HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٩٩

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد. قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أخبرنا ابن جربج. أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ، بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ. بَاب بَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْيِ
ج ٢ ص ٩٤٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٤٧١
الحجر، وإلا فالقادر يقبّل الحجر، ولا يقتصر في اليد على الاستلام بها، وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال القاسم بن محمد التابعيّ المشهور: لا يستحب التقبيل، وبه قال مالك في أحد قوليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما نُقل عن القاسم، ومالك من عدم مشروعيّة التقبيل يردّه هذا الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: لا يختلفون أن تقبيل الحجر الأسود في الطواف من سنن الحجّ لمن قدر على ذلك، ومن لم يقدر على تقبيله وضع يده عليه، ورفعها إلى فيه، فإن لم يقدر على ذلك أيضًا للزحام كَبّر إذا قابله، فمن لم يفعل فلا حرج عليه، ولا ينبغي لمن قدر على ذلك أن يتركه؛ تأسيًا برسول الله -ﷺ- وأصحابه -ﷺ- بعده . وقوله: (منذ رأيت رسول الله -ﷺ - يفعله) قال القاري ﵀: أي الاستلام المطلق، أو المخصوص؛ إذ ثبت الاستلام، والتقبيل عنه -ﷺ- كما في «الصحيحين». انتهى. وقيل: الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوز أن يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور، وهو أنه استلم الحجر بيده، ثم قبّل يده، والأول هو الوجه فافهم. انتهى، قال صاحب «المرعاة»: الظاهر، بل الأظهر عندي هو الثاني. انتهى، وهو استظهار حسنٌ. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦٧] (١٢٦٩) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ الْبَكْرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٢ - (قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ) السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس، من كبار [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و«أبو الطفيل البكريّ» هو: عامر بن واثلة الليثيّ، قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: وأكثر ما يأتي في نسبه «الليثيّ»، من بني ليث بن بكر بن عبد مناف، ومن قال: «البكريّ» نسبه إلى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وليس من بكر بن وائل. انتهى . وقوله: (لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) هكذا اقتصر المصنّف ﵀ على المرفوع فقط، وفي الحديث قصّة لابن عباس مع معاوية -﵃-، فقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، والحاكم، من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الطفيل، قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرّ بركن إلا استلمه، فقال ابن عباس: إن رسول الله -ﷺ- لم يستلم إلا الحجر، واليمانيّ، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا. وقد روي هذا الحديث مقلوبًا، فقد أخرجه أحمد من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل، قال: حجّ معاوية وابن عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله -ﷺ- هذين الركنين اليمانيين، فقال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجورٌ. قال عبد الله بن أحمد في «العلل»: سألت أبي عنه، فقال: قلبه شعبة، وقد كان شعبة يقول: الناس يخالفونني في هذا، ولكنني سمعته من قتادة هكذا. انتهى. وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة على الصواب، أخرجه أحمد أيضًا، وكذا أخرجه من طريق مجاهد، عن ابن عباس نحوه. وروى الشافعي من طريق محمد بن كعب القُرَظيّ إن ابن عباس كان يمسح الركن اليمانيّ، والْحَجَر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها، ويقول: ليس شيء من البيت مهجورًا، فيقول ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ولفظ رواية مجاهد المذكورة عن ابن عباس: أنه طاف مع معاوية، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال له ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فقال معاوية: صدقت. قال الحافظ: وبهذا يتبيّن ضعف من حمله على التعدد، وأن اجتهاد كل منهما تغير إلى ما أنكره على الآخر. قال: وإنما قلت ذلك؛ لأن مخرج الحديثين واحد، وهو قتادة، عن أبي الطفيل، وقد جزم أحمد بأن شعبة قلبه، فسقط التجويز العقلي. وأخرج ابن أبي شيبة، من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير، أنه رأى أباه يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجورًا، وأخرج الشافعي نحوه عنه من وجه آخر، كما تقدم. وفي «الموطإ» عن هشام بن عروة بن الزبير، أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها. وأخرجه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن هشام، بلفظ: إذا بدأ استلم الأركان كلها، وإذا ختم. وأخرج الشيخان حديث ابن عمر قال: لم أر النبيّ -ﷺ- يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. وعن ابن عمر -﵄- قال: إنما ترك رسول الله -ﷺ- استلام الركنين الشاميين؛ لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇، وعلى هذا المعنى حَمَل ابن التين تبعًا لابن القصار استلام ابن الزبير لهما؛ لأنه لما عَمّر الكعبة أتم البيت على قواعد إبراهيم. انتهى. وتعقب ذلك بعض الشراح بأن ابن الزبير طاف مع معاوية، واستلم الكلّ. قال الحافظ: ولم يقف على هذا الأثر، وإنما وقع ذلك لمعاوية مع ابن عباس، وأما ابن الزبير فقد أخرج الأزرقيّ في «كتاب مكة»، فقال: إن ابن الزبير لَمّا فرغ من بناء البيت، وأدخل فيه من الْحِجر ما أُخرج منه، وردّ الركنين على قواعد إبراهيم، خرج إلى التنعيم، واعتمر، وطاف بالبيت، واستلم الأركان الأربعة، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير، إذا طاف الطائف استلم الأركان جميعها، حتى قُتل ابن الزبير. وأخرج من طريق ابن إسحاق قال: بلغني أن آدم لما حجّ، استلم الأركان كلها، وأن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت، طافا به سبعًا يستلمان الأركان. وقال الداوديّ: ظن معاوية أنهما ركنا البيت الذي وُضع عليه من أولُ، وليس كذلك؛ لِما سبق من حديث عائشة -﵂-، والجمهور على ما دل عليه حديث ابن عمر -﵄-. وروى ابن المنذر وغيره استلام جميع الأركان أيضًا عن جابر، وأنس، والحسن، والحسين، من الصحابة، وعن سُويد بن غَفَلة من التابعين. قال: وقد يُشعر ما تقدم من حديث عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها، فذكر منها: «ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين …» الحديث بأن الذين رآهم عبيد بن جريج من الصحابة والتابعين، كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين اليمانيين. وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبيّن بالسنة، ومستند التعميم القياس. وأجاب الشافعيّ ﵀ عن قول من قال: «ليس شيء من البيت مهجورًا» بأنّا لم نَدَع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يَهْجُره، وهو يطوف به؟ ولكنا نتّبع السنة فعلًا أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها، ولا قائل به، ويؤخذ منه حفظ المراتب، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل كل أحد منزلته. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٣٠٦٧] (١٢٦٩)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٦ و٣٣٢ و٣٧٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٥٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٣٠٤) و«الكبير» (١٠/ ٢٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٨) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦٨] (١٢٧٠) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَعَمْرٌو (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَبَّلَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. زَادَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نفيل العدويّ، أبو حفص الصحابيّ الشهير، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقون ذُكروا في الباب الماضى، و«عمرو» هو: ابن الحارث، و«يونس» هو: ابن يزيد الأيليّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه مرّتين. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومن تنطلق الملائكة على لسانه، وهو المحدَّث، ويسلك الشيطان فجًّا غير فجه، واستُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣ هـ) وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄- (حَدَّثَهُ قَالَ: قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- (الْحَجَرَ) أي الأسود (ثُمَّ قَالَ: أَمَ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي الرواية الآتية: «وإني لأعلم أنك حجرٌ، وأنك لا تضرّ، ولا تنفع»، قال النوويّ ﵀: إنما قال عمر -﵁- هذا؛ لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا أَلِفُوا عبادة الأحجار، وتعظيمها، ورجاء نفعها، وخوف الضر بالتقصير في تعظيمها، وكان العهد قريبًا بذلك، فخاف عمر -﵁- أن يراه بعضهم يقبّله، ويعتني به، فيشتبه عليه، فبيّن أنه لا يضرّ ولا ينفع بذاته، وإن كان امتثال ما شُرِع فيه ينفع بالجزاء والثواب، فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضرّ، وأنه حجر مخلوقٌ كباقي المخلوقات التي لا تضرّ ولا تنفع، وأشاع عمر هذا في الموسم؛ ليشهد في البلدان، ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفو الأوطان، والله أعلم. انتهى . (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) قال الطبريّ ﵀: إنما قال ذلك عمر -﵁-؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخَشِيَ عمر أن يظنّ الجهّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهليّة، فأراد عمر أن يعلّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله -ﷺ-، لا لأن الحجر ينفع، ويضرّ بذاته، كما كانت الجاهليّة تعتقده في الأوثان. وقال المهلّب ﵀: حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده ، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختيارًا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصّة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم. وقال الخطابيّ ﵀: معنى أنه يمين الله في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته، والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه، وقال المحبّ الطبريّ: معناه: أن كلّ مَلِكٍ إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه، فلما كان الحاجّ أول ما يقدم يسنّ له تقبيله، نزل منزلة يمين الملك، ولله المثل الأعلى. انتهى. وقوله: (زَادَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ) بيّن به اختلاف شيخيه، فهذا الذي مضى لفظ شيخه حرمة بن يحيى، وأما شيخه هارون فقد زاد عليه قوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن الحارث، وهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا (وَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهَا) أي بمثل هذه القصّة (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ (عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ) مولى عمر -﵁-، أي عمر، يعني أن لعمرو بن الحارث في هذا الحديث إسنادين: أحدهما ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عمر -﵁-، والثاني عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، عن عمر -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في «التمهيد»: زعم أبو بكر البزار أن هذا الحديث رواه عن عمر مسندًا أربعة عشر رجلًا، قال أبو عمر: أفضلها، وأثبتها، وإن كانت كلها ثابتة: حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه. انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٣٠٦٨ و٣٠٦٩ و٣٠٧٠ و٣٠٧١] (١٢٧٠)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٠٥ و١٦١٠ و١٥٩٧)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢/ ١٧٥)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٦٠)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٢٧) و«الكبرى» (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٤٣)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٣٦٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٠٣٣ و٩٠٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٤٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١١ و٢١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١ و٣٤ و٣٥ و٣٩ و٥٠ و٥١ و٥٣ و٥٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٦٤ و١٨٦٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٤/ ٢١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٢١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٨٩ و٢١٨)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٢٠١ و٢٤٣ و٢٩٣)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٢٤٩ و٢٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١١٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٤) و«الصغرى» (٤/ ١٦١) و«المعرفة» (٤/ ٥١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، بعد استلامه، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه، فيستحب أن يستلمه، ثم يقبّله، ثم يضع جبهته عليه؛ لِما ورد في ذلك، قال النوويّ ﵀: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وطاوس، والشافعيّ، وأحمد، قال: وبه أقول، قال: وقد روينا فيه عن النبيّ -ﷺ-، وانفرد مالك عن العلماء، فقال: السجود عليه بدعة، واعترف القاضي عياض المالكيّ بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء. وأما الركن اليماني، فيستلمه، ولا يُقَبِّله، بل يقبّل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك، وأحمد: يستلمه، ولا يقبّل اليد بعده، وعن مالك رواية: أنه يقبله، وعن أحمد رواية: أنه يقبله، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الثابت عنه -ﷺ- في الركن اليماني استلامه فقط، وأما تقبيله، أو تقبيل اليد بعده فمما لا دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن في قول عمر -﵁- هذا التسليمَ للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يُكشَف عن معانيها، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبيّ -ﷺ- فيما يفعله، ولو لم تُعلم الحكمة فيه. ٣ - (ومنها): أن فيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته. قال النوويّ ﵀: وأما قول عمر -﵁- هذا فأراد به بيان الحثّ على الاقتداء برسول الله -ﷺ- في تقبيله، ونَبَّهَ على أنه لولا الاقتداء به -ﷺ- لما فعله. انتهى. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ السنن بالقول والفعل. ٥ - (ومنها): أن على الإمام إذا خَشِي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضّح ذلك. ٦ - (ومنها): بيان أنه لا يُشرع تقبيل ما لم يَرِد الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعيّ: ومهما قبّل من البيت، فحسن، فلم يُرد به الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: تأويل ما نُقل عن الشافعيّ ﵀ بما قاله في «الفتح» غير مقبول، بل يُعتذر له بأنه رأي رآه كما رأى بعض الصحابة من أنه ليس شيء من البيت مهجورًا، وقد نُقل عن الشافعيّ ﵀ الجواب عن هذه كما سبق بيانه. والحاصل أن استلام أجزاء البيت وتقبيلها، غير ما ورد في السنّة، وكذا الأماكن المحترمة، كقبور الصالحين، والمساجد غير جائز، فليُتنبّه، فإن كثيرًا من الناس يتساهل في ذلك تساهلًا عجيبًا، ويقيسون قياسًا باطلًا، والله المستعان على من خالف الحقّ، وشرعَ غير ما لم يأذن به الله، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما جاء في فضل الحجر الأسود: (فمنها): ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه وغيرهم بإسناد صحيح، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن لهذا الحجر لسانًا، وشفتين، يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحقّ»، حديث صحيح، صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. (ومنها): ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، عن ابن عبّاس -﵄- مرفوعًا: «ليأتين هذا الحجر يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحقّ». (ومنها): ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الركن، والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» . وفي إسناده أيوب بن سويد، وهو صدوق يُخطئ. (ومنها): ما أخرجه النسائيّ عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- قال: «الحجر الأسود من الجنة»، وهو حديث صحيح . (ومنها): ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه، وابن خزيمة، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم». قال في «المرقاة»: أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته، إذ لا مانع نقلًا، ولا عقلًا، وقال بعض الشرّاح من علمائنا -يعني الحنفية-: هذا الحديث يَحْتَمل أن يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لِما فيه من الشرف، والكرامة، واليُمْن، والبركة شارك جواهر الجنّة، فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المُبْيَضَّ منه أسود، فكيف بقلوبهم، أو لأنه من حيث إنه مكفّر للخطايا محّاءٌ للذنوب، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمّله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد، فسوّدته الخطايا. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله بعض الحنفيّة غير صحيح، فإن النصوص إذا صحّت، فالواجب حملها على ما يقتضيه ظاهرها، إلا إذا منع منه مانع، وهنا لا يوجد مانع منقول، ولا معقول من إرادة الحقيقة، فيتعيّن الحمل عليها، والله تعالى أعلم. قال الحافظ ﵀: واعتَرَض بعض الملحدين على هذا الحديث، فقال: كيف سوّدته خطايا المشركين، ولم تبيّضه طاعات أهل التوحيد؟. وأجيب بما قال ابن قُتيبة ﵀: لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبُغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحبّ الطبريّ ﵀: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصّلْد، فتأثيرها في القلب أشدّ. قال: وروي عن ابن عبّاس: «إنما غيّره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة»، فإن ثبت، فهذا هو الجواب. قال الحافظ: أخرجه الحميديّ في «فضائل مكة» بإسناد ضعيف. انتهى . [تنبيه]: أما ما رواه الحاكم من حديث أبي سعيد أن عمر لَمّا قال قوله السابق، قال له عليّ بن أبي طالب: «إنه يضرّ، وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رقّ، وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:»يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد«. ففي إسناده أبو هارون العبد، وهو ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاعتماد عليه فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. والباقون ذُكروا في هذا الباب، والبابين قبله. [تنبيه]: ذكر الإمام الدارقطنيّ ﵀ في «التتبّع» أنه اختُلف في هذا الحديث على أيوب، وعلى حماد بن زيد، وقد وصله مسدّد، والحوضيّ عن حماد، وخالفهم سليمان، وأبو الربيع، وعارم، فأرسلوه عن حمّاد، وقال ابن عليّة، عن أيوب: نُبِّئت أن عمر، ليس فيه نافع، ولا ابن عمر، قال: وهو صحيح من حديث سُويد بن غَفَلة، وعابس بن ربيعة، وابن سَرْجِي عن عمر. انتهى . حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ ﵀ أنه وقع اختلاف في هذا الإسناد بالوصل والقطع فوصله المقدّميّ، ومسدّد بن مسرهد، وحفص بن عمر الحوضيّ، كلهم عن حماد، وأرسله سليمان بن حرب، وأبو الربيع الزهرانيّ، وعارم محمد بن الفضل السدوسيّ، ثلاثتهم عن حماد، وقال ابن عُليّة: عن أيوب نُبّئت، فجعله منقطعًا. لكن الحديث صحيح، يرجّح فيه رواية من وصله؛ لأنه ثابت من رواية سُويد بن غَفَلة، وعابس بن ربيعة، وعبد الله بن سَرْجس، كلهم عن عمر -﵁-. والحاصل أن الحديث صحيح متّصلٌ من غير وجه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٠] (…) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَالْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: رَأَيْتُ الْأَصْلَعَ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُقَدَّمِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ: رَأَيْتُ الْأُصَيْلِعَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ١٢٤. ٢ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلِ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَرْجِسَ) المزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة (م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٠/ ١٦٥١. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و«المقدّميّ»: هو محمد بن أبي بكر المذكور قبله، و«أبو كامل»: هو فضيل بن حسين الجحدريّ. وقوله: (رَأَيْتُ الْأَصْلَعَ) وفي رواية أبي كامل: «رأيت الأُصيلع» بالتصغير، يقال: صَلِعَ الرأسُ صَلَعًا، من باب تَعِبَ: انحسر الشعر عن مقدّمه، وموضعه: الصَّلَعَةُ، بفتح اللام، ومنهم من يقول: الإسكان لغةٌ، ولكن أباها الْحُذّاق، فالرجل أصلع، والأنثى صَلْعَاءُ، ورأسٌ أصلع، وصَلِيعٌ، قال ابن سينا: ولا يحدث الصَّلَع للنساء؛ لكثرة رطوبتهنّ، ولا للخِصيان؛ لقرب أمزجتهم من أمزجة النساء، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: فيه أنه لا بأس بذكر الإنسان بلقبه، ووصفه الذي يكرهه، وإن كان قد يكره غيره مثله. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ذكر الإنسان بلقبه الذي يكرهه إنما يجوز إذا كان للتعريف، والأولى اجتنابه إذا وجد سبيلًا، وأما إذا لم يجد فلا مانع بشرط إرادة التعريف، لا العيب، وإلى هذا أشار في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ ومعنى: «لم يعب» أي إن لم يرد عيبه، بل أراده تعريفه، فليُتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧١] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إِنِّي لَأُقُبِّلُكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ لَمْ أُقَبِّلْكَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظٌ، يُدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٤ - (عَابِسُ بْنُ رَبِيعَةَ) النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]. رَوَى عن عمر، وعليّ، وحذيفة، وعائشة. ورَوى عنه أولاده: عبد الرحمن، وإبراهيم، وأسماء، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإبراهيم بن يزيد النخعيّ. قال الآجريّ، عن أبي داود: جاهليّ سمع من عمر، وقال النسائيّ، ثقةٌ، وقال ابن سعد: هو من مَذْحِج، وكان ثقةً، له أحاديث يسيرة، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (١٢٧٠) وحديث (٢٩٧٠): «ما شبع آل محمد من خبز بُرّ فوق ثلاث». والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله. وقوله: (وَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي بعض النسخ: «وإني لأعلم أنك حجر». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٢] (١٢٧١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بِكَ حَفِيًّا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمامٌ حجة، ربما دلّس، من كبار [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الجعفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. رَوى عن جدته، عن أبيها، وله صحبة، وعن سُويد بن غفلة، وطارق بن زياد، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، والثوريّ، وغيرهما. قال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن معين: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: صالح يُكتب حديثه، وقال عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل: كتب إليّ شعبةُ: اكتب إليّ بحديث إبراهيم بن عبد الأعلى بخطك، فبعثت بها إليه، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال النسائيّ في «التمييز»: ثقةٌ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) الجعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ -ﷺ-، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة (٨٠ هـ) وله (١٣٠) سنة (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَالْتَزَمَهُ) أي عانقه، قال النوويّ ﵀: فيه إشارة إلى ما قدّمنا من استحباب السجود عليه. انتهى. وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بكَ حَفِيًّا) الْحَفيّ فَعِيلٌ بمعنى فاعل، وهو المعتني به البارّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وجمعه أحفياء. والمعنى: أنه -ﷺ- كان معتنيًا بشأن الحجر بالتقبيل، والمسح، والكلامُ وإن كان خطابًا للحجر، فالمقصود إسماع الحاضرين؛ ليعلموا أن الغرض الاتّباع، لا تعظيم الحجر كما كان عليه عبدَة الأوثان، فالمطلوب تعظيم أمر الربّ، واتّباع نبيّه -ﷺ-. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٣٠٧٢ و٣٠٧٣] (١٢٧١)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٢٦) و«الكبرى» (٢/ ٤٠٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٧٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٩ و٥٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٦١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٥/ ١٩١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ١٦٩)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٤٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- بِكَ حَفِيًّا، وَلَمْ يَقُلْ: وَالْتَزَمَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة ناقد إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» ١/ ٣٩ فقال: (٢٧٤) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سُويد بن غَفَلَة، قال: رأيت عمر -﵁- يقبّل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجر، لا تضرّ، ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم -ﷺ- بك حَفِيًّا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٩) - (بَابُ جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَى بَعِيرٍ وَغَيْرِهِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ بِمِحْجَنٍ وَنَحْوِهِ لِلرَّاكِبِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٤] (١٢٧٢) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) قال في «الفتح»: كذا قال يونس، وخالفه الليث، وأسامة بن زيد، وزمعة بن صالح، فرووه عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس، ولهذه النكتة استظهر البخاريّ بطريق ابن أخي الزهريّ، فقال: تابعه الدراورديّ، عن ابن أخي الزهريّ، وهذه المتابعة أخرجها الإسماعيليّ، عن الحسين بن سفيان، عن محمد بن عبّاد، عن عبد العزيز الدراورديّ، فذكره، ولم يقل: «في حجة الوداع»، ولا: «على بعير». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره في «الفتح» من وقوع الاختلاف في إسناد هذا الحديث ذكره قبله الحافظ ابن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧ هـ) ﵀، وقد تقدّم ما ذكره في مقدّمة «قرّة عين المحتاج»، وقال في آخره: فقد اتّفق هؤلاء الثلاثة -يعني الليث، وأسامة بن زيد، وزمعة بن صالح- على هذه الرواية، ورواية هؤلاء الذين أرسلوه أصحّ عندنا. انتهى خلاصة ما قاله . قال الجامع: لكن الحديث أخرجه الشيخان في «صحيحيهما»؛ ترجيحًا لرواية ابن وهب؛ لكونها زيادة ثقة حافظ، وقد تابعه عليها الدراورديّ، فثبت بذلك كونه متّصلًا صحيحًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو: اسم من التوديع، كالكلام من التكليم (عَلَى بَعِيرٍ) -بفتح الباء الموحّدة، وقد تُكسر-: الجمل البازل، أو الجذَع، وقد يكون للأنثى، قاله في «القاموس». وقال الفيّوميّ ﵀: البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري، والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، والبَكْرَ، والبَكْرةُ، مثلُ الفتى والفتاة، والْقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم: ابن السكيت، والأزهريّ، وابن جني، ثم قال الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ رحمه الله تعالى في الوصية: لو قال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصيّة مبنيّة على عُرف الناس، لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ. وحكى في «كفاية المتحفّظ» معنى ما تقدّم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أربعا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبكرةٌ، وَقَلُوصٌ، وجمع البعير أبعرةٌ، وأباعرٌ، وبُعْرانٌ بالضمّ. انتهى. ثم إن قوله: «طاف على بعير» لا ينافي ما تقدّم أنه -ﷺ- طاف ماشيًا، رمل في الثلاثة الأُوَل، ومشى في الأربعة؛ لأنه يُحمل هذا على طواف الإفاضة، أو الوداع، وذلك على طواف القدوم، كما دلّ عليه حديث جابر -﵁ - الطويل الماضي. وقال السنديّ ﵀: قد جاء أنه فعل ذلك -أي الطواف راكبًا- لمرض، أو لزحام، قيل: هو من خصائصه -ﷺ-؛ إذ يَحْتَمِلُ أن تكون راحلته عُصِمَتْ من التلويث كرامَةً له، فلا يقاس عليه غيره، وذلك لأن المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] طواف الإنسان، فلا ينوب طواف الدابة مناب طواف الإنسان إلا عند الضرورة. انتهى قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السندي غير صحيح؛ بل الطواف راكبًا جائز إذا احتاج إليه، ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، وما قاله من أن المأمور به طواف الإنسان … إلخ باطل؛ لأنه لم تنب الدابة عن طواف الإنسان، بل هو طاف عليها؛ ولذا قال ابن عباس -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- طاف على بعير»، ولم يقل: طاف عنه البعير، وهذا واضح غاية الوضوح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. (يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ) أي يومئ إلى الركن بعصاه حتى يصيبه، و«الاستلام»: افتعال من السَّلَام -بالفتح-: وهو التحيّة. قاله الأزهريّ. وقيل: من السِّلَام -بالكسر-: وهو الحجارة. وقال في «اللسان»: قال الجوهري: استلم الحجر: لَمَسَهُ، إما بالقُبْلَة، أو باليد، لا يُهْمَزُ، لأنه مأخوذ من السِّلام، وهو الحجر، كما تقول: اسْتَنْوَقَ الجملُ، وبعضهم يَهْمِزُهُ. انتهى . والمراد بالركن: ركن الحجر الأسود. (بمِحْجَنٍ) -بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، بعدها نون-: هو عصًا مُنْحنية الرأس، والْحَجْنُ: الاعوجاج، وبذلك سُمّي الْحَجُون. وقول النوويّ ﵀: «الْمِحْجَنُ»: عَصًا مُعَقَّفةٌ، يتناول بها الراكب ما سَقَط له، وُيحَرِّك بطرفها بعيره للمشي. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: «الْمِحْجَن» وزانُ مِقْوَدٍ: خَشَبَةٌ في طرفها اعوجاجٌ، مثلُ الصَّوْلَجَان، قال ابن دُرَيد: كلُّ عُود مَعْطوف الرأس، فهو مِحْجَن، والجمعُ الْمَحاجن، والْحَجُون وزانُ رسول: جَبَلٌ مُشرفٌ بمكّة. انتهى. وزاد في حديث أبي الطفيل الآتي: «ويقبّل المحجن»، وتقدّم حديث ابن عمر أنه: «استلم الحجر بيده، ثم قبّله»، ورفع ذلك، ولسعيد بن المنصور من طريق عطاء، قال: «رأيت أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وجابرًا إذا استلموا الحجر قبّلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال: كثيرًا». وبهذا قال الجمهور: إن السنّة أن يستلم الركن، ويقبّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه، واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا يقبِّل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٤] (١٢٧٢)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٠٧)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٧٧ و١٨٨١)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٢/ ٤٧) و«مناسك الحجّ» (٥/ ٢٣٣) و«الكبرى» (١/ ١٦٢ و٢/ ٤٠١)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٤٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨٩٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٤ و٢٣٧ و٢٤٨ و٣٠٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٨٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٢٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٦٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢٠٧٠ و١٢٠٨٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٥٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٩) و«المعرفة» (٤/ ٨٦) و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ٥٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب استلام الحجر الأسود، وتقبيله، إن أمكن، وإلا يستلمه بمحجن، ونحوه، ثم يقبّل المحجن. ٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ به أصحاب مالك، وأحمد، على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه؛ لأنه لا يؤمَن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لمَا عُرِّض المسجد له، قال النوويّ: ومذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وآخرين نجاسة ذلك، وهذا الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه ليس من ضرورته أن يبول، أو يروث في حال الطواف، وإنما هو مُحْتَمِلٌ، وعلى تقدير حصوله يُنَظَّف المسجد منه، كما أنه -ﷺ- أقرّ إدخال الصبيان الأطفال المسجد، مع أنه لا يؤمَن بولهم، بل قد وُجد ذلك، ولأنه لو كان ذلك محقّقًا لَنُزِّه المسجد منه، سواء كان نجسًا، أو طاهرًا؛ لأنه مستقذر. انتهى . وقال ابن بطال ﵀: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب. قال الحافظ: وتُعُقّب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته -ﷺ- كانت مُنَوَّقَةً، أي مدربة مُعَلَّمَةً، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة. انتهى. وتعقّبه العينيّ ﵀، فقال: وفيه -يعني قوله: «فحيث يخشى التلويث» إلخ- نظر؛ لأن قوله -ﷺ- لأم سلمة حين قالت له: إني أشتكي: «طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة. وقال في قوله: إن ناقته -ﷺ- كانت منوقة إلخ ما نصه: قلت: سلّمنا هذا في ناقة النبيّ -ﷺ-، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة، وهي طائفة؟ ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبيّ -ﷺ-، قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد العينيّ ﵀ في هذا التعقّب، ثم إن ما قالوه من التلويث وغيره مبني على نجاسة الأبوال، وقد قدمنا في «كتاب الطهارة» أن الراجح طهارة أبوال الحيوانات المأكولة اللحم؛ اللَّهم إلا إذا أريد الاستقذار من غير نجاسة؛ كمنع النخامة والبزاق في المسجد للاستقذار، لا للنجاسة، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): جواز الطواف راكبًا، ولا كراهة فيه، قال العيني: فإن كان غير معذور يُعتبر عندنا، وعند الشافعيّ لا يجوز، لقوله -ﷺ-: «الطواف بالبيت صلاة …»، ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر، وجماعة. وقال القرطبيّ: الجمهور على كراهة ذلك. قلنا: نحن أيضًا نقول بالكراهة، حتى إنه يعيده ما دام بمكة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالكراهة يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز قول حَجّة الوداع، وقد قدمنا أن بعض العلماء كره أن يقال لها: حجة الوداع، وهو غلط، والصواب جواز قول حجة الوداع، قاله النوويّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطواف راكبًا على الراحلة، أو نحوها: قال العلامة القرطبيّ ﵀: لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختُلف في طواف من لا عذر له راكبًا، فأجازه قوم، منهم: ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه -ﷺ- راكبًا، والجمهور على كراهة ذلك، ومنعِه، متمسّكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩]، وظاهره أن يطوف الطائف بنفسه، ومن طاف راكبًا إنما طيف به، ولم يَطُف هو بنفسه، وبأن الصحابة -﵃- اعتذروا عن طوافه -ﷺ- راكبًا، وبيّنوا عذره في ذلك، فكان دليلًا على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. انتهى كلام القرطبيّ . وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا، ولا يركب، إلا لعذر مرض، أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليُستفتَى، ويُقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام الحرمين: من أدخل البهيمة التي لا يؤمَن من تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم: الماورديّ، والبندنيجيّ، وأبو الطيّب، والعبدريّ. والمشهور الأول، والمرأة والرجل في ذلك سواء، والمحمول على الأكتاف كالراكب، وبه قال أحمد، وداود، وابن المنذر. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، فعليه دم. قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف. فلو طاف زَحْفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يُكره، وقال أبو الطيب في «التعليقة»: طوافه زحفًا كطوافه ماشيًا منتصبًا، لا فرق بينهما. واعتذروا عن ركوب النبيّ -ﷺ- بأن الناس كثُرُوا عليه، وغَشُوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه -ﷺ-، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان يشكو، لما روى أبو داود في «سننه»: «قدم النبيّ -ﷺ- مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلى ركعتين». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طوافه -ﷺ- راكبًا لا يكون دليلًا على المنع؛ لأنه -ﷺ- ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي عنه، بل فِعله -ﷺ- بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا. فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم الركوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٥] (١٢٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْبَيْتِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ؛ لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ ربما دلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله -﵄-، تقدّم قبل بابين. وشيخه ذُكر قبل حديث. وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) لا تعارض بينه وبين حديث ابن عبّاس -﵄- الذي قبله: «على بعير»؛ لأن الراحلة معناها: المركب من الإبل، ذكرًا أو أنثى، كما في «المصباح» . وقوله: (لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ) أي حتى يقتدوا به. وقوله: (وَلِيُشْرِفَ) بالبناء للفاعل، أي ليطّلع على أعمال الناس، حتى لا يقعوا في الخطإ، يقال: أشرفت عليه: إذا اطّلعت، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليُشرف، أي ليرتفع عن الناس، حتى لا يؤذوه، يقال: أشرف المكانُ: إذا ارتفع، كما تفيده عبارة «المصباح». وقوله: (فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ) بفتح الغين، وضم الشين المعجمتين: أي ازدحموا عليه، وكثُرُوا. وقال القرطبيّ ﵀: الرواية الصحيحة بضمّ الشين المعجمة، وهو الصحيح؛ لأن أصله غَشِيُوهُ استُثقلت الضمّة على الياء، فنقلوها إلى الشين، فسكنت الياء، فلما اجتمعت مع الواو الساكنة حُذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وفيه تعليل آخر، وما ذكرناه أولى. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قوله: «لأن يراه الناس إلخ» هذا بيان لعلة ركوبه -ﷺ-، وقيل أيضًا: لبيان الجواز، وجاء في «سنن أبي داود» أنه كان -ﷺ - في طوافه هذا مريضًا، وإلى هذا المعنى أشار البخاريّ ﵀ وترجم عليه: «باب المريض يطوف راكبًا»، فيَحْتَمِل أنه -ﷺ- طاف راكبًا لهذا كله. انتهى. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٥ و٣٠٧٦] (١٢٧٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٨٠)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٧ و٣٣٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٧٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٠٠) و«الصغرى» (٤/ ٢٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ، وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ خَشْرَمٍ: وَلِيَسْأَلُوهُ. فَقَطْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٣٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرسانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٧] (١٢٧٤) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، عَلَى بَعِيرِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ) أبو صالح البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. [تنبيه]: «الْقَنْطَريّ» بفتح القاف، وسكون النون، وفتح الطاء المهملة، وآخره راء: قال السمعانيّ: هو من قَنْطَر بردان، وهي محلّة ببغداد. انتهى . ٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (١٨٩) (خ م د س ت) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣٤/ ١٤١٨. والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشعيب، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من هشام. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو (حَوْلَ الْكَعْبَةِ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ «طاف»، وكذا قوله: (عَلَى بَعِيرِهِ) تقدّم أنه بفتح الموحّدة، وتُكسر (يَسْتَلِمُ) أي يلمس (الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود، زاد في رواية النسائيّ: «بمحجنه» (كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ: «يُضْرَب» بالباء الموحّدة، وفي بعضها: «يُصْرَف» بالصاد المهملة، والفاء، وكلاهما صحيح. انتهى. فقوله: «كراهية» منصوب على أنه مفعول لأجله، و«يُضرب» بالبناء للمفعول، أي إنما فعل ذلك النبيّ -ﷺ-؛ لأجل كراهته ضرب الناس أمامه. ومرجع الضمير في قوله: «يصرف عنه الناس» يَحْتَمِل كونه للركن، يعني أنه لو طاف ماشيًا لانصرف الناس عن الحجر، كلما مرّ إليه رسول الله -ﷺ-؛ توقيرًا له أن يُزاحَم. ويَحْتَمل كون مرجعه النبيّ -ﷺ-، يعني لو لم يركب لانصرف الناس عنه؛ لأن كل من رام الوصول إليه لسؤال، أو لرؤية، أو لاقتداء لا يقدر؛ لكثرة الخلق حوله، فينصرف من غير تحصيل حاجته، وهذا الاحتمال هو الأظهر؛ لموافقته لما دلّ عليه حديث جابر -﵁- حيث ذكر هذه العلة بقوله: «يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليُشرف عليهم، وليسألوه» . [فإن قلت]: كيف تجمع بين حديث ابن عباس -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يطوف بالبيت على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه»، وبين حديث عائشة -﵂- هذا؟. [قلت]: يُجاب بحمل ما دلّ عليه حديث عائشة -﵂-، من استلامه بالمحجن على أنه كان قريبًا، وذلك لكونه آمنًا من إيذاء الناس، وأن ما دلّ عليه حديث ابن عباس -﵄- من الإشارة إليه على أنه كان بعيدًا عنه؛ خشية إيذائهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٧] (١٢٧٤)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٢٤) وفي «الكبرى» (٣٩٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٥٩)، و(البيهقيّ) في «المعرفة» (٤/ ٨٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٨] (١٢٧٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ بْن خَرَّبُوذَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بن الجارود، أبو داود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٣ - (مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ) المكيّ، مولى آل عثمان، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان أخباريًّا، علّامةً [٥]. رَوَى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومحمد بن عمرو بن عتبة بن أبي لهب، وأبي عبد الله مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه الفضل بن موسى السِّينانيّ، ووكيع، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو بكر بن عياش، وعبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيفٌ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، قال: ويقال: إن الناس أخذوا عنه شعر بديل، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أحمد: ما أدري كيف حديثه؟ وقال الساجيّ: صدوقٌ، وقال ابن حبان في «الضعفاء»: كان يشتري الكتب، فيحدث بها، ثم تغير حفظه، فكان يحدث على التوهم، قال الحافظ: فكأنه ترجم لغيره، فإن هذه الصفة مفقودة في حديث معروف. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. له في البخاريّ حديثه عن أبي الطفيل، عن عليّ -﵁- في «كتاب العلم»، وعند الباقين هذا الحديث في الحجّ فقط. [تنبيه]: قوله: «خَرّبوذ» -بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء، وبسكونها، ثم موحّدة مضمومة، وواو ساكنة، وذال معجمة، قاله في «التقريب». وقال النوويّ ﵀: هو بخاء معجمة مفتوحة، ومضمومة، والفتح أشهر، وممن حكاهما القاضي عياض في «المشارق»، والقائل بالضم هو أبو الوليد الباجيّ، وقال الجمهور: بالفتح، وبعد الخاء راء مفتوحة مشدَّدة، ثم باء موحدة مضمومة، ثم واو، ثم ذال معجمة. انتهى . ٤ - (أَبُو الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة -﵁-، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٩٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ) فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه اذا عجز عن استلامه بيده، بأن كان راكبًا، أو غيره استلمه بعصًا، ونحوها، ثم قَبَّل ما استلم، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الطفيل -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٨] (١٢٧٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٧٩)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٤٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤٥٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٠)، و(الضياء) في «المختارة» (٨/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٩] (١٢٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، قَالَتْ: فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديّ، أبو الأسود يتيم عروة المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٣. ٤ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ -ﷺ-، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في «الحيض» ٢/ ٦٨٩. ٥ - (أُمُّ سَلمَة) هند بنت أبي أميّة حذيفة أو سُهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدم في «المقدمة» جـ ٢ ص ٤٧٣. و«عروة» ذُكر قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة عن صحابيّة، والبنت عن أمها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في «الفتح»: في الإسناد تابعيّان: محمد، وعروة، وصحابيتان: زينب، وأمها، أم سلمة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في جعله محمد بن عبد الرحمن تابعيًّا نظر، إلا عند من يكتفي في كون الشخص تابعيًّا بمجرد المعاصرة فقط، فإنه لم يثبت له رواية عن صحابيّ، كما بيّنه في ترجمته من «تهذيب التهذيب» ، وجعله في «التقريب» من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت الصحابة، ولم تَلْقَ منهم أحدًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) -﵂- (أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنِّي أَشْتَكِي) بفتح همزة «أني» لأنه في تأويل المصدر مفعول «شكوت»، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه: إذا توجّع منه، وشكوت فلانًا: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، وفي رواية للنسائيّ: «قالت: يا رسول الله، والله ما طُفْت طواف الخروج …» تعني الوداع (فَقَالَ) -ﷺ- («طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) أي المصلّين وراءه -ﷺ-، قال النوويّ ﵀: إنما أمرها -ﷺ- بالطواف من وراء الناس لشيئين: [أحدهما]: أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف. [والثاني]: أن قربها يُخاف منه تأذي الناس بدابتها، وكذا إذا طاف الرجل راكبًا، وإنما طافت في حال صلاة النبيّ -ﷺ-؛ ليكون أستر لها، وكانت هذه الصلاة صلاة الصبح. انتهى . (وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ») زاد في رواية النسائيّ: «على بعيرك»، والجملة الاسميّة في محل نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ) أم سلمة -﵂- (فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ-) جملة حالية، أي والحال اْن رسول الله -ﷺ- (يُصَلِّي) أي صلاة الصبح، ففي رواية البخاريّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: «إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلّون». (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأن البيت عَلَم لها بالغلبة. قال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: الصلاة إلى البيت، فما فائدة ذكر الجنب؟. قلت: معناه أنه كان يصلي منها إلى الجنب، يعني قريبًا من البيت، لا بعيدًا منه. انتهى. وقال ابن عبد البرّ ﵀: صلاته إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر -﵁- من ذلك المكان إلى صحن المسجد. انتهى . (يَقْرَأُ بِالطُّور وكتابٍ مَسْطُورٍ) أي بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم. لأن لفظ «الطور» كأنه صار علمًا للسورة. قاله العينيّ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ الجبل بالسريانيّة، وقال ابن عبّاس: كلُّ جبل يُنبِت فهو طورٌ، ﴿وَكِتَابٍ﴾ أي مكتوب، و﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ هو الجلد المهيّأ ليُكتب فيه، وأحسن ما قيل فيه: إنه القرآن المكتوب في المصاحف، وهذه أقسام أقسم الله تعالى بها؛ تشريفًا لها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة -﵂- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٩] (١٢٧٦)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٦٤) و«الحج» (١٦١٩ و١٦٢٦ و١٦٣٣) و«التفسير» (٤٨٥٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٨٢)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٢٣) و«الكبرى» (٣٩٠٣ و٣٩٠٤ و٣٩٤٣)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٦١)، و(مالك) في «الموطإ» (٨٣٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٠٢١)، و(أحمد) في «باقي مسنده» (٦/ ٢٩٠ و٣١٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٣٠ و٣٨٣٣)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٤/ ١٨٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٣/ ٨٠٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٨ و١٠١) و«المعرفة» (٤/ ٨٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الطواف للراكب، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء. ٢ - (ومنها): بيان كيفية طواف المريض، وهو أن يطوف راكبًا. ٣ - (ومنها): أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم؛ لأن ذلك أستر لهنّ، ولأن الطواف كالصلاة، ومن سنة الصلاة أن يتأخرن عن صفوف الرجال، فكذا في الطواف. قال في «الفتح»: وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذّون بدابتها. انتهى. ٤ - (ومنها): أن من يطوف وقت صلاة الجماعة لعذر لا يطوف إلا من وراء الناس، فلا يطوف بين المصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغَل الإمام والناس، فيؤذيهم. ٥ - (ومنها): أن الراكب عليه أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة؛ لئلا يؤذيهم. ٦ - (ومنها): جواز إدخال الدوابّ المسجد، وقد تقدمت أقوال العلماء في ذلك. ٧ - (ومنها): استحباب قرب الإمام من البيت في الصلاة. ٨ - (ومنها): مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الصبح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٠) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ) (اعلم): أن «الصفا»، و«المروة» جبلا السعي اللذان يُسعى من أحدهما إلى الآخر. و«الصفا» في الأصل، جمع صَفَاة، وهي الصخرة، والحجر الأملس، و«المروة» في الأصل حجر أبيض برّاق، وقيل: هي الحجارة التي تُقدح منها النار. وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذَكّر الصفا لأن آدم ﵇ وقف عليه، فسمي به، ووقفت حوّاء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأنّث لذلك. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطَّرَد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدّم المذكر، وهذا حسن؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا؛ حتى رفع الله الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتبر بهما؛ فلما طالت المدة عُبدا من دون الله. والصفا مقصور: جمع صفاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ، وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِيّ -بضم الصاد-، وأصفاء، على مثل أرحاء، قال الراجز: كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو: أي خَلَص من التراب والطين. والمروة: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو الحجارة صليبها، ورخوها الذي يتشظّى، وترقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر [من الرمل]: وَتَوَلَّى الأَرْضَ خُفًّا ذَابِلًا … فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ وقال أبو ذُؤيب [من الكامل]: حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا الْمُشَقِّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وقد قيل: إنها الحجارة السُّودُ، وقيل: حجارة بيضٌ برّاقةٌ تكون فيها النار. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٠] (١٢٧٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ، لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ، عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ، وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ، فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا، لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِهَا، قَالَتْ: فَطَافُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي معاوية فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- عن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (قَالَ) عروة (قُلْتُ لَهَا) أي لعائشة -﵂- (إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا) نافية (ضَرَّهُ) أي لا يضرّه في صحّة حجه عدم طوافه بين الصفا والمروة (قَالَتْ) عائشة -﵂- (لِمَ؟) هي «ما» الاستفهاميّة حُذفت ألفها جوازًا؛ لكونها، كما قال في «الخلاصة»: وَ«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا … وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ «اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى» (قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) محصّل كلام عروة ﵀ أنه احتجّ على ما قاله من الإباحة في السعي بين الصفا والمروة، وعدم وجوبه باقتصار الآية على رفع الْجُنَاح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحبّ بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك. وقال القرطبيّ ﵀: إنما فَهِمَ هذا عروة من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ووجه فهمه أن رفع الحرج عن الفعل إنما يُشعر بإباحته، لا بوجوبه، وهو مُقتضى ظاهرها؛ إذا لم يُعْتَبَر سبب نزولها، فإذا وُقِف على سبب نزولها تحقق الواقع عليه: أنها إنما أتت رافعة لحرج من تحرَّج من الطواف بينهما على ما يأتي. وقد اختَلَف فيه قولُ عائشة -﵂-، واختلف الرواة عنها في ذلك، ففي بعض الروايات عنها: أن أهل المدينة كان من أهلّ منهم لِمَناة؛ لم يطف بينهما، وكأن هؤلاء بَقُوا بعد الإسلام على ذلك الامتناع حتى أُنزلت الآية، وفي بعضها: أن مَن أَهَلّ لإساف ونائلة جاء فطاف بينهما، وكان هؤلاء لمّا انقطع الإهلال لإساف ونائلة بالإسلام خافوا ألا يكون مشروعًا لمن لم يهلّ لهما، فرفع الله تلك التوهمات كلها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، وقد ذكر أبو بكر بن عبد الرحمن عند سماعه قول عائشة ما يدل على سببين آخرين، نَصّ عليهما في متن الحديث، ويرتفع الإشكال، ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة بالطريق الذي سلكه أبو بكر بن عبد الرحمن؛ حيث قال: فأُرَاها نزلت في هؤلاء وهؤلاء، فنقول: نزلت الآية جوابًا لجميع هؤلاء الذين ذُكرت أسبابهم، ورافعة للحرج عنهم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (فَقَالَتْ) عائشة -﵂- (مَا) نافية (أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ) وقوله: (لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ«امرئٍ» (وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ) من عدم الوجوب (لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أي لكان لفظ نصّ الآية المقتضي لذلك فلا جناح إلخ، فقولها: «فلا جناح إلخ» خبر «كان»، واسمها ضمير يعود إلى المفهوم، أي لكان نصّ الآية إلخ، ويَحْتَمِل أن يكون «فلا جناح إلخ» اسمها، وخبرها محذوف، أي نصَّ الآية، أو هو النازلَ. قال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذا من دقيق علم عائشة -﵂-، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما دلّ لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي، ولا على وجوبه، فأخبرته عائشة -﵂- أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب، ولا لعدمه، وبَيَّنَت السبب في نزولها، والحكمة في نظمها، وأنها نزلت في الأنصار حين تحرَّجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عروة، لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وقد يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان أنه يُمنع إيقاعه على صفة مخصوصة، وذلك كمن عليه صلاة الظهر، وظَنّ أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس، فسأل عن ذلك، فيقال في جوابه: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت، فيكون جوابًا صحيحًا، ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: وقولها: «لو كانت كما تقول؛ لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»؛ هذا يدلّ على أن الذي روي: أنه في مصحف أُبيّ: «ألا يطوف بهما» بإثبات «ألا» ليس بصحيح؛ إذ لو كان كذلك لكانت عائشة لَأعرف الناس به، ولَمَا خفي عليها، ولا على غيرها ممَّن له عناية بالقرآن. انتهى . وقال في «الفتح»: وحاصل جواب عائشة -﵂- أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمرّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر، ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفى الإثم عن التارك. وقد وقع في بعض الشواذّ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك، حكاه الطبريّ، وابن أبي داود في «المصاحف»، وابن المنذر، وغيرهم عن أبيّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. وأجاب الطبريّ بأنها محمولة على القراءة المشهورة. وقال الطحاويّ أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحبّ بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. انتهى . ثم بيّنت له سبب نزولَ الآية، فقالت: (وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟) أي في شيء كان نزول هذه الآية الكريمة؟ (إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ) بضم الياء، من الإهلال، أي يحجون (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي قبل الإسلام (لِصَنَمَيْنِ، عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ) بفتح الشين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة: أي: جانبه، والجمع شُطُوطٌ، مثلُ فلس وفُلُوس . (يُقَالُ لَهُمَا) أي للصنمين المذكورين (إِسَافٌ) بكسر الهمزة (وَنَائِلَةُ) قال القاضي عياض ﵀: هكذا وقع في هذه الرواية، قال: وهو غلطٌ، والصواب ما جاء في الروايات الأُخَرِ في الباب: «يُهِلُّون لمناة»، وفي الرواية الأخرى: «لمناة الطاغية التي بالمشلَّل»، قال: وهذا هو المعروف، ومَنَاةُ صنم، كان نصبه عمرو بن لُحَيّ في جهة البحر بالمشلَّل مما يلي قُدَيدًا، وكذا جاء مُفَسَّرًا في هذا الحديث في «الموطأ»، وكانت الأزد، وغَسّان، تُهِلّ له بالحجّ. وقال ابن الكلبيّ: مناةُ صخرة لِهُذَيل بقُديد، وأما إساف ونائلة فلم يكونا قطّ في ناحية البحر، وإنما كانا فيما يقال: رجلًا وامرأةً، فالرجل اسمه إساف بن بقاء، ويقال: ابن عمرو، والمرأة اسمها نائلة بنت ذئب، ويقال: بنت سهل، قيل: كانا من جُرْهُم، فزنيا داخل الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فنُصِبا عند الكعبة، وقيل: على الصفا والمروة؛ ليعتبر الناس بهما، ويتعظوا، ثم حوّلهما قُصَيّ بن كلاب، فجعل أحدهما ملاصق الكعبة، والآخر بزمزم، وقيل: جعلهما بزمزم، ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبيّ -ﷺ- مكة كسرهما. انتهى كلام القاضي عياض ﵀. (ثُمَّ يَجِيئُونَ) أي إلى مكة (فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ) رؤوسهم (فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا) أي بين الصفا والمروة (لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي لكونه من عمل الجاهلية، فخافوا أن يُنهى عنه في الإسلام، فسألوا النبيّ -ﷺ- عنه (قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي من معالم دينه، ومواضع عباداته، قال الأزهريّ: الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام عليها. وقال في «النهاية»: شعائر الحج آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة، وقيل: هو كلّ ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك. وقال في «الصحاح»: الشعائر أعمال الحجّ، وكلّ ما جُعِل عَلَمًا لطاعة الله، قال الأصمعيّ: الواحدة شعيرة، قال: وقال بعضهم: شَعَارة، والمشاعر مواضع النسك. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: قد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد ثبت في حديث ابن عباس -﵄- أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لمّا نَفِدَ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم -﵂- هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونَفِد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة متذلّلة خائفة وجلة مضطربة فقيرة إلى الله حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها «طعام طعم، وشفاء سقم»، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذُلّه، وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر ﵍. انتهى كلام ابن كثير ﵀ . وقوله: (إِلَى آخِرِهَا) متعلّق بفعل مقدّر، أي اقرأ الآية إلى آخرها. في رواية البخاريّ بلفظ: «الْآيَةَ»، ويجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع على أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اقرأ الآية بتمامها، والجرّ -وهو قليل- على أنه مجرور بحرف مقدّر، أي اقرأ إلى آخر الآية. (قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَطَافُوا) أي فطاف هؤلاء الأنصار الذين تحرّجوا من الطواف، أي السعي بين الصفا والمروة؛ لِمَا ذكروه من العلّة لَمّا أنزل الله هذه الآية الكريمة. وفي الرواية الآتية من طريق ابن شهاب عن عروة: «قالت عائشة: قد سنّ رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما»، وفي رواية النسائيّ: «فطاف رسول الله -ﷺ-، وطُفنا معه، فكانت سنّة»، أي كان الطواف بينهما سنةً، والتأنيث باعتبار الخبر، وأرادت بذلك ثبوته بالسنة، وأنه مطلوب في الشرع، فليس مما لا مبالاة بتركه، كما بيّنته في قولها: «قد سنّ رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما». وأرادت