HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢١٦

وحدثني محمد بن حاتم. حدثنا يحيى بن سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، فِي نَاسٍ مَعِي. قَالَ: أَهْلَلْنَا، أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ «حِلُّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ». قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ. وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا. فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ! قَالَ يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا) قَالَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا. فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ. وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ. وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ. فَحِلُّوا«فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ. فَقَالَ»بِمَ أَهْلَلْتَ؟ «قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:»فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا«قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا. فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ»لأبد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص36
ج ٢ ص ٨٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٦٠٨
يحيى بن سعيد القطّان وبين محمد بن بكر الْبُرسانيّ، فالأول انتهى حديثه عند قوله: «إلَّا طوافًا واحدًا»، وزاد الثاني قوله: (طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) وهو منصوب على البدليّة لـ«طوافًا واحدًا»، ومعنى «طوافه الأول» سعيه الذي سعاه بين الصفا والمروة حين قدموا مكة، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٤٢] (١٢١٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٩٥)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٢٤٤) و«الكبرى» (٢/ ٤١٦ و٤٦٢)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (٢٩٧٢ و٢٩٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده) (٢/ ٣٢٧)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٣/ ٣١٣ و٣٦٣)، و(الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار (٢/ ٢٠٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨١٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١/ ٥٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ١٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٠٦) و«الصغرى» (٤/ ٢٠٢ و٢٨٩) و«المعرفة» (٤/ ٩٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٣] (١٢١٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - فِي نَاسٍ مَعِي، قَالَ: أَهلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّة، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: «حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ»، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِه، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِينَا، فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي؛ أَتْقَاكُمْ لله، وَأَصْدَقَكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِ لَحَلَلْتُ، كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا»، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِه، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟! قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»فَأَهْد، وَامْكُثْ حَرَامًا«، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ الله، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبدٍ؟ فَقَالَ:»لِأَبدٍ«. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في السند السابق. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) وفي نسخة:«أخبرني ابن جُريج»(أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رَبَاح (قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - فِي نَاسٍ مَعِي) أي: مع جماعة من الناس كانوا معي (قَالَ: أَهْلَلْنَا) أي: رفعنا أصواتنا بالتلبية (أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) بالنصب على الاختصاص؛ أي: أخصّ أصحاب محمد - ﷺ -، كما قال في الخلاصة«: الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ «أَلْ» … كَـ«أَيُّهَا الْفَتَى» بِإِثْرِ«ارْجُونِيَا» وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ «أَيٍّ» تِلْوَ «أَلْ» … كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ» وقد تقدّم أن قوله هذا بالنظر للغالب، أو بالنظر لأول الأمر، فلا تنافي بينه، وبين حديث: «فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة وعمرة، ومنا من أهلّ بالحج …» الحديث. (بِالْحَجِّ) متعلّق بـ«أهللنا»، وقوله: (خَالِصًا وَحْدَهُ) حالان من «الحجِّ» (قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ - (فَقَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - صُبْحَ رَابِعَةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتُكسر، كما في «القاموس» ؛ أي: صَباح اليوم الرابع (مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) يعني أنهم وصلوا إلى مكة صباح الليلة الرابعة التي مضت من شهر ذي الحجة، وتلك الصبيحة صبيحة يوم الأحد (فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ) تقدّم أنه بضمّ أوله، من الإحلال، وبفتحه، من الحلّ (قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ) - ﷺ - («حِلُّوا) بكسر الحاء، أمرٌ من حلّ يَحلّ، من باب ضرب حِلًّا بالكسر، وفي رواية النسائيّ: فَقَالَ:»أَحِلُّوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً«أي: اجعلوا الحجة التي قدمتم بها عمرة، بأن تطوفوا، وتسعوا، وتقصروا، وتتحللوا (وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ») أي: جامعوهنّ (قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ) من باب ضرب؛ أي: لَمْ يوجبه عليهم، وقال النوويّ - ﵀ -: معناه لَمْ يعزم عليهم في وطء النساء، بل أباحه، ولم يوجبه، وأما الإحلال فعزم فإيه على من لَمْ يكن معه هديٌ. انتهى. (وَلَكِنْ أَحَلّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ) أي: خمس ليال، وهي من ليلة الخامس من ذي الحجة، وهي ليلة الاثنين إلى الليلة التاسعة منه، وهي ليلة الجمعة (أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإفضاء رباعيًّا؛ أي: يجامعهنّ، يقال: أفضى إلى امرأته: إذا باشرها وجامعها (فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر (مَذَاكِيرُنَا) بفتح الميم: جمع ذكر على غير قياس؛ لأن قياسه ذِكَرَةٌ بكسر، ففتح، كعِنَبَةٍ (الْمَنِيَّ) قال النوويّ - ﵀ -: هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء (قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ) أي: يشير، ففيه إطلاق القول على الفعل (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلهِ بِيَدِهِ) هذا قول عطاء، يعني أنه الآن كأنه ينظر إشارة جابر - ﵁ - بيده حال كونه (يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِينَا) وفي رواية النسائيّ: «فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَخَطَبَنَا» (فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لله، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ) أي: أطوعكم له (وَلَوْلَا هَدْيِ) أي: لولا سوقي الهدي معي من المدينة (لَحَلَلْتُ، كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت في ابتداء شروعي ما علمته الآن من لحوق المشقّة بكم بانفرادكم بالفسخ، حتى توقفتم، وترددتم، وراجعتموني في ذلك (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) جوابو»لولا«؛ أي: ما سقت الهدي معي، بل أهللت بحج، ثم فسخت معكم، وهذا قاله - ﷺ - تشجيعًا لهم على امتثال أمره. وقوله: (فَحِلُّوا») بكسر الحاء المهملة، أمر من الحلّ، كرّره للتأكيد (فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا) قوله - ﷺ - (وَأَطَعْنَا) أمره - ﷺ -. (قَالَ عَطَا: قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ - (فَقَدِمَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالب - ﵁ - (مِنْ سِعَايَتِهِ) بكسر السين المهملة؛ أي: جمعه للصدقات، يقال: سعى الرجل على الصدقة يَسْعَى سَعْيًا، كرمى يرمي رَمْيًا: عَمِلَ في أخذها من أربابها . وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «من سعايته»؛ أي: من عَمَله في السعي في الصدقات، قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث أنه - ﷺ - إنما بَعَث عليًّا - ﵁ - أميرًا لا عاملًا على الصدقات؛ إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات؛ لقوله - ﷺ - للفضل بن عباس، وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: «إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد»، ولم يستعملهما، قال القاضي: ويَحْتَمِل أن عليًّا - ﵁ - وَلي الصدقات وغيرها احتسابًا، أو أعطى عُمالته عليها من غير الصدقة، قال: وهذا أشبه؛ لقوله: «من سعايته»، والسعاية تختص بالصدقة. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - . قال النوويّ - ﵀ - بعد نقله كلام عياض المذكور: وهذا الذي قاله حسنٌ، إلَّا قوله: «إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة»، فليس كذلك؛ لأنَّها تستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، ومما يدلّ لما ذكرته حديث حذيفة - ﵁ - السابق في «كتاب الإيمان» من «صحيح مسلم»، قال في حديث رفع الأمانة: «ولقد أتى عليّ زمانٌ، وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلمًا ليردنّه عليّ دينه، ولئن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنّه عليّ ساعيه»، يعنى الوالي عليه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) النبيّ - ﷺ - له («بِمَ أَهْلَلْتَ؟») «ما» استفهاميّة، والقاعدة عند الجمهور في «ما» الاستفهاميّة وجوب حذف ألفها إذا كانت مجرورة، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، قال ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة»: و«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ ووقع عند النسائيّ: «بما أهللت»، بالألف، وهو قليل في الاستعمال، كما في قول الشاعر [من الوافر]: عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ … كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ وحكاه الأخفش لغةً ، وإليه ذهب الفرّاء في كتابه «معاني القرآن»، حيث أعرب «ما» في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]، استفهاميّة، قال: وقد أتمّها الشاعر، وهي استفهاميّة، فقال [من البسيط]: إِنَّا قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتَكُمْ … أَهْلَ اللِّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ والله تعالى أعلم. (قَالَ) عليّ - ﵁ - (بِمَا أَهَل بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -) «ما» هنا موصولة؛ أي: بمثل الإهلال الذي أهلّ به رسول الله - ﷺ -، قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «بما أهلّ به النبيُّ - ﷺ - … إلخ»، ثم ذكر بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - قال: قَدِمْتُ على رسول الله - ﷺ -، وهو مُنِيخ بالبطحاء، فقال لي: «حججت؟»، فقلت: نعم، فقال: «بم أهللت؟» قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبيّ - ﷺ -، قال: «قد أحسنت، طُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلّ»، وفي الرواية الأخرى عن أبي موسى أيضًا أن النبيَّ - ﷺ - قال له: «بم أهللت؟» قال: أهللت بإهلال النبيّ - ﷺ -، قال: «هل سُقْت من هدي؟» قلت: لا، قال: «طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلَّ». قال: هذان الحديثان متفقان على صحة الإحرام معلقًا، وهو أن يُحْرِم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقد إحرامه، ويصير محرمًا بما أحرم به فلان، واختَلَفَ آخر الحديثين في التحلل، فأمر عليًّا بالبقاء على إحرامه، وأمر أبا موسى بالتحلل، وإنما اختلف آخرهما؛ لأنهما أحرما كإحرام النبيّ - ﷺ -، وكان مع النبيِّ - ﷺ - الهديُ فشاركه عليّ في أن معه الهديَ، فلهذا أمره بالبقاء على إحرامه، كما بقي النبيُّ - ﷺ - على إحرامه بسبب الهدي، وكان قارنًا، وصار عليّ - ﵁ - قارنًا، وأما أبو موسى فلم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ - ﷺ - لو لَمْ يكن معه هديٌ، وقد قال النبيُّ - ﷺ -: إنه لولا الهدي لجعلها عمرةً، وتحلل، فأمر أبا موسى بذلك، فلذلك اختَلَف في أمره - ﷺ - لهما، قال: فاعتمد ما ذكرته، فهو الصواب، وقد تأولهما الخطابيّ، والقاضي عياض تأويلين غير مرضيين. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَأَهْدِ) أي: انْحَر هديًا؛ لأنه واجب عليك، لكونك قارنًا، وفيه وجوب الهدي على القارن، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث قال: لا يجب الهدي على القارن، وإنما هو على المتمتّع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والظاهر أنه ما انتبه لهذه الرواية، وإلا لما قال ذلك، والله تعالى أعلم. (وَامْكُثْ حَرَامًا») منصوب على الحال؛ أي: حال كونك محرمًا، زاد في رواية النسائيّ: «كَمَا أَنْتَ»؛ أي: على ما أنت عليه، فالكاف بمعنى «على»، أو هي للتشبيه؛ أي: كن في مستقبلك مثل حالك فيما مضى. (قَالَ) جابر - ﵁ - (وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا) قال النوويّ - ﵀ -: يعني هديًا اشتراه؛ لا أنه من السعاية على الصدقة. انتهى، وسيأتي في حديث جابر - ﵁ - الطويل أن جملة ما أتى به النبيّ - ﷺ - من الهدايا، وما أهداه له عليّ - ﵁ - كان مائة (فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) ابن مالك بن عمرو بن تيم بن مُدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكنانيّ المدلجيّ، وقد ينسب إلى جدّه، يكنى أبا سفيان، كان ينزل قُدَيدًا، رَوَى الشيخان قصّته في إدراكه النبيّ - ﷺ - لَمّا هاجر إلى المدينة، ودعا النبيّ - ﷺ - حتى ساخت رجلا فرسه، ثم إنه طلب منه الخلاص، وأنه لا يدلّ عليه، ففعل، وكتب له أمانًا، وأسلم يوم الفتح، ورواها أيضًا من طريق البراء بن عازب، عن أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، وفي قصّة سراقة مع النبيّ - ﷺ - يقول سراقة مخاطبًا لأبي جهل [من الطويل]: أَبَا حَكَم وَاللهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ وقال ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله - ﷺ - قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى؟»