HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢١٨

حَدَّثَنَا أَبُو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيل الْمَدَنِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ. فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى. ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ. ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ. يَا ابْنَ أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ. وَهُوَ أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا. كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا. وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ. فَصَلَّى بِنَا. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ بِيَدِهِ. فَعَقَدَ تِسْعًا. فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ. كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ. حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي. وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ. حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ. نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ. مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ. وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ. وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ. وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ. فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ! لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ. وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ. فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ. وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ. لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ. حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [٢ / البقرة / الآية ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَكَانَ أَبِي يَقُولُ (وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ): كَانَ يَقْرَأُ فِي الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شعائر الله﴾ [٢ / البقرة / الآية ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا. فَرَقِيَ عَلَيْهِ. حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ. وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. أَنْجَزَ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ. حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى. حَتَّى إِذَا صعدتا مشى. حتى إذا أَتَى الْمَرْوَةَ. فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا. حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ. وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ. وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً». فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى. وَقَالَ «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» مَرَّتَيْنِ«لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ» وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ. وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا. وَاكْتَحَلَتْ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ. لِلَّذِي صَنَعَتْ. مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ. فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟» قَالَ قُلْتُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا. إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى. فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ. وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ فصلى به الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ. فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ. فَرُحِلَتْ لَهُ. فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي. فَخَطَبَ الناس وقال: «إن دماؤكم وأموالم حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا. فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ. وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ. وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ. وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ. وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا. رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ. فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ. وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالممعروف. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ. كِتَابُ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي. فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ «قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ»اللَّهُمَّ! اشْهَدِ اللَّهُمَّ! اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ. ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ. ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ. وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ رسول الله ﷺ. حتى أَتَى الْمَوْقِفَ. فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مرت بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ معكم» فناولوه دلوا فشرب منه
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص38
ج ٢ ص ٨٨٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٢٠٨
[١٠١] وقوله: (بَيدَاؤُكُم هَذِهِ) البيداء: المفازة، والجمع بيد، وهي البيداء التي قُدام ذي الحليفة في طريق مكة، و(فِيهَا) أي: في سببها، أي: تقولون: أحرم النبي ﷺ من البيداء، وإنما أحرم من عند الشجرة، (والرُّغبَى) على وزن فُعلى الرغبة، وكذلك (الرَّغْبَاء) على وزن فعلاء، وقوله: (تَلَقَّيتُ التَّلْبِيَةَ) وفي نسخة: (تَلَقَّفتُ التَّلْبِيةَ) ومعناهما واحد. قال قوم من أهل العلم : لا بأس للرجل أن يزيد على ما ورد في التلبية من الذكر لله ﷿، وقال آخرون : لا ينبغي أن يُزاد في التلبية على ما قد علمه رسول الله ﷺ الناس، وسمع سعد رجلا يلبي يقول: لبيك ذا المعارج لبيك، فقال سعد: (مَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (كَانَ مِن تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَبَّيكَ إِلَهَ الحَقِّ) وروي عن ابن عمر ﵁ أنه كان يزيد في التلبية ما ذكره مسلم . وفي الحديث دليل على رفع الصوت بالتلبية لما فيها من التوحيد، وفي ذلك: اكتساب الأجر وطرد الشيطان، وفيه دلالة أن العبارة عما في الضمير أوكد من السكوت عليه. وفيه دليل أن كلا من الصحابة ﵃ أدى ما سمع، ووجه الجمع بين خبر ابن عمر ﵁: (بَيدَاؤُكُم هَذِهِ الَّتِي تَكذِبُونَ فِيهَا) وبين خبر جابر ﵁: (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حِينَ اسْتَوَت بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيدَاءِ فَأَهَلَّ) أن ابن عمر ﵁ شاهد النبي ﷺ يهل عند مسجد ذي الحليفة، فحكاه عنه، ورآه جابر يلبي لما استوت به ناقته على البيداء، [أو كلاهما] صادق؛ وكل واحد من الخبرين ممكن، ومعنى: (تَكذِبُونَ) تغلطون، وفي زيادة ابن عمر ﵁ على ما سمع من النبي ﷺ من التلبية: دليل أن للرجل أن يزيد من الذكر ما يشاكل المسنون. و(الإهْلَالُ بِالحَجِّ): هو إحرام الحج، كما أن التكبيرة الأولى؛ التي عند رفع اليدين في ابتداء الصلاة: إحرام الصلاة، ومعنى: (التلبية): الاستجابة، أي: أنا مقيم عندك قد أجبتك، والتثنية فيها للتوكيد، وفي رواية: (يُهِلَّ مُلَبَّدا) قيل: تَلِبيد الرأس: تلبيد الشعر بالشيء اللزج؛ كانوا إذا أرادوا البُقْيا على الشعر لئلا يتشعَّث؛ أخذوا شيئا لزجا كالصمغ ونحوه؛ فلبّدوا به شعر الرأس، وذلك لمن لم يرد أن يحلق رأسه للإحرام. * * * ومن باب الإهلال حين تنبعث به راحلته
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٦
[٢٩٥٠] (١٢١٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَسَأَل عَنْ الْقَوْم، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، وَأَنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ ، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاة، فَقَامَ في نِسَاجَةٍ ، مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِه، رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْه، مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَب، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ بِيَدِهِ: فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَيْعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِه، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَة، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي»، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِد، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاء، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْه، مِنْ رَاكِبٍ، وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِه، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِه، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ - ﵇ -، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْت، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَن النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ وَثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَاب إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْه، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ:«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَة، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَي، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَي، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَة، فَقَالَ:«لَوْ أنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَي، وَقَالَ:«دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ - لَا بَلْ لِأَبُدٍ أَبَدٍ». وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ ببُدْنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ - ﵂ - مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ؛ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ:«صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ »قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ:«فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلُّ»، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَن، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ - ﷺ -، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَة، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاء، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَّا كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِث، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاء، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِه، كِتَابُ الله، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ »قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَة، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاء، وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ:«اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَات، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْه، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْن، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا، حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْر، أَبْيَضَ، وَسِيمًا، فَلَمَا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ ظُعُن يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْل، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَر، عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَي، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَة، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْف، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَر، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِه، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِه، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَفاضَ إِلَى الْبَيْت، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ«. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»١/ ١. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب، أو أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٨. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ) أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في«الصلاة»٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيه إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في«الحيض»١٠/ ٧٤٩. ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقةٌ فاضلٌ ٤١، مات سنة بضع و(١١٠) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٦١. ٦ - (جَابرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في«الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما فيها. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني مروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، وغزا مع النبيّ - ﷺ - تسع عشرة غزوة، وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، وهو من المعمّرين، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) المعروف بالصادق - ﵀ - (عَنْ أَبِيهِ) محمد بن عليّ المعروف بالباقر - ﵀ - أنه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (فَسَأَل عَنِ الْقَوْم) أي: عن الجماعة الذين دخلوا عليه؛ لأنه كان إذ ذاك أعمى؛ لأنه عَمِيَ في آخر عمره، كما صرّح به في هذه الرواية، وفيه عناية الإنسان بالداخلين عليه، والسؤال عنهم؛ لينزل كلًّا منزلته. (حَتَّى انْتَهَى) أي: وصل بالسؤال (إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي) أي: يده إليها، قال الفيّوفي: يقال: أهوى إلى الشيء بيده: مدّها؛ ليأخذه إذا كان عن قُرْب، فإن كان عن بُعْدٍ قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأتُ به. انتهى . (فَنَزَعَ) بفتح الزاي، يقال: نزَعته من موضعه نَزْعًا، من باب ضرب: إذا قَلَعته، وانتزعه: مثله. (زِرِّي الْأَعْلَى) بكسر الزاي، وتشديد الراء، هو الذي يوضع في القميص، جمعه: أَزْرارٌ، وزُرُورٌ، قاله في «القاموس» ، وقال في «المصباح»: زَرّ الرجلُ القميصَ زَرًّا، من باب قَتَلَ: أدخل الأزرار في الْعُرَا، وزَرّرَه بالتضعيف مبالغةٌ، وأزرّه بالألف: جَعَل أَزرَارًا، واحدها زِرٌّ بالكسر. انتهى . والمعنى: أنه أخرج زرّي من عروته؛ لينكشف صدري عن القميص، وفيه إكرام الرجل بنزع ردائه عنه؛ إيناسًا له، وملاطفة، وإظهار مودّة. (ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ) تثنية ثَدْيٍ، بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الثَّدْيُ: للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السِّكِّيت، ويُذَكَّرُ وُيؤَنَّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثديُ، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثلُ أَفْلُس وفُلُوس، وربما جُمِع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ، والثَّنْدُوَةُ: وزنها فُنْعُلةٌ، بضم الفاء والعين، ومنهم من يجعل النون أصلية، والواو زائدة، ويقول: وزنها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثَّدْي، وقيل: هي اللحمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثدي للمرأة، وكان رُؤبَةُ يَهْمِزُها، قال أبو عبيد: وعامة العرب لا تَهْمِزها، وحَكَى في «البارع» ضم الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السِّكِّيت: وجمع الثَّنْدُوة: ثِنَادٍ، على النقص. انتهى . (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ) إنما ذكر هذا بيانًا لسبب فعل جابر - ﵁ - به ما ذُكر من نزع زرّه، وكشف صدره، وذلك أنه تأنيس له لصغره، ولا يُفعل هذا مع الكبار. (فَقَالَ) جابر - ﵁ - (مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي) أي: نزلتَ مكانًا رَحْبًا؛ أي: واسعًا، يقال: رَحُبَ المكان رُحْبًا، من باب قَرُبَ، فهو رَحِيبٌ، ورَحْبٌ، مثالُ قَرِيبٍ، وفَلْسٍ، وفي لغة: رَحِبَ رَحَبًا، من باب تَعِبَ، وأرحب بالألف مثله، ويَتَعَدَّى بالحرف، فيقال: رَحُبَ بك المكانُ، ثم كَثُرَ حتى تعدى بنفسه، فقيل: رَحُبَتْكَ الدارُ، وهذا شاذٌّ في القياس، فإنه لا يوجد فَعُلَ بالضم إلَّا لازمًا، مثل شَرُفَ وكَرُمَ، ومن هنا قيل: مَرْحَبًا بك، والأصل: نزلتَ مكانًا واسعًا، ورَحَّب به، بالتشديد: قال له: مَرْحَبًا. انتهى . (سَلْ) أمر من سأل بالهمزة، أو من سأل بدونها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وسألت الله العافيةَ: طلبتها سؤالًا، ومسألةً، وجمعها: مسائل بالهمز، وسألته عن كذا: استعملته، وتساءلوا: سأل بعضهم بعضًا، والسؤل: ما يُسْأَل، والمسؤول: المطلوب، والأمرُ من سَأَلَ: اسْأَلْ، بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسْأَلُوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ: سَالَ يَسَالُ، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا وسَلُوا، على غير قياس، وسِلْتُهُ أنا، وهما يتساولان. انتهى . (عَمَّا شِئْتَ) متعلّق بـ «سَلْ»، و«ما» اسم موصول بمعنى الذي، ووقع في بعض النسخ بلفظ: «سَلْ عَمَّ شئتَ»، والظاهر أنه غلطٌ؛ لأن «ما» الموصولة لا تُحذف ألفها، وإنما تحذف ألف «ما» الاستفهاميّة، ولا وجه لها هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى) جملة حاليّة؛ أي: كان سؤالي له في حال عماه، وإنما طرأ له العمى في آخر حياته، كما قال في «أُسد الغابة»، ويدلّ على ذلك قوله فيما يأتي من حكايته عن نفسه: «نظرت إلى مدّ بصري … إلخ». وقوله: (وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ) جملة معطوفة على «فسألته»، ويَحْتَمِل أن تكون حالا بتقدير «قد» على رأي البصريين، ودونها على رأي الكوفيين (فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ) قال النوويّ - ﵀ -: هي بكسر النون، وتخفيف السين المهملة، وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا، ورواياتنا لـ «صحيح مسلم»، و«سنن أبي داود»، ووقع في بعض النسخ: في «سَاجَةٍ» بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب، قال: والساجةُ، والساجُ: ثوبٌ كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسيّ، قال: ومعناه ثوب مُلَفَّقٌ، قال: قال بعضهم: النون خطأ، وتصحيفٌ، قال النوويّ: وليس كذلك، بل كلاهما صحيح، ويكون ثوبًا مُلَفّقًا على هيئة الطيلسان، قال القاضي في «المشارق»: الساجُ والساجة: الطيلسان، وجمعه سِيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها خاصَّة، وقال الأزهريّ: هو طيلسان مُقَوَّرٌ يُنْسَجُ كذلك، قال: وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال: الطيلسان بفتح اللام، وكسرها، وضمها، وهي أقلّ. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: «النِّسَاجةُ: هي ضَرْبٌ من الملاحف منسوجةٌ، كأنها سُمِّيت بالمصدر، يقال: نسجت أَنْسُجُ نَسْجًا، وَنِسَاجَةً». انتهى . (مُلْتَحِفًا بِهَا) حال من «نساجة»، وهو اسم فاعل من الْتَحَفَ به: إذا تغطّي، و«اللِّحَافُ: ما يُلتَحَف به، كالْمِلْحَفة، والْمِلْحَف، أفاده المجد - ﵀ - ، وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الْمِلْحَفةُ بالكسر: هي الْمُلاءة التي تَلْتَحف بها المرأة، واللِّحَافُ، مثلُ كِتَابٍ: كلُّ ثوب يُتَغَطَّى به، والجمع لُحُفٌ، مثلُ كتاب وكُتُب. انتهى . (كلَّمَا وَضَعَهَا) أي: تلك النساجة (عَلَى مَنْكِبِهِ) بفتح الميم، وكسر الكاف، وزانُ مَجْلِس: هو مُجْتَمَعُ رأس العَضُد والْكَتِفِ؛ سُمّي بذلك؛ لأنه يُعْتَمَد عليه (رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْه، مِنْ صِغَرِهَا) أي: لأجل صغرها (وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة، وقوله: (عَلَى الْمِشْجَبِ) حال أيضًا، وهو بميم مكسورة، ثم شين معجمة ساكنة، ثم جيم، ثم باء موحدة، وهو اسم لأعواد، توضع عليها الثياب، ومتاع البيت، قاله النوويّ . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: شَجِبَ شَجَبًا، فهو شَجِبٌ، من باب تَعِبَ: إذا هَلَكَ، وتشاجب الأمر: اختَلَطَ، ودخل بعضه في بعض، ومنه اشتقاق المِشْجَب بالكسر، قاله ابن فارس، وقال الأزهريّ: الْمِشْجَبُ: خشباتٌ مُوَثَّقَةٌ، تُنْصَبُ، فيُنشَرُ عليها الثياب. انتهى . (فَصَلَّى بِنَا) أي: صار جابر إمامًا لهم في تلك الصلاة التي حضرت، وفيه أن صاحب البيت أحقّ بالإمامة إذا لَمْ يأذن، فقد تقدّم للمصنّف حديث أبي مسعود الأنصاريّ - ﵁ - مرفوعًا: «ولا تؤُمّنّ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلَّا أن يأذن لك». (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بفتح الحاء وكسرها، أصل الحجِّ: القصد، قال الفيّوميّ: حَجَّ حَجًّا، من باب قَتَلَ: قَصَدَ، فهو حاج، هذا أصله، ثم قُصِر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، ومنه يقال: ما حَجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجُّ: القصد للنُّسُك، والدَّجُّ: القصد للتجارة، والاسم: الحِجُّ بالكسر، والْحِجَّة: المرة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَجٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسْمَع من العرب، وبها سُمِّي الشهر ذو الحجة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه: ذَوَاتُ الحجة. انتهى . (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي: أشار، ففيه إطلاق القول على الفعل (فَعَقَدَ تِسْعًا) أي: أن يضمّ الوسطى والخنصر والبنصر مع مدّها إلى أصل لحمة الإبهام. [تنبيه]: عقد تسعة من العقود المعروفة عند العرب قديمًا حيث يستعملون الأصابع في الحساب، وقد بيّنت ذلك في أبيات، فقلت: يَا طَالِبًا مَعْرِفَةَ الْحِسَابِ … لِلْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ خُذْ جَوابِي لِلْوَاحِدِ اضْمُمْ خِنْصِرًا لأَقْرَبِ … بَاطِنِ كَفِّكَ وَأَحْكِمْ تُصِبِ لاثْنَيْنِ بِنْصِرًا تَزِيدُ وَإِذَا … تَزِيدُ وُسْطَاكَ ثَلَاثَةً خُذَا ضَمُّهُمَا مَعْ رَفِعِ خِنْصِرٍ غَدَا … أَرْبَعَةً وَضَمُّ وُسْطَى أَرْشَدَا لِخَمْسَةٍ وِبِنْصِرٍ لِسِتَّةِ … وَضَمُّ خِنْصِرٍ فَقَطْ لِسَبْعَةِ مَعْ مَدِّهَا لِلَحْمَةٍ تَتَّصِلُ … بِأَصْلِ إِبْهَامِكَ خُذْمَا نَقَلُوا وَمَعَهَا الْبِنْصِرُ لِلثَّمَانِيَهْ … وَمَعَهَا الْوُسْطَى لِتِسْعٍ وَاقِيَهْ إلى آخر الأبيات، وقد تقدّمت في «كتاب الصلاة»، فراجعها هناك، وبالله تعالى التوفيق. (فَقَالَ) جابر - ﵁ - (إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَكَثَ) بضمّ الكاف، وفتحها؛ أي: لبث، قال الفيّوميّ - ﵀ -: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ: أقام، وتلبّث، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قَرِيبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لَمْ يَعْجَل فيه. انتهى . زاد في رواية النسائيّ: «بالمدينة» (تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ) اتّفق العلماء على أنه - ﷺ - لَمْ يحجّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع هذه، وعلى أنَّها كانت سنة عشر (ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ) بتشديد الذال المعجمة، وفي نسخة: «ثمّ آذن» بالمدّ والتخفيف، وفي «المرعاة»: «ثمّ أُذّن» بضمّ الهمزة، وكسر الذال المعجمة، مبنيّ للمجهول؛ أي: نادى منادً بإذنه - ﷺ -، ويجوز بناؤه للمعلوم؛ أي: أمر بأن ينادى بينهم، قال: وعلى كلا الاحتمالين فالمراد إعلام الناس بحجه - ﷺ -، وإشاعته بينهم؛ ليتأهّبوا للحج معه، ويتعلّموا المناسك، والأحكام، ويُشاهدوا أفعاله، وأقواله، ويوصيهم ليبلّغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يُستحبّ للإمام إيذان الناس بالأمور المهمّة؛ ليتأهّبوا لها، ولا سيّما في هذه الفريضة الكثيرة الإحكام المفروضة . (فِي الْعَاشِرَةِ) متعلّق بخبر لمبتدإ محذوف؛ أي: ذلك كائن في السنة العاشرة من الهجرة، ولا يتعلّق بـ «آذن»، فتنبّه. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَاجٌّ) أي: خارج إلى الحجّ، ومريد له، وقاصد، زاد في رواية أحمد، والنسائيّ: «هذا العام» (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ) تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: راكبين على كلّ بعير ضعيف ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد، ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أي: ليحضروا منافع دينية، ودنيوية، وأخروية، وفي رواية النسائيّ: «فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبًا، أو راجلًا إلَّا قَدِمَ، فتدارك الناس؛ ليخرجوا معه». (كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ) أي: يطلب (أَنْ يَأْتَمَّ) أي: يقتدي (بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ) لأنه القدوة الحسنة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، و﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال القاضي عياض - ﵀ -: هذا مما يدلّ على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ لأنه - ﷺ - أحرم بالحج، وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر - ﵁ -: «وما عَمِل من شيء عملنا به»، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لَمْ يتحلل حتى أغضبوه، واعتذر إليهم، ومثله تعليق عليّ وأبي موسى - ﵄ - إحرامهما على إحرام النبيّ - ﷺ -. انتهى . (فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أي: لخمس بقين من ذي القعدة، كما رواه النسائيّ بين الظهر والعصر، وروى الترمذيّ، وابن ماجة، عن أنس منه، والطبراني عن ابن عباس - ﵄ - أنه - ﷺ - حج على رَحْلِ رَثٍّ، يساوي أربعة دراهم . (حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ) أي: المكان المعروف بهذا الاسم، وهو ماء من مياه بني جُشَم، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مرحلة عنها، ويقال: ستة أميال . (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) تقدّمت ترجمتهما قبل باب (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -) الظاهر أنَّها أرسلت زوجها أبا بكر الصدّيق - ﵁ -، ويدلّ له ما رواه مالك في «الموطإ» عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن أسماء بنت عُميس أنَّها ولدت محمد بن أبي بكر، فذَكَر ذلك أبو بكر لرسول الله - ﷺ -، ويدلّ عليه أيضًا ما رواه النسائيّ من حديث أبي بكر - ﵁ -: فأتى أبو بكر النبيّ - ﷺ -، فأخبره، فأمره أن يأمرها أن تغتسل، وقوله: (كَيْفَ أَصْنَعُ؟) مقول لقول محذوف حال من الفاعل؛ أي: أرسلت حال كونها قائلةً كيف أصنع؟ أي: في الإحرام بالحجّ. وقال الباجيّ في «شرح الموطإ»: يَحْتَمِل أن أبا بكر سأل أن النفاس الذي يمنع صحة الصلاة والصوم يمنع صحّة الحج؟ فبيّن - ﷺ - أنه لا ينافي الحجّ، وَيحْتَمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام بعد أن عَلِمَ أن إحرامها بالحجِّ يصحّ، فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب حكم الطهر. انتهى. (قَالَ) - ﷺ - مجيبًا عن سؤالها، مبيّنًا كيفيّة ما تصنعه في حال الإحرام («اغْتَسِلِي) فيه دلالة على أن اغتسال النفساء للإحرام سنة، وهو للنظافة لا للطهارة، ومثلها في ذلك الحائض، كما أمر النبيّ - ﷺ - عائشة - ﵂ - بذلك حين حاضت بسرف، كما تقدّم بيانه. وقال الخطّابيّ - ﵀ - في«المعالم»: في الحديث استحباب التشبّه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم طمعًا في إدراك مراتبهم، ورجاء مشاركتهم في نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يُطهّرهما، ولا يُخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت. قال وليّ الدين العراقيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أن العلّة عنده في اغتسالهما التشبّه بأهل الكمال، وهنّ الطاهرات، والظاهر أنه إنما هو لشمول المعنى الذي شُرع الغسل لأجله، وهو التنظيف، وقطع الرائحة المكريهة؛ لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك علّله الرافعيّ، ولا يَرِد عليه التيمّم عند العجز؛ لأن التنظيف هو أصل مشروعيّته للإحرام، فلا ينافيه قيام التراب مقامه؛ لأنه يقوم مقام الغسل الواجب، فأولى المسنون، وبعد استمرار الحكم قد لا توجد علته في بعض المحالّ. انتهى. قال الخطّابيّ - ﵀ -: وفي أمره - ﷺ - «الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. انتهى . (وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ) بالثاء المثلّثة، بعد الفوقيّة: أمر من الاستثفار، يقال: استثفرت الحائض: إذا شدّت على فرجها خرقةً، وعلقت طرفيها إلى شيء مشدود في وسطها من مُقَدَّمها ومؤخرها، مأخوذ من ثَفَر الدابة، وهو ما يكون تحت ذنبها. وقال في«المرعاة»: الاستثفار هو أن تحتشي المرأة قطنًا، وتشُدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقةً عريضةً تجعلها على محلّ الدم، وتشدّ طرفيها من قُدّامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم تنزهًا أن تظهر النجاسة عليها؛ إذ لا تقدر على أكثر من ذلك. قال النوويّ - ﵀ -: فيه استحباب غسل الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقلّ فيه أمر الحائض والنفساء، والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن تَشُدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم، وتشُدّ طرفيها من قُدّامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثَفَر الدابة - بفتح الفاء - وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه. انتهى . (وَأَحْرِمِي») بقطع الهمزة، من الإحرام؛ أي: أحرمي بالنيّة والتلبية، وفيه صحّة إحرام النفساء، ومثلها الحائض، وأولى منهما الجنب؛ لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث، وزادتا عليه بسيلان الدم، وهو مجمع عليه . (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: ركعتي الظهر، وقيل: سنة الإحرام، والصحيح الأول (فِي الْمَسْجِدِ) أي: في مسجد ذي الحليفة، قال ابن العجميّ في منسكه: ينبغي إن كان في الميقات مسجد أن يصلي ركعتي الإحرام فيه، ولو صلاهما في غير المسجد فلا بأس به، ولو أحرم بغير صلاة جاز، ولا يصلّ في أوقات الكراهة، وتجزئ المكتوبة عنهما كتحيّة المسجد، وقيل: صلى الظهر، وقال ابن القيّم: لَمْ ينقل أنه - ﷺ - صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) بفتح القاف، وبالمدِّ: اسم ناقة النبيّ - ﷺ -، قال القاضي عياض - ﵀ -: ووقع في نسخة العذريّ «القُصْوَى» بضم القاف، والقصر، قال: وهو خطأٌ، قال القاضي: قال ابن قتيبة: كانت للنبيّ - ﷺ - نُوقٌ: القصواء، والجدعاء، والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء: اسم لناقة النبيّ - ﷺ -، ولم تسم بذلك لشيء أصابها، قال القاضي: قد ذكر هنا أنه «رَكِب القصواء»، وفي آخر هذا الحديث: «خطب على القصواء»، وفي غير مسلم: «خطب على ناقته الجدعاء»، وفي حديث آخر: «على ناقةٍ خَرْماء»، وفي آخر: «العضباء»، وفي حديث آخر: «كانت له ناقة لا تُسْبَق»، وفي آخر: «تسمى مخضرمة»، وهذا كله يدلُّ على أنَّها ناقة واحدة، خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها، أو وصفها لهذا الذي بها، خلاف ما قال أبو عبيد، لكن يأتى في «كتاب النذر» أن القصواء غير العضباء، كما سنبينه هناك. قال الحربيّ: الْعَضْبُ والْجَدْع، والْخَرْم، والْقَصْوُ، والْخَضْرمة في الأُذن، قال ابن الأعرابيّ: القصواء التي قُطِع طرف أذنها، والجدع أكثر منه. وقال الأصمعيّ: والقصو مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصطلمتا فهي صَلْمَاء. وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا، والمخضرمة المستأصلة، والعضباء المقطوعة النصف فما فوقه. وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن. قال الحربيّ: فالحديث يدلّ على أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الأذن، فقد جُعِل اسمها. انتهى كلام القاضي - ﵀ -. وقال محمد بن إبراهيم التيميّ التابعيّ وغيره: إن العضباء، والقصواء، والجدعاء اسم لناقة واحدة، كانت لرسول الله - ﷺ -. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ - في «المجموع»: «القَصْواء» - بفتح القاف، وإسكان الصاد، وبالمدّ - قال أهل اللغة: يقال: شاة قصواء، وناقة قصواء: إذا قُطِع من أذنها شيءٌ لا يجاوز الربع، فإن جاوز فهي عضباء، قال العلماء: ولم تكن ناقة النبيّ - ﷺ - مقطوعًا من أذنها شيءٌ، قال صاحب المطالع: قال الدراوريّ: إنما قيل لها: القصواء؛ لأنَّها كانت لا تكاد تُسْبَقُ، قال الجوهريّ: يقال: شاة قصواء، وناقة قصواء، ولا يقال: جَمَلٌ أقصى، وإنما يقال: مَقْصُوّ، ومَقْصِيٌّ، كما يقال: امرأة حسناء، ولا يقال: رجل أحسن، وكان يقال لهذه الناقة: القصواء، والقصي، والجدعاء، قال العلماء: هي اسم لناقة واحدة، وقيل: هي ثلاثٌ، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: عقد الحافظ العراقي - ﵀ - في «ألفيّة السيرة» بابًا في بيان جِماله - ﷺ -، فقال: «باب ذكر لقاحه، وجِماله - ﷺ -»: كَانَتْ لَهُ لِقَاحٌ … الْحِنَاءُ عُرَيِّسٌ بَغُومٌ السَّمْرَاءُ بُرْدَةُ وَالْمَرْوَةُ وَالسَّعْدِيَّةُ … حَفَدَةٌ مَهْرَةُ وَالْيُسَيْرَةُ رَيَّاءُ وَالشَّقْرَاءُ وَالصَّهْبَاءُ … عَضْبَاء وَجَدْعَاءُ هُمَا الْقَصْوَاءُ وَغَيْرُهُنَّ وَالْجِمَالُ الثَّعْلَبُ … وَجَمَلٌ أَحْمَرُ وَالْمُكْتَسَبُ غَنِمَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ مِنْ أَبِي … جَهْل فَأهْدَاهُ إِلَى الْبَيْتِ النَّبِيّ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ أيْ مِنْ فِضَّةِ … غَاظَ بِهِ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةِ (حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ) بفتح الموحدة، وسكون التحتانيّة: هي المفازة، جمعها بِيد بالكسر، والمراد هنا بيداء ذي الحليفة (نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: «مَدّ بصري»، وهو صحيح، ومعناه مُنْتَهَى بصري، وأنكر بعض أهل اللغة مَدّ بصري، وقال: الصواب: «مَدَى بَصَري»، وليس هو بمنكر، بل هما لغتان، المدّ أشهر. انتهى . (بَيْنَ يَدَيْه، مِنْ رَاكِبٍ، وَمَاشٍ) فيه جواز الحجِّ راكبًا وماشيًا، وهو مُجْمَعٌ عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، واخَتَلَف العلماء في الأفضل منهما، فقال مالك، والشافعيّ، وجمهور العلماء: الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبيّ - ﷺ -، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أكثر نفقةَ، وقال داود: ماشيًا أفضل؛ لمشقته، وهذا فاسد؛ لأن المشقة ليست مطلوبة، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج، واختُلف في الأفضل منهما: فذهب مالك، والشافعيّ في آخرين: إلى أن الركوب أفضل اقتداءً بالنبيِّ - ﷺ -، ولكثرة التفقه، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب. وذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس. ولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل. واختلفوا في الطواف والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبيِّ - ﷺ -. انتهى . (وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: من راكب، وماش (وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرنَا) في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ) مقصوده: الحثّ على التمسك بما أخبرهم عن فعله - ﷺ - في حجته تلك. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله» يعني: أنه - ﷺ - إنما كان يفعل الفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو، ويبئنه للناس بفعله، ولذلك قال - ﷺ -: «خذوا عنِّي مناسككم»، وكانوا كما قال جابر - ﵁ -: إذا عَمِل شيئًا اقتدوا به فيه، وعملوه على نحو ما عمل. انتهى. (وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ) أي: إنه - ﷺ - إذا عَمِل شيئًا من أعمال الحجّ اقتدوا به فيه، وعملوه على نحو ما عمل، وفيه ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الحرص على الاقتداء بالنبيَّ - ﷺ -. (فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ) أي: رفع صوته بكلمة التوحيد، يعني قوله: «لا شريك لك»، وقوله: («لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ») تقدّم شرحه في «باب التلبية»، وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية، تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك، فكانوا يقولون: «لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»، كما سبق ذلك في «باب التلبية» أيضًا. (وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِه، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ) يعني: أنهم لم يلتزموا هذه التلبية الخاضَة التي لبَّى بها رسول الله - ﷺ -؛ إذ فهموا أنها ليست مُتعيِّنَة، فترك - ﷺ - كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلا بدَّ أن يأتي الملبِّي بما يقال عليه تلبية لسانًا، ولا يجزئ منها التحميد، ولا التكبير، ولا غيره، عند مالك، قاله القرطبيّ ﵀ . وفي رواية أحمد، وابن الجارود: «ولبّى الناس، والناس يزيدون ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبيّ - ﷺ - يسمع فلا يقول لهم شيئًا» (وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَلْبِيَتَهُ) المذكورة، قال القاضي عياض ﵀: فيه إشارة إلى ما رُوي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر، كما رُوي في ذلك عن عمر - ﵁ - أنه كان يزيد: «لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبًا منك، ومرغوبًا إليك»، وعن ابن عمر - ﵄ -: «لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل»، وعن أنس - ﵁ -: «لبيك حقًّا تَعَبُّدًا ورِقًّا»، قال القاضي: قال أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله - ﷺ -، وبه قال مالك، والشافعيّ. انتهى . (قَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ) أي: لسنا ننوي شيئًا من النيّات إلا نيّة الحجّ، قال السنديّ ﵀: هذا في أول الأمر، وقت خروجهم من المدينة، وإلا فقد أحرم بعضهم بالعمرة، أو هو خبر عما كان عليه حال غالبهم، أو أن المقصد الأصليّ من الخروج كان الحجّ، وإن نوى بعض العمرة. انتهى. وقوله: (ولَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ) تأكيد للحصر الذي قبله، قال القرطبيّ ﵀: هذا يَحْتَمِل أن يُخْبِر به عن حالهم الأَوَّل قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما تقدَّم، فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم النبيّ - ﷺ -، فقال: «من أراد أن يُهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهلّ بعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهلّ بحج وعمرة فليفعل»، فارتفع ذلك الوهم الواقع بهم. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: فقول جابر - ﵁ -: «لسنا ننوي إلا الحج … إلخ» مع قوله في الحديث الآخر قبلُ: «مهلّين مع رسول الله - ﷺ - بحجّ مفرد»، يرُدّ كلّ ما خالفه من رواية: أن منهم من كان معتمرًا، أو متمتّعًا وقارنًا، وكيف وهو يقول: «لا نعرف العمرة»، وكذلك كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجّ حتى جاء الإسلام، ولذلك جعل النبيّ - ﷺ - عُمَره كلها في أشهر الحجّ على الصحيح، وسيأتي هذا، وقد أثبتنا قبلُ ترتيب هذه الأخبار، وتأليف مختلفها، ومن خالف حديث جابر، ومن وافقه إنما هو إخبار من مآل الحال، واستقرار العمل، كما تقدّم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما قاله المحقّقون من الجمع بين قول جابر - ﵁ -: «لسنا ننوي إلا الحجّ … إلخ»، وبين حديث عائشة - ﵂ -: «فمنا من أهلّ بعمرة … إلخ» أن حديث جابر - ﵁ - محمول على أول الأمر قبل أن يأمرهم النبيّ - ﷺ - بالعمرة، وحديث عائشة - ﵂ - محمول على آخر الأمر بعد أن أمرهم النبيّ - ﷺ - بالعمرة، فلا اختلاف بين الأحاديث، ولله الحمد. (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ) أي: وصلنا إليه (مَعَهُ) - ﷺ -، بعد أن نزل بذي طُوى، وبات بها، واغتسل فيها، ودخل مكة من الثنيّة العليا، صبيحة رابع ذي الحجة، وقصد المسجد من شقّ باب السلام، ثم بدأ بالطواف، ولم يبدأ بركعتي تحية المسجد؛ لأنهما يحصلان بعد الطواف، وإنما يؤمر بهما من يريد الجلوس، والطائف لا يجلس، فلم يشمله النهي الوارد في قوله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، وأما ما اشتهر عند كثير من الناس: إن تحية المسجد الحرام الطواف لا صلاة ركعتين، فمن كلام العوامّ الذين لا علم عندهم، ولا تفكير لهم في النصوص، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وفي الحديث أن السنة لداخل مكة للنسك أن يبدأ بالبيت قبل غيره، إلا أن يكون مضطرًّا، كأن يخشى على رحله، فله الصبر عليه، والبداية به حتى لا يضيع، وكذلك من جاء متأخّرًا يوم عرفة، وخاف فوت الوقوف لو بدأ بالبيت، ونحو ذلك من كل من يضطرّ إلى أن يبدأ بغيره، فله ذلك، والله تعالى أعلم. (اسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أي: الركن الأسود؛ إذ ينصرف إليه الركن عند الإطلاق، وسُمّي ركنًا؛ لأنه في ركن البيت. وفي رواية أحمد، وابن الجارود: «الحجر الأسود»، والاستلام: افتعال من السلام بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيّا؛ لأن الناس يُحيّونه بالسلام، وقيل: من السِّلام بكسر السين، وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة بكسر اللام، ويقال: استلم الحجر: إذا لَثَمَه وتناوله، والمعنى: وضع يديه عليه وقبّله، واستلم النبيّ - ﷺ - الركن اليماني أيضًا في هذا الطواف، كما في حديث ابن عمر - ﵄ -، ولكن لم يُقبّله، فلا يُسنّ تقبيله. والحاصل أن السنّة تقبيل الحجر الأسود في كلّ طوفة، إن تيسّر ذلك، فإن شقّ التقبيل استلمه بيده، ثم قبّلها، وإلا استلمه بنحو عصا، وقبّلها، وإلا أشار إليه، ولا يقبّله ما أشار به إليه، وهذا الذي ذكرناه في الحجر الأسود، لا يُشرع شيء منها في الأركان الأخرى، إلا الركن اليمانيّ، فيسنّ استلامه بوضع اليد عليه فقط، دون تقبيله، فما يفعله كثير من الناس من تقبيلهم الركن اليماني فمن غلبة جهلهم بالسنة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله. وقال الزرقانيّ ﵀ في «شرح المواهب»: واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم؛ أي: أساس بناه، والثاني هو الركن اليماني له الفضيلة الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبّل الأول، كما في «الصحيحين» عن ابن عمر - ﵄ - أنه - ﷺ - قبّل الحجر الأسود، وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن عمر - ﵄ -: «رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمه، ويقبّله»، ويُستلَم الثاني فقط؛ لما في «الصحيح» عن ابن عمر - ﵄ -: أنه - ﷺ - كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. ولا يُقبّل الآخران، ولا يُستلمان؛ اتّباعًا للفعل النبويّ؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم؛ هذا قول الجمهور، واستَحَبّ بعضهم تقبيل اليمانيين أيضًا، وهذا ضعيفٌ؛ لمخالفته السنّة. وقد أجاب الشافعيّ ﵀ عن قول من قال كمعاوية - ﵁ - وقد قبّل الأركان كلها: ليس شيء من البيت مهجورًا، فردّ عليه ابن عبّاس - ﵄ - فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فأجاب الشافعيّ ﵀: بأنّا لم نَدَع استلامهما هَجْرًا للبيت، وكيف يهجره، وهو يطوف به؟ ولكنا نتّبع السنة فعلًا أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هَجْرًا له لكان ترك استلام ما بين الأركان هَجرًا له، ولا قائل به، ورُوي عن الشافعيّ، عن ابن عمر - ﵄ - قال: استقبل رسول الله - ﷺ - الحجر الأسود، فاستلمه، ومسح يده عليه، ثم وضع شفتيه عليه طويلًا يقبّله. ويستفاد منه استحباب الجمع بينهما. انتهى. ومما يُستحبّ عند استلام الركن الأسود التكبير في كلّ طوفة؛ لحديث ابن عبّاس - ﵄ - قال: طاف النبيّ - ﷺ - بالبيت على بعيره كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبّر، رواه البخاريّ. وأما التسمية فلا تثبت في حديث مرفوع كما نبّه عليه الشيخ الألبانيّ ﵀، وإنما ثبتت عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر، أخرجه البيهقيّ وغيره بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، والحافظ، ووهم ابن القيّم، فذكره من رواية الطبرانيّ مرفوعًا، وإنما رواه موقوفًا كالبيهقيّ، كما ذكره الحافظ في «التلخيص». انتهى . (فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا) وفي رواية النسائيّ والترمذيّ: «فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا»، فقوله: «فرَمَل» أي: مشى بسرعة، مع تقارب الْخُطى، وهزّ الكتفين، وفي الرواية الآتية عند مسلم: «لَمّا قَدِم مكة أتى الحجر، فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا». وقوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرّات، وهي الأشواط الأوَل من السبعة، زاد في رواية لأحمد: «حتى عاد إليه». وقوله: (وَمَشَى أَرْبَعًا) أي: على السكون والهيئة في الأربعة الأشواط الباقية. وقال القرطبيّ ﵀: وبفعله - ﷺ - هذا تقرر أن الرَّمل في الثلاثة الأشواط سنَّة راتبة، وإن كان أصل مشروعيته في عمرة القضاء؛ لِيُرِيَ أهل مكة قوَّتهم، وتجلّدهم، كما في حديث ابن عباس - ﵄ - على ما يأتي؛ لكن لما فعله في حجة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقق أنه تعبّد، وأنه سُنَّة. وهذا الطواف المذكور هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سنَّة مؤكدة يجب بتركه دم على غير المراهق، وهو قول أبي ثور، وأحد قولي مالك، وقيل: لا يجب بتركه دم، ويجزئ عنه طواف الإفاضة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يخاطب بطواف القدوم مكيٌّ. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول الشافعي ومن معه هو الأرجح في هذا؛ لأن إيجاب الدم يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: والأطواف ثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة، ويسمَّى: طواف الزيارة؛ لأن الطائف يزور البيت من مِنى، فيطوفه، وقد أجاز الحنفي وغيره هذه التسمية، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وطوافُ الوداع، وهو الذي يفعل عند الصَّدَر من مكة، ولا دم على تاركه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ ﵀: ولا دم على تاركه؛ أي: عند من يقول: إنه ليس من النسك، وإلا فالقائلون: إنه من النسك يوجبون الدم بتركه، فتنبّه. وقال النوويّ ﵀: قوله: «حتى إذا أتينا البيت معه … إلخ»: فيه أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يُسَنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبع طوافات، وفيه أن السنة أيضًا الرمل في الثلاث الأُوَل، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة. قال العلماء: الرمل هو أسرع المشي مع تقارب الخطى، وهو الْخَبَب. قال أصحابنا: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حجّ أو عمرة فلا رمل، بلا خلاف، ولا يُسْرع أيضًا في كل طواف حجّ، وإنما يسرع في واحد منها، وفيه قولان مشهوران للشافعيّ: أصحهما طواف يعقبه سعيٌ، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع. والقول الثاني: أنه لا يُسرع إلا في طواف القدوم، سواء أراد السعي بعده أم لا، ويُسرع في طواف العمرة؛ إذ ليس فيها إلا طواف واحد، والله أعلم. قال أصحابنا: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في سنن أبي داود، والترمذيّ، وغيرهما، وهو أن يجعل وَسَط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، قالوا: وإنما يسنّ الاضطباع في طواف يسنّ فيه الرمل على ما سبق تفصيله، والله أعلم. انتهى . (ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇)؛ «نَفَذَ» بالنون، والفاء، والذال المعجمة؛ أي: توجّه، يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغ من طوافه (فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾) بكسر الخاء المعجمة على الأمر، وبفتحها على الخبر (﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾) بفتح الميم؛ أي: موضع قيامه، وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدمين إلى الآن، وهو موضوع قُبالة البيت (﴿مُصَلًّى﴾) بالتنوين؛ أي: موضع صلاة الطواف. قال القرطبيّ ﵀: الرواية هنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾، بكسر الخاء على الأمر، وهي قراءة الكوفيين، وأبي عمرو، وهي أمر، وعلى قراءة الفتح، وهي قراءة الباقين، هو خبر عن الملتزمين لاستقبال الكعبة. واختُلِف في مقام إبراهيم ﵇ ما هو؟ فقال ابن عباس - ﵄ -: هو مواقِفُه كلها، وقال الشعبيّ وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار، وقال مجاهد: الحرم، وقال جابر وقتادة: الحجر الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفع به كلما ارتفع البناء، ويرفع هذا الخلاف، ويبيِّن المراد بالمقام قوله: فجعل المقام بينه وبين الكعبة؛ وهذا يدلّ على أنه هو الموضع المعروف هناك الذي يَستَقبِل بابَ البيت. و(﴿مُصَلًّى﴾) أي: موضع صلاة ودعاء، وهاتان الركعتان هما المسنونتان للطُوَّاف، وهما سنتان مؤكدتان، يجب بتركهما دم عند مالك، ويدركهما ما لم يخرج من الحرم، فإن خرج ولم يركع، فهل يعيد الطواف لهما، أم لا؟ قولان، فإذا قلنا: لا يعيد الطواف لهما فقد وجب الدَّم، وكذلك إذا رجع إلى بلاده وجب الدَّم، وغير مالك لا يرى فيهما دمًا، ويركعهما متى ذكرهما. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . زاد في رواية الترمذيّ، والنسائيّ: «فصلّى ركعتين»، وعند أحمد، وابن الجارود: «حتى إذا فرغ - أي: من الطواف - عَمَدَ إلى مقام إبراهيم، فصلّى خلفه ركعتين». (فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) أي: صلّى خلفه، وهذا بيان للأفضل، وإلا فيجوز أن يصلي الركعتين في أي موضع شاء. وقال النوويّ ﵀: هذا دليل لِما أَجْمَع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختَلَفوا هل هما واجبتان، أم سنتان؟ وعندنا فيه خلاف حاصله: ثلاثة أقوال: أصحها أنهما سنة، والثاني أنهما واجبتان، والثالث إن كان طوافًا واجبًا فواجبتان، وإلا فسنتان، وسواء قلنا واجبتان أو سنتان، لو تركهما لم يبطل طوافه، والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الْحِجْر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة، وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز، وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حيًّا، ولو أراد أن يطوف أطوفة استُحِبّ أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة، ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه، قال أصحابنا: يجوز ذلك، وهو خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه، وممن قال بهذا: الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، وعائشة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، وكرهه ابن عمر، والحسن البصريّ، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء. انتهى . (فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَن النَّبِيِّ - ﷺ -) قال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد رَوَى هذا الحديث عن أبيه، عن جابر - ﵁ -، قال: كان أبي - يعنى محمدًا - يقول: إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، بل عن جابر، عن قراءة النبيّ - ﷺ - في صلاة هاتين الركعتين، قال: وأما قوله: «لا أعلم ذَكَرَه إلا عن النبيّ - ﷺ -» ليس هو شكًّا في ذلك؛ لأن لفظة العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبيّ - ﷺ -، وقد ذكره البيهقيّ بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر - ﵁ -: أن النبيّ - ﷺ - طاف بالبيت، فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا، ثم صلى ركعتين، قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. انتهى . وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾) قال النوويّ ﵀: معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. قال في «المرعاة»: الواو لمطلق الجمع، فلا إشكال، قال الطيبيّ: كذا في «صحيح مسلم»، و«شرح السنّة» في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر تقديم «سورة الكافرون»، وفي رواية للنسائيّ: «فصلّى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾»، وفي رواية للترمذيّ: «قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾». انتهى . (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ) يعني أنه - ﷺ - بعد صلاة ركعتي الطواف رجع إلى الحجر الأسود، فاستلمه، وهذا يدلّ على شدّة العناية، والتهمّم باستلام الحجر الأسود . وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: أنه يستحب للطائف طوافَ القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام، أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يَخرُج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم. انتهى . (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَاب) أي: من باب البيت الحرام (إِلَى الصَّفَا) مقصورًا، في الأصل هي الحجارةَ الْمُلْسُ، الواحدة صفاوٌ، مثلُ حَصًى وحَصَاوٍ، ومنه سُمّي الصفا موضع بمكة، ويجوز تذكيره وتأنيثه باعتبار إطلاق لفظ المكان والبقعة عليه، قاله في «المصباح» . (فَلَمَّا دَنَا) أي: قَرُب (مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾) قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في»تفسيره«: أصل الصفا في اللغة: الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف، وذَكَّر الصفا؛ لأن آدم ﵇ وقف عليه، فسُمِّي به، ووقفت حواء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأُنِّث لذلك، والله أعلم. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يُسَمَّى إِسَافًا، وعلى المروة صنم يُدْعَى نائلة، فاطّرَد ذلك في التذكير والتأنيث، وقُدِّم المذكر، وهذا حسنٌ؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا، حتى رفع الله الحرج في ذلك، وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتَبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدا من دون الله، والله تعالى أعلم. و«الصفا»: مقصورٌ جمع صَفَاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ، وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِيٌّ بضم الصاد، وكسرها ، وأَصْفاءٌ على مثل أَرْحاء، قال الراجز: كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو؛ أي: خَلَص من التراب، والطين. و«المروة»: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لِينٌ، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو: الحجارة صَلِيبها ورِخوها الذي يتشظى، وتَرِقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر: وَتَوَلَّى الأَرْضَ خِفًّا ذَابِلًا … فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ وقال أبو ذؤيب [من الكامل]: حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا الْمُشَقَّرِ كُلَّ يَوْم تُقْرَعُ وقد قيل: إنها الحجارة السُّود، وقيل: حجارة بيض بَرّاقة، تكون فيها النار. (﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي: من أعلام مناسكه، ومواضع عباداته، وهي جمع شعيرة، والشعائر المتعبَّدات التي أشعرها الله تعالى؛ أي: جعلها أعلامًا للناس من الموقف، والسعي، والنحر، والشعار: العلامة، يقال: أشعر الهدي: أعلمه بغرز حديدة في سنامه، من قولك: أشعرت؛ أي: أعلمت، وقال الكميت [من الطويل]: نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ … شَعَائِرَ قِرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ في «المفهم»: و«الشعائر»: المعالم التي للحجّ، جمع شعيرة، سُمّيت بذلك؛ لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تُعْلِم، أو لِما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه، قال: والطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة عند جمهور العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا في الحج، وسيأتي استيفاء الكلام عليهما - إن شاء الله تعالى. انتهى . (أَبْدَأُ) بصيغة المتكلّم؛ أي: قال: أنا أبدًا، ووقع في بعض النسخ «ابدؤوا بما بدأ الله» بصيغة الأمر، وأشكّ في صحّتها؛ لأن هذه وقعت عند النسائيّ في رواية له، ولفظها: «فابدءوا بما بدأ الله به» ، (بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ«) أي: بذكره، وهو الصفا، يعني أنه يبتدئ السعي من الصفا؛ لأن الله تعالى ابتدأ بذكره، حيث قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية؛ لأن الترتيب الذكريّ له اعتبار في الأمر الشرعيّ، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع. وقال السنديّ ﵀: هذا يفيد أن بداءة الله تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملًا، والظاهر أنه يقتضي ندب الابتداء عملًا، لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصَّفا … إلخ»: هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت، ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن فعل أُلغي ذلك الشوط عند الجمهور، وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه. ويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من قوله - ﷺ -: «أبدأ بما بدأ الله به»: أن الذي يقدَّم ليعطفَ عليه أوكد من المعطوف في مقصود المقدِّم بوجهٍ ما، كما يُفْهَم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له على المعطوف، ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعْرف فيه، ولا يُفْهَم منه أن الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء، لا بالترتيب، وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل العمرة. انتهى . وقول النوويّ ﵀ قوله: «أبدأ بما بدأ الله به … إلخ»: في هذا اللفظ أنواع من المناسك: [منها]: أن السعي يشترط فيه أن يُبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائيّ في هذا الحديث بإسناد صحيح: أن النبيّ - ﷺ - قال: «ابدءوا بما بدأ الله به»، هكذا بصيغة الجمع. [ومنها]: أنه ينبغي أن يَرقَى على الصفا والمروة، وفي هذا الرُّقِيّ خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصحّ سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب الأول، قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئًا من المسافة بين الصفا والمروة، فليُلْصِق عقبيه بدرج الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في المرات السبع يُشتَرط في كل مرة أن يُلصق عقبيه بما يبدأ منه، وأصابعه بما ينتهي إليه، قال أصحابنا: يُستحب أن يَرْقَى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. [ومنها]: أنه يُسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور، ويدعو، ويكرّر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا، والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَبَدَأَ) - ﷺ - السعي (بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ) بكسر القاف، قال في «القاموس»: رَقِيَ إليه، كرَضِيَ رَقْيًا، ورُقِيًّا: صَعِدَ، كارتقى، وترقَّى، والْمِرْقَاةُ، بالفتح، ويُكسر: الدرجة. انتهى . وقال في «المصباح»: رَقِيتُ في السَّلَّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِبَ رُقِيًّا على فُعُولٍ، ورَقْيًا مثلُ فَلْسٍ أيضًا، وارتقيتُ، وترقّيتُ مثله، ورَقِيتُ السَّطْحَ والجبلَ: عَلَوته يتعدَّى بنفسه. انتهى . (حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ) أي: إلى أن رأى الكعبة المشرّفة (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) وضع الظاهر موضع المضمر؛ تنصيصًا على أن البيت هو القبلة، وتنبيهًا على أن المقصود بالذات هو التوجّه إلى القبلة، لا خصوص رؤية البيت، قاله القاري ﵀. (فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال الطيبيّ ﵀: هذا يَحْتَمِل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، ويَحْتَمِل أن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به، لكن معناه مستفاد من هذا القول؛ أي: لأن معنى التكبير التعظيم، قال القاري: والأظهر أنه قول آخر. (وَحْدَهُ) حال مؤكّد من»الله«، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ الآية [البقرة: ٩١]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨] في أحد الوجهين، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا، قاله الطيبيّ ﵀ ، وقال في»المرعاة«:»وحده«حال مؤكّدة؛ أي: منفردًا بالألوهيّة، أو متوحّدًا بالذات، وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) حال أيضًا؛ أي: لا شريك له في الألوهيّة، فيكون تأكيدًا، أو في الصفات، فيكون تأسيسًا، وهو الأولى . (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، والبيهقيّ، والشافعيّ:»يُحيي ويُميت«(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ) أي: وَفَى بما وعد به من إظهار دينه، حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٥)﴾ [الصفّ: ٩] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمدًا - ﷺ - نصرًا عزيزًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]، ووقع في رواية أحمد: «صدق عبده»، ومعنى صدق الله تعالى عبده: تأييده له بالمعجزات، والله تعالى أعلم. (وَهَزَمَ) وفي رواية: «وغلب» (الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ«) أي: هزمهم بغير قتال من الآدميين، ولا بسبب من جهاتهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، والمراد بالأحزاب: هم الذين تَحَزّبوا على رسول الله - ﷺ - يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، قاله النوويّ ﵀ ، ويَحتمل أن يكون المراد بالأحزاب: أنواع الكفّار الذين تحزّبوا لحرب رسول الله - ﷺ -، وغُلبوا بالهزيمة والفرار . وقوله: (ثُمَّ) هنا لمجرّد الترتيب، دون التراخي (دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: بين مرّات هذا الذكر بما شاء (قَالَ مِثْلَ هَذَا) وفي نسخة: «مثل ذلك»؛ أي: مثل الذكر المتقدّم (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الطيبيّ ﵀: كلمة «ثُمّ» تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و«بين» تقتضي التعدّد والتوسّط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله: «وهو على كلّ شيء قدير»، ثم الدعاء، فتمحّل من قال: لما فرغ من قوله: (وهزم الأحزاب وحده) دعا بما شاء، ثم قال مرّة أخرى هذا الذكرَ، ثم دعا، حتى فعل ثلاث مرّات، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله: «ثم دعا بين ذلك» بعد قوله: «قال مثل هذا ثلاث مرّات»، وتكون «ثمّ» للتراخي في الإخبار، لا تأخّر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرّتين. انتهى . وقال السنديّ ﵀: يقول الذكر ثلاث مرّات، ويدعو بعد كلّ مرّة. انتهى. (ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ) وفي رواية النسائيّ: «ثم نزل ماشيًا» (حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ) بتشديد الموحّدة (قَدَمَاهُ) أي: انحدرتا بسهولة، ومنه قولهم: «إذا مشى كأنه ينحطّ في صَبَب» أي: موضع منحدر، وهو مجازٌ من قولهم: «صببت الماء، فانصبّ»؛ أي: سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْوَادِي) أي: المسعى، وفي رواية النسائيّ: «في بطن المسيل»، يعني انحدرتا بسهولة حتى وصلتا إلى بطن الوادي، والمراد به المنخفض منه، وقوله: (سَعَى) جواب «إذا». [تنبيه]: سقط من معظم النسخ لفظ «سعى»، ولا بدّ منه، قال النوويّ ﵀: قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صَعِدتا م. ى حتى أتى المروة«: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وفيه إسقاط لفظةٍ لا بُدّ منها، وهي»حتى إذا انصبّت قدماه رَمَلَ في بطن الوادي«، ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميديّ في»الجمع بين الصحيحين«، وفي»الموطأ«:»حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى خرج منه«، وهو بمعنى رَمَلَ. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . قال النوويّ ﵀: وقد وقع في بعض«نسخ صحيح مسلم»:«حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى»، كما وقع في«الموطإ»وغيره، والله أعلم. انتهى . (حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا) بكسر العين المهملة؛ أي: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي، وخرجتا منه إلى طرفه الأعلى، وقال الطيبيّ ﵀: معناه: ارتفعتا عن بطن الوادي إلى المكان العالي؛ لأنه في مقابلة«انصبّت قدماه»؛ أي: دخلتا في الْحُدُور. انتهى . قال المجد ﵀: صَعِدَ في السّلّم، كسَمِعَ صُعُودًا، وصَعَّدَ في الْجَبَل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمع: صَعِدَ فيه، وأصعد: أتى مكة، وفي الأرض: مَضَى، وفي الوادي: انحدر، كصَعّد تصعيدًا. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: صَعِدَ في السلم والدرجة يَصْعَد، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل بالتثقيل: إذا علوته، وصَعِدت في الجبل، من باب تَعِبَ لغةٌ قليلةٌ، وصَعِدت في الوادي تصعيدًا: إذا انحدرت منه، وأصعد من بلد كذا إلى بلد كذا إصعادًا: إذا سافر من بلد سُفْلى إلى بلد عُليا ، وقال أبو عمرو: أصعد في البلاد إصعادًا: ذهب أينما توجه، وصَعِد بالكسر، وأصعد إصعادًا: إذا ارتقى شَرَفًا. انتهى . (مَشَى) أي: سار على السكون، يعني أنه لما بلغ المكان المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرّة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعيّ وموافقيه، وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكِر، والثانية: تجب عليه إعادته. انتهى . (حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) زاد في رواية أحمد: «فرَقِي عليها حتى نظر إلى البيت» (فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) أي: مثل ما فعله عليه، من الرُّقيّ، واستقبال القبلة، والذكر والدعاء، قال النوويّ ﵀: فيه أنه يسنّ عليها من الذكر والدعاء والرُّقيّ مثل ما يسنّ على الصفا، وهذا متفق عليه. انتهى . (حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ) وفي نسخة: «آخر طوف» بلا ضمير، و«كان» هنا تامّة؛ أي: وُجد (عَلَى الْمَرْوَةِ) متعلّق بـ «كان»، وفي رواية لأحمد، وابن الجارود: «فلما كان السابع عند المروة». قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ والجمهور: أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحسَب مرّةً، والرجوع إلى الصفا ثانيةً، والرجوع إلى المروة ثالثةً، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يُحْسَب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يَرُدّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. انتهى، وهو تعقّبٌ جيّدٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ) جواب «إذا»، زاد في رواية لأحمد، وابن الجارود: «يا أيها الناس» («لَوْ أَنِّي استَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي) أي: لو علمت في قُبُلٍ من أمري (مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: ما علمته في دُبُرٍ منه، والمعنى: لو ظهر لي هذا الأمر الذي ظهر لي الآن وأمرتكم به في أول أمري، وابتداء خروجي (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) بضمّ السين المهملة؛ أي: ما جعلت عليّ هديًا، وأشعرته، وقلّدته، وسُقته بين يديّ، فإنه إذا ساق الهدي لا يتحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر، فلا يصحّ له فسخ الحجّ بعمل العمرة، بخلاف من لم يسق معه هديًا، فإنه يفسخ الحجّ، وهذا صريح في أنه - ﷺ - لم يكن متمتّعًا. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت … إلخ» هذا يرُدّ على من قال: إن النبيّ - ﷺ - أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما أحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الاحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد منها؛ فأمر به، ولكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو، أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه ما ظهر له بعده، لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج. انتهى . وقال الخطّابيّ ﵀: إنما أراد رسول الله - ﷺ - بهذا القول لأصحابه؛ تطييبًا لقلوبهم، وذلك أنه كان يشقّ عليهم أن يحلّوا، ورسول الله - ﷺ - مُحرِم، ولم يُعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ويتركوا الاقتداء به، فقال عند ذلك القولَ؛ لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه، قال: وقد يستدلّ بهذا الحديث من يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من الإفراد والقران. قال الطيبيّ: ولعلّهم إنما شقّ عليهم؛ لإفضائهم إلى النساء قبل انقضاء المناسك، كما ورد في حديث جابر قالوا: «فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيّ»، وأشاروا إلى مذاكيرهم. وقال البيضاويّ: إنما قال ذلك تأسيسًا للتمتّع، وتقريرًا لجواز العمرة في أشهر الحجّ، وإماطةً لما ألِفُوا من التحرّج عنها. انتهى . (وَجَعَلْتُهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً) أي: كنت متمتّعًا من أول الأمر من غير سوق الهدي، وقال القاري؛ أي: جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقةً. وقال ابن القيّم ﵀ في شرح قوله - ﷺ -: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت … إلخ»: يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي. وقال النوويّ ﵀: في الحديث دليل على جواز قول «لو» في التأسّف على فوات أمر الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن «لو» تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسّف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثُرت الأحاديث الصحيحة في استعمال «لو» في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيُجمَع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ) الفاء جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر ما ذكرت من أني سُقت الهدي، فمن كان منكم (لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ) بسكون الدال وتخفيف الياء، وكسرها وتشديد الياء (فَلْيَحِلَّ) بكسر الحاء، وفي رواية عند أحمد: «فليحلل» بسكون الحاء؛ أي: ليصر حلالًا، وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وَلْيَجْعَلْهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً«) إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع؛ إذ الجعل مقدّم على الخروج؛ لأن المراد من الجعل الفسخ، وهو أن يفسخ نيّة الحجّ، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة، أو الواو للعطف التفسيريّ، قاله القاري ﵀. وفي رواية عطاء عن جابر عند الشيخين،«فقال: أحلّوا من إحرامكم»؛ أي: اجعلوا حجكم عمرةً، وتحلّلوا منها بالطواف والسعي، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية، فأهلُّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدِمتم بها مُتعةً، قال الحافظ؛ أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرةً تتحلّلون منها، فتصيرون متمتّعين، فأطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة. انتهى . (فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم الجيم، وضمّ الشين المعجمة، وفتحها، كما ذكره الجوهريّ وغيره، تقدّمت ترجمته في الباب الماضي، زاد في رواية أحمد، وابن الجارود: «وهو في أسفل المروة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) الإشارة إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة، كما هو ظاهر سياق الحديث، وقال به المحقّقون، أو الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ، أو مع الحجّ، كما قال الأكثرون؛ أي: هل يختصّ هذا بهذه السنة، أم هو إلى الأبد؛ أي: للحال والاستقبال، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ: «أرأيت عمرتنا - وفي لفظ: متعتنا - ألعامنا هذا أم للأبد؟». قال القرطبيّ ﵀: وقول سراقة بن جُعْشُم: «أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ .. إلخ» ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبّدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة، وبهذا استدل من قال بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر، وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعْل العمرة في أشهر الحج، فاجاب بذلك، وعلى هذا: فيكون معنى «دخلت العمرة في الحج»؛ أي: في أشهر الحج. وقيل: دخلت العمرة في الحج؛ أي: في حق القارن، والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصًا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما دلّ عليه الظاهر من أن المراد فسخ الحج إلى العمرة، وأن ذلك ليس خاصًّا بالصحابة هو الحقّ؛ لظهور أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى) «واحدةً» منصوب بعامل مضمر؛ أي: جاعلًا واحدةً من الأصابع في الأخرى، والحال مؤكّدة (وَقَالَ) - ﷺ - («دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ) زاد في رواية أحمد، وابن الجارود:»إلى يوم القيامة«(مَرَّتَيْنِ) أي: قال ذلك مرّتين، وقوله: (لَا) أي: ليس لعامنا هذا فقط، قال الطيبيّ ﵀: قوله:»لا«هو جواب عن السؤال، وهو مشكلٌ؛ لأن السؤال بـ»أم«المعادلة إنما يُتلقّى في الجواب بأحد المتعادلين المستويين على التعيين، فالوجه أن يُحمَل على التشديد، وأن يقدّر: ليس لعامك هذا، بل أبد أبد، وتكرير»أبد«ينصر ما ذكرنا من التشديد، كما إذا سأل سائل عن الأمر الثابت بـ»أم«المتّصلة، فيكون الردّ لإيراد أم في غير موقعه، وقد سبق مثله في قوله - ﷺ -:»كلّ ذلك لم يكن«جوابًا عن سؤال ذي اليدين:»أقُصِرت الصلاة، أو نسيت؟ «. انتهى . (بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ») بالتنوين مكرّرًا للتأكيد، أو بإضافة الأول إلى الثاني، وفي بعض النسخ: «لأبدِ الأبدِ»، والأبد: الدهر؛ أي: هذا لآخر الدهر، وزاد في رواية أحمد، وابن الجارود: «ثلاث مرّات»، يعني أن ذلك جائز في كلّ عام، لا يختصّ بعام دون عام إلى يوم القيامة، وكرّر ذلك ثلاث مرّات للتأكيد، وشبّك بين أصابعه إشارة إلى اشتراك الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها. [تنبيه]: قد اختلف العلماء في سؤال سُراقة هذا: فقال بعضهم: المراد منه الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ. وذهب آخرون إلى أن المراد بذلك القران، يعني اقتران الحج بالعمرة. وقال آخرون: المراد منه فسخ الحجّ إلى العمرة. فعلى الأول يكون معنى قوله - ﷺ -: «دخلت العمرة في الحجّ» أي: حلّت العمرة في أشهر الحجّ وصحّت، والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهليّة من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحجّ، وعليه الجمهور. وعلى الثاني: دخلت العمرة في الحجّ؛ أي: اقترنت به، لا تنفكّ عنه لمن نواهما معًا، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ حتى يتحلّل منهما معًا، قيل: ويدلّ عليه تشبيك أصابعه. وتُعُقّب بأنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب، فتدبّر. وعلى الثالث؛ أي: دخلت نيّة العمرة في نيّة الحجّ، بحيث إن من نوى الحجّ صحّ له الفراغ منه بأفعال العمرة، قال النوويّ: وهو ضعيف، وقال القاري بعد ذكره: أقول: هذا هو الظاهر من سياق الحديث، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ: وتُعُقّب - أي: قول النووي - بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك، حتى يتناول التأويلات المذكورة. انتهى. وقيل: معنى دخولها في الحجّ سقوط وجوب العمرة بوجوب الحجّ، قال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. قال صاحب «المرعاة»: قلت: حديث جابر - ﵁ - هذا صريح في أن سؤال سراقة - ﵁ - عن فسخ الحجّ إلى العمرة، وجواب النبيّ - ﷺ - له يدلّ على تأييد مشروعيّته كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، ومعنى فسخ الحجّ إلى العمرة أن من أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا، ولم يسق الهدي، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة له أن يفسخ نيّته بالحجّ، وينوي عمرة مفردةً، فقصّر، ويتحلّل من إحرامه؛ ليصير متمتّعًا. انتهى كلام صاحب «المرعاة». قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب «المرعاة» ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وحاصله أن حمل حديث جابر - ﵁ - هذا على أن المراد به هو فسخ الحج إلى العمرة هو الصواب؛ لأنه صريح في ذلك، وأما ما عداه من التأويلات فضعيف؛ إذ يردّه سياق السؤال والجواب، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، فتبصّر بالإنصاف، وقد تقدّم تحقيق ذلك بأدلّته في الباب الماضي، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. (وَقَدِمَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالب - ﵁ - (مِنَ الْيَمَنِ) لأنه - ﷺ - كان بعثه إليها، قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح أن رسول الله - ﷺ - كان بعث عليًّا إلى نجران، فلقيه بمكة، وقد أحرم، وفي رواية عطاء، عن جابر السابقة: «فقدم عليّ من سعايته»، وتقدم البحث فيها. (بِبُدْنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) بضمّ الموحّدة، وسكون الدال: جمع بدنة بفتحتين، وهي تقع على الجمل والناقة، وتطلق على البقرة أيضًا، وسُمّيت بذلك؛ لعظمها وسِمَنها. ونُسبت للنبيّ - ﷺ - لأن عليًّا - ﵁ - اشتراها له، لا أنها من السعاية على الصدقة، كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعًا وثلاثين بدنةً، وكان عدد الهدي الذي ساقه النبيّ - ﷺ - معه من المدينة ثلاثًا وستين بدنةً، كما جاء في رواية الترمذيّ، وأعطى عليًّا البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة، قال الزرقانيّ: ظاهر قوله: «قدم عليّ من اليمن ببدن النبيّ - ﷺ -» أن البدن للنبيّ - ﷺ -، وفي رواية النسائيّ، وأحمد، وابن الجارود: «قدِم عليّ من اليمن بهدي، وساق النبيّ - ﷺ - من المدينة هديًا»، وظاهره أن الهدي كان لعليّ - ﵁ -، فيَحْتَمل أن عليًّا قَدِمَ من اليمن بهدي لنفسه، وهدي النبيّ - ﷺ -، فذكر كلّ راو واحدًا منهما. انتهى، وسيأتي مزيد البحث في هذا عند ذكر نحر هذه البُدْن - إن شاء الله تعالى - . (فَوَجَدَ فَاطِمَةَ - ﵂ - مِمَّنْ حَلَّ) أي: من النساء اللاتي تحلّلن عن حجهنّ بأفعال المرأة حيث أمر - ﷺ - بذلك كل من معه من الرجال والنساء، ممن لم يسق الهدي، وكانت فاطمة - ﵂ - ممن لم يسقه (وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا) بفتح الصاد، وكسر الموحّدة، فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مصبوغًا بما لا يحلّ للنساء لبسه في الإحرام، وهو ما صُبغ بورس أو زعفران، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وصححه، من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أنه سمع رسول الله - ﷺ - «نهى النساء في إحرامهنّ عن القفازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب، مُعَصْفَرًا، أو خَزًّا، أو حُلِيًّا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خُفًّا»، وهو حديث صحيح. (وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا) أي: ظنًّا منه أنه لا يجوز ذلك لها، وفيه إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها. قال القرطبيّ ﵀: وإنكار عليٍّ على فاطمة - ﵄ - تحللها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبيّ - ﷺ - بالتحلل؛ لأنها لم تَسُق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي. انتهى . (فَقَالَتْ) فاطمة - ﵂ - (إِنَّ أَبِي) النبيّ - ﷺ - (أَمَرَنِي بِهَذَا) أي: حيث أمرهم بالتحلّل، فقالوا له: أي الحلّ؟ فقال: «الحلّ كلُّه»، فدخل فيه جميع محظورات الإحرام، من لبس الصبيغ وغيره (قَالَ) أي: جعفر بن محمد، عن أبيه (فَكَانَ عَلِيُّ) - ﵁ - (يَقُولُ بِالْعِرَاقِ) أي: حينما ذهب إلى العراق، في خلافته - ﵁ -، وقوله: (فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) مقول «يقول» (مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ) حال من الفاعل، والتحريش: الإغراء، والمراد به هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها (لِلَّذِي صَنَعَتْ) متعلّق بـ «مُحرّشًا»؛ أي: لأجل الأمر الذي صنعته، من لبس الصبيغ ونحوه، مما ينافي الإحرام، وقوله: (مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) حال أيضًا، إما مترادف، أو متداخلٌ؛ أي: طالبًا منه أن يُفتني (فِيمَا ذَكَرَتْ) أي: فاطمة - ﵂ - (عَنْهُ) - ﷺ -، مما زعمت أنه أمرها به (فَأَخْبَرْتُهُ) - ﷺ - («أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا) ظنًّا مني أنها فعلت محظورات الإحرام (فَقَالَ) - ﷺ - (»صَدَقَتْ) أي: في قولها: «إن أبي أمرني بهذا»، وقوله: (صَدَقَتْ) كرّره تأكيدًا، وكرّره في رواية النسائيّ ثلاث مرّات. قال - ﷺ - لعليّ - ﵁ -: (مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ «) أي: ألزمته نفسك بالنيّة والتلبية، وفي رواية لأحمد، وابن الجارود:»وقال لعليّ: بم أهللت؟ «؛ أي: بأيّ شيء نويت حين أحرمت: بحجّ، أو عمرة، أو بهما؟ قال القرطبيّ ﵀: وقوله - ﷺ - لعليّ - ﵁ -:«بم أهللت؟ » يدل على أنه لم يكن عنده خبر مما يُحرم به النبيّ - ﷺ -، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليًّا - ﵁ - هو الذي ابتدأ إحرامه محالًا به على إحرام النبيّ - ﷺ - من غير تعيين حجّ ولا عمرة، وأنه - ﷺ - أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأُخِذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيَّن، وسيأتي. انتهى . (قَالَ) عليّ - ﵁ - (قُلْتُ: اللَّهمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ) - ﷺ -، فيه أنه يصحّ الإحرام معلّقًا، وهو أن يُحرم إحرامًا كإحرام فلان، وقد سبق شرحه في الباب الماضي (قَالَ) - ﷺ - («فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ) بسكون ياء»معي«، وفتحها، والمعنى: أنك إذا علّقت إحرامك بإحرامي، فإني أحرمت بالحجّ والعمرة، ولا أقدر أن أتحلّل؛ لأن معي الهديَ (فَلَا تَحِلُّ») «لا» ناهية، والفعل مجزوم، أو نافية، والفعل مرفوع، لكن المراد به النهي؛ أي: لا تحلّ أنت بالخروج من الإحرام، كما لا أحلّ أنا حتى يبلغ الهدي محلّه، وفي رواية: «فأَهْد، وامكث حرامًا كما أنت». (قَالَ) جابر - ﵁ - (فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي) أي: من الإبل، و«الهدي» بالتشديد، والتخفيف: ما يُهدى إلى البيت الحراَم من النعم؛ ليُنحر عنده (الَّذِي قَدِمَ بِهِ) أي: بذلك الهدي (عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ) أي: للنبيّ - ﷺ - (وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -) زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ وابن ماجه: «من المدينة» (مِائَةً) وفي رواية الدارميّ: «مائة بدنة» (قَالَ) جابر - ﵁ - (فَحَلَّ النَّاسُ) المراد من لم يكن معه هديٌ؛ أي: خرجوا من الإحرام بأفعال العمرة، وقوله: (كُلُّهُمْ) أي: معظمهم، قال النوويّ ﵀: فيه إطلاق اللفظ العام، وإرادة الخصوص؛ لأن عائشة - ﵂ - لم تحلّ، مع كونها لم تسق الهدي (وَقَصَّرُوا) قال الطيبيّ ﵀: وإنما قصّروا مع أن الحلق أفضل؛ لأن يبقى لهم بقيّة من الشعر حتى يُحلق في الحجّ. انتهى، وليكونوا داخلين في المقصّرين والمحلّقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة، كذا في «المرقاة»، وقال المحبّ الطبريّ ﵀: فيه دليلٌ على استحباب التقصير للمتمتّع، وتوفير الشعر للحلق في الحجّ، ويُشبه أن يكون ذلك عن أمر النبيّ - ﷺ -؛ إذ عنه يأخذون مناسكهم، وبه يقتدون، وبذلك أمرهم، فقال: «لتأخذوا عني مناسككم»، وقوله: (إِلَّا النَّبِيَّ - ﷺ -) استثناء من «الناس» (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) عطف على المستثنى (فَلَمَّا كَانَ) تامّة؛ أي: جاء (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) بفتح التاء، وسكون الراء المهملة، وكسر الواو، وتخفيف الياء، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة سُمّي بذلك؛ لأن الحجاج كانوا يرتوون فيه من الماء؛ لبُعده؛ أي: يستقون، ويسقون إبلهم فيه استعدادًا للوقوف بعرفة؛ إذ لم يكن في عرفات ماء، وقيل: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحجاج تسقيهم، وتُطعمهم، فيروون منه، وقيل: لأن الإمام يروي فيه للناس أمر مناسكهم، وقيل: لأن إبراهيم الخليل ﵇ تَرَوَّى فيه؛ أي: تفكر في ذبح ولده، وأنه كيف يصنع؟ حتى جزم عزمه يوم العاشر بذبحه. [فائدة]: للأيام الستّة من ذي الحجة أسماء على التوالي، فاليوم الثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم الْقَرّ - بفتح القاف، وتشديد الراء - لأنهم يستقرّون فيه بمنى، والثاني عشر يوم النَّفْر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، والله تعالى أعلم . (تَوَجَّهُوا) أي: أرادوا التوجّه (إِلَى مِنًى) يُنوّن، وقيل: لا يُنوّن، فيُكتب بالألف، سُمّيت به؛ لأنه يُمنى الدماء في أيامها؛ أي: يُراق، ويُسفك، أو لأنه يُعطى الحجاج مناهم بإكمال أفعال الحج فيها (فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ) أي: من البطحاء، كما في رواية لأحمد، والشيخين، والطحاويّ، والبيهقيّ، يعني أنه أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة، وفي رواية لأحمد: «حتى كان يوم التروية، وأرادوا التوجّه إلى منى أهلّوا بالحجّ». وقال المحبّ الطبريّ: فيه بيان وقت إهلال أهل مكة، والمتمتّعين، وفيه إشارة إلى أن المحرم من مكة لا يُقدّم طوافه وسعيه؛ لأنه إذا اشتغل بذلك لا يُسمّى متوجّهًا. وقال النوويّ: والأفضل عند الشافعيّ وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ أحرم يوم التروية؛ عَمَلًا بهذا الحديث، وسبق بيان مذاهب العلماء فيه، وفي هذا بيان أن السنة أن لا يتقدّم أحد إلى منى قبل يوم التروية، وقد كَرِهَ مالك ذلك، وقال بعض السملف: لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف السنة. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «توجهوا إلخ»؛ أي: قَصَدوا، وأخذوا في الأهبة إلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء، على أنَّهم أحرموا من مكة، والمستحبّ عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلًا بسيره إلى منى يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، واستدل بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة؛ ليلحقهم من الشَّعَث إلى وقت الحج ما يلحق غيرهم. والقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر - ﵄ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الإهلال قبل يوم التروية لمن بمكة مخالف للسنّة، كما في هذا الحديث، وحديث ابن عمر - ﵄ - المتقدّم، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: حين طلوع الشمس من يوم التروية، وسار من مكة إلى منى (فَصَلَّى بِهَا) أي: بمنى في موضع مسجد الخيف (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ) أي: كلّ صلاة لوقتها المعتاد. قال القرطبيّ ﵀: وقوله: «فصلَّى بها الظهر … إلخ»، يعني: أنه - ﷺ - صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما توهمه بعضهم، ممن لا يعرف، وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا؛ لِيُعْلَم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين، وقد استحب جميع العلماء الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم. انتهى . وقال النوويّ ﵀: فيه بيان سُنَنٍ: إحداها: أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين، أن الركوب أفضل، وللشافعيّ قول آخر ضعيفٌ أن المشي أفضل، وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب، إلا في مواطن المناسك، وهي مكة، ومنى، ومزدلفة، وعرفات، والتردد بينهما. والسنّة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس. والثالثة: أن يبيت بمنى هذه الليلة، وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة، ليس بركن، ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع. انتهى. وقال ابن المنذر ﵀: هذا المبيت أجمع أهل العلم على الفرق بينه وبين مبيت ليالي منى، فأوجبوا على تارك ذلك ما أوجبوا، ولم يوجبوا على تارك المبيت بمنى ليلة عرفة؛ أي: ليلة التاسع من ذي الحجة شيئًا. انتهى . (ثُمَّ مَكَثَ) بفتح الكاف، وضمّها؛ أي: لبِثَ بعد أداء الفجر (قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ) عطف على «رَكِبَ»، أو حال؛ أي: وقد أَمَر بضرب خيمة بنَمِرة قبل قدومه إليها (مِنْ شَعَرٍ) بفتح العين وسكونها (تُضْرَبُ لَهُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لقُبّة، أو حال (بِنَمِرَةَ) بفتح النون، وكسر الميم، وهو غير منصرف، موضع على يمين الخارج من مأزمي عرفة إذا أراد الموقف، وليس من عرفة. وقال النوويّ ﵀: «نَمِرَةُ» بفتح النون، وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم، مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات. انتهى . وقال القرطبيّ: هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. انتهى. وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، قال النوويّ ﵀: ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها - إن شاء الله تعالى - وفيه جواز اتخاذ القباب، وجوازها من شعر. انتهى. (فَسَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: من منى إليها (وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) قال الزرقانيّ في «شرح المواهب»: ظاهره أنه ليس لقريش شكّ في شيء إلا في وقوفه عند المشعر، فإنهم يشكّون فيه، وليس المراد ذلك، بل عكسه، وهو أنهم لا يشكّون في أنه - ﷺ - سيقف عند المشعر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به، ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبيّ: الأظهر في «إلا» أنها زائدة، و«أنّ» في موضع النصب على إسقاط الجارّ؛ أي: ولا تشكّ قريش في أنه واقف عند المشعر. انتهى. وقيل: الشك هنا بمعنى الظنّ، أي: لا تظنّ قريش إلا أنه يقف عند المشعر؛ لأنه من مواقف الْحُمْس، وأهلِ حرم الله. وقال الطيبيّ ﵀ أي: ولم يشكوا في أنه خالفهم في سائر مناسك الحج إلا الوقوف عند المشعر الحرام، فإنهم لم يشكّوا في المخالفة، بل تحقّقوا أنه - ﷺ - يقف عند المشعر الحرام؛ لأنه من مواقف الْحُمْس، وأهل الحرم. انتهى . (كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال النوويّ ﵀: معنى هذا أن قريشًا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة، يقال له: قُزَحُ، وقيل: إن المشعر الحرام كل المزدلفة، وهو بفتح الميم على المشهور، وبه جاء القرآن، وقيل: بكسرها، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة، ويَقِفون بعرفات، فظنّت قريش أن النبيّ - ﷺ - يقف في المشعر الحرام على عادتهم، ولا يجاوزه، فتجاوز - ﷺ - إلى عرفات؛ لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]؛ أي: سائر العرب، غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة؛ لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. انتهى . (فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: جاوز المزدلفة، ولم يقف بها، بل توجّه إلى عرفات، يقال: جاز وأجاز بمعنى واحد، وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلّفه، وقطعه، قال الأصمعيّ: جاز: مشى فيه، وأجازه: قطعه. انتهى . (حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ) أي: قاربها؛ لأنه فسّره بقوله: «فوجد القبّة قد ضُربت بنمرة، فنزل بها»، وقد سبق أن نمرة ليس من عرفات، وقد قدّمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعًا خلاف السنّة، قاله النوويّ ﵀ . وقال الطبريّ: الظاهر أن المراد بإتيان عرفة القرب منها، فإن نَمِرة دونها، وسُمِّيت عرفة بذلك لتعريف جبريل إبراهيم المناسك، وقيل: لمعرفة آدم حوّاء هناك، أو لتعارف الناس، أو لاعترافهم بذنوبهم، وقيل: إن إبراهيم؛ رأى ليلة التروية ذبح ولده، فتروّى يومه، وعرف في الثاني، ونحر في الثالث، فسُمّيت الأيام بذلك. (فَوَجَدَ الْقُبَّةَ) أي: الخيمة (قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: بُنيت لأجله (بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا) أي: بتلك القبّة، وفيه جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها (حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) «حتى» غاية لنزوله؛ أي: نزل بها، واستمرّ فيها إلى أن مالت الشمس، وزالت عن كَبِد السماء من جهة الشرق إلى جهة الغرب (أَمَرَ) بالبناء للفاعل، جواب «إذا» (بِالْقَصْوَاءِ) أي: بإحضارها، ورَحْلها، والقصواء اسم ناقته - ﷺ -، وقد تقدّم ضبطها، وشرحها في أول شرح الحديث (فَرُحِلَتْ لَهُ) بالبناء للمفعول، مخفّفًا؛ أي: شُدّ على ظهرها الرحل؛ ليركبها - ﷺ -، والرحل - بفتح، فسكون - في الأصل: كلُّ شيء يُعدّ للرّحيل، من وِعاء للمتاع، ومَرْكب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُلٌ ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس وسِهَامٍ . وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «فرُحلت له» أي: أمر بوضع الرحل على القصواء، ففُعِل، تقول: رَحَلتُ البعيرَ أرحله رَحْلًا: إذا شددت على ظهره الرحلَ، قال الأعشى [من الكامل]: رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غُدْوَةً أَجْمَالَهَا … غَضْبَى عَلَيْكَ فَمَا تَقُولُ بَدَا لَهَا (فَأَتَى) أي: فركبها - ﷺ -، فأتى (بَطْنَ الْوَادِي) هو وادي عُرَنة - بضمّ العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون، وزانُ رُطَبَة، وفي لغة بضمّتين: موضع بين منى وعرفات، قاله الفيّوميّ ﵀ ، قال النوويّ ﵀: وليس من عرفات عند الشافعيّ، والعلماء كافّةً، إلا مالكًا، فقال: هي من عرفات. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: «بطن الوادي»: المنخفض منه، ويعني به وادي عُرنة المعروف هناك، وهو موضع مُتَّسَعٌ جامع، ولذلك خصّه - ﷺ - بخطبته، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَخَطَبَ النَّاسَ) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية، ومذهب الشافعي أن في الحجّ أربعَ خُطَب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التي ببطن عُرَنة يوم عرفات، والثالثة: يوم النحر، والرابعة يوم النَّفْر الأَوَّل، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكلُّ هذه الخطب أفراد، وبعد صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويُعَلّمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فخطب الناس» دليل لمالك وجميع المدنيين والمغاربة؛ إذ قالوا: ليوم عرفة خطبة قبل الصلاة، يُذَكِّر الناس فيها، ويُعَلِّمُهم ما يستقبلون من الوقوف وغيره من المناسك، وهو أيضًا حجة على الشافعيّ، وأبي حنيفة؛ إذ قالا: ليست عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من أصحابنا. وخطب الحج عندنا ثلاثة: يوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام، يذكّر الناس، ويحلّمهم أحكام إحرامهم، ويحضهم على الخروج إلى منى. والثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائل بها، وأجمعوا: على أنه لو صلَّى ولم يخطب فصلاته جائزة. والثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكام الرمي والتعجيل. انتهى . وقال الزرقانيّ ﵀: في الحديث أنه يستحبّ للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور، والمدنيون والمغاربة من المالكيّة، وهو المشهور، فقول النوويّ: خالف فيها المالكيّة، فيه نظرٌ إنما هو قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه، واتّفق الشافعيّة أيضًا على استحبابها خلافًا لما تَوَهَّمه عياض والقرطبيّ. انتهى . (وَقَالَ) - ﷺ - في خطبته تلك («إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ) زاد في حديث ابن عبّاس عند أحمد، والبخاريّ، والترمذيّ، والبيهقيّ، وفي حديث ابن عمر عند البخاريّ:»وأعراضكم«، والْعِرْضُ بكسر العين: موضع المدح والذمّ من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو في سلفه، قال الحافظ: هذا الكلام على حذف مضاف: أي: سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وثَلْبُ أعراضكم. انتهى. وقيل: المعنى: إن انتهاك دمائكم، وأموالكم، وأعراضكم، قيل: وهذا أولى مما ذكره الحافظ؛ لأن ذلك إنما يحرُم إذا كان بغير حقّ، فلا بُدّ من التصريح به، فلفظة«انتهاك» أولى؛ لأن موضوعها بتناول الشيء بغير حقّ. (حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) قال الزرقانيّ: معنى الحديث: إن دماء بعضكم على بعض حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كلّ واحد حرام عليه نفسِه، ومال كلّ واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع، والمعنى فيه مفهوم، ولا يبعد إرادة المعنى الثاني، أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه: تحريم تصرّفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله وليّ الدين العراقيّ . (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) أي: متأكّدة التحريم شديدته كحرمة يومكم هذا، يعني يوم عرفة (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) يعني ذا الحجة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) يعني مكة، وإنما شبّهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحتها، وانتهاك حرمتها بحال. وقال النوويّ ﵀: معناه: متأكّدة التحريم، شديدته، وفي هذا دليلٌ لضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا. انتهى . وقال ابن المنيّر: قد استقرّ في القواعد أن الأحكام لا تتعلّق إلا بأفعال المكلّفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر: تحريم أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فيكون المعنى إذًا من تشبيه الشيء بنفسه. وأجاب بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذا البلد، وهذا الشهر، وهذا اليوم مغلّظة الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونه تعدى في غير البلد الحرام، والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل ذلك في البلد الحرام، وإن كان فعل العدوان في البلد الحرام أغلظ، فلا ينفي كون ذلك في غيره غليظًا أيضًا، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المعتدي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدّى في البلد الحرام فلا يستسهل حرمة البلد، بل ينبغي أن يعتقد أن فعله أقبح الأفعال، وأن عقوبته بحسب ذلك، فيُراعي الحالتين. انتهى. وقال الزرقانيّ: وفي تقديم اليوم على الشهر، وهو على البلد الترقّي، فالشهر أقوى من اليوم، وهو ظاهر في الشهر؛ لاشتماله على اليوم، فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد فلأنه محرم في جميع الشهور، لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختصّ به، فهو أقوى منه. انتهى. وقال الحافظ: وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة ضَرْبِ الْمَثَل، وَإِلْحَاق النَّظِير بِالنَّظِيرِ؛ لِيَكُونَ أَوْضَحَ لِلسَّامِع، وَإِنَّمَا شَبَّه حُرْمَة الدَّم وَالْعِرْض وَالْمَال بِحُرْمَةِ الْيَوْمِ وَالشَّهْر وَالْبَلَد؛ لِأَنَّ المُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاء، وَلَا يَرَوْن هَتْكَ حُرْمَتِهَا، وَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدّ الْعَيْب. انتهى . وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله: «كحرمة يومكم» وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم، مُقَرّرًا عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يَرِدُ كون المشبه به أخفض رتبةً من المشبه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. انتهى . وقال التوربشتيّ: أراد أموال بعضكم على بعض، إنما ذكره مختصرًا؛ اكتفاء بعلم المخاطبين، حيث جعل «أموالكم» قريبة «دماءكم»، وإنما شبّه ذلك في التحريم بيوم عرفة، وبذي الحجة، وبالبلد؟ لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرّمة أشدّ تحريم، لا يستباح منها شيء، وفي تشبيهه هذا مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيدٌ لحرمة تلك الأشياء التي شُبّه بتحريمها الدماء والأموال. انتهى. وقال الطيبيّ: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به؛ لأنهم عالمون بحرمة الثلاث، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٧١] كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهليّة في غير الأشهر الحرم، ويحرّمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرّمة عليكم أبدًا، كحرمة يومكم، وشهركم، وبلدكم، ثم أتبعه بما يؤكّده تعميمًا من قوله: «ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع». انتهى . (أَلا) بالفتح، والتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه (كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) يعني الذي أحدثوه، والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره قبل الإسلام (تَحْتَ قَدَمَيَّ) بتشديد الياء بصيغة التثنية (مَوْضُوعٌ) أي: مردود وباطلٌ حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين، قال في «اللمعات»: يَحْتَمِل أن يكون قوله: «موضوع»، وقوله: «تحت قدميّ» خبرين، أو الخبر هو «موضوعٌ»، و«تحت» ظرف له، وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم: إبطاله وتركه. وقال القاري؛ أي: هو كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن إبطاله، والمعنى: عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام، وتجافيت عنه، حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم، تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره: جعلتُ ذلك دُبُر أذني، وتحت قدمي. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وهذا كقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ» ، متّفقٌ عليه. (وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ) أي: متروكة، لا قصاص ولا دية، ولا كفارة، أعادها للاهتمام، أو ليبني عليه ما بعده من الكلام، قاله القاري. وقال وليّ الدين العراقيّ: يمكن أنه عطف خاصّ على عامّ؛ لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حقّ، ومنها ما هو باطلٌ، وما يثبت، وما لا يثبت. انتهى . (وَإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ) أي: أضعه وأتركه (مِنْ دِمَائِنَا) أي: المستحقة لنا أهلَ الإسلام، كذا قيل، والظاهر أن المراد دماء أقاربنا، ولذا قال الطيبيّ ﵀: ابتدأ في وضع القتل والدماء بأهل بيته وأقاربه؟ ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدّ لباب الطمع بترخص فيه، وقال النوويّ ﵀: في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهليّة، وبيوعها التي لم يتّصل بها قبضٌ، وأنه لا قصاص في قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر ينبغي له أن يبدأ بنفسه، وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام. انتهى . (دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) أي: ابن عبد المطّلب، قال النوويّ ﵀: قال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم، قال الدارقطنيّ: وهو تصحيف، وقيل: اسمه تمام، وممن سماه آدم: الزبير بن بكار، قال القاضي عياض: ورواه بعض رواة مسلم: «دم ربيعة بن الحارث»، قال: وكذا رواه أبو داود، قيل: هو وَهَمٌ، والصواب ابن ربيعة؛ لأن ربيعة عاش بعد النبيّ - ﷺ - إلى زمن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وتأوله أبو عبيد، فقال: «دم ربيعة»؛ لأنه وليّ الدم، فنسبه إليه، وهو حسنٌ ظاهرٌ، وبه تتفق الروايتان . وربيعة هذا هو ابن عمّ النبيّ - ﷺ -، يُكنى أبا أروى، وكان أسنّ من عمّه العباس بسنتين، صحابيّ، روى عن النبيّ - ﷺ - أحاديث، وتُوُفِّي في أول خلافة عمر، وقيل: في أواخرها سنة ثلاث وعشرين . (كَانَ مُسْتَرْضِعًا) بصيغة اسم المفعول (فِي بَنِي سَعْدٍ) أي: كان لهذا الابن ظئرٌ تُرضعه من بني سعد (فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ) بهاء مضمومة، فذال معجمة مفتوحة، مصغّرًا، وكان هذا الابن المقتول طفلًا صغيرًا يَحْبُو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر، قاله الزبير بن بكار. انتهى . قال وليّ الدين العراقيّ ﵀: ظاهره أنها تعمّدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنوويّ وغيرهما ساكتين عليه، وهو مناف لقوله: «فقتلته هُذيل»؛ لأنهم غير بني ليث؛ إذ هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، كما بيّنه أبو عبيد القاسم بن سلّام في «أنسابه»، كذا في «شرح المواهب»، ذكره في «المرعاة» . (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ) قال النوويّ ﵀: معناه الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث؛ لأن الربا هو الزيادة، فإذا وُضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضح الردّ والإبطال. انتهى . وقال وليّ الدين: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهليّة من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنه من إحداثاتهم، وشرعهم الفاسد. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وربا الجا هلية موضوع» الرِّبا: الزيادة، والكثرة لغةً، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمُّونها: بيع الربا، منها: أنهم كانوا إذا حَلّ أجل الدَّين يقول الغريم لرب الدَّين: أنظرني وأزيدك، فيُنظره إلى وقت آخر على زيادة مقررة، فإذا حلّ ذلك الوقت الآخر قال له أيضًا كذلك، وربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم بنذر يسير كان أخذه أوَّل مرة، فأبطل الله تعالى ذلك، وحرَّمه، وتوعَّد عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ …﴾ الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]، وردّهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ ذلك رسول الله - ﷺ - قرآنًا وسنَّة، ووعظ الناس، وذكّرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغة في التبليغ، وبدأ بربا العباس لخصوصيته بالنبيّ - ﷺ - ليقتدي الناس به قولًا وفعلًا، فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك. انتهى . وقوله: (مَوْضُوعٌ) تقدّم آنفًا أن المراد بوضعه وضع الزائد منه، لا وضع رأس المال، فإنه مردود لصاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]. (وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ) أي: أبطله، وأتركه (رِبَانَا) أي: ربا أهل الإسلام، أو ربا أهل بيتنا، وهذا أوضح (رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) عم النبيّ - ﷺ -، وهو بدل من «ربانا»، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو ربا عباس - ﵁ -، وقوله: (فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) يَحْتَمل عود ضمير «إنه» لربا عبّاس تأكيدًا لوضعه، ويَحْتَمِل أَن يعود لجميع الربا؛ أي: ربا العبّاس موضوع؛ لأن الربا موضوع كلّه، قاله الوليّ العراقيّ. وإنما ابتدأ في وضع دماء الجاهليّة، ورِباها من بين أهل الإسلام بأهل بيته؛ ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدّ لأبواب الطمع في الترخيص. (فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ) أي: في حقّهنّ، قال الطيبيّ ﵀: عطف من المعنى على قوله: «إن دماءكم وأموالكم»، يعني فاتّقوا الله في استباحة الدماء، وفي نهب الأموال، وفي النساء، وهي من عطف الإنشائيّ على الإخباريّ بالتأويل، كما عُطف قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩] على قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ الآية [يس: ٥٥]. انتهى . وقال الوليّ العراقيّ ﵀: يَحْتَمِل أن الفاء زائدة؛ لأنه في رواية بدونها، وأنها للسببيّة؛ لأنه لَمّا قرّر إبطال أمر الجاهليّة، وكان من جملتها منع النساء من حقوقهنّ، وترك إنصافهنّ أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهنّ، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهليّة اتقوا الله في النساء، وأنصفوهنّ، فإن تركه من أمر الجاهليّة، قال: و«في» تَحْتَمل السببيّة، نحو قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٣٢]، والظرفيّةَ مجازًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٩]؛ أي: إن النساء ظرف للتقوى المأمور بها. انتهى. قال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على مراعاة حقّ النساء، والوصية بهنّ، ومعاشرتهنّ بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهنّ، وبيان حقوقهنّ، والتحذير من التقصير في ذلك، وقد جمعتها أو معظمها في «رياض الصالحين». انتهى . (فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ) أي: بعهده، وهو ما عَهِد إليكم فيهنّ، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في كثير من الأصول، وفي بعضها: «بأمانة الله». وقال الزرقانيّ ﵀: أي: بأن الله ائتمنكم عليهنّ، فيجب حفظ الأمانة، وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها الدينيّة والدنيويّة، قال: وفي قوله: «أخذتموهنّ» دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة عند زوجها، وله التصرّف فيها، والسلطنة عليها حسبما بيّنه الشرع، ويوافقه قوله في رواية أخرى: «فإنهنّ عوان عندكم» جمع عانية، وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء، بل هي أسيرة آمنة. انتهى. وقوله: (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ) في معناه أربعة أقوال: [الأول]: أن المراد بكلمة الله: أمره، وحكمه، وإباحته الْمُنَزَّلة في كتابه، وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣]، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيح، ووَجَّه القرطبيّ في «المفهم» إذ قال: فإن حكم الله كلامه المتوجّه للمحكم عليه على جهة الاقتضاء، أو التخيير. [الثاني]: المراد كلمة التوحيد، «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»؛ إذ لا تحلّ مسلمة لغير مسلم. [الثالث]: المراد كلمة النكاح التي تُستحلّ الفروج؛ أي: الصيغ التي ينعقد بها النكاح، من الإيجاب والقبول؛ لأن الله تعالى أمر بها. [الرابع]: المراد قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]، قال الخطّابيّ ﵀: هذا أحسن الوجوه. انتهى . وقال التوربشيّ ﵀: المعنى: إن استحلالكم فروجهنّ، وكونهنّ تحت أيديكم إنما كان بعهد الله وحكمه، فإن نقضتم عهده، وأبطلتم حكمه انتقم الله منكم لهنّ. انتهى . (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ) أي: من الحقوق، لَمّا ذكر - ﷺ - استحلال الفروج بكلمة الله تعالى، وعُلم منه تأكّد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كلّ واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحقّ الأزواج؛ لأنهم المخاطبون (أَنْ لَا يُوطِئْنَ) بهمزة، أو بتخفيفها بالإبدال مسند إلى جمع الإناث، من الإيطاء، من باب الإفعال (فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ) أي: تكرهون دخوله في بيوتكم، وعبّر بالفُرُش؛ لأن الداخل يطأ المنزل الذي يدخل فيه. قال القرطبيّ ﵀: قوله: «ولكم عليهن ألا يوطئن … إلخ» معناه: ألا يُدخِلن منازلكم أحدًا ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء، الأقرباء والأجانب، قال: ولا يُفهم من هذا الكلام أنه النهي عن الزنى، فإن ذلك محرم مع من يكرهه الزوج ومع من لا يكرهه، وقد قال: «أحدًا تكرهونه»، ثم إنها كانت تكون استعارة بعيدة، وأيضًا: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ. انتهى . وقال المازريّ ﵀: قيل: المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال، ولم يُرِد زناها؛ لأن ذلك يوجب جلدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج، ومن لا يكرهه. وقال الخطّابيّ ﵀: معنى الحديث أن لا يأذنّ لأحد من الرجال يدخل، فيتحدّث إليهنّ، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، ولا يرون ذلك عيبًا، ولا يعدّونه ريبةً، فلما نزلت آية الحجاب صار النساء مقصورات، نُهي عن محادثتهنّ، والقعود إليهنّ، وليس المراد بوطئ الفُرُش هنا نفس الزنا؛ لأنه محرّم على الوجوه كلّها، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرّح الشديد، والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرّح. انتهى كلام الخطّابيّ ﵀، ونحوه للقاضي عياض ﵀ . وقال النوويّ ﵀ - بعد ذكر ما تقدّم -: والمختار أن معناه أن لا يأذنّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا، أو أمرأةً، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل، أو امرأة، ولا محرم، ولا غيره في دخول منزل الزوج، إلا من عَلِمت، أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا، ولم يترجح شيء، ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول، ولا الإذن. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «أن لا يوطئن … إلخ» مشعر بالكناية عن الجماع، فعبّر به عن عدم الإذن مطلقًا تغليظًا وتشديدًا. انتهى . (فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ) أي: الإيطاء المذكور بدون رضاكم بلفظ صريح، أو بقرائن (فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) أي: ضربًا ليس بشديد، ولا شاقّ، والْبَرْح: المشقة، والضرب الْمُبَرِّح بضم الميم، وفتح الموحدة، وكسر الراء، آخره حاء مهملة: اسم فاعل، من التبريح: وهو الضرب الشديد الشاقّ. وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب، فإن ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب، ووجبت الكفارة على الضارب . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «غير مبرح» أي: ليس بالحدّ، وإنما هو تأديب، والمبرِّح: الشديد الشاقّ، والبَرْح: المشقة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق. انتهى . (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ) أي: وجوبًا (رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) المراد بالرزق النفقة، من المأكول والمشروب، وفي معناه سُكناهنّ (بِالْمَعْرُوفِ) أي: على قدر كفايتهنّ، من غير إسراف، وتقتير، أو باعتبار حالكم فقرًا وغنًى، وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالكتاب، والسنّة، والإجماع. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «بالمعروف أي: بما يُعْرَف من حاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث يقول: إن النفقات على الزوجات غير مقدّرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن. انتهى. (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ) أي: بينكم (مَا) موصولة، أو موصوفة (لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) أي: بعد تركي إياه فيكم، أو بعد التمسّك به، والعمل بما فيه، ويؤيّد الأول قوله: (إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ) أي: في الاعتقاد والعمل، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيحٌ، وذلك لبيان أن هذا الشيء الذي تركه فيهم شيءٌ جليلٌ عظيمٌ، فيه جميع المنافع الدينيّة والدنيويّة، ثم لَمّا حصل من هذا التشويق التامّ للسامع، وتوجّه إلى استماع ما يَرِد بعده، واشتاقت نفسه إلى معرفته بيّنه بقوله: (كِتَابَ اللهِ) بالنصب بدل، أو بيان لـ«ما»، جزم به بعضهم، فإن كانت الرواية، وإلا فيجوز رفعه على أنه خبر مبتدإ محذوف؛ أي: هو كتاب الله، ولم يذكر السنّة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها؛ لاندراجها تحته، فإن الكتاب هو المبيّن للكل، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، كذا في «شرح المواهب». وقال القاري ﵀: إنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنة؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، ويلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب. انتهى . (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية أبي داود، وابن ماجه، والدارميّ، وابن الجارود، والبيهقيّ: «مسئولون» (عَنِّي) أي: عن تبليغي وعدمه، قال الطيبيّ ﵀: قوله: «تسألون» عطف على مقدّر؛ أي: قد بلّغتُ ما أرسلت به إليكم جميعًا، غير تارك لشيء مما بَعَثني الله به، وأنتم تُسألون عن ذلك يوم القيامة: هل بلّغكم محمد - ﷺ - جميع ما أُمر أن يبلِّغ إليكم؟ كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]؛ أي: إن لم تُبلّغ الجميع ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ لأنك كتمت شيئًا مما أُنزل إليك، فما بلّغت جميع ما أنزل إليك، والفاء في قوله: (فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ «) تدلّ على هذا المحذوف؛ أي: إذا كان الأمر على هذا، فبأيّ شيء تجيبون؟ ومن ثَمّ طابق جوابهم السؤال، فأتوا بالألفاظ الجامعة حيث (قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ) ما أنزل إليك (وَأَدَّيْتَ) ما كان عليك (وَنَصَحْتَ) أي: وزدت على ذلك بما نصحتنا من السنن والآداب وغير ذلك. (فَقَالَ) أي: أشار - ﷺ -، ففيه إطلاق القول على الفعل (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أنها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الباء الموحّدة، والعاشرة أُصبوع، بوزن عصفور، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، وقوله: (السَّبَّابَةِ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان لـ «إِصْبَعه»، وهي الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت سبّابةٌ؛ لأنها يشار بها عند السبّ، وقوله: (يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ) في محلّ نصب على الحال من فاعل «قال»؛ أي: رافعًا إياها، أو من السبّابة؛ أي: مرفوعةً. وقال القرطبيّ: قوله: «يرفعها إلى السَّماء … إلخ» هذه الإشارة منه - ﷺ - إمَّا إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وأما لعلوّ الله تعالى المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهةٍ. وقد بيّن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ هذا فيه نظر لا يخفى، أولًا قوله: إن السماء قبلة الدعاء، من أين له هذا؟ فإن القبلة للدعاء هي القبلة للصلاة، فإنه - ﷺ - كان إذا أراد أن يدعو استقبل القبلة، ولم يثبت أنه كان يستقبل السماء، فتبصّر. وثانيًا قوله: ولا يختص بجهة، مخالف للنصوص الكثيرة الدالّة على أنه ﷾ في جهة العلو، كقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله - ﷺ -: «يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل» الحديث، «ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم …» الحديث، وغير ذلك، مما ورد في «الصحيحين»، وغيرهما، من النصوص الدالّة على أن الله ﷾ فوق عباده، استوى على العرش، فهو في جهة العلو بلا شكّ، وقد بسطت الكلام في هذا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب وغيره، وبيّنت فيه أن قول القرطبيّ وغيره من المتأخرين في نفي العلو لله تعالى، حتى قال قائلهم: عَنْ جِهَاتِ السِّتِّ خالٍ مخالف لمذهب السلف، فلا تلتفت إليه؛ إذ فيه الهلاكُ والتلف، فمذهب السلف أعلم وأحكم، فتمسك به تسلم وتغنم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم. (وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ) بفتح حرف المضارعة، وسكون النون، وضمّ الكاف، بعدها تاء، من نَكَت الأرض بالقضيب ونحوه: إذا ضرب، فأثّر فيها، وهذا بعيد من معنى الحديث، وقيل: مجاز من الإشارة بقرينة «إلى»، وفي «المرقاة»: «وينكتها إلى الناس»؛ أي: يشير بها إليهم، كالذي يضرب بها الأرض، والنكت ضرب رأس الأنامل إلى الأرض، وفي نسخة صحيحة بالموحدة، وفي «النهاية»: بالباء الموحدة؛ أي: يميلها إليهم، يريد بذلك أن يُشْهِد الله عليهم، قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه «ينكتها» بعد الكاف تاء مثناة من فوقُ، قال القاضي ﵀: هكذا الرواية بالتاء المثنّاة فوقُ، وهو بعيد المعنى، قال: قيل: صوابه «ينكبها» بباء موحدة، قال: ورويناه في «سنن أبي داود» بالتاء المثناة من طريق ابن الأعرابيّ، وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار، ومعناه: يقلبها، ويرَدِّدها إلى الناس، مشيرًا إليهم، ومنه نَكَبَ كنانته: إذا قلبها. انتهى كلام القاضي عياض . قال الطيبيّ تعليقًا على كلام عياض هذا: أراد بقوله: «بعيد المعنى» أنه غير موافق للّغة، قال الجوهريّ: نكت في الأرض بالقضيب: إذا ضرب في الأرض، فأثّر فيها، وفي «المُغرِب»: في الحديث: «نكتت خدرها بإصبعها»؛ أي: نقرت، وضربت، هذا إذا استُعمل بـ «في»، أو بالباء، وفي الحديث مستعمل بـ «إلى»، فيكون النكت مجازًا عن الإشارة بقرينة «إلى»، وتقديره ما ذكر من قوله: «يقلبها إلى الناس مشيرًا إليهم». انتهى كلام الطيبيّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: «ينكُتُها»: روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدَّدة، وضم الباء بواحدة؛ أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت: «يَنْكُبها» مفتوحة الياء، ساكنة النون، وبضم الكاف؛ ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت: «ينكُتُها» باثنتين فوقُ، وهي أبعدها. انتهى . («اللَّهُمَّ اشْهَدْ) أي: على عبادك بأنهم قد أقرّوا بأني قد بلّغت، والمعنى: اللهم اشهد أنت؛ إذ كفى بك شهيدًا. وقال الزرقانيّ في«شرح المواهب»: فإن قيل: ليس في هذه الخطبة ذكر شيء من المناسك، فيَرُدّ ذلك على قول الفقهاء: يعلّمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. وأجيب بأنه - ﷺ - اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول؛ لأنه أوضح، واعتنى بما أهمّه في الخطبة التي قالها، والخطباء بعده ليست أفعالهم قدوة، ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستُحبّ لهم البيان بالقول، قال: وفيه حجة للمالكيّة وغيرهم أن خطبة عرفة فردة؛ إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين. وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين فضعيف، كما قاله البيهقيّ وغيره. روى الشافعيّ بسنده عن جابر - ﵁ - قال: راح النبيّ - ﷺ - إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذّن بلالٌ، ثم أخذ النبيّ - ﷺ - في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلال من الأذان، ثم أقام بلالٌ، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر. قال الشوكانيّ في «النيل»: حديث جابر هذا أخرجه أيضًا البيهقيّ، وقال: تفرّد به إبراهيم بن أبي يحيى، وفي حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم ما يدلّ على أنه - ﷺ - خطب، ثم أذّن بلالٌ، ليس فيه ذكر أخذ النبيّ - ﷺ - في الخطبة الثانية، وهو أصحّ، ويترجّح بأمر معقول، وهو أن المؤذّن قد أُمر بالإنصات للخطبة، فكيف يؤذّن، ولا يستمع الخطبة. قال المحبّ الطبريّ: وذكر الملا في «سيرته» أن النبيّ - ﷺ - لما فرغ من خطبته أذّن بلال، وسكت رسول الله - ﷺ -، فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلمات، ثم أناخ راحلته، وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعيّ؛ إذ لا يفوت به سماع الخطبة من المؤذّن. انتهى كلام الشوكاني. وقال الطبريّ بعد ذكر رواية الملا من سيرته ما لفظه: وهذا وإن كان قريبًا مما ذهب إليه الشافعيّ إلا أنه ليس فيه أن الخطبة تكون مع الأذان، ثم إن تلك الكلمات لم يقل: إنها كانت خطبة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالخطبة الثانية مما لا دليل عليه، بل الحديث الصحيح حديث جابر - ﵁ - هذا ظاهر في أن الخطبة واحدة، وأما ما احتجّ به الشافعيّ ففيه إبراهيم بن أبي يحيى، ضعيف، بل كذّبه بعضهم، وأما ما ذكر في سيرة الملا، فلم يُذكر سنده حتى يُنظر فيه. والحاصل أن خطبة عرفة خطبة واحدة؟ لهذا الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ«ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كرّره للتأكيد عليهم (ثُمَّ أَذَّنَ) ولفظ ابن ماجه، والدارميّ، والبيهقيّ، وابن الجارود:»ثم أذّن بلال«، زاد الدارميّ:»بنداء واحد« (ثمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ) أي: جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عند الحنفيّة، وبعض أصحاب الشافعيّ، وجمع سفر عند الشافعيّ، وأكثر أصحابه، فمن كان حاضرًا، أو مسافرًا دون مرحلتين، كأهل مكة لم يجز له الجمع عند الشافعيّ كما لا يجوز له القصر. والحديث يدلّ على أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: [الأول]: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين؛ لحديث جابر - ﵁ - هذا، وإليه ذهب أبو حنيفة، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد في رواية، ومالك في رواية، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن المواز من المالكيّة. [والقول الثاني]: بإقامتين من غير أذان، وروي ذلك عن ابن عمر، قال ابن قُدامة في شرح قول الخرقيّ: وإن أذّن فلا بأس: كأنه ذهب إلى أنه مخيّر بين أن يؤذّن للأولى، أو لا يؤذّن، وكذا قال أحمد؛ لأن كلًّا مرويّ عن رسول الله - ﷺ -، والأذان أولى، وهو قول الشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. انتهى. [والقول الثالث]: بأذانين وإقامتين، وهو الأشهر من مذهب مالك، كما في الجلاب، وهو المذكور في المدوّنة، وروي ذلك عن ابن مسعود - ﵁ -، قال ابن قُدامة: واتّباع ما جاء في السنّة أولى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها أن الصحيح هو المذهب الأول، وهو أنه يجمع بين الصلاتين بأذان واحد، وإقامتين لكلّ صلاة؛ لأن أصحّ ما روي في هذا حديث جابر - ﵁ - المذكور هنا، وهو صريح في أنه - ﷺ - صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: اشترط الحنفيّة للجمع بين الظهر والعصر بعرفة الجماعة، فيهما، والإمام الأعظم، أو نائبه، بخلاف الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فلم يشترطوا له ذلك، وإليه ذهب الثوريّ، والنخعيّ، ولا يشترط ذلك مالك، ولا الشافعيّ، ولا أحمد ، وهو الحقّ؛ لعدم ما يدلّ على الاشتراط المذكور، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال الطبريّ: قوله: «ثمّ أذّن، ثم أقام» قال ابن المنذر: عرف جابر أن وقت الأذان في يوم عرفة عند فراغ الإمام من خطبته، وقال الشافعيّ: يخطب الخطبة الثانية مع استفتاح المؤذّن بالأذان، ويفرغ مع فراغه، ويستدلّ بحديث رواه عن جابر، فذكر الحديث الذي قدّمناه، قال الطبريّ: وهذا يغاير حديث مسلم من وجهين: أحدهما في وقت الأذان، والثاني في مكان الخطبة، فإن مسلمًا ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادي قبل إتيان الموقف، والشافعيّ ذكر أنها بعد إتيان عرفة، وحديث مسلم أصحّ، ويترجّح بوجه معقول، وهو أن المؤذّنين قد أُمروا بالإنصات كما أُمر به سائر الناس، وكيف يؤذّن من قد أُمر بالإنصات، ثم لا يبقى للخطبة معنى؛ إذ يفوت المقصود منها أكثرَ الناس؛ لاشتغالهم بالأذان عن استماعها. قال البيهقيّ ﵀: وهذا التفصيل في ابتداء بلال بالأذان، وأخذ النبيّ - ﷺ - في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلالٌ من الأذان مما تفرّد به ابن أبي يحيى - أي: وهو ضعيف -. ثم ذكر الطبريّ رواية الملا من سيرته، وذكرناها مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبريّ: وقال مالك: إن شاءِ يؤذّن، والإمام يخطب، وإن شاء يؤذّن بعد الفراغ من الخطبة، وقال مرّة أخرى: إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان، ثم بالإقامة، ثم بالصلاة. قال ابن حزم: وهذا القول الثاني عن مالك هو الصحيح الذي لا يجوز تعدّيه، لصحّته عن رسول الله - ﷺ -، وبه نأخذ؛ اقتداءً برسول الله - ﷺ -، فلا خير في مخالفته. قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن قول ابن حزم ﵀ هذا؛ فإن واجب كلّ مسلم التمسّك بما صحّ عن رسول الله - ﷺ -، ولا يسع أحدًا مخالفته بسبب مخالفة إمامه له، فإن الإمام لا يخالفه قصدًا، بل لعدم بلوغه إليه، فهو معذور، وأما أتباعه فلا عذر لهم بعدما تبيّنت لهم السنة، وقامت عليهم الحجة، فليتنبّه المقلّدون لهذه الدقائق، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال الطبريّ ﵀: وجمعه - ﷺ - بالناس بعرفة دليل على جواز الجمع في السفر القصير؛ إذ لم يُنقل عن أحد من أهل مكة التخلّف عن الصلاة معه - ﷺ -، فإن الجمع بعلّة النسك، وفي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بعلّة أصل السفر، والثاني أنه بعلّة السفر الطويل، والثالث أنه بعلّة النسك، وقال في موضع آخر: قد اختلف أصحابنا، هل كان جمعه - ﷺ - بعلّة مطلق السفر، أو الطويل، أو بعلّة النسك؟ والظاهر أنه بعلّة النسك، حتى يجوز للآفاقيّ والمكيّ، وأهل المزدلفة، وعرفة، وعلى الأول لا يجوز لأهل عرفة، وعلى الثاني لا يجوز لغير الآفاقيّ، ولا خلاف أنه سنّة، حتى لو صلّى كلّ صلاة وحدها في وقتها جاز. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح الذي يدلّ عليه ظاهر هذا الحديث الصحيح أن الجمع بعلّة النسك؛ لجمع كل من حضر الموقف من الآفاقيّ، وأهل مكة، وغيرهم معه - ﷺ -، فدلّ على أنه للنسك، لا للسفر، ثم إن قوله: «حتى لو صلى كل صلاة … إلخ» أين الدليل على جواز هذا؟ بل الظاهر أنه لا يصلي إلا جمعًا وقصرًا كما فعل النبيّ - ﷺ -، وكلّ من شهد حجة الوداع معه - ﷺ -، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أي: من السنن والنوافل، وذلك للاستعجال بالوقوف. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا» أي: لم يُدْخِل بينهما صلاة أخرى، لا نفلًا ولا غيره، وبهذا قال مالك وغيره، وقال ابن حبيب: يجوز أن يتنفل بينهما، وليس بالبيِّن، ولا خلاف في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة، وإنما اختلفوا فيمن فاته الجمع مع الإمام بعرفة، فالجمهور على أنه يجمع بينهما اتباعًا لفعله - ﷺ -، وقال الكوفيون: يصليهما مَنْ فاتتاه لوقتهما، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام، ولم يختلف: أن من صلاهما في وقتهما أن صلاته جائزة إذا لم يكن إمامًا. واختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما لا تجزيانه، ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب، وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا مِنْ عُذْرٍ به، أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجّ أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول الكوفيين في عدم إجزاء الصلاة قبل المزدلفة، وأن من صلاها قبلها يلزمه الإعادة هو الأرجح؛ لأنه - ﷺ - قال: «الصلاة أمامك»، فلا صلاة قبل المزدلفة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: القصواء، كما في رواية ابن الجارود (حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ) أي: وسار إلى أن أتى أرض عرفات، أو اللام للعهد، والمراد موقفه الخاصّ به - ﷺ - (فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ) بالجر على البدليّة (إِلَى الصَّخَرَاتِ) بفتحتين، قال الطيبيّ: أي: منتهيًا إليها، وتعقّبه الأبّيّ، فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صحّ هذا التقدير، والأظهر أنه تجوّز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات تحاذي في قبلته؛ لأنه إنما وقف مستقبل القبلة. وقال القرطبيّ: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته. قال الوليّ العراقيّ: لا حاجة إلى هذا؛ لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها؛ أي: إلى جانبها، وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليًا عليها. انتهى. وقال الطبريّ: ظاهر قوله: «جعل بطن ناقته إلى الصخرات» يدلّ على أنه كان واقفًا على الصخرات، حتى يكون بطن الناقة إليها، ويؤيّده ما رواه ابن إسحاق في «سيرته» أنه - ﷺ - قال: «هذا الموقف» للجبل الذي كان واقفًا عليه. انتهى. وقال النوويّ ﵀: في هذا الفصل مسائلُ، وآدابٌ للوقوف، منها: أنه إذا فرغ من الصلاتين عَجَّل الذهاب إلى الموقف، ومنها أن الوقوف راكبًا أفضل، وفيه خلاف بين العلماء، وفي مذهبنا ثلاثة أقوال: أصحها أن الوقوف راكبًا أفضل، والثاني: غير الراكب أفضل، والثالث: هما سواء. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى استحباب الركوب في الوقوف؛ اتّباعًا للسنّة، فتفطّن، والله تعالى أعلم. قال: ومنها: أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحبّ، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله - ﷺ - عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، وسيأتي في آخر الحديث بيان حدود عرفات - إن شاء الله تعالى - عند قوله - ﷺ -: «وعرفة كلها موقف». ومنها: استحباب استقبال الكعبة في الوقوف. ومنها: أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صحّ وقوفه، وحجه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب؟ فيه قولان للشافعيّ: أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيّان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا، وفيه قولان: أصحهما سنة، والثاني واجب. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة، وطلوع الفجر الثاني يوم النحر، فمن حَصَل بعرفات في جزء من هذا الزمان صحّ وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحجّ، هذا مذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفردًا، بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على الليل كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يصحّ وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركنٌ، لا يصح الحج إلا به، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قول الإمام أحمد ﵀: إن وقت الوقوف يدخل بطلوع الفجر يوم عرفة هو الأرجح؟ لما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وغيرهما بإسناد صحيح عن عروة بن مُضَرِّس الطائيّ - ﵁ - قال: جِئْتُ رسُولَ اللهِ في الْمَوْقِفِ، فقلت: جِئْتُ يا رسُولَ اللهِ من جبلي طيء، أَكْلَلْتُ مطيتي، وَأَتْعَبْتُ نفسي، والله ما تَرَكْتُ من جبل إِلَّا وَقَفْتُ عليه، هل لي من حَجٍّ؟ فقال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «من أَدْرَكَ مَعَنَا هذه الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قبل ذلك لَيْلًا أو نَهَارًا، تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، فقوله - ﷺ -: «ليلًا أو نهارًا» صريح في أن النهار كلّه وقت للوقوف كالليل، فمن وقف في أي جزء من أجزاء النهار، أو الليل فقد أدرك الوقوف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَجَعَلَ) - ﷺ - (حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ) «الحبل» بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحّدة، ثم لام: هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التَّلّ الضخم منه، والْمُشاة بضمّ الميم: جمع ماشٍ، وأُضيف الحبل إليهم؛ لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صفّ المشاة، ومُجتمعهم في مشيهم تشبيهًا بحبل الرمل، وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال النوويّ - ﵀ -: رُوي حَبْل بالحاء المهملة، وإسكان الباء، ورُوي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض - ﵀ -: الأول أشبه بالحديث، وحَبْلُ المشاة أي: مُجتمعهم، وحبلُ الرَّمْل: ما طال منه، وضَخُم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرَّجَّالة. انتهى. وتعقّبه الوليّ العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتيب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي، لا في «الإكمال»، ولا في «المشارق»، ولا في كلام غيره أيضًا. انتهى. وقال الطبريّ: حبل المشاة بالحاء المهملة المفتوحة، والموحّدة الساكنة، ثم لام أي: صفّهم، ومُجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبّر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم، وصححه شيخنا ابن الصلاح في «منسكه»، قال: وبه شَهِدت المشاهدة، وذكره بعض من صنّف في الأمكنة المتعلّقة بالحجيج، وهو الظاهر. انتهى . (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فيه أنه يستحبّ استقبال القبلة في الوقوف بعرفة (فَلَمْ يَزَلْ) - ﷺ - (وَاقِفًا) بعرفة (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا) أي: ذهابًا قليلًا (حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) أي: قرص الشمس، وهو بضمّ، فسكون: عينها، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال: قيل: لعل صوابه حين غاب القرص. انتهى كلام القاضي. قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن الكلام على ظاهره، ويكون قوله: «حتى غاب القرص» بيانًا لقوله: «غربت الشمس، وذهبت الصفرة»، فإن هذه تُطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: «حتى غاب القرص»، والله أعلم. انتهى . وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر؛ إذ لا يظهر معنى لقوله: «ذهبت الصفرة قليلًا حين غاب القرص»، وكان القائل غفل عن قيد القلّة، وذَهِل عن الرواية التي تطابق الدراية. وفيه تنبيهٌ على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال، وفي وقوفه - ﷺ - على راحلته، وإطالته الوقوف عليها دليلٌ على إباحة ذلك مطلقًا، خلافًا من كرهه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مقصورًا على ما هو قربةٌ دون غيره من المباح، وعلى ما خفّ أمره دون الأحمال الثقال، والمحامل الثقيلة بالركبان المتعدّدة، لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة . وقال القرطبي - ﵀ -: قوله: «فلم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلًا» لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يُجزئ قبله، وأن وقوف الليل يُجزئ، وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية الجمع بين الوقوفين ليلًا ونهارًا، وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس. قال: وقد رَوَى الترمذيّ حديثًا صحيحًا يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه»، قال: هذا حديث حسن صحيح. وزاد النسائي: «ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك»، فظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيَّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ «أو» التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت النبيّ - ﷺ - بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلًا، فسأله عن الحجّ، فقال: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه»، وقال الترمذي: «من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر»: قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيد حِبّه، وابن حبّه - ﵄ - (خَلْفَهُ) فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مُطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقال الطبريّ - ﵀ -: في إردافه - ﷺ - أسامة رخصة في ركوب اثنين على بعير واحد، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئًا، وبيان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل بن عبّاس في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليّ في استنابته في النحر، وبإشراكه في هديه. (وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: ارتحل، ومَضَى، وقال الطيبيّ - ﵀ -؛ أي: ابتدأ السير، ودفع نفسه، ونحّاها، أو دفع ناقته وحملها على السير، وقال السيوطيّ: أي: خرج من عرفات، وفي رواية: «أفاض، وعليه السكينة» (وَقَدْ شَنَقَ) بفتح الشين المعجمة، والنون المخفّفة، فقاف، أي: ضمّ، وضيّق (لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ) بكسر الزاي، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الزِّمَام للبعير، جمعه أَزِمّةٌ، وزَمَمته زَمًّا، من باب قتل: شددت عليه زمامه، قال بعضهم: الزمام في الأصل الخيط الذي يُشدّ في الْبُرَة، أو في الْخِشَاش، ثم يُردّ إليه الْمِقْوَد، ثمّ سُمّي به الْمِقْود نفسه. انتهى . ثم فسّر، وبيّن معنى قوله: «وشنق … إلخ» بقوله: (حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا) أي: رأس القصواء (لَيُصِيبُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإصابة (مَوْرِكَ رَحْلِهِ) قال الجوهريّ: قال أبو عبيد: الْمَوْرِك، والمورِكة - يعني بفتح الميم، وكسر الراء -: هو الموضع الذي يَثْنِي الراكب رجله عليه قُدّام واسطة الرحل إذا مَلَّ من الركوب، وضبطه القاضي بفتح الراء، قال: وهو قطعة أَدَم يتورك عليها الراكب، تُجْعَل في مُقَدَّم الرحل، شِبْهُ الْمِخَدَّة الصغيرة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة، وبأصحاب الدواب الضعيفة، قاله النوويّ . (وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) أي: يشير بها، ففيه إطلاق القول على الفعل («أيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ») بالتكرار مرّتين للتأكيد، منصوبًا على الإغراء؛ أي: الزموا السكينة، وهي الرفق، والطمأنينة، وعدم الزحام، وفيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنةٌ، فإذا وجد فُرْجة يسرع، كما ثبت في الحديث الآخر، (كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ) بالحاء المهملة المكسورة جمع حَبْل، وهو التَّلُّ اللطيف من الرمل الضخم، وقد تقدّم قريبًا (أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا) أي: أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلًا، أو زمانًا قليلًا (حَتَّى تَصْعَدَ) بفتح حرف المضارعة، والعين، من باب تَعِبَ صُعُودًا؛ أي: إلى أن تَعْلُو، فـ «حتى» غاية للإرخاء، وجوّز النوويّ ضمّ حرف المضارعة، مِن أصعد، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وفيه نظر؛ لأن الإصعاد معناه الإبعاد في الأرض، وليس مرادًا هنا، بل المراد العُلوّ، فتأمل. (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ) أي: إلى أن وصل إلى المزدلفة المكان المعروف. وأصل المزدلفة: مزتلفة، فأبدل التاء دالًا؛ لقرب المخرج، كما قال في «الخلاصة»: طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِي قال النوويّ - ﵀ -: وأما المزدلفة فمعروفة، سُمِّيت بذلك، من التزلف، والازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل؛ أي: ساعات، وتسمى جَمْعًا بفتح الجيم، دياسكان الميم، سُمِّيت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها. قال: واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، قال الأزرقيّ في «تاريخ مكة»، والماورديّ، وأصحابنا في كتب المذهب، وغيرهم: حَدُّ مزدلفة ما بين مأْزَمَي عرفة، ووادي مُحَسِّر، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب، والجبال الداخلية في الحدّ المذكور. انتهى . وقال القرطبي - ﵀ -: وسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا، وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى، وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها، والازدلاف: الاجتماع، وقيل: سُمِّيت بذلك: للنزول بها بالليل، وزلف الليل: ساعاته، وتسمَّى أيضًا المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الْحُمْسُ تقف فيه، ولا تتعداه، وتَكْتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة. وسُمِّيت مني بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فيها. وسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف بها آدم، فقال: عرفت عرفت، وقيل: سميت عرفة لأن آدم - ﵇ - تعزف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف، والتعريف: الوقوف بها. انتهى . (فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: جمع بينهما في وقت العشاء (بِأَذَانٍ - وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) أي: لكل واحدة منهما. [تنبيه]: اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاتين المذكورتين على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك: (أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذّن لواحدة منهما، وهو قول القاسم بن محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر - ﵄ -، وبه قال إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ، وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد، وقال النوويّ في «شرح مسلم»: الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى، وإقامتين لكلّ واحدة، وقال في «الإيضاح»: إنه الأصحّ. (الثاني): أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر - ﵄ -، وهو قول سفيان الثوريّ، فيما حكاه الترمذيّ، والخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهم. (الثالث): أن يؤذِّن للأولى، ويقيم لكلّ واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصحّ قوليه، وبه قال أبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون، من المالكيّة، والطحاويّ، وقال الخطابيّ: هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البرّ أن الْجُوزجانيّ حكاه عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة. (الرابع): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يؤذّن للثانية، ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، حكاه النوويّ، وغيره. قال العينيّ: هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر بأذان وإقامتين. (الخامس): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود - ﵄ -، وهو قول مالك، وأصحابه، إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البرّ. (السادس): أنه لا يؤذّن لواحد منهما، ولا يقيم، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعض السلف. وهذا كله في جمع التأخير. وأما جمع التقديم، كالظهر والعصر بنمرة، ففيه ثلاثة أقوال: (أحدها): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول الشافعيّ، وجمهور أصحابه. (الثاني): أن يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة. (الثالث): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعيّ عن ابن كجّ، عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهًا. قال العينيّ: [فإن قلت]: ما الأصل في هذه الأقوال؟: [قلت]: الذي قال بأذان وإقامتين قال برواية جابر، والذي قال بلا أذان، ولا إقامة، قال بحديث أبي أيوب، وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان، ولا إقامة، وكذا رواه طلق بن حبيب، وابن سيرين، ونافع عن ابن عمر من فعله. والذي قال بإقامة واحدة قال بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - يعني المذكور في الباب، وكذا رواه ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا عند مسلم، والذي قال بإقامة للمغرب، وإقامة للعشاء قال بحديث أسامة، وكذا فعله عمر بن الخطّاب - ﵁ -. فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: أشدّ الاضطراب في ذلك عن ابن عمر - ﵄ -، فإنه روي عنه من فعله الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، وروي عنه مسندأ الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، قال: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن النبيّ - ﷺ -، وهو ما رويناه عن ابن مسعود - ﵁ - أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة، ذكره العينيّ في «شرح البخاريّ». وقد مال البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» إلى ما ذهب إليه ابن مسعود - ﵁ -، فقال: «باب من أذن، وأقام لكل واحدة منهما» قال: حدّثنا عمرو بن خالد، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: «حج عبد الله - ﵁ -، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا، فاذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر رجلًا فأذن، وأقام …» الحديث. قال في «الفتح»: وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويًّا عن النبيّ - ﷺ -، ولو ثبت عنه لقلت به، ثم أخرج من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر، محمد بن علي، فقال: أما نحن أهلَ البيت، فهكذا نصنع. قال ابن حزم: وقد رُوي عن عمر من فعله. قال الحافظ: أخرجه الطحاويّ بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأَذَّن لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر، لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم يتأت له في حق ابن مسعود؛ لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاريّ. ورَوَى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك، حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين، مع كونه موقوفًا، ومع كونه لم يروه، ويترك ما روى عن أهل المدينة، وهو مرفوع. قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين، حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحدًا. قال الحافظ - ﵀ -: الجواب عن ذلك أن مالكاَ اعتَمَد على صنيع عمر في ذلك، وإن كان لم يروه في «الموطأ»، واختار الطحاويّ ما جاء عن جابر - ﵁ - يعني هذا الحديث أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعيّ في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون، وابن حزم، وقوّاه الطحاويّ بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. وقال الشافعي في الجديد، والثوري، وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة - ﵁ - الآتي، حيث قال: «فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يَحُلّوا حتى أقام العشاء»، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، أخرجه الطحاويّ وغيره، وكأنه يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي قول من قال: يصلي الأولى بالأذان والإقامة، والثانية بالإقامة فقط، لحديث جابر - ﵁ - هذا، فإنه مرفوع صريح في ذلك، وما عداه إما موقوف، كحديث عمر، وابن مسعود - ﵄ -، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة وابن عمر - ﵄ -، فيؤول بأنه صلى الأولى بالإقامة مع الأذان، والثانية بالإقامة فقط، وإنما أوّلنا بذلك؛ لأنه لا يمكن أن يُحْمَل على تعدد الواقعة، إذ حجته - ﷺ - واحدة، فتعيّن الجمع بين الروايات، وحديث جابر - ﵁ - صريح مُفَسَّر، فوجب حمل غيره عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أي: لم يصلّ بين المغرب والعشاء شيئًا من النوافل والسنن، والنافلة تسمّى سبحةً؛ لاشتمالها على التسبيح، وفي حديث ابن عمر - ﵄ -: «ولم يسبّح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما»، فقوله: «ولم يسبّح بينهما» أي: لم يتنفّل بين الصلاتين، وقوله: «ولا على إثر واحدة منهما» أي: ولا عقب كل واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية. قال في «الفتح»: ويستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفّل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لم يتنفّل عقبها، لكنه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمّ قال الفقهاء: تؤخّر سنة العشاء عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوّع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصحّ أنه جمع بينهما. انتهى. قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود - ﵁ - الآتي في الباب التالي . انتهى. وقال النوويّ - ﵀ -: الحديث دالّ على الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ولا خلاف في هذا، لكن اختلفوا، هل هو شرط للجمع أم لا؟ والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعض أصحابنا: هو شرط، أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف. انتهى . (ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: للنوم؛ تقويةً للبدن، ورحمة للأمة؛ لأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حَتى طَلَعَ الْفَجْرُ) قال ابن القيّم - ﵀ -: ولم يحي - ﷺ - تلك الليلة، ولا صحّ عنه في إحياء ليلتي العيد شيء. انتهى. وقال في «المواهب»، و«شرحه»: وترك - ﷺ - قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح؛ لما تقدّم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد المغرب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد المغرب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا لها وجمعًا لهما جمع تأخير، ورَقَد بقيّة ليلته مع كونه - ﷺ - كان يقوم الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة؛ لما تقدّم في عرفة من التعب، وقد قال: «إن لجسدك عليك حقًّا»، ولما هو بصدد يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة ثلاثًا وستّين بدنةً، وباقي المائة نحره عليّ، ثم ذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى . (تنبيه): اختلف العلماء في حكم المبيت بالمزدلفة ليلة النحر: فذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعيّ في أحد قوليه، إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومجاهد، وعن الشافعيّ: سنة، وهو قول مالك رحمهم الله تعالى، أفاده العينيّ. وقال النوويّ: المشهور من مذهب الشافعيّ أنه ليس بركن، فلو تركه صحّ حجه، قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال خمسة من أئمة التابعين: هو ركن، لا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفات. هذا قول علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال من الشافعيّة ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وبالحديث المرويّ عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «من فاته المبيت بالمزدلفة، فقد فاته الحجّ». وأجيب بأن الأمر في الآية إنما هو الذكر، وليس هو بركن بالإجماع، وأما الحديث فليس بثابت، ولا معروف، ولو صحّ لحمل على فوات كمال الحجّ، لا فوات أصله. قال: واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرّس - ﵁ -، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالمزدلفة حين خرج للصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيّء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه»، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى كلام النوويّ بتصرّف . وقال العينيّ: وقال الشافعيّ: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل، دون الأول، وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنة، وكذا الوقوف مع الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه، بخلاف النساء والصبيان، والضعفاء. وقال الحنفية: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام، فتعجل السير إلى منى، فلا شيء عليه، والمأمور في الآية الكريمة الذكر، دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر الحرام. بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدًّا. وعن مالك: لا يقف أحد إلى الإسفار، بل تدفعون قبل ذلك. انتهى كلام العينيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن المبيت بالمزدلفة سنة؛ لأنه - ﷺ - بات بها، وأما شهود صلاة الصبح، والوقوف بعدها إلى أن يدفع الإمام، فواجب إلا لأهل الأعذار؛ لحديث عروة بن مضرّس - ﵁ - المذكور آنفًا، فإنه - ﷺ - ذكره لصحة الحج، وتمامه، فقال: «من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه»، فما ذكر المبيت بها لتمام الحجّ، وإنما ذكر الوقوف بعرفة، وشهود صلاة الصبح بالمزدلفة، والدفع معه، وقد أوجبت الآية المذكورة الذكر عند المشعر الحرام، فأفادت أن الوقوف به من واجبات الحجّ، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ) أي: ظهر (لَهُ الصُّبْحُ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه أن السنّة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع، ويتأكّد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكّده في سائر السّنَة؛ للاقتداء برسول الله - ﷺ -، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرةٌ، فسُنّ المبالغة في التبكير للصبح ليتّسع الوقت للوظائف. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: فيه سُنَّة المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها بغلس، وسيأتي أنه - ﷺ - أرخص لبعض نسائه في النَّفْر منها إلى منى قبل طلوع الفجر، وفيه: الأذان في السفر؛ خلافًا من قال: يقتصر المسافر على الإقامة. انتهى . (بِأَذَانٍ) واحد (وَإِقَامَةٍ) واحدة، وهذا لا خلاف فيه، قال النوويّ - ﵀ -: يُسَنّ الأَذان والإقامة لهذه الصلاة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله - ﷺ - في السفر كما في الحضر، والله أعلم. انتهى. (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) أي: ناقته - ﷺ -، وففيه أن السنة الركوب، وأنه أفضل من المشي، وقد سبق بيانه مرات، وبيان الخلاف فيه. (حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) زاد في رواية أبي داود، وابن ماجه، وابن الجارود، والبيهقيّ: «فَرَقِي عليه»، و«المشعر» بفتح الميم، والعين المهملة، وقيل: بكسر الميم: موضع خاصّ من المزدلفة، سُمّي بالمشعر؛ لأنه مَعْلمٌ للعبادة، وسُمِّي الحرام؛ لأنه من الحرم، أو لحرمته. وقال النوويّ - ﵀ -: «المشعر»: بفتح الميم، هذا هو الصحيح، وبه جاء القرآن، وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال أيضًا: بكسر الميم، والمراد به هنا قُزَحُ، بضم القاف، وفتح الزاي، وبحاء مهملة، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قُزَحُ، وقال جماهير المفسرين، وأهل السير، والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة. انتهى . وقال المحبّ الطبريّ - ﵀ -: المشعر الحرام: هو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة، يقال له: قُزَح، والأفصح فتح الميم، وأكثر كلام العرب بكسرها، ولا نعرف الكسر في القراءة إلا شاذًّا. انتهى. وقد روى الشيخان من حديث جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - وقف بالمزدلفة، وقال: «وقفت ههنا، ومزدلفة كلها موقفٌ»، وروى أبو داود، والترمذيّ، وصححه من حديث عليّ - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - لَمّا أصبح بجمع أتى قُزَح، فوقف عليه، وقال: هذا قُزَح، وهو الموقف، «وجمغ كلها موقفٌ»، وروى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر - ﵄ - أنه رأى ناسًا يزدحمون على الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقال: يا أيها الناس لا تشُقّوا على أنفسكم، ألا إن ما ههنا مشعرٌ كلّه، وعنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها، أخرجه أبو ذرّ، ذكر هذا الأحاديث الطبريّ، ثم قال: حديث ابن عمر هذا مصرّح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، وكذلك تضمّنه كثير من كتب التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وحديث عليّ وجابر - ﵄ - يدلّان على أن قُزَح هو المشعر الحرام، وهو المعروف في كتب الفقه، فتعيّن أن يكون في أحدهما حقيقةً، وفي الآخر مجازًا؛ دفعًا للاشتراك؛ إذ المجاز خير منه، فترجّح احتماله عند التعارض، فيجوز أن يكون حقيقةً في قُزَح، فيكوز إطلاقه على الكلّ؛ لتضمّنه إياه، وهو أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله تعالى: ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يقتضي أن يكون الوقوف في غيره، وتكون المزدلفة كلّها عنده لما كانت كالحريم له، ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: في المشعر الحرام، ويجوز أن يكون حقيقةً في المزدلفة كلها، وأُطلق على قُزَح وحده تجوّزًا؛ لاشتمالها عليه، وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أعني إطلاق اسم الكلّ على البعض، والعكس، وهذا القائل يقول: حروف المعاني يقوم بعضها مقام بعض، فقامت «عند» مقام «في»، ومنه ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾؛ أي: عليهم، وفي الحديث والأثر ما يُصدّق كلّ واحد من الاحتمالين. وقُزَح موضع من المزدلفة، وهو موقف قريش في الجاهليّة؛ إذ كانت لا تقف بعرفة. وقال الجوهريّ: قُزَح اسم جبل بالمزدلفة، قال الطبريّ: وقد بُنِي عليه بناءٌ، فمن تمكّن من الرقيّ عليه رَقِيَ، وإلا وقف عنده مستقبل القبلة، فيدعو، ويُكبّر، ويُهلّل، ويوحّد الله، ويُكثر من التلبية إلى الإسفار، ولا ينبغي أن يفعل ما تطابق عليه الناس اليوم من النزول بعد الوقوف من درج في وسطه ضيّقة يزدحم الناس على ذلك حتى يكاد يُهلك بعضهم بعضًا، وهو بدعة شنيعة، بل يكون نزوله من حيثُ رُقِيُّه من الدرج الظاهرة الواسعة. وقد ذكر ابن الصلاح في «منسكه» أن قُزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم قال بعد ذلك: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوفَ على بناء مستحدث في وسط المزدلفة، ولا تتأدّى به هذه السنّة. انتهى كلام ابن الصلاح. قال الطبريّ: والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدّم ذكره، ولم أر ما ذكره لغيره. انتهى كلام الطبريّ . وقال القرطبي - ﵀ -: قوله: «ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام» فيه: أن الوقوف بالمشعر الحرام إلى الإسفار من المناسك، وقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقد أختُلِف في وجوب الوقوف فيه، فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَّام: إلى وجوبه، والجمهور على أنه مُستحب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو عبيد - ﵀ - من الوجوب هو الأظهر؛ لظاهر الآية، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ) وفي رواية أبي داود وابن ماجه: «فحمد الله». [تنبيه]: لا يتعيّن شيء من الدعاء في هذا الموقف، ولا في موقف عرفة، ولا غيرها من المشاعر؛ إذ لم يصحّ في ذلك شيء، إلا آية ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وأما ما يُذكر في كتب المناسك من الدعوات الكثيرة، فلا يثبت شيء منها، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَكَبَّرَهُ) أي: قال: الله أكبر (وَهَلَّلَهُ) أي: قال: لا إله إلا الله (وَوَحَّدَهُ) أي: قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … إلخ؛ عملًا بقوله - ﷿ -: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا) فيه أن الوقوف عند المشعر الحرام من مناسك الحجّ، وهذا لا خلاف فيه. قال الشاه وليّ الله الدهلويّ - ﵀ -: إنما شُرع الوقوف بالمشعر الحرام؛ لأنه كان أهل الجاهليّة يتفاخرون، ويتراءون، فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله تعالى؛ ليكون كابحًا عن عادتهم، ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن كالمنافسة، كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر، أو ذكر أهل الجاهليّة مفاخرهم أكثر؟ انتهى . (حَتَّى أَسْفَرَ) أي: أضاء الفجر إضاءة تامّةً، فالضمير في «أسفر» يعود إلى الفجر المذكور أوّلًا، وقوله: (جِدًّا) بكسر الجيم؛ أي: إسفارًا بليغًا. قال المحبّ الطبريّ - ﵀ -: هذا كمال السنّة في المبيت بالمزدلفة، وعليه اعتمد من أوجب ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن بها بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه، وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغويّ عن مالك، وأحمد، وفي وجوب المبيت عندنا - يعني الشافعيّة - قولان: الأصحّ وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، هذا المشهور، وللشافعيّ قول آخر إلى طلوع الشمس، فمن كان بها فيه فلا شيء عليه، وإن لم يكن قبله، ومن دفع قبله فعليه دم على الأصحّ. انتهى. وقال ابن عابدين من الحنفيّة: الوقوف عند المشعر الحرم واجب عندنا لا سنّة، والبيتوتة بمزدلفة سنّة مؤكّدة إلى الفجر، لا واجبة، خلافًا للشافعيّ فيهما، كما في «اللباب». انتهى . (فَدَفَعَ) أي: ذهب النبيّ - ﷺ - إلى منى (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) هذا صريحٌ في أنه - ﷺ - ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور، قال النوويّ - ﵀ -: اختلفوا في وقت الدفع من المشعر الحرام، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه، يدعو، ويذكر حتى يُسْفِر الصبح جدًّا، كما في هذا الحديث، وقال مالك: يَدْفَع منه قبل الإسفار. انتهى . وقال الطبريّ - ﵀ -: قال أهل العلم: وهذه سنّة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس، قال طاوس - ﵀ -: كان أهل الجاهليّة: يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أَشْرِق ثَبِير كيما نُغِير، فأخّر الله هذه، وقدّم هذه، قال الشافعيّ - ﵀ -: يعني قدّم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخّر عرفة إلى أن تغيب الشمس. انتهى. وقوله: (وَأَرْدَفَ) يَحتمل أنه معطوف على «دَفَع»، أو حال من فاعل «دفَعَ»، بتقدير «قد»؛ أي: وقد أردف (الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب - ﵄ -؛ أي: أركبه خلفه بدل أُسامة بن زيد - ﵄ - (وَكَانَ) أي: الفضل (رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْر، أَبْيَضَ) اللون (وَسِيمًا) بفتح الواو، وكسر السين المهملة؛ أي: حسنًا، يقال: وَسُمَ بالضمّ وَسَامةً: حَسُن وجهه، وهو وَسِيمٌ . (فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ) قال النوويّ - ﵀ -: الظُّعُنُ بضمّ الظاء، والعين، ويجوز إسكان العين: جميع ظَعِينة، كسَفِينة وسُفُن، وأصل الظَّعِينة البعير الذي عليه امرأة، ثم تُسَمَّى به المرأة مجازًا؛ لملابستها البعير، كما أن الراوية أصلها الجمل الذي يَحْمِل الماء، ثم تُسَمَّى به القِرْبة؛ لما ذكرناه. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: ظَعَنَ ظَعْنًا، من باب نَفَعَ: ارتحَلَ، والاسم ظَعَنٌ بفتحتين، ويتعدّى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنْتُ به، والفاعل ظاعنٌ، والمفعول مظعونٌ، والأصل مظعون به، ولكن حُذِفت الصلة؛ لكثرة الاستعمال، وباسم المفعول سُمّي الرجل، ويقال للمرأة: ظَعِينةٌ، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن زوجها يَظْعَن بها - أي: يَرْحَل بها - ويقال: الظَّعِينة: الْهَوْدَجُ، وسواء كان فيه امرأة أم لا، ويقال: الظَّعِينة في الأصل وصفٌ للمرأة في هَوْدجها، ثمّ سُمّيت بهذا الاسم، وإن كانت في بيتها؛ لأنها تصير مظعونةً. انتهى . (يَجْرِينَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإجراء؛ أي: يُجرين رواحلهنّ، أو بفتحها، من الجري؛ أي: يُسرعن في سيرهنّ (فَطَفِقَ) من بابي فَرِحَ، وضَرَبَ، طَفْقًا وطُفُوقًا؛ أي: شرع، وأخذ (الْفَضْلُ) - ﵁ - (يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ) أي: إلى الظُّعُن (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ) أي: ليمنعه من النظر إليهنّ، قال النوويّ - ﵀ -: فيه الحثّ على غضّ البصر عن الأجنبيات، وغضهنّ عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قوله: «وكان أبيضَ وَسِيمًا حَسَنَ الشعر»، يعنى أنه بصفة مَن تُفْتَتن النساء به؛ لحسنه، وفي رواية الترمذيّ وغيره في هذا الحديث: أن النبيّ - ﷺ - لَوَى عنق الفضل، فقال له العباس: لَوَيتَ عنق ابن عمك؟ قال: «رأيت شابًّا وشابّة، فلم آمن الشيطان عليهما»، فهذا يدلُّ على أن وضعه - ﷺ - يده على وجه الفضل، كان لدفع الفتنة عنه وعنها، وفيه أن من رأى منكرًا، وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه، ولم ينكَفّ المقول له، وأمكنه بيده، أثم ما دام مقتصرًا على اللسان، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبي - ﵀ -: ووضع رسول الله - ﷺ - يده على وجه الفضل: إنما كان خوفًا من الفتنة عليه، وكونه - ﷺ - لم ينهه عن ذلك ولم يزجره؛ دليل: على أنه لم يفعل محرمًا، وقال بعض مشايخنا: ستر الوجه عن النساء سُنَّة، وكان الحجاب على أزواج النبيّ - ﷺ - واجبًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال القرطبي - ﵀ -، والأوجه ما سبق عن النوويّ - ﵀ -، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ) بكسر الشين المعجمة؛ أي: الجانب (الْآخَرِ) أي: غير الجانب الذي صرفه منه النبيّ - ﷺ -، وقوله: (يَنْظُرُ) حال من الفضل (فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ) أي: من جهة الجانب الذي صرف منه وجه الفضل إلى الجهة الثانية التي ينظر منها مرّة أخرى (عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ) متعلّق بـ «حوّل»، وقوله: (يَصْرِفُ وَجْهَهُ) حال من «رسول الله»؛ أي: حال كونه - ﷺ - صارفًا وجه الفضل (مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ) أي: من الجانب الثاني الذي ينظر فيه إليهنّ، والمراد أنه - ﷺ - منعه من النظر إليهنّ مرّة ثانية من الجانب الثاني، وقوله: (يَنْظُرُ) حال أيضًا. (حَتى أتى) غاية لدفعه - ﷺ -؛ أي: إلى أن أتى (بَطْنَ مُحَسِّرٍ) بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر السين المشددة المهملتين، اختَلَفوا فيه، فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى، قال ابن القيّم - ﵀ -: ومُحَسِّرٌ بَرْزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه ولا من هذه، وقيل: ما صبّ منه في المزدلفة فهو منها، وما صبّ منه في منى فهو منها، وصوّبه بعضهم، وقد جاء في الحديث: «والمزدلفة كلها موقف، إلا بطن محسّر» ، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسّر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكلّ على البعض جائزٌ مجازًا شائعًا. وقال الطحاويّ: ليس وادي محسّر من منى، ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله: «إلا بطن محسّر» منقطع. وسُمِّي بذلك؛ لأن فِيل أصحاب الفيل حُصِر فيه؛ أي: أعيا فيه، وَكَلَّ ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، قاله النوويّ - ﵀ -. وقيل: لأنه يحسّر سالكينه، ويُتعبهم، يقال: حسّرت الناقة: أتعبتها، وأهل مكة يسمّون هذا الوادي وادي النار، يقال: إن رجلًا اصطاد فيه، فنزلت نار، فأحرقته . (فَحَرَّكَ قَلِيلًا) أي: حرّك - ﷺ - ناقته تحريكًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، أو مكانًا قليلًا؛ أي: يسيرًا، وصح أنه - ﷺ - لما أتى محسرًا أسرع ناقته حتى جاوز الوادي، قال النوويّ: قدر رمية حجر، قال القاري: وأما ما صحّ عن ابن عباس وأسامة - ﵃ - أنه - ﷺ - تركه من عرفة إلى منى، فمحمول على أنه تركه عند الزحمة؛ لأن الإثبات مقدم، لا سيما وهو أكثر رواةً، وأصح إسنادًا، وقد يُحْمَل على أنه أسرع في بعضه، وترك الإسراع في كلّه، مع أن القياس استبقاؤه خشية المزاحمة الموجبة للوحشة، مع وجود الكثرة. قال: ويُسَنّ أن يقول المارّ به ما جاء عن ابن عمر - ﵄ -، وروى الطبرانيّ بعضه مرفوعًا: إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا … مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا … قَدْ ذَهَبَ الشَّحْمُ الَّذِي يَزِينُهَا «الوضين»: بِطَانٌ عَريضٌ يُنسَج من سُيُور، أو شَعَر، أو لا يكون إلا من (١٥٦٤٥) - حدّثنا علي بن هاشم، عن هشام، عن أبيه، قال: كان عمر يوضع، يقول: إليك تعدو قلقًا وضِينها … معترض في بطنها جنينها مخالف دين النصارى دينها وهذا الإسناد رجاله رجال الحسن، فإن علي بن هاشم صدوقٌ. جلد، كذا في «القاموس» . وذكر النوويّ - ﵀ - في «المجموع» البيت الأول فقط، ونصّه: قال أصحابنا: واستُحِبّ الإسراع فيه؛ للاقتداء بالنبيّ - ﷺ -، ولأن وادي محسِّرٍ كان موقف النصارى، فاستُحِب مخالفتهم، واستدلوا بما رواه البيهقيّ بإسناده، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يُوضِع، ويقول: إَلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا … مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارى دِينُهَا قال البيهقيّ: يعني الإيضاع في وادي محسَّر، ومعنى هذا البيت: أن ناقتي تَعْدُو إليك يا رب مسرعةً في طاعتك، قَلِقًا وَضِينُها، وهو الحبل الذي كالْحِزَام، وإنما صار قَلِقًا من كثرة السير، والإقبال التامّ، والاجهاد البالغ في طاعتك، والمراد صاحب الناقة، وقوله: «مخالفًا دين النصارى دينها» بنصب «دينَ النصارى»، ورفع «دِينُها»؛ أي: إني لا أفعل فعل النصارى، ولا أعتقد اعتقادهم، قال القاضي حسين في «تعليقه»: يُستحب للمارّ بوادي محسر أن يقول هذا الذي قاله عمر - ﵁ -، والله تعالى أعلم . قال النوويّ - ﵀ -: وأما قوله: «فحَرَّك قليلًا» فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع، قال أصحابنا: يُسْرع الماشي، ويُحَرِّك الراكب دابته في وادي مُحَسِّر، ويكون ذلك قدر رَمْيَةِ حجر. انتهى. وقال الشافعيّ - ﵀ - في «الأُمّ»؛ وتحريكه - ﷺ - الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع، قال الطبريّ: وهكذا كلُّ من خرج من مضيق في فضاء جرت العادة بتحريكه فيه، وقيل: يجوز أن يكون فعله؛ لأنه مأوى الشياطين، وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستُحبّ الإسراع فيه. وقال الإسنويّ - ﵀ -: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستُحبّ فيه الإسراع؛ لما ثبت في «الصحيح» أمره - ﷺ - المارّ على ديار ثمود ونحوهم بذلك. قال ابن القيّم - ﵀ -: وهذه عادته - ﷺ - في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الْحِجر، وديار ثمود تقنّع بثوبه، وأسرع السير. انتهى. وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ - ﵀ -: إنما أوضع - ﷺ - بالْمُحَسَّر لأنه محلّ هلاك أصحاب الفيل، فمِن شأن من يخاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرُب من الغضب، ولَمّا كان استشعاره أمرًا خفيًّا ضُبِطَ بفعل ظاهر، مُذكِّر له، منبِّه للنفس عليه - أي: وهو الإسراع. انتهى. قال الزرقانيّ - ﵀ -: وهذا الجواب - أي: ما قاله الطبريّ، وابن القيّم، والإسنويّ في وجه التسمية بالمحسَّر، وفي حكمة الإسراع فيه - مبنيّ على قول، الأصل خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وإنما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري - ﵀ -: المرجّح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر مَن وراءهم. انتهى . (ثُمَّ سَلَكَ) - ﷺ - (الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضبّ، وهذا طريق المأزِمين، وهما جبلان، قال النوويّ - ﵀ -: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا؛ يذهب إلى عرفات في طريق ضَبّ، ويرجع في طريق المأزِمين؛ ليخالف الطريق، تفاؤلًا بتغير الحال، كما فعل النبيّ - ﷺ - في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق، ورجع في طريق آخر، وحَوَّل رداءه في الاستسقاء. انتهى . (الَّتِي تَخْرُجُ) وفي رواية أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه: «التي تُخرجك» (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) قال النوويّ - ﵀ -: الجمرة الكبرى هي جمرة العقبة، وهي الجمرة التي عند الشجرة، وقوله: (حَتَّى أَتَى) غاية لسلوكه - ﷺ -؛ أي: إلى أن وصل (الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) أي: جمرة العقبة، وهذا يدلّ على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فَرَمَاهَا) أي: ضحًى، كما جاء في الرواية الأخرى. قال الشاه وليّ الله الدهلويّ - ﵀ -: والسر في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث، من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر، وأكملها، وأجمعها لوجوه التوقيت، أن يُوَقَّت بزمان، وبمكان، ويقام معه ما يكون حافظأ لعدده، محقّقًا لوجوده، على رءوس الأشهاد، حيث لا يخفى شيء، وذكر الله تعالى نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس، دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك، ونوع يقصد به انصياع النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة سَنّها إبراهيم؛ حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيهٌ للنفس أيُّ تنبيه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أحسن ما ذُكر من حكمة تشريع رمي الجمار، هو ما جاء عن ابن عبّاس - ﵄ - يرفعه قال: «لَمّا أتى إبراهيم خليل الله المناسك، عَرَض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض»، قال ابن عباس: «الشيطانَ ترجمون، وملةَ أبيكم تتّبعون»، أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم واللفظ له، وصححه على شرط الشيخين. وقال النوويّ - ﵀ -: فيه أن السنة للحاجّ إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. قال: وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا غير، بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى، ولزمه دم، وصحّ حجه، وقال مالك: يفسد حجه. انتهى . (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) متعلّق بـ «رماها»، وفيه أن الرمي يكون بسبع حصيات، قال النوويّ - ﵀ -: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم تكفه الست. انتهى، وعند الحنفيّة إذا ترك أكثر السبع لزمه دئم، كما لو لم يرم أصلًا، وإن ترك أقلّ منه، كثلاث فما دونها، فعليه لكلّ حصاة صدقةٌ، ولا يشترط الموالاة بين الرميات، بل يُسنّ، ويكره تركها. وقال النوويّ: ولا يجوز عند الشافعيّ، والجمهور الرمي بالكحل، والزرنيخ، والذهب، والفضة، وغير ذلك مما لا يُسَمّى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض؛ أي: من جنسها؛ كالحجر، والمدر، والتبن، والْمَغَرة، وكلّ ما يجوز التيمّم به. (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النوويّ - ﵀ -: فيه أنه يُسَنّ التكبير مع كل حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدة واحدةً، فإن رَمَى السبعة رميةً واحدةً حُسِب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة: «يكبر مع كل حصاة»، فهذا تصريح بأنه رمى كلَّ حصاة وحدها، مع قوله - ﷺ - في الحديث الآتي بعد هذا، في أحاديث الرمي: «لتأخذوا عني مناسككم». انتهى. (مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) بجرّ «مثل» على البدليّة من «حصاة»، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب، بتقدير «هي»، و«أعني». و«الخَذْف» بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمة، قال في «النهاية»: الخذف: هو رَمْيُك حصاةً، أو نواةً تأخذها بين سبّابتيك، وترمي بها، والمراد بيان مقدار الحصى التي يُرمى بها في الصغر والكبر، وفسّروا حصى الخذف بقدر حبّة الباقلّاء. وقال الفيّوميّ - ﵀ -: خَذَفتُ الحصاةَ ونحوَها خَذْفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف: معناه: حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وفيه أن الرمي بسبع حصيات، وأن قدرهنّ بقدر حصى الخذف، وهو نحو حَبّة الباقلّاء، وينبغي ألا يكون أكبر، ولا أصغر، فإن كان أكبر، أو أصغر، أجزأه بشرط كونها حجرًا. انتهى. وقال المحبّ الطبريّ: قال عطاء بن أبي رَبَاح: حصى الخذف مثل طرف الأصابع، وقال الشافعيّ: هو أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال: بقدر الباقلّاء، وفيه تنبيه على استحباب الرمي بذلك. انتهى . [تنبيه]: قوله: «مثل حصى الخذف» هكذا هو في بعض نسخ مسلم بإثبات لفظة «مثل»، وهو الذي وقع في نسخة «شرح الأبيّ»، ونسخة محمد ذهني، وكذا هو عند أبي داود، والبيهقيّ، وقع في أكثر نسخ مسلم بإسقاطها، ولفظه: «فرماها بسبع حصيات، يكبّر مع كلّ حصاة منها»، حصى الخذف، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ، قال: وصوابه «مثل حصى الخذف»، قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم. انتهى كلام القاضي. قال النوويّ: والذي في النسخ من غير لفظة «مثل» هو الصواب، بل لا يتجه غيره، ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: «حصى الخذف» متعلقًا بـ «حصيات»؛ أي: رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف متصل بحصيات، واعتَرَض بينهما «يكبر مع كل حصاة»، وهذا هو الصواب. انتهى كلام النوويّ. قال القاري - ﵀ - بعد نقل كلام النوويّ هذا -: وعندي أن اتصال «حصى الخذف» بقوله: «مع كل حصاة» أقرب لفظًا، وأنسب معنى، ومع هذا لا اعتراض، ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلقه بحصاة، أو حصيات لا ينافي وجود «مثل» لفظًا، أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودًا فهو واضح معنى، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه، أي: كحصى الخذف، بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى، فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر - ﵁ -، رواه الترمذي بلفظ: «وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف»، ورَوَى مسلم عنه بلفظ: «رمى الجمرة بمثل حصى الخذف» يُرَجِّح وجود المثل، ويؤيّد تقديره. انتهى كلام القاري - ﵀ - ، وهو تحقيق مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) بدل من قوله: «فرماها»، أو استئناف بيانيّ، وهو الأظهر، كما قال القاري، والاستئناف البياني ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: من أين رمى؟ فأجاب بأنه رمى من بطن الوادي، والله تعالى أعلم. قال النوويّ - ﵀ -: وفيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يَقِف مستقبل الكعبة، وكيفما رمى أجزأه، بحيث يسمى رميًا بما يسمى حجرًا، والله أعلم. انتهى. (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: رجع - ﷺ - عن جمرة العقبة (إِلَى الْمَنْحَرِ) بفتح الميم؛ أي: موضع نحر البدن، قال القاري - ﵀ -: والآن يقال له: المذبح؛ لعدم النحر، أو تغليبأ للأكثر، كما غلب في الأول للأفضل، وهو قريب من جمرة العقبة، وأما ما اشتهر من صورة مسجد بُنِي قريب من الجمرة الوسطى، منحرف عن الطريق إلى جهة اليمن، وبُني بإزائه على الطريق مسجدٌ، تسميه العامة مسجد النحر، فليس هو، بل الأصح أن منحره - ﷺ - في منزله الذي بقرب مسجد الخيف، متقدمًا على قبلة مسجد الخيف. انتهى . وقال الزرقانيّ: المنحر موضع معروفٌ بمنى، وكلُّها منحر، كما في الحديث، قال ابن التين: منحر النبيّ - ﷺ - عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره؛ لقوله - ﷺ -: «هذا المنحر، وكلُّ منى منحرٌ»، وقال عياض: فيه دليلٌ على أن المنحر موضع معيّنٌ من منى، وحيث يَذبح منها أو من المحرم أجزأه. انتهى. (فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ «ثلاثًا وستين بيده»، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، سوى ابن ماهان، فإنه رواه «بدنةً»، قال: وكلامه صوابٌ، والأول أصوب، قال النوويّ: وكلاهما صحيح، فنحر ثلاثًا وستين بدنةً بيده. وقال المحبّ الطبريّ - ﵀ -: قوله: «ثلاثًا وستين بيده» فيه استحباب ذبح المرءِ هديه بنفسه، وعند ابن ماهان: «بدنة» مكان «بيده»، وكلّ صوابٌ، و«بيده» أصوب؛ لقوله: «ثم أعطى عليًّا، فنحر ما غَبَرَ»، ويجوز أن يقال: «بدنةً» أصوب؛ لأن قوله: «بيده» لا يفيد أن المنحور بدنة، أو غيرها، بخلاف قوله: «بدنةً»، وإسناد الفعل إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيث الظاهر، فلا حاجة إلى قوله: «بيده»، وذكر بعض أهل المعاني أن نحر النبيّ - ﷺ - ثلاثًا وستين بدنة إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كلّ عام بدنة. انتهى. وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ: إنما نحر - ﷺ - بيده هذا العدد؛ ليشكر ما أولاه الله تعالى في كلّ سنة من عمره ببدنة. انتهى . وفيه استحباب تكثير الهدي، وكان هدي النبيّ - ﷺ - في تلك السنة مائة بدنة، كما يأتي قريبًا. وقال القرطبي - ﵀ -: قوله: «فنحر ثلاثًا وستين بيده» هكذا رواية الجماعة، وعند ابن ماهان: «بدنة» مكان «بيده» وكلٌّ صواب، وفيه ما يدل على أن الأولى للمهدي أو للمضحي أن يتولى ذلك بيده. وإعطاؤه ما بقي لعليٍّ لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير كتاب مسلم: أنه إنّما أعطاه إياها ليهديها عن نفسه، ويدل عليه قوله: «وأشركه في هديه» وعلى هذا: فلا يكون فيه حجة على الاستنابة، وقيل: إنما نحر النبيّ - ﷺ - ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة، كما ذكره الترمذيّ، وقيل: إنما خصَّ النبيّ - ﷺ - ذلك العدد؛ لأنه منتهى عمره؛ على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة. انتهى . (ثُمَّ أَعْطَى) بالبناء للفاعل (عَلِيًّا) - ﵁ -، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: بقيّة البُدْن (فَنَحَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: نحر عليّ - ﵁ - (مَا غَبَرَ) «ما» موصولة مفعول «نحر»، و«غبر» بفتح الغين المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيًّا للفاعل؛ أي: بقي، يقال: غَبَر الشيءُ غُبُورًا، من باب قعد: بقي، وقد يُستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُبُورًا: مَكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وفيه جواز الاستنابة في نحر الهدي، وذلك جائز بالإجماع إذا كان النائب مسلمًا، قال النوويّ: ويجوز عندنا أن يكون النائب كافرًا كتابيًّا بشرط أن ينوي صاحب الهدي عند دفعه إليه، أو عند ذبحه، وفيه أيضًا استحباب تعجيل ذبح الهدايا، وإن كانت كثيرة في يوم النحر، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق. انتهى. (وَأَشْرَكَهُ) أي: أشرك النبيّ - ﷺ - عليًّا - ﵁ - (فِي هَدْيِهِ) قال النوويّ - ﵀ -: ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي، قال القاضي عياض - ﵀ -: وعندي أنه لم يكن تشريكًا حقيقةً، بل أعطاه قدرًا يذبحه. انتهى . [تنبيه]: روى أبو داود عن عليّ - ﵁ -: لَمّا نَحَر رسول الله - ﷺ - بُدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني، فنحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه، وبه أعلّه ابن المنذر. وروى أبو داود أيضًا عن غرفة بن الحارث الكِنْديّ - ﵁ -، قال: شهدت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، وأُتي بالبدن، فقال: «ادعوا لي أبا حسن»، فدُعي له عليّ، فقال: «خذ بأسفل الحربة»، وأخذ رسول الله - ﷺ - بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغا ركب بغلته، وأردف عليًّا. وجمع الوليّ العراقيّ - ﵀ - باحتمال أنه - ﷺ - انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي التي في حديث عليّ، واشترك هو وعليّ في نحر ثلاث وثلاثين بدنةً، وهي المذكورة في حديث غرفة، وقول جابر: «نحر ثلاثًا وستين»، مراده: كلّ ما له دخلٌ في نحره، إما منفردًا به، أو مع مشاركة عليّ - ﵁ -. وجمع الحافظ - ﵀ - بين حديثي عليّ وجابر - ﵄ - بأنه - ﷺ - نحر ثلاثين، ثم أمر عليًّا أن ينحر، فنحر سبعًا وثلاثين، ثم نحر - ﷺ - ثلاثًا وثلاثين، قال: فإن ساغ هذا، وإلا فما في «الصحيح» أصحّ؛ أي: مع مشاركة عليّ؛ ليلتئم مع حديث غرفة، وإن لم يذكره. وقال عياض - ﵀ -: والظاهر أن النبيّ - ﷺ - نحر الْبُدْن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثًا وستين، كما جاء في رواية الترمذيّ، وأعطى عليًّا البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة. انتهى. وقال الطبريّ - ﵀ - بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا في غير المائة المذكورة، أو يكون في الثلاث والستين منها، وأُضيف الفعل إليه - ﷺ -؛ لأن من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكّن من النحر دون الآخر، والله أعلم. وقد روى أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - نحر في حجته سبع بدنات، أخرجه البخاريّ، وذكره ابن حزم، وقال في الجمع بين الأحاديث: يُخَرَّج هذا على وجوه: أحدها: أنه - ﷺ - لم ينحر بيده أكثر من هذه السبع، وأمر من نحر من بعد ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته، ثم غاب، وأمر عليًّا بنحر ما بقي إما بنفسه، أو بالإشراف على ذلك. الثاني: أن يكون أنس - ﵁ - لم يشاهد إلا نحره - ﷺ - سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره - ﷺ - الباقي، فأخبر كلّ منهما بما رأى. الثالث: أنه نحر بيده منفردًا سبع بدنات، ثم أخذ هو وعليّ الحربة، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قاله غرفة بن الحارث الكنديّ، ثم انفرد عليّ بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر. قال ابن القيّم - ﵀ -: [فإن قيل]: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه أحمد، وأبو داود عن عليّ - ﵁ -، قال: لَمّا نحر رسول الله - ﷺ - بُدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرها؟ [قلنا]: هذا غلطٌ، انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين هو عليّ - ﵁ -، والنبيّ - ﷺ - نحر سبعًا بيده، لم يشاهده عليّ، ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى، فبقي من المائة ثلاثون، فنحرها عليّ، فانقلب على الراوي عدد ما نحره عليّ بما نحره النبيّ - ﷺ -. [فإن قيل]: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرط، قال: قرّب لرسول الله - ﷺ - بدنات خمس، فطفِقن يزدلفن إليه بأيتهنّ يبدأ … الحديث، أخرجه أبو داود، وغيره؛ [قيل]: نقبله، ونصدّقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالًا، فقرّب منهنّ إليه خمس بدنات رسلًا، وكان ذلك الرسل يُبادرن، ويتقرّبن إليه ليبدأ بكلّ واحدة منهن. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ -، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. وقال الطبريّ - ﵀ - بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فان الأول والثاني يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال: نحر سبعًا منفردًا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعليّ - ﵁ -، ونُسب الفعل إليه - ﷺ - لما ذكاناه، ثم أمر عليًّا بنحر ما بقي من المائة، والله تعالى أعلم . (ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ - ﷺ - (مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ) أي: من المائة (بِبَضْعَةٍ) بفتح الباء الثانية؛ أي: بقطعة من لحمها، قال النوويّ: البضعة بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم، وقال الجوهريّ: هذه بالفتح، وأخواتها بالكسر، مثل القِطعة، والْفِلْذة، والْفِدرة، والكِسفة، والخرقة، وفي العدد تُكسر وتفتح، مذكرًا كان أو مؤنّثًا -. انتهى . (فَجُعِلَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: جُعلت تلك القطع (فِي قِدْرٍ) بكسر القاف: لأنْ يُطبخ فيه، وهي مؤنثة، ولهذا تدخل الهاء في التصغير، فيقال: قُديرةٌ، وجمعها قُدُورٌ، مثلُ حَمْل وحُمُول . (فَطُبِخَتْ) بالبناء للمفعول (فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا) قال المظهر: الضمير المؤنّث يعود إلى القدر؛ لأنها مؤنثٌ سماعيّ، قال الطيبيّ - ﵀ -: ويَحْتَمِل أن يعود إلى الهدايا. قال النوويّ: وفيه استحباب الأكل من هدي التطوع، وأضحيته، قال العلماء: لَمّا كان الأكل من كل واحدة سنةً، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردةً كُلْفة، جُعِلت في قدر؛ أي: جُمعت في قدر واحدة؛ ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر، وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع، وأضحيته سنة، ليس بواجب، وقد استُدلّ به على جواز الأكل من هدي المتعة والقران على القول بأنه - ﷺ - كان متمتّعًا، أو قارنًا. وقد تقدّم أن الأصحّ عند المحقّقين من الشافعيّة أنه - ﷺ - كان قارنًا في آخره، فيُرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه، وكان فيها دم القران أيضًا، فلم يكن إذًا كلُّها هدايا تطوّع وأضحيّة، ولا يجوز الأكل من الهدي الواجب، كهدي التمتّع، والقران، والنذر في مذهب الشافعيّ؟ قال الطبريّ: ولا حجة في هذا الحديث عليهم؛ إذ الواجب عليه سُبُع بدنة، ويكون الأكل من حصّة التطوّع. انتهى، ولا يخفى ما فيه من التعسّف. قاله في «المرعاة» . وقال القرطبي - ﵀ -: قوله: «ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ … إلخ»، إنما فعل هذا ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٥٨]، وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة، فقد شربا من مرق كل ذلك، وخصوصية عليّ - ﵁ - بالمؤاكلة؛ دليل على أنه أشركه في الهدي. وفيه دليل: على أن من حَلَف لا يأكل لحمًا فشرب مرقه: أنه يحنث. وفيه دليل على استحباب أكل الأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بأكثر. وفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران، وقد قدَّمنا: أنه كان قارنًا، وسيأتي حكم الأكل من الهدايا. انتهى . (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ) أي: أسرع إلى بيت الله ليطوف به طواف الإفاضة، ويُسمّى أيضًا طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، قال الطبريّ: الإفاضة الدفع في السير، وقال ابن عرفة: أفاض من المكان: إذا أسرع منه لمكان آخر، وقال غيره: أصل الإفاضة الصبّ، فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه، أو راحلته، فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدّي. وطواف الإفاضة هو الذي يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة، ويقال له أيضًا: طواف الزيارة، وطواف الفرض. قال القرطبي - ﵀ -: هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وسُمِّي: طواف الزيارة، وهو واجب بإجماع، وهو الذي تناوله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، ولا خلاف أن إيقاعه يوم النحر أولى وأفضل، فلو أوقعه بعد يوم النحر، فهل يلزم الدم بتأخيره أم لا يلزم؟ واختلف فيه، وسيأتي، والجمهور على أن من ترك طواف الإفاضة؛ أن طواف الوداع لا يجزئ عنه إلا مالكًا، فإنه قال: يجزئ عنه إذا رجع إلى بلده، قال القاضي عياض: وكذلك طواف التطوُّع. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحجّ بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشدّ كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته، بل يصحّ ما دام الإنسان حيًّا، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات، فوقف قبل الفجر لم يصحّ طوافه؛ لأنه قدمه على الوقوف، واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رملٌ، ولا اضطباع إذا كان قد رمل، واضطبع عقب طواف القدوم، ولو طاف بنية الوداع، أو القدوم، أو التطوع، وعليه طواف إفاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا، نَصّ عليه الشافعيّ، واتفق الأصحاب عليه، كما لو كان عليه حجة الإسلام، فحج بنيّة قضاء، أو نذر، أو تطوع، فإنه يقع عن حجة الإسلام. وقال أبو حنيفة، وأكثر العلماء: لا يجزئ طواف الإفاضة بنيّة غيره. قال: واعلم: أن طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضًا: طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، وسمّاه بعض أصحابنا طواف الصَّدَر، وأنكره الجمهور، قالوا: وإنما طواف الصدر طواف الوداع. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وعند الحنفيّة أول وقت طواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر، وهو في يوم النحر الأول أفضل، ويمتدّ إلى آخر العمر، فإن أخّره عن أيام النحر كُره تحريمًا، ووجب دم لترك الواجب، وهذا عند الإمكان، كذا في «الدرّ المختار». وقال المحبّ الطبريّ: قد دلّت الأحاديث على استحباب وقوع طواف الإفاضة في يوم النحر، وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عند الشافعيّة نصف الليل من ليلة النحر، بدليل حديث أم سلمة - ﵂ - أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر، ثم مضت إلى مكة، فأفاضت. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّة من أن أول وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر هو الأرجح؛ لحديث أم سلمة - ﵂ - المذكور، والله تعالى أعلم. (فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه محذوف، تقديره: فأفاض، فطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلى الظهر، فحُذف ذكر الطواف؛ لدلالة الكلام عليه، وأما قوله: «فصلى بمكة الظهر»، فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة، من حديث ابن عمر - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ - أفاض يوم النحر، فصلى الظهر بمنى». ووجه الجمع بينهما أنه - ﷺ - طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى، فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه، حين سألوه ذلك، فيكون متنفلًا بالظهر الثانية التي بمنى، وهذا كما ثبت في «الصحيحين» في صلاته - ﷺ - ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف، فإنه - ﷺ - صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها، وسلّم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى، فكانت له صلاتان، ولهم صلاة. وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها: أن النبيّ - ﷺ - أَخَّر الزيارة يوم النحر إلى الليل، فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه، لا لطواف الإفاضة، ولا بُدّ من هذا التأويل؛ للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال ابن القيّم - ﵀ - في «الهدي»: واختُلِف أين صلى النبيّ - ﷺ - الظهر يومئذ؟ ففي «الصحيحين» عن ابن عمر - ﵄ - أنه - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهر بمنى، وفي «صحيح مسلم» عن جابر - ﵁ - أنه - ﷺ - صلى الظهر بمكة، وكذلك قالت عائشة - ﵂ -. واختُلِف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر، فقال أبو محمد بن حزم: قول عائشة وجابر - ﵄ - أولى، وتبعه على هذا جماعة، ورجحوا هذا القول بوجوه: [أحدها]: أنه رواية اثنين، وهما أولى من الواحد. [الثاني]: أن عائشة - ﵂ - أخص الناس به - ﷺ -، ولها من القرب والاختصاص به، والمزية ما ليس لغيرها. [الثالث]: أن سياق جابر - ﵁ - لحجة النبيّ - ﷺ - من أولها إلى آخرها أتمّ سياق، وقد حَفِظ القصة، وضبطها حتى ضبط جزئياتها، حتى ضبط منها أمرًا لا يتعلق بالمناسك، وهو نزول النبيّ - ﷺ - ليلة جمْع في الطريق، فقضى حاجته عند الشِّعْب، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر، فهو بضبط مكان صلاته يوم النحر أولى. [الرابع]: أن حجة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بُدنًا عظيمة، وقسمها، وطُبخ له من لحمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه، وتطيّب، ثم أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم، ومن نبيذ السقاية، ووقف عليهم، وهم يسقون، وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار. [الخامس]: أن هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي، فقد كانت عادته - ﷺ - في حجته الصلاة في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين، فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة - ﵂ - الأمر الذي هو خارج عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ. ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر - ﵄ - لوجوه: [أحدها]: أنه لو صلى الظهر بمكة لم تصلّ الصحابة بمنى وُحدانًا وزَرَافَات، بل لم يكن لهم بُدٌّ من الصلاة خلف إمام، يكون نائبًا عنه، ولم يَنقُل هذا أحد قطّ، ولا يقول أحد: إنه استناب من يصلي بهم، ولولا علمه أنه يرجع إليهم، فيصلي بهم لقال: إن حضرت الصلاة، ولست عندكم، فليصلّ بكم فلان، وحيث لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلى الصحابة هناك وُحدانًا قطعًا، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلوا عِزِين عِزِين عُلِم أنهم صلوا معه على عادتهم. [الثاني]: أنه لو صلى بمكة لكان خلفه بعض أهل البلد، وهم مقيمون، وكان يأمرهم أن يتموا صلاتهم، ولم ينقل أنهم قاموا، فأتموا بعد سلامه صلاتهم، وحيث لم يُنقل هذا، ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعًا عُلِم أنه لم يصلّ حينئذ بمكة، وما ينقله بعض من لا علم عنده، أنه قال: «يا أهل مكة أتمّوا صلاتكم، فإنا قوم سَفْر»، فإنما قاله عام الفتح، لا في حجته. [الثالث]: أنه من المعلوم أنه لما طاف ركع ركعتي الطواف، ومعلوم أن كثيرًا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه، فلعله لما ركع ركعتي الطواف، والناس خلفه يقتدون به، ظَنّ الظان أنها صلاة الظهر، ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الظهر، وهذا الوهم لا يمكن رفع احتماله، بخلاف صلاته بمنى، فإنها لا تحتمل غير الفرض. [الرابع]: أنه لا يُحفظ عنه في حجه أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالأبطح بالمسلمين مدة مقامه، كان يصلي بهم أين نزلوا، لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام. [الخامس]: أن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله بن عمر العمريّ، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع؟ قال الجامع عفا الله عنه: قوله: حديث ابن عمر - ﵄ - متفق عليه، هذا خطأ، والصواب أنه من أفراد مسلم أيضًا، وقد حقّق هذا صاحب «المرعاة» ، فراجعه تستفد. [السادس]: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه طاف نهارًا، الثاني: أنه أخر الطواف إلى الليل، الثالث: أنه أفاض من آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة، بخلاف حديث ابن عمر. [السابع]: أن حديث ابن عمر أصحّ منه بلا نزاع، فإن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فكيف يُقَدَّم على قول عبيد الله: حدّثني نافع، عن ابن عمر؟ [الثامن]: أن حديث عائشة ليس بالبيّن أنه - ﷺ - صلى الظهر بمكة، فإن لفظه هكذا: «أفاض رسول الله - ﷺ - من آخر يومه، حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات»، فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنه صلى الظهر يومئذ بمكة؟ وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر: «أفاض يوم النحر، ثم صلى الظهر بمنى» - يعني راجعًا؟ وأين حديث اتَّفق أصحاب الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به؟ انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - . وقوله: «اتّفق أصحاب الصحاح» قد عرفت أن هذا خطأ، فلم يُخرجه البخاريّ، وإنما هو من أفراد مسلم، كحديث جابر - ﵁ -، فتنبّه. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ترجيح بعض هذه الأحاديث على بعضها؛ لأنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند عدم إمكان الجمع، وهنا إمكانه واضح بأنه - ﷺ - صلى الظهر في المكانين، كما تقدّم عن النوويّ - ﵀ -. والحاصل أنه - ﷺ - طاف طواف الإفاضة، ثم دخل وقت الظهر، فصلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى، فوجد الناس ينتظرونه للصلاة معه، فصلّى بهم مرّة أخرى، فبهذا تجتمع الأحاديث دون حاجة إلى ترجيح بعضها على بعض، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. (فَأَتَى) أي: أتى النبيّ - ﷺ - بعد فراغه من طواف الإفاضة (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) هم العبّاس، وأولاده؛ لأن سقاية الحاجّ كانت وظيفتهم (يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ) يعني أنه مرّ عليهم، وهم ينزعون الماء من بئر زمزم، ويسقون الناس، قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «يسقون على زمزم» معناه: يُغْرِفون بالدلاء، ويصبّونه في الحياض ونحوها، ويُسَبِّلونه للناس. انتهى. (فَقَالَ: «انْزِعُوا) بكسر الزاي، من باب ضرب، من النزع، وهو الاستقاء، قال النوويّ: معناه: استقوا بالدِّلاء، وانزِعوها بالرِّشاء (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا بني عبد المطّلب، أو هو منصوب على الاختصاص، كما قال في»الخلاصة«: الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ«يَا»…«أَيُّهَا الْفَتَى»بِإِثْرِ«ارْجُونِيَا»وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ«أَيٍّ»تِلْوَ«أَلْ»… كَمِثْلِ«نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ»(فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لنَزَعْتُ مَعَكُمْ«) قال القرطبي - ﵀ -: يعني أنه لو استقى هو بيده لاقتدى الناس به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول خصوصية بني عبد المطلب، وهي ثابتة لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي - إن شاء الله تعالى -. ويقال: نَزَع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصل فيها الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق، فالأصل في مضارعه أن يأتي على: يَفْعُل، بفتح العين أو بضمها، والنزع: الاستقاء بالرِّشا، والنزح بالحاء: الاستقاء بالدَّلو. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ … إلخ» معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحجّ، ويزدحمون عليه، بحيث يغلبونكم، ويدفعونكم عن الاستقاء، لاستقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء، وقيل: إنما قال ذلك شفقةً على أمته من الحرج والمشقّة، والأول أظهر. أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن ابن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ اذهب إلى أمك، فَأْتِ رسول الله - ﷺ - بشراب من عندها، فقال: «اسقني»، قال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني»، فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون، ويعملون فيها، فقال: «اعملوا، فإنكم على عمل صالح - ثم قال -: لولا أن تُغْلَبُوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه»، يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه. [فائدة]: قال النوويّ - ﵀ - في «تهذيب الأسماء واللغات»: «زَمْزَمُ» - زادها الله تعالى شرفًا - بزاءين، وفتحهما، وإسكان الميم بينهما - وهي بئر في المسجد الحرام - زاده الله تعالى شرفًا - بينها وبين الكعبة - زادها الله تعالى شرفًا - ثمان وثلاثون ذراعًا، قيل: سُمِّيت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماهلا زمزم، وزمزومٌ، وزمزام: إذا كان كثيرًا، وقيل: لضمّ هاجر - ﵍ - لمائها حين انفجرت، وزَمِّها إياها، وقيل: لزمزمة جبريل، وكلامه، وقيل: إنه غير مشتقّ، ولها أسماء أُخَرُ، ذكرها الأزرقيّ وغيره: هَزْمَةُ جبريل، والهزمة الغمزة بالعقِب في الأرض، وبَرّة، وشُباعة، والمضنونة، وتَكْتُم، ويقال لها: طعامُ طُعم، وشفاءُ سُقْم، وشراب الأبرار، وجاء في الحديث: «ماء زمزم طعام طُعْم، وشفاء سقم»، وجاء: «ماء زمزم لما شُرِب له»، معناه: من شربه لحاجة نالها، وقد جَرَّبه العلماء والصالحون لحاجات أخروية ودنيوية، فنالوها بحمد الله تعالى، وفضله. وفي «الصحيح» عن أبي ذر الغفاريّ - ﵁ - أنه أقام شهرًا بمكة، لا قوت له إلا ماء زمزم، وفضائلها أكثر من أن تُحْصَر، والله تعالى أعلم. وروى الأزرقيّ، عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يَفِدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صَبُوحًا لهم، وقد كنا نَعُدّها عونًا على العيال، قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تُسَمَّى شُباعة. وفي غريب الحديث لابن قتيبة، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «خير بئر في الأرض زمزم، وشرّ بئر في الأرض بُرْهُوت» . قال ابن قتيبة: «برهوت»: بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفار فيها، وذكر له دلائل. قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كل ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعًا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر مَكْبَس ساجٍ مُرَبَّع، فيه اثنتا بكرة يُستقى عليها، وأول من عمل الرُّخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته. قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يسقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أَدَم بفناء الكعبة، فيَرِده الحاج حتى يتفرقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفي، فقام بأمر السقاية من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حَفَر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاجّ، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي لبنها بالعسل في حوض من آدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبِذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر ليكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاج في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرها النبيّ - ﷺ - في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد الله بن عباس - ﵂ -، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا ينازعه فيها منازع، حتى توفي، فكانت بيد ابنه علي بن عبد الله، يفعل كفعل أبيه وجدّه، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى . وأخرج الطبرانيّ بسنده عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم، وشرّ ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقبة حضرموت، كرجل الجراد من الهوام، تصبح تتدفق، وتمسي لا بلال فيها»، قال الهيثميّ بعد عزوه إلى الطبرانيّ: ورجاله ثقات، وصححه ابن حبّان ، وبُرُهُوت بضمّ الموحّدة، والراء، والهاء، آخره تاء مثنّاة: بئر عميقة بحضرموت، لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: بُرْهوت، بضمّ الباء، وسكون الراء. (فَنَاوَلُوهُ) أي: أعطوه (دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ) أي: من الدلو، أو من الماء، وفيه دليل على استحباب الشرب للحاجّ من ماء زمزم. وذكر الواقديّ أنه لما شَرب صبّ على رأسه، وذكر أبو ذرّ في «منسكه» عن عليّ - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - لَمّا أفاض دعا بسجل من زمزم، فتوضّأ، وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: دعا بسجل من ماء زمزم، فشرب منه، وتوضّأ، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عبّاس - ﵄ -، وفي رواية عنده أنهم لَمّا نزعوا الدلو، غسل منه وجهه، وتمضمض فيه، ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور. قيل: ويستحبّ أن يشرب قائمًا، واستُدلّ له بما رواه البخاريّ من طريق عاصم، عن الشعبيّ أن ابن عباس حدّثهم قال: سقيتُ رسول الله - ﷺ - من زمزم، فشرب، وهو قائم، قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. قال في «المرعاة»: وفي الاستدلال بهذا على استحباب الشرب من زمزم قائمًا نظر؛ لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب، وهو على الراحلة، ويُطلق عليه قائم، ويكون ذلك مراد ابن عبّاس - ﵄ - من قوله: «قائمًا»، فلا يكون بينه وبين النهي عن الشرب قائمًا تضادّ، وبجوز أن يُحمل على ظاهره، وبكون دليلًا على إباحة الشرب قائمًا، يعني أنه - ﷺ - شربه قائمًا؛ لبيان الجواز، قيل: أو لعذر به في ذلك المقام من طين، أو زحام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [فوائد]: (الأولى): أخرج أحمد، وابن ماجه من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «ماء زمزم لما شُرب له»، وأخرجه الدارقطنيّ، من حديث ابن عبّاس - ﵄ -، وزاد: «إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل»، وروى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ مرفوعًا: «إنها مباركة، وإنها طعام طُعم، وشفاء سقم». وقد شربه جماعة من العلماء لمآرب، فوجدوها، ونالوها. أخرج الدينوري في «المجالسة» عن الحميدي - وهو شيخ البخاريّ - قال: كنا عند ابن عيينة، فحدّثنا بحديث: «ماءُ زمزم لما شُرِب له»، فقام رجل من المجلس، ثم عاد، فقال: يا أبا محمد، ليس الحديث الذي قد حدثتنا في زمزم صحيحًا، فقال: بلى، فقال الرجل: فإني شربت الآن دلوًا من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث، فقال سفيان - ﵀ -: اقعد، فقعد، فحدثه بمائة حديث . (الثانية): روي عن عائشة - ﵂ - أنها كانت تَحمل من ماء زمزم، وتخبر عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يحمله، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ غريب، والبيهقيّ، والحاكم، وصححه ، قال الشوكانيّ - ﵀ -: فيه دليلٌ على استحباب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة. وعن أبي الطفيل، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: سمعته يقول: كنا نسميها شُباعة، يعني زمزم، وكنا نجدها نعم العون على العيال. رواه الطبراني في «الكبير»، قال الهيثميّ: ورجاله ثقات. وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله: «ابن السبيل أول شارب»، يعني من زمزم، رواه الطبراني في «الصغير»، قال الهيثميّ: ورجاله ثقات. وعن ابن عباس - ﵄ -: أن النبيّ - ﷺ - استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم، رواه الطبرني في «الكبير»، و«الأوسط»، قال الهيثميّ: وفيه عبد الله بن المؤمل المخزوميّ وثقه ابن سعد، وابن حبان، وقال: يخطئ، وضعّفه جماعة . (الثالثة): قال ابن عباس - ﵄ - الرجل: من أين جئت؟ قال: شربت من زمزم، قال: شربت كما ينبغي؟ قلت: كيف أشرب؟ قال: إذا شربت فاستقبل القبلة، ثم اذكر اسم الله، ثم تنفس ثلاثًا، وتضلّع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن النبيّ - ﷺ - قال: «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم»، أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ ، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر مجهول. وكان ابن عباس - ﵄ - إذا شرب ماء زمزم قال: «اللهم أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء»، أخرجه الدارقطنيّ، والحاكم، وهو ضعيف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: حديث جابر - ﵁ - هذا رواه عنه سبعة من أصحابه الثقات، وهو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر، وأبو الزبير بن محمد بن مسلم المكيّ، وعطاء بن أبي رباح المكيّ، ومجاهد بن جبر المكيّ، ومحمد بن المنكدر المدنيّ، وأبو صالح ذكوان السمان المدنيّ، وأبو سفيان طلحة بن نافع الواسطيّ نزيل مكة. فأما رواية الأول فأخرجها مسلم، وأبو نعيم في «مستخرجه»، وأبو داود، والدارميّ، وابن ماجه، وابن الجارود في «المنتقى»، والبيهقي من طريق جعفر بن محمد الصادق عنه بتمامه. وساقه مسلم هنا بتمامه، وأخرج القسم الأكبر منه الطيالسي في «مسنده»، وأحمد، وروى قطعًا متفرقة منه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، والدارميّ، وابن ماجه، ومالك في «موطئه»، والطحاوي في «شرح معاني» الآثار، وفي «مشكل الآثار»، والطبراني في «المعجم الصغير»، والدارقطني في «سننه»، والحاكم في «المستدرك»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والبيهقي في «سننه الكبرى»، وأحمد في «مسنده»، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»، وأبو نعيم في «حلية الأولياء». وأما رواية أبي الزبير: فأخرجها مسلم، وأبو نعيم في «المستخرج»، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، والدارميّ، وابن ماجه، والشافعيّ، والطحاويّ في «شرح معاني الآثار»، وفي «مشكل الآثار»، والدارقطنيّ، والحاكم، والبيهقيّ، والطيالسيّ، وأحمد، وابن سعد. وأما رواية عطاء: فأخرجها البخاريّ، ومسلم، وأبو نعيم، وأبو داود، والنسائيّ، والدارميّ، وابن ماجه، والشافعيّ، والطحاويّ في «شرح معاني الآثار» وفي «المشكل»، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقيّ، والطيالسيّ، وأحمد، وابن سعد. وأما رواية مجاهد: فأخرجها البخاريّ، ومسلم، والحاكم، والبيهقيّ، وأحمد. وأما رواية محمد بن المنكدر: فأخرجها الترمذيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ، وأحمد. وأما رواية أبي صالح، وأبي سفيان، فأخرجهما أحمد في «مسنده». وقد أجاد الشيخ الألبانيّ - ﵀ - في تخريج هذه الروايات في رسالته القيّمة: «حجة النبيّ - ﷺ - كما رواها عنه جابر - ﵁ -، فراجعها تستفد علمًا جمًّا. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٩٥٠ و٢٩٥١ و٢٩٥٢ و٢٩٥٣] (١٢١٨)، و(أبو داود) في«المناسك»(١٩٠٥)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٢/ ٤٢١)، و(ابن ماجه) في«المناسك»(٢/ ١٠٢٥)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٣/ ٣٣٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٢٠)، و(الدا رميّ) في«سننه»(٢/ ٦٩)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٢٦٨٧ و٢٨٠٢ و٢٨٠٩ و٢٨١٢ و٢٨٢٦ و٢٨٥٥ و٢٩٤٤ و٣٥٧٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٩/ ٢٥٧)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ٣٦٨)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ٣١٧)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(١/ ١٢٥)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١/ ٣٤٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٥/ ٨ و٥/ ٢٧٤ و٩/ ١٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : (اعلم): أنه قد تقدّم ذكر كثير من هذه الفوائد خلال الشرح، لكن جمعها وسوقها متتاليةً في موضع واحد أتمّ فائدة، وأعون على الفهم، والاستفادة، فتنبّه. ١ - (فمنها): بيان حجة النبيّ - ﷺ - منذ أن خرج من المدينة إلى أن انتهى من أعمال الحج، فجابر بن عبد الله - ﵄ - أحسن الصحابة الذين رووا حجة الوداع سياقة لها. ٢ - (ومنها): أنه يستحب من ورد عليه زائرون، أو ضِيفان، ونحوهم أن يسأل عنهم؛ لِيُنْزِلهم منازلهم، كما جاء في حديث عائشة - ﵍ -: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نُنَزِّل الناس منازلهم»، وهو حديث مرسلٌ، لكن قد تقدّم أنّ المصنّف احتجّ به في «مقدّمة صحيحه». ٣ - (ومنها): أن فيه إكرامَ أهل بيت رسول الله - ﷺ - كما فعل جابر - ﵁ - بمحمد بن عليّ. ٤ - (ومنها): استحباب قوله للزائر، والضيف، ونحوهما: «مَرْحَبًا». ٥ - (ومنها): ملاطفة الزائر بما يليق به، وتأنيسه، وهذا سبب حَلّ جابر - ﵁ - زِرَّي محمد بن علي - ﵀ -، ووضع يده بين ثدييه، وإنما فعل به ذلك؛ تأنيسًا له؛ لصغره، كما أشار إليه بقوله: «وأنا يومئذ غلام شاب»، وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه، والمسح بين ثدييه، قاله النوويّ - ﵀ -. ٦ - (ومنها): جواز إمامة الأعمى البصراءَ، ولا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب، قال النوويّ - ﵀ -: وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأن الأعمى أكمل خشوعًا لعدم نظره إلى الملهيات. والثاني: البصير أفضل لأنه أكثر احترازًا من النجاسات. والثالث: هما سواء؛ لتعادل فضيلتهما، وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا، وهو نصّ الشافعيّ. قال الجامع عفا الله عنه: إن مثل هذا الاختلاف مما يُتعجب منه، فكيف يختلفون فيه بعد بيان النبيّ - ﷺ - الأحقّ والأفضل في الإمامة، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن أبي مسعود - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سِلْمًا …» الحديث، فلم يفضّل بالبصر، ولا عدمه، فمن كان متّصفًا بما في هذا الحديث، فهو الأحقّ، والأفضل بالإمامة من غيره، سواء كان بصيرًا، أو أعمى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٧ - (ومنها): أن صاحب البيت أحقّ بالإمامة من غيره. ٨ - (ومنها): جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه. ٩ - (ومنها): جواز نسبة الثدي للرجل، وفيه خلاف لأهل اللغة، منهم من جَوَّزه كالمرأة، ومنهم من منعه، وقال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في الرجل: ثَنْدُؤة، وقد سبق إيضاحه في أوائل «كتاب الإيمان» في حديث الرجل الذي قتل نفسه، فقال فيه النبيّ - ﷺ -: إنه من أهل النار«. ١٠ - (ومنها): أنه يُستحبّ للإمام إيذان الناس بالأمور المهمّة؛ ليتأهّبوا لها، ولا سيّما في هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة. ١١ - (ومنها): بيان استحباب غسل الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقل. ١٢ - (ومنها): أن فيه أمرَ الحائض، والنفساء، والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن تَشُدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خِرْقة عَرِيضة تجعلها على محلّ الدم، وتَشُدّ طرفيها من قدّامها، ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بِثَفَر الدابة - بفتح الفاء -. ١٣ - (ومنها): بيان صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه. ١٤ - (ومنها): جواز الحجّ راكبًا وماشيًا، وهو مُجْمَعٌ عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، واخَتَلَف العلماء في الأفضل منهما، فقال مالك، والشافعيّ، وجمهور العلماء: الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبيّ - ﷺ -، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أكثر نفقةً، وقال داود: ماشيًا أفضل؛ لمشقته، وهذا فاسد؛ لأن المشقة ليست مطلوبة . ١٥ - (ومنها): بيان أن السنة للحجاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات؛ ليطوفوا للقدوم وغير ذلك. ١٦ - (ومنها): بيان أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يُسَنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه. ١٧ - (ومنها): بيان أن الطواف سبع طوافات. ١٨ - (ومنها): بيان أن السنة في الطواف الرَّمَلُ في الثلاث الأوَل، والمشي على العادة في الأربع الأخيرة، والرَّمَلُ هو إسراع المشي مع تقارب الْخُطَا، ويقال له: الْخَبُب. ١٩ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. ٢٠ - (ومنها): بيان أنه يُستحبّ للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام، أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يَخرُج من باب الصفا ليسعى، كما فعل النبيّ - ﷺ -. ٢١ - (ومنها): بيان أن بداية السعي من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائيّ في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبيّ - ﷺ - قال: «ابدءوا بما بدأ الله به» هكذا بصيغة أمر الجماعة، والأمر للوجوب، فلا يجوز أن يبدأ من المروة، فتنبّه. ٢٢ - (ومنها): أنه ينبغي أن يَرْقَى على الصفا والمروة ولا خلاف بين الجمهور في هذا الرقيّ، وجعله بعضهم شرطًا في صحة السعي، والصواب الأول. ٢٣ - (ومنها): بيان أنه يسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور في الحديث، ويدعوَ، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. ٢٤ - (ومنها): بيان استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة، على الراجح، والله تعالى أعلم. ٢٥ - (ومنها): بيان أنه يُسَنّ على المروة من الذكر والدعاء والرقيّ مثل ما يُسَنّ على الصفا، وهذا متفق عليه؛ لقوله في الحديث: «ففعل - يعني النبيّ - ﷺ - - على المروة مثل ما فعل على الصفا». ٢٦ - (ومنها): أن قوله: «حتى إذا كان آخر طواف على المروة» فيه دلالة لمذهب الجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحْسَب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقد خالف في ذلك بعضهم، فقال: يُحْسَب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرةً واحدةً، فيقع آخر السبع في الصفا، هو مردود بهذا الحديث الصحيح، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، كما قاله النوويّ. ٢٧ - (ومنها): استحباب التقصير من يتحلّل بالعمرة ممن لم يسق الهدي من الحجاج. ٢٨ - (ومنها): بيان أن الأفضل أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ أحرم يوم التروية؛ عملًا بهذا الحديث، ولا ينبغي له أن يتقدّم قبل ذلك على القول الراجح. ٢٩ - (ومنها): بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية، وقد كَرِهَ مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به، والحقّ أن هذا خلاف السنة، فليُتنبّه. ٣٠ - (ومنها): بيان أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي. هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، كما قاله النوويّ - ﵀ -. ٣١ - (ومنها): بيان أن السنّة أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس. ٣٢ - (ومنها): بيان أن المبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة سنّة، ليس بركن، ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع، هكذا قال النوويّ - ﵀ -. ٣٣ - (ومنها): بيان أن السنة أن لا يخرج الحجّاج إلى عرفات من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. ٣٤ - (ومنها): بيان استحباب النزول بنمرةَ إذا ذهبوا من منى؛ لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعًا، فالسنة أن ينزلوا بنمرة، فمن كان له قبة ضربها، فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى بطن عرنة، وخطب بهم، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جمعًا، فإذا فرغ من الصلاة سار إلى الموقف. ٣٥ - (ومنها): بيان جواز الاستظلال للمحرم بِقُبّة وغيرها، قال النوويّ: ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك، وأحمد، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها - إن شاء الله تعالى -. ٣٦ - (ومنها): جواز اتخاذ القباب، وجواز كونها من شعر. ٣٧ - (ومنها): بيان استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية. ٣٨ - (ومنها): بيان استحباب ضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا؛ لزيادة الإيضاح والبيان، فإنه - ﷺ - قال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا …» الحديث. ٣٩ - (ومنها): بيان إبطال أفعال الجاهلية، وبيوعها التي لم يتصل بها قبض، وأنه لا قصاص في قتلها. ٤٠ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للإمام وغيره، ممن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر أن يبدأ بنفسه، وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس مَن قَرُب عهده بالإسلام، فإنه - ﷺ - قال: «والدم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة …» الحديث، وقال أيضًا: «وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطّلب، فإنه موضوع كلّه». ٤١ - (ومنها): الحثّ على مراعاة حقّ النساء، والوصية بهنّ، ومعاشرتهنّ بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهنّ، وبيان حقوقهنّ، والتحذير من التقصير في ذلك، قال النوويّ - ﵀ -: وقد جمعتها، أو معظمها في «رياض الصالحين». انتهى. ٤٢ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن في دخول بيتها لأحد يكره الزوج دخوله، سواء كان رجلًا أجنبيًّا، أو امرأةً، أو أحدًا من محارم الزوجة، ويجوز لها أن تأذن من علمت، أو ظنت أن الزوج لا يكرهه. ٤٣ - (ومنها): بيان إباحة ضرب الرجل امرأته؛ للتأديب، قال النوويّ - ﵀ -: فإن ضربها الضرب المأذون فيه، فماتت منه، وجبت ديتها على عاقلة الضارب، ووجبت الكفارة في ماله. ٤٤ - (ومنها): بيان وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالإجماع. ٤٥ - (ومنها): بيان أنه يُشْرَع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل: بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعيّ، وقال أكثر أصحاب الشافعيّ: هو بسبب السفر، والأول هو الأرجح، فيُشرع من كان حاضرًا، أو مسافرًا دون مرحلتين، كأهل مكة الجمع، والقصر، كما فعل كل من صلّى خلف النبيّ - ﷺ - من الحاضرين والمسافرين، وقد تقدّم تحقيق ذلك. ٤٦ - (ومنها): بيان أن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أوّلًا، وأنه يؤذّن للأولى، وأنه يقيم لكل واحدة منهما، وأنه لا يفرّق بينهما. ٤٧ - (ومنها): بيان أنه إذا فرغ من الصلاتين عَجّل الذهاب إلى الموقف. ٤٨ - (ومنها): بيان أن الوقوف راكبًا أفضل، وفيه خلاف بين العلماء، واتّباع فعل النبيّ - ﷺ - هو الصواب. ٤٩ - (ومنها): بيان أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحبّ، وأما ما اشتهر بين العوامّ من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلطٌ، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله - ﷺ - عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، قاله النوويّ - ﵀ -. ٥٠ - (ومنها): استحباب استقبال الكعبة في الوقوف. ٥١ - (ومنها): أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صحّ وقوفه وحجه، ولكنه أساء. ٥٢ - (ومنها): جواز الإرداف إذا كانت الدابّة مطيقةً، وقد تظاهرت به الأحاديث
مصادر المؤلف (١٩٨)

