رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت ٢٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٤١.
٢ - (أَبُو هِشَام الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير وُهيب.
[تنبيه]: رواية وُهيب، عن منصور بن عَبد الرحمن هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «المجتبى»، فقال:
(٢٩٩٢) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدّثنا أبو هشام، قال: حدّثنا وُهيب بن خالد، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قدمنا مع رسول الله -ﷺ- مُهِلِّين بالحجّ، فلما دنونا من مكة قال رسول الله -ﷺ-: «من لم يكن معه هدي فليحلل، ومن كان معه هدي، فليُقِم على إحرامه، قالت: وكان مع الزبير هدي، فأقام على إحرامه، ولم يكن معي هدي، فأحللت، فلبست ثيابي، وتطيّبت من طيبي، ثم جلست إلى الزبير، فقال: استأخري عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٥] (١٢٣٧) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵄- حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ، كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ تَقُولُ: صَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافُ الْحَقَائِبِ،
قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَة أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ، قَالَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ، وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكُلم في بعض سماعه، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) هو: ابن كيسان القرشيّ التيميّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ [٣].
روى عن مولاته، وعن ابن عمر، وروى عنه صهره عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وعبد الملك بن أبي سليمان، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، والمغيرة بن زياد الموصليّ، وغيرهم.
قال أبو داود: ثبتٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: من أجلة التابعين، وذكره ابن حبان في «الثقات».
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٣٧)، و(١٢٩١)، و(٢٠٦٩).
والباقون هم المذكورون أول الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، يتيم عروة (أَنَّ
عَبْدَ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵄- حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ) مولاته -﵄- (كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ) - بفتح المهملة، وضم الجيم الخفيفة-: جبل معروف بمكة، قال في «الفتح»: وقد تكرر ذكره في الأشعار، وعنده المقبرة المعروفة بالمعلى، على يسار الداخل إلى مكة، ويمين الخارج منها إلى منى، وهذا الذي ذكرنا مُحَصَّل ما قاله الأزرقيّ، والفاكهيّ، وغيرهما من العلماء، وأغرب السهيليّ، فقال: الحجون على فرسخ وثلث من مكة، وهو غلطٌ واضحٌ، فقد قال أبو عبيد البكريّ: الحجون الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شِعْب الجرارين، وقال أبو علي القالي: الحجون ثنية المدنيين؛ أي من يَقْدَم من المدينة، وهي مقبرة أهل مكة عند شعب الجرارين. انتهى.
ويدل على غلط السهيليّ قول الشاعر [من الطويل]:
سَنَبْكِيكَ مَا أَرْسَى ثَبِيرٌ مَكَانَهُ … وَمَا دَامَ جَارًا لِلْحَجُونِ الْمُحَصَّبُ
وقد تقدم ذكر المحصب وحده، وأنه خارج مكة.
وروى الواقديّ عن أشياخه أن قُصَيّ بن كلاب لما مات دُفِن بالحجون، فتدافن الناس بعده، وأنشد الزبير لبعض أهل مكة:
كَمْ بِالْحَجُونِ وَبَيْنَهُ مِنْ سَيِّدٍ … بِالشِّعْبِ بَيْنَ دَكَادِكَ وَأَكَامِ
والجرارين التي تقدم: جمع جَرَار، بجيم، وراء ثقيلة، ذكرها الرضيّ الشاطبيّ، وكتب على الراء صحّ صحّ، وذكر الأزرقيّ أنه شعب أبي دبّ رجل من بني عامر.
قال الحافظ: قد جُهِل هذا الشِّعْب الآن، إلا أن بين سور مكة الآن، وبين الجبل المذكور مكانًا يشبه الشعب، فلعله. انتهى .
(تَقُولُ: صَلَّى اللهُ عَلَى رَسُوبهِ وَسَلَّمَ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَيافُ الْحَقَائِبِ) جمع حَقِيبة -بفتح المهملة، وبالقاف، وبالموحدة- وهي ما احتقبه الراكب خلفه، من حوائجه، في موضع الرَّدِيف، قاله في «الفتح»، وقال النوويّ: الحقيبة: هو: كل ما حُمل في مؤخّر الرَّحْل والقَتَب، ومنه احتقب
فلان كذا. انتهى ، قال الأبيّ ﵀: ظاهر الاستعمال أنه ما عُلّق للحفظ فيه، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
قِفُوا خَبِّرُونِي عَنْ سُلَيْمَان إِنَّنِي … لِمَعْرُوفِهِ مِنْ أَهْلِ وَدَّانَ طَالِبُ
فَعَاجُوا فَأَثْنَوْا بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ … وَلَوْ سَكَتُوا أَثْنَتْ عَلَيْهِ الْحَقَائِبُ
والممدوح سليمان بن عبد الملك. انتهى .