، قال: فلما أُتي عمر بسواري كسري، ومنطقته، وتاجه، دعا سراقة، فألبسه، وكان رجلًا أزبّ، كثير شعر الساعدين، فقال له: ارفع يديك، قل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هُرْمُز، وألبسهما سراقة الأعرابيّ، وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرَّحمن بن مالك بن جعشم، وروى عنه أيضًا ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيّب، وطاوس، قال أبو عمر: مات في خلافة عثمان - ﵁ - سنة (٢٤) وقُتل من بعده عثمان. (يَا رَسُولَ الله، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) وفي لفظ: «يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِه، لِعَامِنَا هَذَا، أَو لِلْأَبَدِ؟»، ومعناه: هل الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة لعامنا هذا خاصة، أم للأمة عامة إلى يوم القيامة؟ (فَقَالَ) - ﷺ - («لِأَبَدٍ» وفي رواية: «بل لأبد أبد» بإضافة الأول إلى الثاني، و«الأبد»: الدهر؛ أي: هذا إلَّا آخر الدهر، أو بغير الإضافة، وكرره للتأكيد. وزاد في رواية ابن الجارود، وأحمد: «ثلاث مرات»، يعني أن ذلك مشروع في كلّ عام، لا يختصّ بعام، دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتاكيد. وفي الرواية في حديث جابر الطويل: «فقام سراقة بن مالك بن جعشُم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال:»دخلت العمرة في الحج مرتين، لا، بل للأبد أبد«. فتشبيكه - ﷺ - أصابعه إشارة إلى اشتراك كلّ الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختَلَفَ العلماء في معنى سؤال سراقة، فقال الجمهور: معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجّ، إبطالًا لما كان عليه الجاهلية. - وقيل: معناه جواز القران؛ أي: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجِّ. وقيل: معناه سقوط وجوب العمرة، قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي النسخ بغير دليل، وقال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. وقال آخرون: معناه فسخ الحجِّ إلى العمرة، وهذا هو الذي يؤيده سياق الحديث، وهو الصحيح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وأما قول النووي: إنه ضعيف، فقد رُدَّ عليه، قال الحافظ: وتُعقّب - أي: كلام النوويّ - بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة، إلَّا الثالث. انتهى. والحاصل أن الصواب أن سؤال سراقة عن فسخ الحجِّ إلى العمرة، وجواب النبيّ - ﷺ - له واضح في ذلك كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٣ و٢٩٤٤] (١٢١٦)، و(البخاريّ) في «الحجِّ» (١٥٥٧ و١٥٦٨ و١٥٧٠ و١٦٥١) و«العمرة» (١٧٨٥) و«التمنّي» (٧٢٣٠) و«الشركة» (٢٥٠٥) و«المغازي» (٤٣٥٢) و«الاعتصام» (٧٣٦٧)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٨٨ و١٧٨٩)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٢٠٢) و«الكبرى» (٢/ ٣٦٦)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (١/ ٣٤١)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣٧٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٦٧٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢١٧ و٣٠٥ و٣٦٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢/ ٧٥ - ٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩/ ١٠١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٤١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٧٢ و١٨٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الوقت الذي دخل فيه النبيّ - ﷺ -، وأصحابه مكة، وهو صبح رابعة ذي الحجة، وذلك يوم الأحد. ٢ - (ومنها): بيان أمر النبيّ - ﷺ - من لَمْ يسق الهدي أن يفسخ حجه بعمل العمرة. ٣ - (ومنها): بيان وجوب ذلك الفسخ، حيث غَضِب - ﷺ - على من توقّف فيه، وقالت له عائشة«- ﵂ -:»من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار«، وأقرّها على ذلك، ولا يكون مثل هذا الوعيد إلَّا لمن ترك واجبًا، أو ارتكب محرّمًا، لكن الراجح أن الوجوب خاصّ بذلك الركب، وتلك السنَة، وأما مشروعيّة الفسخ، واستحبابه فهو إلى يوم القيامة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان تشديد أمر الفسخ؛ لأن النبيّ - ﷺ -، غضب، وقال لهم:«قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم … إلخ». [فإن قلت]: كيف توقّف الصحابة - ﵃ - في هذه المسألة، مع أنهم أطوع الناس لأمره - ﷺ - في كلّ قليل وكثير؟ [قلت]: إنما توقّفوا فيها؛ لشدة حرصهم على موافقة حجهم لحجه - ﷺ - كمًّا وكيفًا، فلمَّا أمرهم بالفسخ مع أنه لا يفسخ ظنّوا أنه سيُخفّف عنهم بترك العزم عليهم، حتى يحلّوا معه - ﷺ -، فهذا وجه توقّفهم، فلا يُظنّ بهم غير ذلك، ولكن لَمّا كان الأمر حتمًا شدّد النبيّ - ﷺ - في النكير عليهم، وألزمهم ذلك، ولم يسمح لهم بموافقته؛ لاختلاف هيئته عن هيئتهم، حيث لَمْ يسوقوا الهدي مثله، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): وفيه جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره، كأن يقول: أهللت بما أهلّ به فلان، قال النوويّ - ﵀ -: وفي هذين الحديثين - يعني حديث جابر هذا، وحديث أبي موسى الأشعريّ الآتي -: دلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقًا، بأن ينوي إحرامًا كإحرام زيد، فيصير هذا المعلِّق كزيد، فإن كان زيد محرمًا بحج، كان هذا بالحج أيضًا، وإن كان بعمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقًا صار هذا محرمًا إحرامًا مطلقًا، فيصرفه إلى ما شاء من حجّ أو عمرة، ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم فسخ الحج بعمل العمرة لمن لَمْ يسق الهدي: اختلفوا في هذا الفسخ، هل هو خاصّ بالصحابة تلك السنَة، أم عامّ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فذهب أحمد، والظاهريّة، وعامّة أهل الحديث إلى أنه ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكلّ من أحرم بحجّ مفردًا، أو قارنًا، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها، بل هذا هو المستحبّ عند الإمام أحمد، وأوجبه الظاهريّة. وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، من السلف والخلف إلى أنه مختصّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أُمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليّة، من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ. واستُدلّ للجمهور بحديث أبي ذر - ﵁ - عند مسلم: «قال: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمد - ﷺ - خاصّة»، وفي رواية: «قال: كانت لنا رخصة» يعني المتعة في الحجّ، ومراد أبي ذرّ - ﵁ - بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبيّ - ﷺ - بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذر - ﵁ - بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذرّ - ﵁ - كان يقول فيمن حجّ، ثم فسخها بعمرة: لَمْ يكن ذلك إلَّا للركب الذين كانوا مع رسول الله - ﷺ -، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرّ بفسخ الحجِّ بالعمرة، وهي تفسير مراده بالمتعة في رواية مسلم. وردّ عليهم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة. واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، والدارميّ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحجِّ لنا خاصّة، أم للناس عامة؟ قال: «بل لكم خاصّه». وردّ عليهم بأنه ضعيف أيضًا لجهالة الحارث بن بلال، وقال أحمد رحمه الله تعالى: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل - يعني الحارث بن بلال - قال: وقد رَوَى فسخ الحجِّ إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ وأيضًا حديث أبي ذرّ - ﵁ - موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك. والحاصل أن أدلّة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة، والله تعالى أعلم. ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحبّ؟: فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه قال ابن حزم، وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق. واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجة، وأبو يعلى، واللفظ لأحمد من حديث البراء بن عازب - ﵄ -، قال: خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: «اجعلوا حجكم عمرة»، قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ قال: «انظروا ما آمركم به، فافعلوا»، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟ أغضبه الله، قال: «وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أُتّبع». قال ابن القيّم - ﵀ -: ونحن نشهد الله علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله - ﷺ -»، واتباعًا لأمره، فوالله ما نُسِخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن سأله، هل ذلك مختصّ بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول الله - ﷺ - على من خالفه … إلى آخر ما أطال ابن القيّم - ﵀ - في«الهدي»نفسه في تحقيق هذا المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته ٢/ ١٨٠ - ٢٢٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الإمام أحمد - ﵀ -، ومن قال بقوله، وهو أن الفسخ مستحبّ ؛ لقوله:«بل لأبد الأبد»، وأما الوجوب فخاصّ بتلك السنة؛ جمعًا بين النصوص في المختلفة في الباب، وهذا هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ -. قال صاحب«المرعاة»: القول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه أحمد، ومن وافقه من أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصًّا بالصحابة - ﵃ - في تلك السنة، بل يجوز، أو يُسنّ، ويستحبّ لكل من أحرم بحج، وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرةً، ويتحلّل بأعمالها؛ ليصير متمتّعًا، وأما حديث أبي ذرّ، وبلال بن الحارث، فمحمولان على الوجوب، يعني أن وجوب فسخ الحج إلى العمرة خاصّ بذلك الركب في تلك السنة، وأما الجواز