أيضًا يؤوّل إن كان من كلام هشام - ﵀ -، فتأمله بالإنصاف. والحديث متّفقٌ عليه، دون الكلام الأخير، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَة - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، لَا نَرَى إِلا الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِل بِعُمْرَ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ) أي: لا نعتقد أنا نُحرم إلا بالحجّ؛ لأنا كنّا نظنّ امتناع العمرة في أشهر الحجّ، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبي - ﵀ -: يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يُخبرهم النبيّ - ﷺ - في أنواع الإحرام، ويُبيّنها لهم. انتهى . وقولها أيضًا: (لَا نُرَى) بضم النون؛ أي: لا نظنّ، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمّها (إِلَّا الْحَجَّ) وفي رواية عنها: «لا نَنْوِي إلا الحج»، وفي أخرى: «لا نذكر إلا الحجّ»، وفي أخرى: «مهلّين بالحجّ» وفي أخرى: «لبّينا بالحجّ». وظاهر هذه الروايات أن عائشة مع غيرها من الصحابة - ﵃ -، كانوا أوّلًا محرمين بالحجّ، لكن هذا يُستشكل مع قولها: «فمنّا من أهلّ بالحجّ، ومنّا من أهلّ بعمرة»، وفي رواية: «فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحجّ». وقد ذكر الحافظ - ﵀ - الجمع بأن الأول يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا يَعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا، لا يعرفون إلا الحجّ، ثمّ بيّن لهم النبيّ - ﷺ - وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ، وقال لهم: «من شاء أن يُهلّ بحجّ فليُهلّ، ومن شاء أن يُهلّ بعمرة فليهلّ بعمرة». قال: وأما عائشة نفسها، فقد جاء عنها، أنها قالت: «وكنت ممن أهلّ بعمرة»، زاد أحمد: «ولم أسق هديًا». فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، والصواب رواية الأسود، والقاسم، وعروة عنها أنها أهلّت بالحجّ مفردًا. وتُعُقّب بأن قول عروة عنها إنها أهلّت بعمرة صريحٌ، وأما قول الأسود وغيره عنها: «لا نرى إلا الحجّ»، فليس صريحًا في إهلالها بحجّ مفرد، فالجمع بينهما ما تقدّم، من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابيّ، كما أخرجه مسلم عنه. وكذا طاوس، ومجاهد، عن عائشة. ويَحْتَمِل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلّت عائشة بالحجّ مفردًا، كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزّل حديث الأسود، ومن تبعه: «ثمّ أمر النبيّ - ﷺ - أصحابه أن يفسخوا الحجّ إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتّعة»، وعلى هذا يتنزّل حديث عروة: «ثم لما دخلت مكّة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض، أمرها أن تُحرم بالحجّ»، على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - بتصرّف. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذكره الحافظ - ﵀ - جمع حسنٌ جدًّا؛ إذ به تجتمع الروايات في الباب دون تغليط بعض الرواة. وحاصله أن عائشة - ﵂ - كانت أولًا أحرمت بالحجّ مفردًا، كما فعل غيرها من الصحابة - ﵃ -، ثم لما أمر النبيّ - ﷺ - بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت مثلهم، فصارت متمتّعةً، ثم لما دخلت مكة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف بالبيت أمرها - ﷺ - أن تُحرم بالحجّ، فصارت قارنة، وهذا جمع لا غبار عليه، وبه تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب دون تغليط بعض الرواة، ولا سيّما عروة، فتأمله. وأما ما أطال به ابن القيّم - ﵀ - في الردّ على من قال ذلك، وبالغ فيه، ففيه نظر لا يخفى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ) فاعل «ساق» ضمير عبد الله بن نمير. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه» (٩/ ٢٤٩) فقال: (٣٩٤٢) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة مع رسول الله - ﵀ -، فقال النبيّ - ﵀ -: «من أحب منكم أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، فإني لولا أني أهديت، لأهللت بعمرة»، فأهلّ به بعض أصحابه بحجة، وبعضهم بعمرة، قالت: وكنت فيمن أهلّ بعمرة، فأدركني يوم عرفة، وأنا حائض، لم أحلّ من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبيّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج»، قالت: ففعلت حتى إذا كانت ليلة الحصبة، أرسل معها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفها، فخرجت إلى التنعيم، فأهلّت بعمرة، مكان عمرتها، فطافت بالبيت، وبين الصفا والمروة، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك صوم، ولا هديٌ، ولا صدقة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ، وَلَا صَدَقَةٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) فاعل «ساق» ضمير وكيع؛ أي: ساق وكيع الحديث بمثل ما ساقه عبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير. وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ … إلخ) فيه بيان أن قوله: «ولم يكن … إلخ» ليس من كلام عائشة - ﵂ -، وإنما هو من كلام هشام، وقد تقدّم تحقيق ذلك. [تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام بن عروة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٧] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمنَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ، وَأَهَل رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ، أَو جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٣. والباقون ذُكروا في الباب. قال الحافظ أبو عمر - ﵀ - بعد ذكر هذا الحديث -: وفي هذا الحديث خروج النساء في سفر الحجّ مع أزواجهنّ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. وفيه أيضًا: إباحة التمتع بالعمرة إلى الحجّ، وإباحة القران، وهو جمع الحج والعمرة، وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه، وإنما اختلفوا في الأفضل في ذلك، وكذلك اختلفوا فيما كان رسول الله - ﷺ - به محرمًا في خاصته عام حجة الوداع. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: في هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته، وهو مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته، واختَلَف السلف هل المَحرم لها من شروط الاستطاعة، وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء: ليس له منعها منه، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يمنعها منه كما قال الجمهور، وأصحهما: له منعها؛ لأن حقه على الفور، والحج على التراخي، قال أصحابنا: ويستحب له أن يحج بزوجته؛ للأحاديث الصحيحة فيه. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ، أَو قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأنا أَبْكِي، فَقَالَ: «أَنَفِسْتِ؟» يَعْنِي الْحَيْضَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالْبَيْتِ حَتى تَغْتَسِلِي»، قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. وقولها: (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي: من المدينة عام حجة الوداع، وكان خروجهم لخمس بقين من ذي القعدة، وقَدِموا مكة لأربع، أو خمس من ذي الحجة، فكانوا في طريقهم إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة. وقولها: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) - بفتح السين، وكسر الراء: موضع قريب من مكة ممنوع من الصرف، وقد يُصْرَف، وفي «المصباح»: سَرف: موضع قريب من التنعيم، مثال تَعب، وجَهْل، وبه تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة الهلالية - ﵂ -، وبه تُوُفِّيَت، ودُفنَت. وقال في «العمدة»: سَرِف: اسم موضع قريب من مكة، بينهما نحو من عشرة أميال، وقيل: عشرة، وقيل: تسعة، وقيل: سبعة، وقيل: ستة، وهو غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث. انتهى . وقولها: (حِضْتُ) بكسر الحاء؛ لأنه من حاض يحيض، كبِعْتُ، من باع يبيع، فأصله حَيَضْتُ، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار حَضْتُ بالفتح، ثم أُبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء المحذوفة، قاله في «العمدة» . وقولها: (فَقَالَ: «أَنَفِسْتِ؟») - بفتح النون وكسر الفاء، أو بضم النون وكسر الفاء؛ أي: أحضت، والهمزة للاستفهام. وقوله: («إِنَّ هَذَا شَيْءٌ) وفي رواية»أمرٌ«، والإشارة إلى الحيض، والأمر بمعنى الشأن. وقوله: (كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) أي: الحيض أمر أثبته الله - ﷿ - على النساء، من أولاد آدم، أراد - ﷺ - بهذا تسلية عائشة - ﵁ - حيث إنها بكت، كالْمُقَصِّرة في ذلك، فكأنه يقول لها: لا تقصير منك؛ لأنه مما كتبه الله على النساء كلهن، فلا لوم عليك. [فإن قيل]: هذا الحديث يعارضه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن مسعود - ﵁ -، قال:«كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد»، فإنه يدل على أن ابتداء الحيض من بني إسرائيل، وحديث الباب يدل على أنه على بنات آدم عمومًا. [أجيب]: بأنه لا تعارض بينهما، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم فيكون قوله:«على بنات آدم»عامًّا أريد به الخصوص، قاله الداوديّ. وقال الحافظ: ويمكن الجمع مع القول بالتعميم بأن الذي أُلقيَ على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبةً لهن، لا ابتداء وجوده. وقد روى ابن جرير وغيره، عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]؛ أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب. وروى ابن المنذر والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس - ﵄ -: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة. انتهى . وقوله: (فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ) أي: افعلي ما يفعل من أحرم بالحج. وقال في«العمدة»: قوله:«فاقضي»خطاب لعائشة - ﵄ -، فلذلك لم تسقط الياء، ومعناه: فأدّي؛ لأن القضاء يأتي بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: إذا أُدِّيت صلاة الجمعة. وقوله: (مَا يَقْضِي الْحَاجُّ) قال الكرماني: المراد من الحاجّ الجنس، فيشمل الجمع، فهو كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . وقوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالْبَيْتِ) بنصب«غيرَ»على الاستثناء، و«أن»يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن، و«تطوفي»مجزوم بـ«لا»الناهية، والمعنى: لا تطوفي ما دُمت حائضًا، ويجوز أن تكون ناصبة و«لا»زائدة، والفعل منصوب بأن، مؤول بالمصدر؛ أي: غير طوافك. وقال السنديّ - ﷿ - في«شرح النسائيّ»: كلمة«لا»زائدة، إذ المقصودُ إخراج الطواف عما يقضي الحاجّ، لا إخراج عدم الطواف، ويمكن إبقاء«لا»على معناها، على أنه استثناء مما يفهم من الكلام السابق؛ أي: فلا فرق بينك وبين الحاجّ غير أن لا تطوفي. ثم المراد غير الطواف وما يتبعه من السعي؛ لأنه«حج»لا يجوز تقديم السعي على الطواف، ولكونه تابعًا لم يذكره. اهـ كلام السنديّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله:«لا يجوز تقديم … »إلخ، نظر؛ لأن الراجح أنه يجوز تقديمه عليه؛ لما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أسامة بن شريك - ﵁ -، قال: خرجت مع النبيّ - ﷺ - حاجًّا فكان الناس يأتونه، فمن قائل له: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدّمت شيئًا، أو أخرت شيئًا، فكان يقول:«لا حرج، لا حرج … »الحديث. وقولها: (وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: ذبح أضحية قال في«المصباح»: ضَحَّى تضحيةً: إذا ذبح الأضحية وقت الضحى، هذا أصله، ثم كثر حتى قيل: ضحّى في أي وقت كان من أيام التشريق، ويتعدى بالحرف فيقال: ضحيت بشاة. انتهى. (عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ) فيه جواز تضحية الرجل عن امرأته، وقال النوويّ - ﷿ -: هذا محمول على أنه - ﷺ - استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه، قال العينيّ - ﷿ -: هذا في الواجب، وأما في التطوع فلا يحتاج إلى الإذن. قال الجامع عفا الله عنه: فيما قالاه نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث يدل على الجواز مطلقًا، وأين الدليل على وجوب الاستئذان؟ ولقد أجاد الإمام البخاريّ - ﷿ - حيث ترجم في «صحيحه» بقوله: «باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنّ»، ثم أورد هذا الحديث حجة على ذلك، وهذا هو الحقّ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. واستدل مالك - ﵀ - به على أن التضحية بالبقرة أفضل من البَدَنَة، ولكن الاستدلال غير واضح، وذهب الأكثرون منهم الشافعي إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة . والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٩] (…) - (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ، فَطَمَثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأنا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: «مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَة، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فَأُتِيَنَا بِلَحْم بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ ليْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأرْجِعُ بِحَجَّةٍ، قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِه، قَالَتْ: فَإِنِّي لأَذْكُرُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْل، حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتي اعْتَمَرُوا «. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) الْعَقَديّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون - بكسر الجيم، بعدها معجمة مضمومة - المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنّف [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (فَطَمَثْتُ) - بفتح الطاء المهملة، والميم، وتكسر، قال الفيّوميّ - ﷿ -: طَمَثَت المرأة طَمْثًا، من باب ضَرَبَ: إذا حاضت، وبعضهم يزيد أول ما تحيض، فهي طامثٌ، بغير هاء، وطَمِثَتْ تَطْمَثُ، من باب تَعِبَ لغةٌ. انتهى . وقال النوويّ - ﷿ -: قولها: «فَطَمِثْتُ» بفتح الطاء، وكسر الميم؛ أي: حضت، يقال: حاضت المرأة تحيضت، وطَمَثت، وعَرَكَت بفتح الراء، ونَفِست، وضَحِكَت، وأعصرت، وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض، والطمثُ، والعِرَاك، والضحك، والإكبار، والإعصار، وهي حائض، وحائضة في لغة غريبة، حكاها الفراء، وطامث، وعارك، ومُكْبِر، ومُعْصِرٌ. انتهى . وقولها: (وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ) هذا قالته ظنًّا منها أن الحيض يمنع من الحج، فأعلمها النبيّ - ﷺ - أنه لا يمنع إلا الطواف بالبيت حتى تطهر. وقوله: (اجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي: أحلّوا من إحرام الحجّ بأفعال العمرة، وافسخوه إليها. وقولها: (وَذَوِي الْيَسَارَةِ) أي: أصحاب غنى. وقولها: (ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا) تعني الذين تحلّلوا بعمرة، وأهلّوا بالحجّ حين راحوا إلى منى، وذلك يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وفيه دلالة لمذهب الشافعي، وموافقيه أن الأفضل من كان في مكة أن يُحرم بالحجّ يوم التروية، ولا يُقدّمه عليه، وقد سبقت المسألة مستوفاةً. وقولها: (فَأَفَضْتُ) أي: طُفت طواف الإفاضة، يقال: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلّ دَفْعة إفاضةٌ، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة؛ أي: طواف الرجوع من منًى إلى مكة، قاله في «المصباح» . وقولها: (فَأُتِينَا بِلَحْمِ بَقَرٍ) ببناء الفعل للمفعول. وقولها: (أَنْعَسُ) بضم العين، قال الفيّوميّ - ﷿ -: نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب قتل، والاسم النُّعَاس، فهو ناعس، والجمع نُعَّسٌ، مثل راكع ورُكَّع، والمرأة ناعسة، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نَعْسان، ونَعْسَى حَمَلوه على وَسْنَان ووَسْنَى، وأول النوم النُّعَاس، وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ، وهو ثِقَل النعاس، ثم التَّرْنيق، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الْكَرَى، والْغَمْضُ، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم الْعَفْقُ، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الْهُجُود، والْهُجُوعُ، ورُوي أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم موت أصغر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وكثيرًا ما يُحْمَل الشيء على نظيره، قال الفراء: وأحسن ما يكون ذلك في الشعر، قال الأزهريّ حقيقةُ النُّعاس: الْوَسَنُ من غير نوم. انتهى . وقولها: (مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ) بضم الميم، وسكون الهمزة، وفتح الخاء، وكسرها، وبفتح الهمزة، وتشديد الخاء مفتوحة، ومكسورةً، قال في «القاموس»: آخرةُ الرَّحْل: خلاف قادمته، كآخِرِه، ومُؤَخَّرِه، ومُؤَخَّرَته، وتكسر خاؤهما، مخفّفةً ومُشدّدةً. انتهى . وقال في «المصباح»: آخرة الرَّحْلِ والسَّرْجِ بالمدّ: الخشبةُ التي يستند إليها الراكب، والجمع: الأواخر، وهذه أفصح اللغات، ويقال: مُؤْخِرَةٌ بضمّ الميم، وسكون الهمزة، ومنهم من يُثَقِّل الخاء، ومنهم من يَعُدُّ هذه لحنًا. انتهى . وقولها: (جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتي اعْتَمَرُوا) وفي نسخة: «التي اعتمروها»، والمعنى أنها تقوم مقام عمرة الناس التي اعتمروها مفردةً، وتكفيني عنها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاجِشُون، غَيْرَ أَن حَمَّادًا لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَة، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، وَلَا قَوْلُهَا: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أنعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيُّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تغيّر في الآخر، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. والباقون ذُكروا قبله، و«أبو أيوب الغيلانيّ» هو: سليمان بن عُبيد الله، و«عبد الرحمن» هو: ابن القاسم بن محمد. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاجِشُونِ) فاعل «ساق» ضمير حمّاد بن سلمة، و«الماجشون» هو: عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: رواية حمّاد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم هذه ساقها أبو داود في «سننه»، فقال: (١٥١٨) - حدّثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لبّينا بالحجّ حتى إذا كنا بِسَرِفَ حضتُ، فدخل عليّ رسول الله - ﷺ -، وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك يا عائشة؟» فقلت: حضت، ليتني لم أكن حججت، فقال: «سبحان الله، إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم»، فقال: «انسكي المناسك كلها، غير أن لا تطوفي بالبيت»، فلما دخلنا مكة، قال رسول الله - ﷺ -: «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة، إلا من كان معه الهدي»، قالت: وذبح رسول الله - ﷺ - عن نسائه البقر يوم النحر، فلما كانت ليلة البطحاء، وطهرت عائشة، قالت: يا رسول الله أترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن أبي بكر، فذهب بها إلى التنعيم، فلبّت بالعمرة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢١] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَفْرَدَ الْحَجَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك، ونسيبه المدنيّ، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠]. رَوَى عن أبيه، وأخيه أبي بكر، وخاله فأكثر، وعن سلمة بن وردان، وابن أبي الزناد، وعبد العزيز الماجشون، وسليمان بن بلال، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وهما الباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وأحمد بن صالح المصريّ، والحسن غير منسوب، وأبي خيثمة، والدارميّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، وجعفر بن مسافر، والذهليّ، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، وكذا قال عثمان الدارميّ عن ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة عنه: صدوق ضعيف العقل، ليس بذاك، يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه، وقال معاوية بن صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان، وقال عبد الوهاب بن عصمة عن أحمد بن أبي يحيى، عن ابن معين: ابنُ أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث، وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: مخلط يكذب، ليس بشيء، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: غير ثقة، وقال اللالكائيّ: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بأن له ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف، وقال ابن عديّ: روى عن خاله أحاديث غرائب، لا يتابعه عليها أحد، وعن سليمان بن بلال وغيرهما من شيوخه، وقد حدّث عنه الناس، وأثنى عليه ابن معين، وأحمد، والبخاري يحدّث عنه الكثير، وهو خير من أبيه أبي أويس. وقال الدُّولابيّ في «الضعفاء»: سمعت النضر بن سلمة المروزيّ يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب، وقال العقيليّ في «الضعفاء»: ثنا أسامة الدقّاق بصريّ: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن أبي أويس يَسْوَى فلسين، وقال الدارقطنيّ: لا أختاره في الصحيح، ونقل الخليليّ في «الإرشاد» أن أبا حاتم قال: كان ثبتًا في حاله، وفي «الكمال»: أن أبا حاتم قال: كان من الثقات، وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبيد الله العباسيّ صاحب اليمن أن إسماعيل ارتَشَى من تاجر عشرين دينارًا حتى باع له على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة، وذكره الإسماعيليّ في «المدخل»، فقال: كان ينسب في الخفّة والطيش إلى ما أكره ذكره، قال: وقال بعضهم: جانبناه للسنة، وقال ابن حزم في «المحلى»: قال أبو الفتح الأزديّ: حدّثني سيف بن محمد، أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث، وقرأت على عبد الله بن عمر، عن أبي بكر بن محمد أن عبد الرحمن بن مكيّ أخبرهم كتابةً: أنا الحافظ أبو طاهر السلفيّ، أنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلانيّ، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الْبَرْقانيّ، ثنا أبو الحسن الدارقطنيّ، قال: ذكر محمد بن موسى الهاشميّ، وهو أحد الأئمة، وكان النسائيّ يخصه بما لم يخصّ به ولده، فذكر عن أبي عبد الرحمن، قال: حَكَى لي سلمة بن شبيب، قال: بم توقف أبو عبد الرحمن؛ قال: فما زلت بعد ذلك أداريه أن يحكي لي الحكاية حتى قال: قال لي سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال الْبَرْقانيّ: قلت للدارقطنيّ: مَن حَكَى لك هذا، عن محمد بن موسى؟ قال: الوزير، كتبتها من كتابه، وقرأتها عليه، يعني بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن خزابة. قال الحافظ: وهذا هو الذي بأن للنسائي منه حتى تجنب حديثه، وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته، ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يُظَنّ بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاريّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عجيب من مثل الحافظ - ﵀ - أن يحكي هذه الحكاية، ثم لا يعترض عليها، ثم يُجيب عما أخرجه الشيخان عن إسماعيل، إن هذا لهو العجب العُجاب، فكيف يسوغ أن نقول إنهما يُخرجان لشخص وضّاع ما وافق فيه الثقات، فأيّ فرق بين إسماعيل إذا ثبت كونه وضّاعًا، وبين غيره من الوضّاعين الذين لا يتعرّض الشيخان إلى إخراج شيء لهم، ولو وافق ثقات الدنيا كلّهم؟ فهل يُخرج البخاريّ في «صحيحه» لإسماعيل بن أبي أويس نحو (٢٢٩) حديثًا، ومسلم سبعة أحاديث، وهو وضّاع، هيهات هيهات!!! والحاصل أن عندي في صحّة هذه الحكاية وقفة، وإن ذكرها الحافظ، وقبله الذهبيّ، والحقّ ما قاله الذهبيّ - ﵀ - بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: الرجل قد وَثَبَ إلى ذاك الْبَرّ، واعتمده صاحبا «الصحيحين»، ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تَنغَمِر في سعة ما روى، فإنه من أوعية العلم، وهو أقوى من عبد الله كاتب الليث. وقال أيضًا: وكان عالم أهل المدينة، ومحدّثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجّا به لزُحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي فيه. انتهى كلام الذهبيّ - ﵀ - ، وهو كلام نفيسٌ وبحث أنيسٌ جدًّا، فتمسّك به، والله تعالى أعلم. قال ابن عساكر: مات سنة ست، ويقال: سنة سبع وعشرين ومائتين في رجب، وجزم ابن حبان في «الثقات» أنه مات سنة ست. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم (١٢١١) و(١٤٩٧) و(١٥٥٧) و(١٦٥٠) و(١٩٢٧) و(٢٠٩٤) و(٢٤١٧). والباقون ذُكروا في الباب. وقولها: (أفرَدَ الْحَجَّ) أي: أحرم بالحجّ وحده. واحتجّ به من قال: كان حجه - ﷺ - مفردًا، وهم عامّة الشافعيّة والمالكيّة، وحمله المحقّقون منهم كالقاضي عياض، والنوويّ، والحافظ، وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحجّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة، وحمله الحنفية، والحنابلة القائلون بكونه - ﷺ - قارنًا ابتداء على أن عائشة - ﵂ - سمعت تلبيته بالحجّ فقط، وللقارن أن يُلبّي بأيهما شاء، فيقول تارةً: لبيك بحجة، وتارة لبيك بعمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما سمعت، فلا يخالف قولُها من حكى أنه لبّى بهما جميعًا، وكان قارنًا من الابتداء، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في صفة إحرامه - ﷺ -، وأن الأرجح أنه كان لبى بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: معنى إفراد الحجّ: هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من الحجّ من شاء، قاله في «الفتح». ومعنى قوله: «عند مجيزيه» أن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مختلف فيه، قال ابن قُدامة - ﵀ -: لا ينبغي أن يحرم بالحجّ قبل أشهره، هذا هو الأولى، فإن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحرامًا به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته؛ ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره صحّ، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحجّ جاز، نصّ عليه أحمد، وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، وإسحاق، وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعيّ: يجعله عمرة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تقديره: وقت الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه، كأوقات الصلوات. قال: ولنا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فدلّ على أن جميع الأشهر ميقات. انتهى كلام ابن قدامة. وتعقّبه بعضهم: بأنه لو صحّ ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر، فإن قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لا يختلف عن تعيين شهر رمضان باسمه، فإن قوله: ﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ كتسميتها سواء. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه القائلون بعدم جواز تقديم إحرام الحجّ عن أشهره هو الصواب عندي؛ لصريح قوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقد عيّنها وبيّن أن الحجّ يقع فيها، لا في غيرها من الأشهر، ولا تخالف بين هذه الآية، وآية ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فإن هذه محمولة على الأولى، فالمراد بالأهلة التي هي مواقيت للحجّ أهلّة أشهر الحجّ، لا مطلق الأهلّة، بدليل تعيين وقت أداء الحجّ، فإنه لا يجوز إيقاع الحجّ في رمضان مثلًا، بالإجماع، والإحرام جزء منه، فلا يجوز تقديم جزئه، كما لا يجوز تقديم كلّه، وهذا واضح لا خفاء فيه، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: [اعلم]: أن الحجّ على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران، ويخيّر مريد الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة. قال العلامة ابن قُدامة - ﵀ -: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران، وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأيّ الأنساك الثلاثة شاء، وكذا حكى النوويّ - ﵀ - في «شرح المهذّب»، و«شرح مسلم» الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما ورد من النهي عن التمتّع عن بعض الصحابة. وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ - ﵀ - في «طرح التثريب»: أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكي الحجّ والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة: الإفراد، والتمتّع، والقران. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ أن أنواع النسك هي الثلاثة المذكورة، فبأيها أدّى المسلم، فقد فعل ما أمر به، وتمّ نسكه، إلا أن من أتى محرمًا بالحجّ، أو قارنًا ولم يسق الهدي لزمه أن يتحلّل بأفعال العمرة، ثم يُحرم بالحجّ، كما فعل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهذا هو المذهب الحقّ، على ما سيأتي تحقيقه، ونستوفي بحثه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٢١] (١٢١١)، وأخرجه أيضًا (أبو داود) في «المناسك» (١٧٧٧)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٢٠)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ١٤٥) و«الكبرى» (٢/ ٣٤٣)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٦٩٤)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٣٣٥)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٤٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩/ ٢٤٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣٣)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ٢٦٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٣٢٤ و٣٢٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٠٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٧٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٢] (…) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أفلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَن الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ، حَتى نَزَلْنَا بِسَرِفَ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِه، فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا»، فَمِنْهُم الْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» قُلْتُ: سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَة، قَالَ: «وَمَا لَكِ؟» قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: «فَلَا يَضُرُّك، فَكُونِي فِي حَجِّك، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا، وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي، حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى، فَتَطَهَّرْتُ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْت، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَم، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْت، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا»، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا، فَأَهْلَلْتُ، ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْت، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَجِئْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْل، فَقَالَ: «هَلْ فَرَغْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيل، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْت، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْح، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو يحيى الرازيّ، كوفيّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت ٢٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الزكاة» ٤٣/ ٢٤٢٩. ٣ - (أفلَحُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفَيراء، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في «الحيض» ٩/ ٧٣٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِه، فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ) ظاهره أن أمره - ﷺ - لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة كان بسرف قبل دخولهم مكة، والمعروف في غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك بعد دخول مكة، ويَحْتَمِل التعدد، قاله في»الفتح«. وقولها: (وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ) - بضم الحاء المهملة والراء -؛ أي: أزمنته، وأمكنته، وحالاته، ورُوي بفتح الراء، وهو جمع حُرْمة؛ أي: ممنوعات الحج . وقال النوويّ - ﵀ -: قولها:«حُرُم الحج»هو بضم الحاء والراء، كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض في«المشارق»عن جمهور الرواة، قال: وضبطه الأصيليّ بفتح الراء، قال: فعلى الضم كأنها تريد الأوقات، والمواضع، والأشياء، والحالات، وأما بالفتح فجمع حُرْمة؛ أي: ممنوعات الشرع ومحرَّماته، وكذلك قيل للمرأة المحرَّمة بنسب: حُرْمة، وجمعها حُرَم. وأما قولها:«في أشهر الحج»، فاختَلَف العلماء في المراد بأشهر الحجّ في قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، فقال الشافعيّ، وجماهير العلماء، من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم: هي شوّالٌ، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، تَمْتَدّ إلى الفجر ليلة النحر، وروي هذا عن مالك أيضًا، والمشهور عنه شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة بكماله، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وابن عمر - ﵃ -، والمشهور عنهما ما قدمناه عن الجمهور. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه مالك - ﵀ - هو الأقرب لظاهر النصّ، حيث قال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ بصيغة الجمع، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقولها: (فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ) قال النوويّ - ﵀ -: وفي الحديث الآخر بعد هذا أنه - ﷺ - قال: «أَوَ ما شَعَرت أني أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون»، وفي حديث جابر: «فأمرنا أن نَحِلّ»، يعني بعمرة، وقال في آخره: «قال: فَحِلُّوا، قال: فحللنا، وسمعنا، وأطعنا»، وفي الرواية الأخرى: «أَحِلُّوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقَصِّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ، واجعلوا الذي قَدِمتم بها مُتْعَةً، قالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمّينا الحجّ؟ قال: افعلوا ما آمركم به». هذه الروايات صحيحةٌ في أنه - ﷺ - أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة أمرَ عزيمةٍ وتحتمٍ، بخلاف الرواية الأولى، وهي قوله - ﷺ -: «من لم يكن معه هديٌ، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل». قال العلماء: خَيَّرهم أوّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم، وإيناسًا بالعمرة في أشهر الحجّ؛ لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حَتَمَ عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم به أمرَ عزيمةٍ، وألزمهم إياه، وكَرِهَ ترَدُّدهم في قبول ذلك، ثم قَبِلوه، وفعلوه إلا من كان معه هدي، والله أعلم. انتهى. وقولها: (سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ) كذا هو في النسخ: «فسَمِعتُ بالعمرة»، قال القاضي عياض: كذا رواه جمهور رواة مسلم، ورواه بعضهم: «فمُنِعتُ العمرةَ»، وهو الصواب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كذا نقل النوويّ كلام القاضي عياض، وأقرّه عليه، وعندي أن ما في النسخة الأولى صحيح أيضًا، ووجهه أن قولها: «فسمعت بالعمرة» أي: سمعتك تأمر أصحابك بعمل العمرة، والتحلّل بعدها، ولكني لا أستطيع ذلك؛ لما حلّ بي من الحيض، والله تعالى أعلم. وقولها: (فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟») زاد في رواية البخاريّ: «يَا هَنْتَاهْ» - بفتح الهاء والنون، وقد تسكن النون، بعدها مثناة، وآخرها هاء ساكنة: كناية عن شيء، لا يذكره باسمه، تقول في الثداء للمذكر: يا هَنُ، وقد تزاد الهاء في آخره للسكت، فتقول: يا هنهْ، وتشبع الحركة في النون، فتقول: يا هناه، وتزاد في جميع ذلك للمؤنث مثناة، وقال بعضهم: الألف والهاء في آخره كهما في النُّدْبة، قاله في «الفتح» . وقولها: (لَا أُصَلِّي) كناية عن أنها حاضت، وهي من لطيف الكنايات، قال ابن الْمُنَيِّر: كَنَتْ عن الحيض بالحكم الخاصّ به؛ أدبًا منها، وقد ظهر أثر ذلك في بناهها المؤمنات، فكلهنّ يَكْنين عن الحيض بحرمان الصلاة، أو غير ذلك. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: فيه استحباب الكناية عن الحيض ونحوه، مما يُستحى منه، ويُستشنع لفظه، إلا إذا كانت حاجة، كإزالة وهم، ونحو ذلك. انتهى . قَوله: (فَلَا يَضُرُّكِ) وعند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: «فلا يَضِيرك» بكسر الضاد، وتخفيف التحتانية، من الضير، وهو الضرر. وقوله: (فَكُوني فِي حَجِّكِ) فيه أنه - ﷺ - أمرها أن تهلّ بالحجّ، وتدخله على عمرتها التي ما تمكّنت من الفراغ منها بسبب حيضها، فتكون قارنة. وقوله: (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) أي: العمرة المفردة، وقد تحقّق ذلك حيث أمر أخاها أن يُعمرها من التنعيم، فحصل لها ما ترجّاه - ﷺ - لها، ولله الحمد والمنّة. وقولها: (الْمُحَصَّبَ) بصيغة اسم المفعول المضعّف، من التحصيب، وهو موضع بمكة على طريق منًى، ويسمّى البطحاء، والمحصّب أيضًا: مَرْمَى الجمار بمنى، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقوله: (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِن الْحَرَمِ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل لما قاله العلماء: إن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاته لها أدنى الحلّ، ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم، فإن خالف وأحرم بها من الحرم، وخرج إلى الحلّ قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان: أحدهما: لا تصحّ عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف، ويسعى ويحلق. والثاني: وهو الأصح: يصحّ، وعليه دم لتركه الميقات. قال العلماء: وإنما وجب الخروج إلى الحل؛ ليجمع في نسكه بين الحلّ والحرم، كما أن الحاجّ يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي في الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، هذا تفصيل مذهب الشافعيّ، وهكذا قال جمهور العلماء: إنه يجب الخروج لإحرام العمرة إلى أدنى الحلّ، وانه لو أحرم بها في الحرم ولم يخرج لزمه دم. وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحلّ، قال القاضي عياض: وقال مالك: لا بُدّ من إحرامه من التنعيم خاصّة، قالوا: وهو ميقات المعتمرين من مكة، وهذا شاذّ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحلّ سواء، ولا تختص بالتنعيم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي قول من قال: لا تجزئ العمرة إلا بالخروج إلى الحلّ هو الأظهر؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «اخرُج بأختك من الحرم …» الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا) يعني المحصّب. وقولها: (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في جوف الليل، فـ «من» بمعنى «في»، وفي رواية الإسماعيليّ: «من آخر الليل»، وهي أوفق لبقية الروايات، وظاهرها أنها أتت إلى النبيّ - ﷺ -، وسيأتي قولها: «فلقيني رسول الله - ﷺ -، وهو مُصعِدٌ من مكة، وأنا منهبطةٌ عليها، أو أنا مُصعِدةُ، وهو منهبط منها»، والجمع بينهما واضح، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. قال عياض: قوله في رواية القاسم، يعني هذه: «فجئنا رسول الله - ﷺ -، وهو في منزله، فقال: فهل فرغتِ؟ قلت: نعم، فآذن بالرحيل»، وفي رواية الأسود، عن عائشة، يعني الآتية في هذا الباب بلفظ: «فلقيني رسول الله - ﷺ -، وهو مُصْعِد من مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مُصعِدةٌ وهو منهبطٌ منها»، وفي رواية صفية بنت شيبة عنها، يعني الآتية أيضًا: «فأقبلنا حتى أتيناه، وهو بالحصبة»، وهذا موافق لرواية القاسم، وهما موافقان لحديث أنس - ﵁ - عند البخاريّ: «أنه - ﷺ - رَقَدَ رَقْدَةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به». قال: وفي حديث الباب من الإشكال قوله: «فمَرّ بالبيت، فطاف به»، بعد أن قال لعائشة: «أفرغتِ؟ قالت: نعم»، مع قولها في الرواية الأخرى: إنه توجه لطواف الوداع، وهي راجعة إلى المنزل الذي كان به، قال: فيَحْتَمِل أنه أعاد طواف الوداع؛ لأن منزله كان بالأبطح، وهو بأعلى مكة، وخروجه من مكة إنما كان من أسفلها، فكأنه لما توجّه طالبًا للمدينة، اجتاز بالمسجد؛ ليخرج من أسفل مكة، فكَرَّر الطواف؛ ليكون آخر عهده بالبيت. انتهى. وتعقّبه الحافظ - ﵀ -، فقال: والقاضي في هذا معذورٌ؛ لأنه لم يشاهد تلك الأماكن، فظَنّ أن الذي يقصد الخروج إلى المدينة من أسفل مكة يتحتم عليه المرور بالمسجد، وليس كذلك كما شاهده من عاينه، بل الراحل من منزله بالأبطح يمر مجتازًا من ظاهر مكة إلى حيث مقصده، من جهة المدينة، ولا يحتاج إلى المرور بالمسجد، ولا يدخل إلى البلد أصلًا. قال عياض: وقد وقع في رواية الأصيليّ في البخاريّ: «فخرج رسول الله - ﷺ - ومن طاف بالبيت»، قال: فلم تذكر أنه أعاد الطواف، فيَحْتَمِل أن طوافه هو طواف الوداع، وأن لقاءه لعائشة - ﵂ - كان حين انتقَلَ من المحصب، كما عند عبد الرزاق، أنه كَرِهَ أن يقتدي الناس بإناخته بالبطحاء، فرَحَلَ حتى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، قال: فيَحْتَمِل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرحيل، وأنه المكان الذي عنته في رواية الأسود بقوله لها: «موعدك بمكان كذا وكذا»، ثم طاف بعد ذلك طواف الوداع. انتهى. قال الحافظ: وهذا التأويل حسنٌ، وهو يقتضي أن الرواية التي عزاها للأصيليّ مسكوت عن ذكر طواف الوداع فيها، وقد بيّنا أن الصواب فيها: فَمَرّ بالبيت، فطاف به، بدل قوله: «ومن طاف بالبيت». قال: ثم في عزو عياض ذلك إلى الأصيليّ وحده نظرٌ، فإن كل الروايات التي وقفنا عليها في ذلك سواء، حتى رواية إبراهيم بن مَعْقِل النسفيّ، عن البخاريّ، والله أعلم. انتهى . وقوله: («هَلْ فَرَغْتِ؟») أي: من أفعال العمرة. وقولها: (فَآذَنَ) بالمدّ؛ أي: أعلم، وفي نسخة: «فأَذَّنَ» بلا مدّ، وتشديد الذال المعجمة، وهو بمعناه. وقولها: (بِالرَّحِيلِ) - بفتح الراء، وكسر الحاء - مصدر رَحَل؛ أي: بالارتحال إلى المدينة. وقولها: (فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْت، فَطَافَ بِهِ) هذا هو طواف الوَداع بفتح الواو، وفي رواية البخاريّ: «فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح». قال الحافظ - ﵀ -: قوله: «فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت»، هو من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الناس أعمّ من الطائفين، ولعلها أرادت بالناس من لم يطف طواف الوداع، ويَحْتَمِل أن يكون الموصول صفة «الناس»، من باب تَوَسُّط العاطف بين الصفة والموصوف، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] وقد أجاز سيبويه نحو مررت بزيد وصاحبِك، إذا أراد بالصاحب زيدًا المذكور. قال: وهذا كله بناء على صحة هذا السياق، والذي يغلب عندي أنه وقع فيه تحريف والصواب: فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت إلخ، وكذا وقع عند أبي داود، من طريق أبي بكر الحنفيّ، عن أفلح، بلفظ: «فأَذَّن في أصحابه بالرحيل، فارتحل، فمرّ بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة». وفي رواية مسلم: «فآذن في أصحابه بالرحيل، فخرج، فمَرّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة»، وقد أخرجه البخاري من هذا الوجه بلفظ: «فارتحل الناس، فمَرّ متوجهًا إلى المدينة»، أخرجه في «باب الحج أشهر معلومات». [تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريّ - ﵀ - بهذا الحديث على أن المعتمر إذا توجه إلى بلده بعد انتهاء أفعال العمرة، يجزؤه عن طواف الوداع، ودونك نصّه: «باب المعتمرِ إذا طاف طواف العمرة، ثم خرج، هل يجزئه من طواف الوداع؟»، ثم أورد حديث عائشة هذا، حيث قال - ﷺ - لعبد الرحمن بن أبي بكر - ﵁ -: «اخرُج بأختك من الحرم، فلتهلّ بعمرة، ثم افرُغا من طوافكما …» الحديث، فلما فرغا من أفعال العمرة قال: «أفرغتما؟»، فنادى بالرحيل، ولم يأمرهما بطواف الوداع. قال ابن بطال - ﵀ -: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف، فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة - ﵂ -. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: ويستفاد من قصة عائشة - ﵂ - أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن، إن قلنا: إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع أنّ تخلل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع أجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا. انتهى، وهو بحث مهمّ مفيدٌ جدًّا. وحاصله أن من جعل طوافه للركن آخر العهد بالبيت، سواء كان طواف الحجّ، أو طواف العمرة، أجزأه عن طواف الوداع، ولا يضرّه تخلّل السعي بين الطواف والخروج من مكة، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٣] (…) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبَادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَتَعَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ) هو: عباد بن عبّاد بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. وقولها: (فَرْدًا) بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو من «الحجّ». [تنبيه]: الإفراد هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحجّ من شاء. وأما التمتع: فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم التحلل من تلك العمرة، والإهلال بالحجّ في تلك السنة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويُطلق التمتع في عرف السلف على القران أيضًا، قال ابن عبد البرّ ﵀: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحجّ، قال: ومن التمتع أيضًا القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة. انتهى. وأما القران: فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، أو عكسه، وهذا مختلف فيه، والصحيح الجواز، كما فعله النبيّ - ﷺ -، وأصحابه - ﵃ -. وأما فسخ الحج: فهو الإحرام بالحجّ، ثم يتحلل منه بعمل عمرة، فيصير متمتعًا، وفي جوازه اختلاف ، والحقّ جوازه، بل وجوبه، على ما يأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه [١٧/ ٢٩٢٣] (١٢١١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ١٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٤] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، غير محمد بن بكر، وابن جريج، فتقدّما قبل باب. وقوله: (قَالَ: جَاءتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً) هذا يَحْتَمِل أن يكون مرسلًا إن كان المراد مجيئها عام حجة الوداع؛ لأن القاسم لم يحضر ذلك، وهذا هو ظاهر صنيع المصنّف - ﵀ -، حيث أورده في خلال أحاديث عائشة - ﵂ - المتعلّقة بقصّة حجة الوداع، ويَحْتَمل أن يكون متّصلًا، وأراد به الإخبار عما فعلته عائشة - ﵂ - بعد النبيّ - ﷺ -، وهو معها، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنف - ﵀ -، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٢٤] (١٢١١) ولم أره لغيره بهذا اللفظ. وأخرجه أبو نعيم - ﵀ - في «مستخرجه» (٣/ ٣٠٧) بلفظ آخر، ونصّه: (٢٨٠٥) - ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد الحرانيّ، ثنا أبو يوسف محمد بن أحمد الصيدلانيّ، حدّثنا مُطَرِّف، يعني ابن مازن، عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، قال: جاءت عائشة، وهي تبكي، فقال: «ما لك تبكي ؟»