HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٦١

حَدَّثَنَا أَبُو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بن نمير. ح وحدثنا ابن نمير. حدثني أبي. حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ، خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وكان ابن عمر يفعل ذلك.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص63
ج ٢ ص ٩٢٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٤٣١
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما مضى أن تعيين مساجد المدينة للنذر مما لا دليل عليه، على أن هذه المساجد لم تثبت بأسانيد صحيحة أنها هي التي صلى فيها النبيّ -ﷺ-، بل هي حكايات وبلاغات، فلا التفات إليها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الرَّمَلِ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَفِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَجِّ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٩] (١٢٦١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ، إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِدا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأوَّلَ)؛ أي: طواف القدوم (خَبَّ ثَلَاثًا)؛ أي: عدا، وأسرع، يقال: خَبَّ في الأمر خَبَبًا، من باب طَلَبَ: أسرع الأخذ فيه، ومنه الْخَبَبُ لضرب من الْعَدْو، وهو خَطْؤٌ فَسِيخ دون الْعَنَق، قاله الفيّوميّ ﵀ . فالْخَبَبُ والرَّمَل -بفتحتين فيهما- بمعنى واحد، وهو إسراع المشي، مع تقارب الْخُطا، ولا يَثِبُ وَثْبًا، أفاده النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: الرَّمَلُ بفتح الراء والميم: هو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يُحرّك الماشي منكبيه في مشيه. قال: والخبب بفتح المعجمة، والموحّدة، بعدها موحّدة أخرى: العدو السريع، يقال: خَبّت الدابّة: إذا أسرعت، وراوحت بين قدميها، قال: وهذا يشعر بترادف الرمل والخبب عند هذا القائل. انتهى . وقال النوويّ ﵀: والرَّمَل مستحبّ في الطوْفَات الثلاث الأُوَل من السبع، ولا يسنّ ذلك إلا في طواف العمرة، وفي طواف واحد في الحجّ، واختلفوا في ذلك الطواف، وهما قولان للشافعيّ: أصحهما أنه إنما يُشرع في طواف يعقبه سعيٌ، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع؛ لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة، فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم، وفي نيته أنه يسعى بعده استُحِبّ الرمل فيه، وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه، بل يرمُل في طواف الإفاضة. والقول الثاني أنه يرمُل في طواف القدوم، سواء أراد السعي بعده أم لا، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول عندي أرجح؛ لموافقته لظاهر قوله: «كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول …»، فقد علّقه بكونه أول الطواف، وهو طواف القدوم، لا بالسعي بعده، فتامل، والله تعالى أعلم. قال: قال أصحابنا: فلو أخلّ بالرمل في الثلاث الأُوَل من السبع لم يأت به في الأربع الأواخر؛ لأن السنة في الأربع الأخيرة المشي على العادة، فلا يُغَيِّره، ولو لم يمكنه الرمل للزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرمل، ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة، وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد، ويرمُل؛ لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة، لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى، والله أعلم. قال: واتفق العلماء على أن الرمل لا يُشْرَع للنساء، كما لا يُشْرَع لهنّ شدة السعي بين الصفا والمروة، ولو ترك الرجل الرمل حيث شُرع له، فهو تارك سنة، ولا شيء عليه، قال: هذا مذهبنا، واختَلَف أصحاب مالك، فقال بعضهم: عليه دمٌ، وقال بعضهم: لا دم كمذهبنا. انتهى كلام النوويّ ﵀ . (وَمَشَى)؛ أي: بالسكون والهيئة (أَرْبَعًا)؛ أي: أربع مرّات من الطواف. (وَكَانَ) -ﷺ- (يَسْعَى)؛ أي: يُسرع، ويَشتدّ عَدْوًا، قاله القاري. (واعلم): أن السعي في كلامهم يُطْلَق على معنيين: الأول: المشي بين الصفا والمروة، وهو المذكور في كلامهم؛ إذا أطلقوا السعي بين الصفا والمروة. والثاني: شِدّة المشي بين الميلين الأخضرين، وهو المراد في هذا الحديث، وهو مندوب وسنة عند الجمهور، منهم الحنفية، والشافعيّة، وهو المرجح عند المالكية . (بِبَطْنِ الْمَسِيلِ) أي المكان الذي يجتمع فيه السيل، قال في «الفتح»: المراد ببطن المسيل الوادي؛ لأنه موضع السيل، وقال القاري: بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة: اسم موضع بين الصفا والمروة، وجعل علامته بالأميال الْخُضْر. انتهى، والميلان الأخضران هما العَلمان، أحدهما بركن المسجد، والآخر بالموضع المعروف بدار العباس، وقد أزيلت الدار للتوسعة من قديم الزمان، وفي الوقت الحاضر جعلت المملكة السعوديّة نورين أخضرين معلّقين ببداية مكان الوادي ونهايته. (إِذَا طَافَ)؛ أي: سعى (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) قال النوويّ ﵀: هذا مجمع على استحبابه، وهو أنه إذا سعى بين الصفا والمروة استُحِبّ أن يكون سعيه شديدًا في بطن المسيل، وهو قَدْرٌ معروف، وهو مِن قَبْل وصوله إلى الميل الأخضر المعلَّق بفناء المسجد، إلى أن يحاذى الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد، ودار العباس. انتهى . (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) -﵄- (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من الرمل في الثلاثة الأول، والمشي في الأربع، في الطواف بالبيت، وكذلك السعي في بطن الوادي في الطواف بين الصفا والمروة؛ اقتداءً بالنبيّ -ﷺ-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٤٩ و٣٠٥٠ و٣٠٥١ و٣٠٥٢ و٣٠٥٣] (١٢٦١ و١٢٦٢)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٠٣ و١٦٠٤ و١٦١٧ و١٦٤٤)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٩١)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٢٩ و٢٣٠)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٣ و٣٠ و٤٠ و٥٩ و٧١ و٧٥ و٩٨ و١٠٠ و١١٤ و١٢٣ و١٥٥ و١٥٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧١٠ و٢٧٦٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٥٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الرمل في الطواف بالبيت. ٢ - (ومنها): بيان أن الرمَل إنما يُشرَع في طواف القدوم؛ لأنه الطواف الأول، وهو الذي عليه الجمهور، قال أصحاب الشافعي: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل، قال النووي: بلا خلاف، ولا يشرع أيضًا في كل طوافات الحج، بل إنما يشرع في واحد منها، وفيه قولان، تقدّم بيانهما قريبًا. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن السنة أن يرمُل في الثلاثة الأُوَل من أول طواف يطوفه القادم إلى مكة، سواء كان عمرةً، أو طواف قدوم في حجّ، ويمشي على عادته في الأشواط الأربعة الباقية، ولا يرمُل فيها، وإن ترك الرمل في الأشواط الأُوَل لم يقضه في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دم على الأظهر؛ لعدم الدليل، خلافًا لمن أوجب فيه الدم. قال في «الفتح»: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأن هيأتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال، فلا رمل على النساء، ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور ، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف في ذلك المالكية. قال الشوكانيّ ﵀: وقد روي عن مالك ﵀ أن عليه دمًا ولا دليل على ذلك، ثم قال: يؤيده أنهم اقتصروا عند مراءاة المشركين على الإسراع إذا مروا من جهة الركنين الشاميين؛ لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية يعني ناحية الحجر، فإذا مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيأتهم كما هو مبيّن في حديث ابن عباس -﵄- عند الشيخين، ولما رَمَلُوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة فكانت سنة مستقلة. وقال الطبريّ ﵀: قد ثبت أن الشارع سَعَى ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعُلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل، بل لهيأة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية، بل لصفتها، ولا شيء عليه. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قيل: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها بحيث يدور معها المعلَّل بها وجودًا وعدمًا؟. [فالجواب]: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم، حيث كَثَّرهم، وقوّاهم بعد القلّة والضعف، كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٦]، وقال تعالى عن نبيّه شعيب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٨٦]، وصيغة الأمر في قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾ في الآيتين تدلّ على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكّر نعمة الله بالقوّة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة. ومما يؤيده أن رسول الله -ﷺ- رَمَلَ في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها. قال الحافظ ﵀: إن عمر -﵁- كان هَمّ بترك الرمل في الطواف؛ لأنه عرف سببه، وقد انقضى، فَهَمّ أن يتركه؛ لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك؛ لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطّلَع عليها، فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى. وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكّر السبب الباعث على ذلك، فيتذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله. انتهى . وقال الشاه ولي الله الدهلويّ ﵀: إن مشروعية الرمل، والاضطباع في الطواف؛ لمعان: منها: ما ذكره ابن عباس -﵄- من إخافة قلوب المشركين، وإظهار صولة المسلمين، وكان أهل مكة يقولون: وَهَنَتهم حُمَّى يَثْرِب، فهو فعل من أفعال الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله، وأنه لم يزده السفر الشاسع، والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبةً، كما قال الشاعر [من البسيط]: إَذَا اشْتَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ وَاعَدَهَا … رَوْحُ الْوِصَالِ فَتَحْيَى عِنْدَ مِيعَادِ ٥ - (ومنها): بيان الإسراع في السعي في الطواف بين الصفا والمروة. قال العلامة ابن قدامة ﵀: إن الرمل في بطن الوادي سنة مستحبة؛ لأن النبيّ -ﷺ- سَعَى، وسَعَى أصحابه -﵃-، فرَوَت صفية بنت شيبة، عن أم ولد شيبة، قالت: رأيت رسول الله -ﷺ- يسعى بين الصفا والمروة، ويقول: «لا يُقْطَع الأبطح إلا شدًّا»، رواه النسائيّ وابن ماجه . وليس ذلك بواجب، ولا شيء على تاركه، فإن ابن عمر -﵄- قال: إن أسع بين الصفا والمروة، فقد رأيت رسول الله -ﷺ- يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله -ﷺ- يمشي، وأنا شيخ كبير. رواه أبو داود، وابن ماجه . ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه، فبين الصفا والمروة أولى. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀. وكذلك عند الحنفية والمالكية كما صرح به في فروعهم، قاله في «المرعاة» . ٦ - (ومنها): أنه قيل في وجه مشروعية السعي الشديد، والجري في بطن الوادي: ما رواه البخاريّ عن ابن عباس -﵄-، ومحصله: أن هاجر لما تركها إبراهيم ﵇ عند البيت عند دَوْحَة فوق زمزم، في أعلى المسجد، عَطِشَت، وعَطِش ابنها حين نَفِد ما في السقاء من الماء، وانقطع دَرّها، واشتد جوعهما، حتى نظرت إلى ابنها يتشحّط، ويَتَلَوَّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا، وهو أقرب جبل يليها، ثم استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهَبَطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس -﵄-: قال النبيّ -ﷺ-: فلذلك سعى الناس بينهما، فجُعِل ذلك نسكًا؛ إظهارًا لشرفهما، وتفخيمًا لأمرهما. قال الشاه ولي الله الدهلوي ﵀: السر في السعي بين الصفا والمروة، على ما ورد في الحديث أن هاجر أم إسماعيل؛ لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود، فكشف الله عنهما الجهد بإبداء زمزم، وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده، ومن تبعهم، وتذكُّر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيميّتهم، وتدلّهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم، فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال. انتهى. وروى أحمد عن ابن عباس -﵄- أن إبراهيم ﵇ لما أُمِر بالمناسك عَرَض الشيطان له عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم. وقبل: إنما سعى نبينا -ﷺ-؛ إظهارًا للجَلَد والقوّة للمشركين الناظرين إليه في الوادي، وهذا كان في عمرة القضاء، ثم بقي بعده كالرمل في الطواف؛ إذ لم يبق في حجة الوداع مشرك بمكة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا طَافَ فِيٍ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاَثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزبرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (حَاتِمُ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (كَانَ إِذَا طَافَ في الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ) وفي رواية البخاريّ: «في الحجّ أو العمرة» بـ «أو»، والظاهر أنها للتنويع، لا للشكّ. وقوله: (أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ) بنصب «أوّلَ» على الظرفيّة لـ«طاف». وقوله: (فَإِنَّهُ يَسْعَى) المراد بالسعي الرَّمَل، كما في الروايات الأخرى. وقوله: (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ)؛ أي: أشواط، ونصبه على أنه مفعول فيه. وقوله: (ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ)؛ أي: يصلي ركعتين للطواف، وعبّر بالمضارع في «يُصلّي»، وفي «يَقْدَم»، و«يطوف» استحضارًا لتلك الحال. وقوله: (ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)؛ أي: يسعى بينهما. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. و«عبد الله بن عمر -﵄-» ذُكر قبله. وقوله: (حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ) متعلّق بـ «رأيتُ»، وهو بفتح الدال، كما مرّ غير مرّة. وقوله: (إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ) أي الركن الذي فيه الحجر الأسود، والمراد استلام الحجر نفسه. قال النوويّ ﵀: فيه استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف، وهو سنة، من سنن الطواف، بلا خلاف، وقد استَدَلّ به القاضي أبو الطيب من أصحابنا في قوله: إنه يستحب أن يستلم الحجر الأسود، وأن يستلم معه الركن الذي هو فيه، فيجمع في استلامه بين الحجر والركن جميعًا، واقتصر جمهور أصحابنا على أنه يستلم الحجر.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «المصباح المنير» ١/ ١٦٢.

٢. «شرح النوويّ» ٩/ ٧.

٣. «الفتح» ٤/ ٥٣٢، ٥٣٣.

٤. «شرح النوويّ» ٩/ ٧.

٥. راجع: «المرعاة» ٩/ ٩١.

٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٧.

٧. تقدّم أن اشتراط تقدّم السعي يحتاج إلى دليل، فتنبّه.

٨. «الفتح» ٤/ ٥٣٥.

٩. راجع: «المرعاة» ٩/ ٨٨ - ٩٠.

١٠. حديث صحيح.

١١. حديث صحيح.

١٢. «المرعاة» ٩/ ٩٢.

١٣. «المرعاة» ٩/ ٩٢.