والاستحباب، فهو باق للأمة إلى يوم القيامة، وهو محمل حديث جابر - ﵁ - وغيره من أحاديث الفسخ، ولا منافاة بين اختصاص الوجوب بالصحابة، وبين بقاء المشروعيّة والاستحباب إلى أبد الأبد، وعلى ذلك حمل الإمام ابن تيميّة - ﵀ - تلك الأحاديث، كما تقدّم، وهو محمل حسنٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام صاحب «المرعاة» - ﵀ -، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الأرجح استحباب فسخ الحج بعمل العمرة لمن لَمْ يسق الهدي ممن أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا؛ وبهذا تجتمع الأحاديث، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٢٩٤٤] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نُحِلَّ، وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَمَا نَدْرِي أَشَيْءٌ بَلَغَهُ مِنَ المَاء، أَمْ شَيْءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي فَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ»، قَالَ: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَل الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَة، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسَرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. والباقون ذُكروا في الباب، و«ابن نُمير» هو «محمد بن عبد الله بن نُمير»، و«أبوه» هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، و«عطاء» هو: ابن أبي رَبَاح. وقوله: (أَنْ نُحِلَّ) تقدّم أنه من الإحلال، ويدلّ قوله بعده: «أحِلُّوا»، أنه من الحلّ، ويدلّ عليه قوله في الرواية الماضية: «حِلُّوا». وقوله: (فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا) بضمّ الموحدة؛ أي: شقّ علينا التحلّل بعمل العمرة؛ لعدم موافقته لفعل النبيّ - ﷺ -. وقوله: (حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ) بفتح الواو، وكسر الطاء المهملة، يقال: وطئته برجلي أطؤه وَطْئًا: عَلَوتُهُ، ويتعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: أوطأت زيدًا الأرضَ، ووطِئَ زوجته وَطْئًا: جامعها؛ لأنه استعلاء . وقوله: (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتع، وكلَّ من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحْرِم يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وقد سبقت المسألة مرات. وقوله: «جعلنا مكة بظهرٍ» معناه: أهللنا عند إرادتنا الذهاب إلى منى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ - ﵄ -: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، وَقَضرُوا، وَأَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوَية، فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً»، قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِه، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِه، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾»، فَفَعَلُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الْمُلاليّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩١. ٢ - (مُوسَى بْنُ نَافِعٍ) الأسديّ، ويقال: الْهُذَليّ الكوفيّ، ويقال: البصريّ، وهو أبو شِهاب الْحَنّاط الأكبر، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي عليّ النعمان بن عليّ الوالبيّ. ورَوى عنه الثوريّ، وعيسى بن يونس، ووكيع، والقطان، والمحاربيّ، وأبو أسامة، ومحمد بن عبيد الطَّنَافسيّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال عليّ بن المدينيّ: سألت يحيى بن سعيد عن موسى بن نافع، فقال: أفسدوه علينا، وقال أبو حاتم: قال عثمان بن أبي شيبة: أثنى أبو نعيم على موسى بن نافع خيرًا، وقال أيضًا: قال أبو جعفر الحمّال: قال أحمد بن حنبل: موسى بن نافع منكر الحديث، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يُكتب حديثه، قال: وغيري يَحكِي عن أبي أنه قال: ثقةٌ، وقال البخاريّ: قال عثمان بن أبي شيبة: هو أسديّ، وأثنى عليه خيرًا، وقال ابن سعد: كان مولى بني أسد، وكان ثقةٌ، قليل الحديث، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال ابن عمار: هو ثقةٌ، وقال ابن عديّ: موسى بن نافع هذا بصريّ ليس بالمعروف، ولم يحضرني له شيء، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب، ولا في «صحيح البخاريّ» غير هذا الحديث، وله عند النسائيّ حديثان فقط. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي شهاب، فانفرد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير جابر فمدنيّ، وقد سكن مكة أيضًا، وعطاء فمكيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: عَنْ مُوسَى بْنُ نَافِعٍ أنه (قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا) حال من الضمير الذي في «قَدِمتُ»، وقوله: (بِعُمْرَةٍ) حال أيضًا أي: متلبسًا بعمرة (قَبْلَ التَّرْوِيَةِ) هو اليوم الثامن من ذي الحجة (بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ) وفي رواية البخاريّ: «فقال لي أناس من أهل مكة» (تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكيَّةً) أي: قليلة الثواب؛ لقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه: أنك تنشئ حجك من مكة، كما ينشئ أهل مكة منها، فيفوتك فضل الإحرام من الميقات (فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ) أي: طلبت منه أن يُفتيني في هذه المسألة (فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ - ﵄ -: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ) أي: في عام حجة الوداع، وفي رواية البخاريّ: «يوم ساق البدن معه»، وهو بضم الباء الموحدة، وضم الدال وسكونها: جمع بَدَنَة بفتحات (وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) بفتح الراء، حال من «الحجِّ»، وبكسرها حال من الواو باعتبار كلّ واحد، كما قاله الكرمانيّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ) أي: اجعلوا حجكم عمرة، وتحللوا منها بالطواف والسعي، أو التقدير: اجعلوا إحرامكم عمرةً، ثم أحلوا منه بالطواف بالبيت (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: وبالسعي بين الصفا والمروة، وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة، قال ابن التين - ﵀ -: هذا الحديث أبين ما في هذه من فسخ الحج إلى العمرة. (وَقَصِّرُوا) أمرهم بالتقصير؛ لأنهم يُهِلّون بعد قليل بالحج، وأَخَّر الحلق؛ لأن بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط (وَأَقِيمُوا حَلًالا) بالنصب على الحال، بمعنى مُحِلِّين (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوَيةِ) تقدّم قريبًا أن «كان» في مثل هذا تامّة، تكتفي بمرفوعها، ولا تحتاج إلى خبر؛ أي: جاء يوم التروية (فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا) أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها (مُتْعَةً«) أي: عمرةً تتحلّون منها، فتصيرون متمتّعين، وأَطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرةٌ، قاله في»العمدة«. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«فأهلّوا بالحج، واجعلوا الذي قدمتم بها متعة»: اعلم أن هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: وقد أهلّوا بالحج مفردًا، فقال رسول الله - ﷺ -:«اجعلوا إحرامكم عمرة، وتحللوا بعمل العمرة»، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة. انتهى . (قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ:«افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِه، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ) فيه ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من تطييب قلوب أصحابه، وتلطّفه بهم، وحلمه عنهم (وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ) بكسر حاء »يَحِلّ«، والمعنى: لا يحل مني ما حُرِّم عليّ. [تنبيه]: قال في «الفتح: وقع في رواية مسلم:»لا يُحِلّ مني حَرَامًا«بالنصب على المفعولية، وعلى هذا فيقرأ»يُحِلّ«بضم أوله، والفاعل محذوف، تقديره: لا يُحِلّ طولُ المكث، ونحو ذلك مني شيئًا حرامًا حتى يبلغ الهدي محله؛ أي: إذا نُحِر يوم منى. انتهى، ومثله في»عمدة القاري«. قال الجامع عفا الله عنه: هذه النسخة التي ذكرها في«الفتح»و«العمدة» من نصب «حرامًا» لا توجد في النسخ التي بين يديّ، بل هي بالرفع مثلما وقع في البخاريّ، ولعل النسخ في ذلك مختلفة، والله تعالى أعلم. (﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ «) أي: وهو منًى، فينحر فيه. واستُدِلّ به على أن من اعتمر، فساق هديًا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وسيأتي في حديث حفصة - ﵂ - نحوه، وقد تقدم حديث عائشة - ﵂ -، من طريق عُقيل، عن الزهريّ، عن عروة، عنها، بلفظ:»ومن أحرم بعمرة، فأهدي، فلا يحل حتى ينحر هديه«، وتأول ذلك المالكية والشافعية على أن معناه: ومن أحرم بعمرة، وأهدي، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل مخالف لظاهر هذه الأحاديث، فلا ينبغي الاعتماد عليه. قال الحافظ - ﵀ - بعد تأويلهم هذا: ولا يخفى ما فيه، فإنه خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة. انتهى. والحاصل أن الحقّ أن من أحرم بعمرة، وأهدى فلا يحلّ حتى ينحر يوم النحر؛ لهذه الأحاديث الصحيحة، فتبصر، وبالله تعالى التوفيق. (فَفَعَلُوا) أي: فعل الصحابة - ﵃ - ما أمرهم به النبيّ - ﷺ -، وقالوا: سمعنا وأطعنا، وفيه بيان فضلهم حيث استجابوا لما دعاهم الرسول - ﷺ - ممتثلين أمر ربهم في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٥] (١٢١٦)، و(البخاريّ) في «الحجِّ» (١٥٦٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣١٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٥٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧/ ١٢٣)، وفوائده تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٧)