ولفظ البخاريّ: «ونحن يومئذ خفاف» دون لفظ «الحقائب».
(قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي مركوبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتى عَائِشَةُ) أي بعد أن فسخوا الحجّ إلى العمرة، وفي رواية صفية بنت شيبة، عن أسماء المذكورة قبله: «قدمنا مع رسول الله -ﷺ- مهلين بالحجّ، فقال: من كان معه هدي فليُقِم على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ، فليحلّ، فلم يكن معي هديّ، فأحللت، وكان مع الزبير هديّ، فلم يحلّ». انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهذا مغاير لذكرها الزبير مع من أحلّ في رواية عبد الله مولى أسماء، فإن قضية رواية صفية عن أسماء أنه لم يحلّ؛ لكونه ممن ساق الهدي، فإن جُمِع بينهما بأن القصة المذكورة وقعت لها مع الزبير في غير حجة الوداع، كما أشار إليه النوويّ على بُعده، وإلا فقد رجح عند البخاريّ رواية عبد الله مولى أسماء، فاقتصر على إخراجها دون رواية صفية بنت شيبة، وأخرجهما مسلم مع ما فيهما من الاختلاف، ويُقَوِّي صنيع البخاري ما تقدم من طريق محمد بن عبد الرحمن، وهو أبو الأسود المذكور في هذا الإسناد، قال: سألت عروة بن الزبير، فذكر الحديث، وفي آخره: «وقد أخبرتني أمي أنها أهلّت هي وأختها، والزبير، وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حَلُّوا»، والقائل أخبرتني: عروة المذكور، وأمه هي أسماء بنت أبي بكر، وهذا موافق لرواية عبد الله مولى أسماء عنها.
وفيه إشكال آخر، وهو ذِكرها لعائشة فيمن طاف، والواقع أنها كانت حينئذ حائضًا. وأجيب بأنه يَحْتَمل أنها أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم، لكن قال القاضي عياض: هذا خطأ؛
لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع، وقيل: لا وجه في ذلك إلَّا أن يقال: إنما لم تستثن أسماء عائشة لشهرة قصتها، وفيه بُعد أيضًا، نعم إنما هذا يتأتى إذا قلنا: كانت عائشة طاهرة حين ذكرت أسماء إياها، وعطفتها على نفسها في قولها: «اعتمرت أنا، وأختي عائشة»، ثم طرأ عليها الحيض، ثم إنها لم تستثنها في قولها: «فلما مسحنا البيت» لشهرتها أنها كانت حائضًا في ذلك الوقت، أو نسيت أن تستثنيها، فافهم، قاله في «العمدة» .
(وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) كأنها سمّت بعض من عرفته، ممن لم يسق الهدي، قال الحافظ: ولم أقف على تعيينهم، فقد تقدم من حديث عائشة - ﵂ - أن أكثر الصحابة كانوا كذلك. انتهى.
(فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا) أي طفنا بالبيت، فاستلمنا الركن، وفي حديث عائشة: «مسحنا الركن»، فالمسح مجاز عن الطواف، وساغ هذا المجاز؛ لأن كل من طاف بالبيت يمسح الركن، فصار يطلق على الطواف، كما قال عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ … وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
أي طاف من هو طائف، قال عياض: ويَحْتَمِل أن يكون معنى «مسحوا»: طافوا، وسَعَوا، وحذف السعي اختصارًا لَمّا كان منوطًا بالطواف، قال: ولا حجة في هذا الحديث لمن لم يوجب السعي؛ لأن أسماء أخبرت أن ذلك كان في حجة الوداع، وقد جاء مفسَّرًا من طرق أخرى صحيحة أنهم طافوا معه، وسعوا، فَيُحْمَل ما أُجمل على ما بُيِّن، والله أعلم.
واستُدِلّ به على أن الحلق أو التقصير استباحة محظور؛ لقولها: إنهم أحلوا بعد الطواف، ولم تذكُر الحلق.
وأجاب من قال بأنه نسك: بأنها سكتت عنه، ولا يلزم من ذلك ترك فعله، فإن القصّة واحدة، وقد ثبتٌ الأمر بالتقصير في عدّة أحاديث:
منها حديث جابر: أمر النبيّ -ﷺ- أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ثم يُقصّروا، ويحلّوا، متّفقٌ عليه.