١. وفي نسخة: «سل عمّ شئت».

٢. وفي نسخة: «في ساجة».

٣. وفي نسخة: «ثم آذن الناسَ».

٤. وفي نسخة:«ابدءوا»بصيغة الأمر.

٥. وفي نسخة:«فقال مثل ذلك».

٦. وفي نسخة:«آخر طواف».

٧. وفي نسخة:«بل لأبد الأبد»بالإضافة.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.

٩. وقال في «المعجم الوسيط» ١/ ٣٩١: الزرُّ: شيءٌ كالحبّة، أو القُرْص يُدْخَلُ في الْعُرْوة. انتهى.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٢.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٨٠ - ٨١.

١٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

١٤. «إكمال المعلم»٤/ ٢٦٦، و«شرح النوويّ»٨/ ١٧٠.

١٥. «النهاية في غريب الأثر» ٥/ ٤٥.

١٦. «القاموس المحيط» ٣/ ١٩٤ - ١٩٥.

١٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٥.

١٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧١.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٥.

٢٠. «المصباح المنير» ١/ ١٢١.

٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٧.

٢٢. «المرعاة» ٢/ ٩.

٢٣. «إكمال المعلم» ٤/ ٢٦٧.

٢٤. صححه الشيخ الألبانيّ - ﵀ -، لغيره، انظر:«صحيح ابن ماجة»٢/ ٩٦٥.

٢٥. «المصباح المنير» ١/ ١٤٦.

٢٦. راجع: «المرعاة» ٩/ ٤.

٢٧. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٢.

٢٨. «المرعاة» ٩/ ٤.

٢٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٣.

٣٠. «المجموع شرح المهذّب» ٨/ ١١٩.

٣١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٣.

٣٢. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٣ - ١٧٤.

٣٣. «المفهم» ٣/ ٣٢٣.

٣٤. «المفهم»٣/ ٣٢٥.

٣٥. «إكمال المعلم»٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠.

٣٦. «المفهم»٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤.

٣٧. «إكمال المعلم»٤/ ٢٧٠.

٣٨. راجع: «المرعاة شرح المشكاة» ٩/ ٦ - ٧.

٣٩. «المفهم» ٣/ ٣٢٤.

٤٠. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٥.

٤١. «المفهم» ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦.

٤٢. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٥ - ١٧٦.

٤٣. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٦.

٤٤. راجع:«المرعاة»٩/ ٧ - ٨.

٤٥. «المفهم»٣/ ٣٢٦.

٤٦. «شرح النوويّ»٨/ ١٧٦.

٤٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٤.

٤٨. الكسر زاده في «اللسان»، و«القاموس».

٤٩. قال في «اللسان»: الصواب: «كأن متنيّ» لأن بعده: «من طول إشرافي على الطَّويِّ». انتهى.

٥٠. «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبيّ ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.

٥١. «المفهم» ٣/ ٣٢٧.

٥٢. راجع: «المجتبى» برقم (٢٩٦٣).

٥٣. «المرعاة» ٩/ ٨.

٥٤. «المفهم» ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨.

٥٥. «شرح النوويّ»٨/ ١٧٧.

٥٦. «القاموس المحيط»٤/ ٣٣٦.

٥٧. «المصباح المنير»١/ ٢٣٦.

٥٨. «الكاشف لحقائق السنن»٦/ ١٩٦٠.

٥٩. «المرعاة» ٩/ ٩.

٦٠. «شرح النووي» ٨/ ١٧٧.

٦١. «المرعاة» ٩/ ٩.

٦٢. «الكاشف» ٦/ ١٩٦١.

٦٣. «إكمال المعلم»٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣.

٦٤. «شرح النوويّ»٨/ ١٧٨.

٦٥. «المرعاة»٩/ ١٠.

٦٦. «القاموس المحيط» ١/ ٣٠٧.

٦٧. كذا وقع في النسخة: «سُفلى»، و«عُليا»، والظاهر أن الصواب هنا «أسفل»، وأعلى«، فليُحرّر.

٦٨. «المصباح المنير»١/ ٣٤٠.

٦٩. «شرح النوويّ»٨/ ١٧٨.

٧٠. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٨.

٧١. «المفهم» ٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠.

٧٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٩٦١ - ١٠٦٢.

٧٣. «المرعاة» ٩/ ١١.

٧٤. «المرعاة» ٩/ ١١ - ١٢.

٧٥. «المفهم» ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩.

٧٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٩٦٢ - ١٩٦٣.

٧٧. «المرعاة» ٩/ ١٦.

٧٨. «المفهم» ٣/ ٣٣٠.

٧٩. «المفهم» ٣/ ٣٣٠.

٨٠. راجع: «المرعاة» ٩/ ١٨.

٨١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٠.

٨٢. «المفهم» ٣/ ٣٣١.

٨٣. «المفهم» ٣/ ٣٣١.

٨٤. راجع: «المرعاة» ٩/ ١٨.

٨٥. «المأزم» وزان مسجِد: الطريق الضيّق بين الجبلين، ومنه قيل للموضع الذي بين عرفة والمشعر: مأزمان، قاله في «المصباح».

٨٦. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨١.

٨٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٩٦٤.

٨٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨١.

٨٩. راجع: «اللسان» ٥/ ٣٢٦.

٩٠. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨١.

٩١. «المصباح» ١/ ٢٢٢.

٩٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٩٦٤.

٩٣. «المصباح» ٢/ ٤٠٦.

٩٤. «المفهم» ٣/ ٣٣٢.

٩٥. «شرح النوويّ»٨/ ١٨٢.

٩٦. «المفهم»٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.

٩٧. راجع:«المرعاة»٩/ ٢٠.

٩٨. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢١.

٩٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٢.

١٠٠. «الفتح» ٥/ ٤٣٠.

١٠١. «الفتح» ١/ ١٥٩.

١٠٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٩٦٤ - ١٩٦٥.

١٠٣. «مرقاة المفاتيح» ٥/ ٤٦٩.

١٠٤. «المفهم» ٣/ ٣٣٣.

١٠٥. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٢.

١٠٦. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٢.

١٠٧. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٢.

١٠٨. «المرعاة» ٩/ ٢٢.

١٠٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٢.

١١٠. «المرعاة» ٩/ ٢٢ - ٢٣.

١١١. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٣.

١١٢. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٣.

١١٣. «المفهم» ٣/ ٣٣٣.

١١٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٩٦٥.

١١٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٣.

١١٦. «المرعاة» ٩/ ٢٤.

١١٧. راجع: «الكاشف» ٦/ ١٩٦٥.

١١٨. «المفهم» ٣/ ٣٣٤.

١١٩. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٤ - ٢٥.

١٢٠. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٣.

١٢١. «الكاشف» ٦/ ١٩٦٦.

١٢٢. «شرح النوويّ» ٨/ ٢٥.

١٢٣. «المفهم» ٣/ ٣٣٤.

١٢٤. «مرقاة المفاتيح» ٥/ ٤٧١.

١٢٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٤.

١٢٦. «الكاشف» ٦/ ١٩٦٧.

١٢٧. «المفهم» ٣/ ٣٣٥.

١٢٨. «المرعاة» ٩/ ٢٦ - ٢٧.

١٢٩. «المرعاة» ٩/ ٢٧.

١٣٠. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٧.

١٣١. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٨.

١٣٢. «المفهم» ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧.

١٣٣. «المرعاة»٩/ ٢٩.

١٣٤. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٦.

١٣٥. «المرعاة» ٩/ ٢٩ - ٣٠.

١٣٦. «المفهم» ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨.

١٣٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٦.

١٣٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٦.

١٣٩. «شرح النوويّ»٨/ ١٨٧.

١٤٠. «المفهم»٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧.

١٤١. «الفتح» ٤/ ٦١٩ - ٦٢٠.

١٤٢. أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ - ﵀ -، من طريق أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: حج عبد الله - ﵀ -، فأتينا المزدلفة، حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر - أرى - فأذن، وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر، قال إن النبيّ - ﷺ -، كان لا يصلي هذه الساعة، إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تُحوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب، بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبيّ - ﷺ - يفعله. انتهى.

١٤٣. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٨.

١٤٤. راجع: «المرعاة» ٩/ ٣٤.

١٤٥. «المجموع» ٥/ ١٢٦.

١٤٦. «عمدة القاري» ٨/ ١٧٨.

١٤٧. «المفهم» ٣/ ٣٣٩.

١٤٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٩.

١٤٩. راجع: «المرعاة» ٩/ ٣٥ - ٣٦.

١٥٠. «المفهم» ٣/ ٣٣٩.

١٥١. «المرعاة» ٩/ ٣٦.

١٥٢. «المرعاة» ٩/ ٣٦ - ٣٧.

١٥٣. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٩.

١٥٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٠.

١٥٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٨٩ - ١٩٠.

١٥٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٥.

١٥٧. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٠.

١٥٨. «المفهم» ٣/ ٣٣٩.

١٥٩. أخرجه مالك في «الموطّإ» مرفوعًا بلاغًا، ثم أخرجه موصولًا موقوفًا على ابن الزبير، وهو حديث صحيح، كما قال الشيخ الألبانيّ - ﵀ -.

١٦٠. راجع: «المرعاة» ٩/ ٣٧، والحكاية الأخيرة تحتاج إلى النظر في سندها، فأين هو؟ والله تعالى أعلم.

١٦١. جعله أبو بكر بن أبي شيبة - ﵀ - لعمر - ﵁ -، دون الشطر الأخير، لا لابن عمر - ﵄ -، فقال في «مصنفه» ٣/ ٤٢٧:

١٦٢. «القاموس المحيط» ٤/ ٢٧٦.

١٦٣. «المجموع» ٨/ ١٢٧ - ١٢٨.

١٦٤. «المرعاة» ٩/ ٣٧ - ٣٨.

١٦٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٠.

١٦٦. «حجة الله البالغة» ١/ ٥٤٤.

١٦٧. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩١.

١٦٨. «المصباح المنير» ١/ ١٦٥.

١٦٩. «المرعاة»٩/ ٣٩.

١٧٠. «مرقاة المفاتيح»٥/ ٤٧٤.

١٧١. «مرقاة المفاتيح»٥/ ٤٧٥.

١٧٢. راجع: «المرعاة» ٩/ ٤٠.

١٧٣. «المفهم» ٣/ ٣٤١.

١٧٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٢.

١٧٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٢.

١٧٦. «غرفة» بغين معجمة مفتوحة، وقيل: مهملة، وهو وَهَمٌ، وقال الخزرجيّ: بضمّ أوله، وإسكان ثانيه، وقال الْفَتَّنيّ في «المغني»: بغين، وراء، وفاء مفتوحات.

١٧٧. «المرعاة» ٩/ ٤١ - ٤٢.

١٧٨. «المرعاة» ٩/ ٤٢.

١٧٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٢.

١٨٠. «المرعاة» ٩/ ٤٢.

١٨١. «المفهم» ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢.

١٨٢. «المفهم» ٣/ ٣٤٢.

١٨٣. «شرح النووي» ٨/ ١٩٢ - ١٩٣.

١٨٤. «المرعاة» ٩/ ٤٣.

١٨٥. «شرح النوويّ» ٨/ ١٩٣.

١٨٦. هذا غلط، فليس حديث ابن عمر مما اتّفقا عليه، بل هو من أفراد مسلم، كما سيأتي، فتنبّه.

١٨٧. راجع: «المرعاة» ٩/ ٤٤ - ٤٥.

١٨٨. «زاد المعاد» ٢/ ٢٨٠ - ٢٨٣.

١٨٩. «المفهم» ٣/ ٣٤٢.

١٩٠. تقدّم أنه صحيح مرفوعًا.

١٩١. «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٣١ - ١٣٢.

١٩٢. وصححه الشيخ الألبانيّ - ﵀ -. راجع: «الصحيحة» ٣/ ٤٤.

١٩٣. راجع: «الدر المنثور» ٤/ ١٥١.

١٩٤. وصححه الشيخ الألبانيّ - ﵀ -. انظر: «صحيح الترمذيّ» ٣/ ٢٩٥.

١٩٥. «مجمع الزوائد» ٣/ ٢٨٦.

١٩٦. «سنن ابن ماجه» (٣٠٦١)، و«سنن البيهقي الكبرى» ٥/ ١٤٧.

١٩٧. المراد فوائد حديث جابر - ﵀ - هذا برواياته المختلفة، وليس خصوص سياق المصنّف، بل ما يعمّه وما أشير إليه في الشرح، فتنبّه.

١٩٨. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٣ - ١٧٤.