١. وفي نسخة:«أخبرنا ابن جريجٍ».

٢. وفي نسخة: «قال: لا بدَّ».

٣. «القاموس المحيط» ١/ ٢٣٢.

٤. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٧٧.

٥. «إكمال المعلم» ٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩.

٦. «شرح النوويّ» ٨/ ١٦٤.

٧. راجع: «التصريح على التوضيح» للشيخ خالد الأزهريّ - ﵀ - ٢/ ٣٤٥.

٨. راجع: «معاني القرآن» للفرّاء - ﵀ - ٢/ ٣٧٤، و«الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» للسمين الحلبيّ - ﵀ - ٩/ ٢٥٦ - ٢٥٧.

٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٦٤ - ١٦٥.

١٠. وفي نسخة: «قال: لا بدّ».

١١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٦٥.

١٢. كنت رجّحت في«شرح النسائيّ»قول الموجبين للفسخ، ثم تبيّن لي الآن ترجيح الاستحباب، والحمد لله.

١٣. وفي نسخة:«الذي كان معي».

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٤.

١٥. «عمدة القاري»٩/ ٢٠٤.

١٦. شرح النوويّ» ٨/ ١٦٦ - ١٦٧.

١٧. «الفتح» ٥/ ٤٧٠، و«عمدة القاري» ٩/ ٢٠٣.