، قالت: أبكي أن الناس حَلُّوا، ولم أَحْلِلْ، وطافوا، ولم أَطُف، وهذا الحج قد حَضَرَ كما ترى، فقال النبيّ - ﷺ -: «هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم …»، فذكره بطوله. (٢٨٠٦) - حدّثنا محمد، ثنا الحسين، ثنا الفضل بن يعقوب، ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، أخبره عبيد الله، أن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة، بمثله. ثم قال أبو نعيم - ﵀ -: رواه مسلم عن عبد بن حُميد، عن محمد بن بكر. انتهى. وصنيع أبي نعيم هذا يدلّ على أن رواية مسلم مثل روايته: «جاءت عائشة وهي تبكي … إلخ»، وهذا النصّ ليس في النسخ التي بين أيدينا، فليُحرّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْني ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة، وَلَا نَرَى إِلا أَنَّهُ الْحَجُّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ لي الله عليه وسلم - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. و«عائشة - ﵂ -» ذُكرت قبله. قوله: (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، وفي الرواية التالية: «أخبرتني عمرة»، فصرّح يحيى بالإخبار. وقولها: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) اختُلف في عدد الذين كانوا معه - ﷺ -، فقيل: كانوا تسعين ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، حكاه البيهقيّ. قال الزرقانيّ: هذا في عدّة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجّوا معه، فأكثر المقيمين بمكّة، والذين أتوا من اليمن مع عليّ، وأبي موسى الأشعريّ - ﵃ -. انتهى. وقال القاري: بلغ جملة من معه - ﷺ - تسعين ألفًا، وقيل: مائة وثلاثين ألفًا. انتهى. وقال الشيخ الدهلويّ في «اللمعات»: ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعيّنوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته - ﷺ - مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بدّ أن يزدادوا فيها. ويُروى: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مائة ألف وعشرون ألفًا. انتهى. وإلى هذا الاختلاف أشار الحافظ العراقيّ ﵀ في «ألفيّة السيرة»، حيث قال: فِي الْعَشْرِ كَانَتْ حِجَّةُ الْوَدَاعِ … لَا يُحْصَرُ الْوَافُونَ بِاطِّلَاعِ فَقِيلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفَا … أَو ضعْفَهَا وَزِدْ عَلَيْهَا ضِعْفَا وقولها: (لِخَمْسٍ) وفي رواية: «لخمس ليال» (بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وتكسر: اسم الشهر الذي بين شوّال، وذي الحجّة، قال الفيّوميّ: والجمع ذوات القَعْدة، وذوات الْقَعَدَات، والتثنية ذواتا الْقَعْدة، وذواتا القَعْدتين، فثنّوا الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية، ولا جمع. انتهى. وكذا وقع في حديث ابن عبّاس - ﵄ - عند البخاريّ في «باب الخروج آخر الشهر»، من «كتاب الجهاد»، وفي «باب ما يلبس المحرم من الثياب»، من «كتاب الحجّ»، وكذا وقع في حديث جابر - ﵁ - عند النسائيّ. قال القسطلّانيّ ﵀: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت: إن بقين. انتهى. وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ، وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرّخ بما خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرّخ بما بقي، وقال أيضًا: فيه ردّ على من منع إطلاق القول في التاريخ؛ لئلا يكون الشهر ناقصًا، فلا يصحّ الكلام، فيقول مثلًا: لخمس، إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجّة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب. انتهى. قال: ويؤيّده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذيّ من حديث أبي بكرة - ﵁ -، رفعه: «التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين …» الحديث، وما وقع في حديث آخر: «في تاسعة تبقى، وسابعة تبقى». [تنبيه]: اختُلف في يوم خروجه - ﷺ - على ثلاثة أقوال: (الأول): أنه خرج يوم الجمعة، وهذا وَهَمٌ قبيح، وخطأ فاحش، تردّه الروايات الصحيحة؛ إذ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه - ﷺ - صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. (القول الثاني): ما ذهب إليه ابن حزم، واختاره العينيّ في «شرح البخاريّ» أن خروجه - ﷺ - من المدينة كان يوم الخميس، لستّ بقين من ذي القعدة، حكى هذا القول ابنُ القيّم في «الهدي» عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصّلًا، ثم بسط في الرّدّ عليه، وسيأتي شيء من كلامه. (القول الثالث): ما اختاره المحقّقون من شُرّاح الحديث، وأصحاب التواريخ أنّ خروجه - ﷺ - كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابن القيّم في «الهدي»، وهو ما اختاره الحافظ في «الفتح»، إذ قال في شرح قول ابن عبّاس - ﵄ -: «وذلك لخمس بقين من ذي القعدة» ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة - ﵂ -، واحتجّ به ابن حزم في «كتاب حجة الوداع» له على أن خروجه - ﷺ - من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس بلا شكّ؛ لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عبّاس: «لخمس» يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة، بناءً على ترك يوم الخروج، وقد ثبت أنه - ﷺ - صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما سيأتي من حديث أنس - ﵁ -، فتبيّن أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيّن أنه يوم الخميس. وتعقّبه ابن القيّم بأن المتعيّن أن يكون يوم السبت، بناءً على عدّ يوم الخروج، أو على ترك عدّه، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا. انتهى. ويؤيّده ما رواه ابن سعد، والحاكم في «الإكليل» أن خروجه - ﷺ - من المدينة كان يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحاقظ أيضًا: جزم ابن حزم بأن خروجه - ﷺ - من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعًا؛ لما ثبت، وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، وتعيّن أن أول الشهر يوم الخميس، فلا يصحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصحيحين» عن أنس - ﵁ -: «صلينا الظهر مع النبيّ - ﷺ - بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين». فدلّ على أنّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويُحمَل قول من قال: «لخمس بقين» أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجّة بعد مضيّ أربع ليال، لا خمس، وبهذا تتّفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوّى هذا الجمع بقول جابر - ﵁ - إنه خرج لخمس بقين، أو أربع، وكان دخوله - ﷺ - مكّة صُبْحَ رابعة، كما ثبت في حديث عائشة - ﵂ -، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدّم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى. انتهى. وقال في شرح «بابُ الخروج آخر الشهر» من «كتاب الجهاد»: قد استُشْكل قول ابن عبّاس، وعائشة - ﵃ - أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة كان أوله الخميس؛ للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصحّ ذلك؛ لقول أنس - ﵁ -: إنه - ﷺ - صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم خرج. وأجيب بان الخروج كان السبت، وإنما قال الصحابة: «لخمس بقين» بناء على العدد؛ لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتّفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقي من الشهر أربع، لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء. ويَحْتَمِل أن يكون الذي قال: «لخمس بقين» أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأن التأهّب وقع في أوله، وإن اتّفق التأخير إلى أن صُلّيت الظهر، فكأنهم لَمّا تأهّبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من جملة أيام السفر، والله تعالى أعلم. وقال العلامة ابن القيّم ﵀: وجه ما اخترناه أن الحديث صريحٌ في أنه خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعدّ يوم الخروج كان لستّ، وأيّهما كان، فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لستّ ليال بقين، لا لخمس، فلا يصحّ الجمع بين خروجه يوم الخميس، وبين بقاء خمس من الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمسًا بلا شكّ، ويدلّ عليه أن النبيّ - ﷺ - ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر - ﵄ - هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان من عادته - ﷺ - أن يعلّمهم في كلّ وقت ما يحتاجون إليه، إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة، وبينه وبينها بعض يوم، من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخَلْق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحجّ ممكن، بلا تفويت، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال أن خروجه - ﷺ - كان يوم السبت، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. وقولها: (أَمرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ) أي: يجعل نسكه عمرة، وفي بقاء هذا الحكم خلاف، والحقّ بقاؤه، كما هو مذهب الإمام أحمد، وعليه البخاريّ، وجمهور المحدّثين، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وقولها: (فَدُخِلَ) بالبناء للمفعول، ولم يُعلم الداخل به. وقولها: (فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَزْوَاجِهِ) لم يعلم قائل ذلك، قال ابن بطال ﵀: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي والأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية يونس عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - نَحَر عن أزواجه بقرة واحدة، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى. قال الحافظ ﵀: ورواية يونس أخرجها النسائيّ، وأبو داود، وغيرهما، ويونس ثقةٌ حافظٌ، وقد تابعه معمر، عند النسائيّ أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونمس قال: «ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة»، ورَوَى النسائي أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: «قال: ذبح رسول الله - ﷺ - عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهنّ»، صححه الحاكم، وهو شاهدٌ قويّ لرواية الزهريّ، وأما ما رواه عَمّار الدُّهْنِيّ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: «ذبح عنا رسول الله - ﷺ - يوم حججنا بقرة بقرة»، أخرجه النسائيّ أيضًا، فهو شاذّ مخالف لما تقدم، وقد رواه البخاريّ في «الأضاحي»، ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: «ضَحَّى رسول الله - ﷺ - عن نسائه البقر»، ولم يذكر ما زاده عَمّار الدُّهْنيّ، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الرحمن، لكن بلفظ: «أهدى» بدل «ضَحَّى»، والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتَمَر من نسائه، فقَوِيت رواية من رواه بلفظ: «أهدى»، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: «لا ضحايا على أهل منى»، وتبيّن توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن أكثر الرواة رووه بلفظ «ضحّى»، فهو أرجح، فيدلّ على استحباب الأضحيّة للحاج، كالهدي، وفيه الردّ على من أنكر ذلك كمالك، وقد ترجم البخاريّ ﵀ في «كتاب الأضاحي» من «صحيحه» بقوله: «باب الأضحيّة للمسافر والنساء»، ثم أورد حديث عائشة - ﵂ - هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (قَالَ يَحْيَى) هو: ابن سعيد الأنصاريّ بالإسناد المذكور إليه. وقوله: (فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) أي: حديث عمرة، عن عائشة - ﵂ -. وقوله: (لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو: ابن أبي بكر الصديق. وقوله: (فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) أي: قال القاسم: ساقته عمرة لك سياقًا تامًّا، لم تختصر منه شيئًا، وكأنه يشير بذلك إلى روايته هو عن عائشة، فإنها مختصرة، هكذا قال في «الفتح» ، وفيه نظرٌ؛ لأن رواية القاسم عند المصنّف أتمّ من رواية عمرة، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرَّ البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٦] (....) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - ﵂ - (ح) وَحَدَّثنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنَزيّ الزمِنُ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في «مسنده» (٢/ ٢٩٧) فقال: (٣١٩١) - وحدّثني عمر بن شبة، نا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: حدّثتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: خرجنا مع النبيّ - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرى إلا الحجّ، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت أن يَحِلّ، قالت: فأُدخِل علينا يومَ النحر لحمُ بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذَبَحَ رسول الله عن أزواجه، قال: سمعت يحيى قال: ذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك والله بالحديث على وجهه. انتهى. وأما رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى، فساقها الحميديّ، في «مسنده» (١/ ١٠٤) فقال: (٢٠٧) - حدّثنا الحميديّ ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة، لا نُرى إلا الحج، فلما كنا بِسَرِف أو قريبًا منها، أمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن معه هديٌ أن يجعلها عمرةً، فلما كنا بمنى أُتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله - ﷺ - عن نسائه البقر، قال يحيى: فحدثت به القاسم، فقال: جاءتك والله بالحديث على وجهه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٧] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (ح) وَعَن الْقَاسِم، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْن، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، قَالَ: «انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ، فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيم، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «غَدًا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»، أَو قَالَ: «نَفَقَتِكِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَعَن الْقَاسِمِ … إلخ) عطف على «عن إبراهيم»، فابن عون يروي هذا الحديث بإسنادين: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -، وعن القاسم بن محمد، عن عائشة - ﵂ -. وقولها: (يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ … إلخ) أي: يرجعون بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجّ فقط، وفي رواية منصور الآتية: «يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة»، وذلك لأن عمرتها اندرجت في الحجّ حيث كانت قارنة. وقوله: (ثُمَّ الْقَيْنَا) بفتح القاف، من باب تَعِبَ. وقوله: (عِنْدَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: «ثم ائتنا بمكان كذا وكذا»، قال في «الفتح»: في رواية إسماعيل «بحبل كذا»، وضبطه في «صحيح مسلم» وغيره بالجيم وفتح الموحدة، لكن أخرجه الإسماعيليّ من طريق حسين بن حسن، عن ابن عون، وضبطه بالحاء المهملة، يعني وإسكان الموحدة، والمكان المبهم هنا هو الأبطح، كما تبيّن في غير هذا الطريق. انتهى . وقوله: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: غَدًا) أي: قال: «ثم القَيْنا عند كذا وكذا غَدًا»، وهذا الظنّ من أحد الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ والله تعالى أعلم. وقوله: (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ) بفتح النون، والصاد المهملة؛ أي: التعَبِ. وقوله: (أَو قَالَ: نَفَقَتِكِ) قال الكرمانيّ ﵀: «أو» إما للتنويع في كلام النبيّ - ﷺ -، وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصَب، أو النفقة، والمراد: النصَب الذي لا يَذُمّه الشرع، وكذا النفقة، قاله النوويّ ﵀. انتهى. ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق أحمد بن منيع، عن إسماعيل: «على قدر نَصَبك، أو على قدر تَعَبِك»، قال الحافظ ﵀: وهذا يؤيد أنه من شك الراوي، وفي روايته من طريق حسين بن حسن: «على قدر نفقتك، أو نصبك»، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، وأخرجه الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق هشام، عن ابن عون، بلفظ: «إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك»، بواو العطف، وهذا يؤيِّد الاحتمال الأول. وقوله في رواية ابن علية: «لا أعرف حديث ذا من حديث ذا»، قد أخرج الدارقطنيّ، والحاكم، من وجه آخر ما يدلّ على أن السياق الذي هنا للقاسم، فإنهما أخرجا من طريق سفيان، وهو الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن النبيّ - ﷺ - قال لها في عمرتها: «إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك». قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «في رواية ابن عليّة» فيه نظر؛ لأن هذا الكلام في رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون التالية، لا في رواية ابن عليّة هذه، فتنبّه. قال: واستُدِلّ به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحلّ القريبة أقلُّ أجرًا من الاعتمار من جهة الحلّ البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث. وقال الشافعيّ في «الإملاء»: أفضل بقاع الحلّ للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبيّ - ﷺ - أحرم منها، ثم التنعيم؛ لأنه أَذِنَ لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هدين الموضعين، فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحبّ إليّ. وحَكَى الموفق في «المغني» عن أحمد أن المكيّ كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية، والحنابلة، ووجهه ما قدمناه أنه لم يُنْقَل أن أحدًا من الصحابة - ﵃ - في عهد النبيّ - ﷺ - خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة - ﵂ -، وأما اعتماره - ﷺ - من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مُجتازًا إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل؛ لِمَا دلّ عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحلّ، لا من جهة أبعد منه، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنفيّة من أن أفضل بقاع الحلّ للاعتمار التنعيم هو الأرجح؛ لتنصيصه - ﷺ - عليه، وقد أخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح أنه - ﷺ - قال: «يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم، فإذا هَبَطَت بها من الأَكَمَة، فمُرْها فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة»، فهذا نصّ صريح في أفضليته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: ظاهر الحديث أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة. انتهى. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطَّرد، فقد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض، وهو أكثر فضلًا وثوابًا بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية، كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها، أو أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع، أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في «القواعد»، قال: وقد كانت الصلاة قرة عين النبيّ - ﷺ -، وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته - ﷺ - مطلقًا. انتهى، وهو بحث نفيسٌ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٨] (…) (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَن الْقَاسِم، وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَر، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْن، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين. وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير ابن أبي عديّ. [تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٩] (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْت، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: «أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَاذْهَ
مصادر المؤلف (١١١)

١. «المفهم» ٣/ ٢٩٧.

٢. «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٠ - ٢٣٢.

٣. وقع في كلام القرطبيّ: وأظنه ابن عليّة، وهو ظنٌّ غير صحيح، بل هو إسماعيل القاضي، كما صرّح به القاضي عياض في كلامه السابق، فتنبّه.

٤. «المفهم» ٣/ ٢٩٩.

٥. «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٧.

٦. «طرح التثريب» ٥/ ٣٣ - ٣٤.

٧. «المفهم» ٣/ ٣٠١.

٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٠.

٩. «القاموس المحيط» ٤/ ١٨٢.

١٠. «الفتح» ٥/ ٢١.

١١. «المفهم» ٣/ ٣٠١.

١٢. «طرح التثريب»٥/ ٣٤.

١٣. «زهر الربى»٥/ ١٦٧.

١٤. «المرعاة» ٩/ ٥٧.

١٥. «المفهم» ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢.

١٦. «طرح التثريب» ٥/ ٣٤.

١٧. «طرح التثريب»٥/ ٣٤ - ٣٥.

١٨. «الفتح» ٥/ ١٩.

١٩. «طرح التثريب» ٥/ ٣٥.

٢٠. «شرح النوويّ» ٨/ ١٣٤.

٢١. «الفتح» ٤/ ٢١٧ - ٢١٨.

٢٢. راجع: «مجموع الفتاوى» ٢٦/ ٨٦ - ٩١.

٢٣. ما أبعد هذا القول من الأحاديث الصحيحة، أنه - ﷺ - قرن بين الحج والعمرة، فتنبّه.

٢٤. لا يخفى ضعف هذا القول، والذي بعده؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة، فتنبّه.

٢٥. هذا القول يرده حديث عمر في «صحيح البخاريّ» أن الملَك أمر النبي - ﷺ - بالقران، كما سيأتي، فتنبّه.

٢٦. بل الصحيح أنه أحرم قارنًا، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه.

٢٧. بل الصواب أنه من أول الأمر قارن، كما سيأتي تحقيقه، فتنبه.

٢٨. لا يخفى كون هذا القول غير صحيح، فتنبه.

٢٩. لا يخفى كون هذا القول بعيدًا عن الصواب؛ لمصادمته الأحاديث الصحيحة المصرّحة بأنه - ﷺ - أهلّ بالحج والعمرة، فتنبّه.

٣٠. هذا القول هو الحقّ الموافق، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه.

٣١. «حجة الوداع» ص ٤٤٠ - ٤٤٨.

٣٢. حديث صحيح.

٣٣. حديث صحيح.

٣٤. حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائيّ.

٣٥. حديث صحيح أخرجه النسائيّ.

٣٦. وحجاج بن أرطاة فيه مقال، وسيأتي قول ابن القيّم ﵀: وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات.

٣٧. في سنده عبد الله بن واقد الحرّانيّ متروك، وكان أحمد يثني عليه، وقال: لعله كبر واختلط.

٣٨. قال الهيثميّ في «مجمع الزوائد»: رواه الطبرانيّ في «الكبير»، و«الأوسط»، وفيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد، وغيره، وفيه كلام، وفي «التقريب»: ليّن الحديث.

٣٩. رواه أحمد، ورجاله ثقات.

٤٠. كنت سابقًا رجّحت في «شرح النسائيّ» هذا القول الموجب للفسخ، ثم تبيّن في هذا الشرح ترجيح القول بالاستحباب دون الوجوب، كما هو مذهب الإمام أحمد ﵀، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، كما سيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -.

٤١. هو أبو أسماء الصيقل: مجهول.

٤٢. رواه النسائيّ، ورجاله ثقات.

٤٣. أي: معظمهم، كما لا يخفى.

٤٤. الظاهر أن مسلمًا هو الذي أخرجه بهذا اللفظ، وأما البخاريّ فيحتاج إلى النظر، وقد علّق محقق الزاد قائلًا: ولم نجدها في البخاريّ. انتهى، فليُحرّر.

٤٥. هذا عجيب من ابن القيّم ﵀، فإنه ممن يرى جزما أنه - ﷺ - من أول ما أهلّ أهلّ قارنًا، ولم يُهلّ بالحج، مفردًا، وفنّد قول من قال ذلك، وهو في ذلك مصيب، وإن رأى الحافظ في «الفتح» ترجيح هذا القول، لكنه غير مقبول، ثم إن ابن القيّم هنا يؤول هذه الرواية على هذا الوجه الذي أبطله، هذا غريب، فتأمل.

٤٦. حديث صحيح رواه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه.

٤٧. القائل هو ابن القيّم ﵀.

٤٨. لكن ذكر في «تهذيب التهذيب» أن ابن سعد وثقه، وكذا العجليّ، وابن حبّان، وذكر أنه روى عن ابن عمر ومعاوية، وروى عنه مولاه عبيد، وبيهس، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومطر الوراق، فالأولى القول بوهم معاوية ﵀، كما وَهِمَ ابن عمر - ﵄ - في عمرة رجب بلا فرق، فتأمل.

٤٩. هذه المسألة خالف فيها ابن القيّم شيخه ابن تيمية، وسيأتي قريبًا أن الأولى القول باستحباب الفسخ، لا بالوجوب، فإن الوجوب خاصّ بالصحابة - ﵃ -، كما اختاره ابن تيميّة ﵀، فتنبّه.

٥٠. حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح غريب.

٥١. رواه الدارقطنيّ، وقال في «التنقيح»: إسناده صحيح.

٥٢. رواه النسائيّ بسند صحيح، إلا أن فيه عنعنة الحسن البصريّ، وهو مدلّس، فتنبّه.

٥٣. راجع: «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٢/ ١٠٧ - ١٥٨.

٥٤. قال في «الفتح» ٤/ ٤٠٧: وادي العقيق هو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميال، روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة، أن تُبّعًا لما رجع من المدينة انحدر في مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق. انتهى.

٥٥. قال في «الفتح» ٤/ ٣٩٥: بين ذي الحليفة وبين المدينة: ستة أميال، قاله النوويّ، ووهم من قال: بينهما ميل واحد، وهو ابن الصباغ. انتهى.

٥٦. كذا في بعض نسخ «الفتح»، ووقع في بعضها: «أبو أيوب»، والظاهر أنه غلطٌ، فليُتنبّه.

٥٧. هكذا النسخة: «والظاهر أنه مصحّف من النظر»، فليُحرّر.

٥٨. «الفتح» ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٤.

٥٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٢.

٦٠. نقله في «المرعاة شرح المشكاة» ٩/ ٥٠.

٦١. «المفهم» ٣/ ٣٠٣.

٦٢. وفي نسخة: «فليُهلّ».

٦٣. وفي نسخة: «فلما قضيت حجّي».

٦٤. «طرح التثريب» ٥/ ٣١.

٦٥. «المفهم» ٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠.

٦٦. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٣.

٦٧. «شرح النوويّ»٨/ ١٤٣.

٦٨. قوله:«وأهلّ به ناس معه»ساقط في المتن البولاقيّ.

٦٩. «المفهم» ٣/ ٢٩٨.

٧٠. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٤.

٧١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٤.

٧٢. «المفهم» ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٧٣. «المفهم» ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤.

٧٤. «الفتح» ٥/ ٢٥ - ٢٦.

٧٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٥.

٧٦. «المفهم» ٣/ ٢٩٩.

٧٧. «التمهيد» ١٣/ ٩٦.

٧٨. شرح النوويّ» ٨/ ١٤٨.

٧٩. «عمدة القاري»٣/ ٢٥٧.

٨٠. «عمدة القاري»٣/ ٢٥٧.

٨١. راجع:«الفتح»١/ ٤٧٧.

٨٢. «عمدة القاري» ٣/ ٢٥٧.

٨٣. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٢٥٧.

٨٤. وفي نسخة: «التي اعتمروها».

٨٥. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

٨٦. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٧ - ١٤٨.

٨٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٥.

٨٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٣.

٨٩. «القاموس المحيط» ١/ ٣٦٣.

٩٠. «المصباح المنير» ١/ ٧.

٩١. كيَرْضى، قاله في «القاموس».

٩٢. «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٩١ - ٣٩٥.

٩٣. راجع: «المرعاة» ٨/ ٤٥٨.

٩٤. وفي نسخة:«فأَذّن».

٩٥. «الفتح»٥/ ٢٩.

٩٦. «الفتح» ٤/ ٤٥٤.

٩٧. «شرح النوويّ» ٨/ ١٤٨ - ١٤٩.

٩٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٥٠.

٩٩. «الفتح» ٤/ ٤٥٤.

١٠٠. «الفتح» ٤/ ٤٥٤.

١٠١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٥١.

١٠٢. «المصباح المنير» ١/ ١٣٨.

١٠٣. «شرح النوويّ» ٨/ ١٥١ - ١٥٢.

١٠٤. «الفتح» ٥/ ٣٠ - ٣١.

١٠٥. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٥٦ - ٤٥٧.

١٠٦. كذا هو في النسخة، والظاهر أن الصواب: «ما لك تبكين؟»؛ لأنه لا جازم حتى تحذف النون، فليُحرّر.

١٠٧. «الفتح» ٤/ ٦٦١ - ٦٦٢.

١٠٨. راجع: «صحيح البخاريّ» رقم (٥٥٤٨).

١٠٩. «الفتح» ٤/ ٦٦٢.

١١٠. هذا من كلام الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.

١١١. «الفتح» ٥/ ٢٧.