بالسنة الفرضَ، أي هي فرض من فرائض الحج، وليس المراد السنة التي هي خلاف الفرض، بدليل قولها: «فليس لأحد إلخ»، وقولها: «لم يُتِمّ الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٣٠٨٠ و٣٠٨١ و٣٠٨٢ و٣٠٨٣ و٣٠٨٤] (١٢٧٧)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٦٤٣) و«العمرة» (١٧٩٠) و«التفسير» (٤٤٩٥ و٤٨٦١)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٠١)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٩٦٥)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٢٩٦٨ و٢٩٦٩)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٨٦) وفي «الكبرى» (٣٩٦٠ و٣٩٦١)، و(مالك) في «الموطإ» (٨٣٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٤٤ و٢٢٧)، و(ابن خزيمة«في»صحيحه«(٢٧٦٩)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٣٨٣٩ و٣٨٤٠)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٢/ ٣٠٦ و٣٣٠)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٣/ ٣٦١)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٥/ ٩٦) و»المعرفة«(٤/ ٨٤)، و(البغويّ) في»شرح السنّة«(١٩٢٠) و»التفسير«(١/ ١٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب: (المذهب الأول): أنه ركن في الحجّ، لا يصحّ إلا به، وكذلك في العمرة، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وحكاه النوويّ عن جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ورواه ابن أبي شيبة في«مصنّفه»عن عائشة -﵂-، وعن مجاهد، وإبراهيم النخعيّ أنهما قالا: إذا نسي الطواف بين الصفا والمروة، وهو حاجّ، فعليه الحجّ، فإن كان معتمرًا، فعليه العمرة، ولا يجزيه إلا الطواف بينهما، وحكاه ابن المنذر عن إسحاق ابن راهويه، وأبي ثور، وبه قال ابن حزم. واستَدَلَّ هؤلاء على الوجوب بأمور: (أحدها): ما رواه الشافعيّ، وأحمد في«مسنده»، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم من رواية صفيّة بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تِجْرَاة ، أنها سمعت رسول الله -ﷺ-، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال:«يا أيها الناس، اسعَوْا، فإن السعي قد كُتب عليكم». حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سُريج، قال: ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تِجْراة، قالت: رأيت رسول الله -ﷺ- يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول:«اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي». انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وذكر النوويّ في«شرح المهذّب»في أول كلامه الطريقَ الأول، وقال: ليس بقويّ، وإسناده ضعيف، قال ابن عبد البرّ في«الاستيعاب»: فيه اضطراب، ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه، وقال: إسناده حسن، فعدّ ذلك شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ في«المهمات»تناقضًا، وقال: اختلف فيه كلام النوويّ. وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين، فإن في الأول عبد الله بن المؤمّل، وليس في الثاني، فلذلك ضعّف الأول، وحسّن الثاني. قال ابن المنذر في«الإشراف»: إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه، والذي رواه عبد الله بن المؤمّل، وقد تكلّموا في حديثه. انتهى. وقد أشار الإسنويّ في بقية كلامه لذلك، فقال: وحسّنه أيضًا الشيخ زكيّ الدين في كلامه على أحاديث«المهذّب»، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين. انتهى، ومع ذلك ففي جعلهما طريقين، وتضعيف الأول، وتحسين الثاني نظر، فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة وقع الاختلاف فيه، وقد سلك ذلك البيهقيّ وغيره، وتقدّم قول ابن عبد البرّ: إن فيه اضطرابًا، لكنه قال في«الاستذكار»: اضطرب فيه غير الشافعيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد الله بن المؤمل، وجوّدوا إسناده ومعناه، وقد رواه مع ابن المؤمّل غيره، وابن المؤمّل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه، ولم يخالفه فيه غيره، فيتبيّنَ فيه سوء حفظه. وقال الحافظ في«الفتح»: قلت: له طريق أخرى في«صحيح ابن خزيمة»مختصرة، وعند الطبرانيّ عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمّت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الطبرانيّ عنها:«أخبرتني نسوة من بني عبد الدار»، فلا يضرّ الاختلاف. انتهى. قال الشافعيّ ﵀: وهذا عندنا -والله أعلم- على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قِبَل أن هذا الحديث لا يَحْتَمِل إلا السعي بينهما، أو السعي في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب في كلّه. انتهى. (الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة -﵂- المذكور في الباب، وقولها فيه:«ثم قد سنّ رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما»، وبقولها أيضًا في«صحيح مسلم»:«فلعمري ما أتمّ الله حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة». (الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه -ﷺ- كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال:«خذوا عني مناسككم». (الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في«الصحيحين»عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر -﵄- عن رجل قَدِم بعمرة، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ -ﷺ-، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال عمرو: سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة. (الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في«الصحيحين»عن أبي موسى الأشعريّ -﵁-، قال: قدمت على رسول الله -ﷺ-، وهو مُنيخٌ بالبطحاء، فقال:«أحججت؟ »، فقلت: نعم، فقال:«بم أهللت؟ »، فقلت: لبيك بإهلال، كإهلال رسول الله -ﷺ-، فقال:«قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحلّ»، قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الدليل الذي استدلّ به ابن حزم ﵀ أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله -ﷺ-:«خذوا عني مناسككم»لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله؟ والله تعالى أعلم. (المذهب الثاني): أنه واجب، ويُجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصحّ عنه. ورواه ابن أبي شيبة في«مصنّفه»عن الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن المنذر عن قتادة، وسفيان الثوريّ، وحكى ابن عبد البرّ عن الثوريّ أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم، وعن أبي حنيفة، وصاحبيه: إن تركه عمدًا، أو نسيانًا، فعليه دم، وذكر صاحب«الهداية» من الحنفيّة أن قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يستعمل مثله للإباحة، فينفي الركنيّة، والإيجاب، ولأن الركنيّة لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد، ثم معنى ما رُوي: كتب استحبابًا، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: قد قال أوّلًا بالوجوب، فكيف قال آخرًا بالاستحباب؟. [قلت]: لم يقل آخرًا بالاستحباب، وإنما قال: إن مثل هذه الصيغة، وهي «كُتب» تستعمل في الاستحباب، كما في الآية التي استشهد بها، ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية، بل هي على بابها من الوجوب، وكانت قبل نزول آية المواريث، ثم نُسِخت بها، كما هو مقرر في التفسير، والله أعلم انتهى. (المذهب الثالث): أنه سنة، ليس بركن، ولا واجب، وهو رواية عن أحمد، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: إن شاء سعى، وإن شاء لم يسع، وعن عطاء: أنه كان لا يرى على من لم يسعَ شيئًا، قيل له: قد ترك شيئًا من سنة رسول الله -ﷺ-، قال: ليس عليه، وكان يفتي في العلانية بدم، وقال ابن المنذر: كان أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين -﵃- يقولون: هو تطوّع، وقد روينا أن في مصحف أُبيّ بن كعب، وابن مسعود: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، ثم قال: هذا قول من ابن عباس، لا إدخال منه في القرآن، ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن أنس، قال: وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران. وروى البيهقيّ في «المعرفة» هذه القراءة عن ابن عباس، وأنه قال: فنسختها هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فلما نزلت طافوا بين الصفا والمروة، قال البيهقيّ: وهذه الرواية إن صحّت تدلّ على أن الأمر فيه صار إلى الوجوب. (المذهب الرابع): أن على من ترك السعي أن يأتي بعمرة، رواه ابن أبي شيبة عن طاوس، وحكاه عنه ابن المنذر. (المذهب الخامس): أنه إن ترك من السعي أربعة أشواط، فعليه دم، وإن ترك دونها لزم لكلّ شوط نصف صاع، حكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه الدارميّ من الشافعية عن أبي حنيفة، قال: وحكى ابن القطان عن أبي عليّ قولًا كمذهب أبي حنيفة، قال النووي في «شرح المهذب»: وهذا القول شاذّ غلطٌ. وقال ابن المنذر: واختُلف عن عطاء، فروي عنه أنه لا شيء على من تركه، وروي عنه أنه قال: عليه دم، وروي عنه أنه قال: يطعم مساكين، أو يذبح شاة يطعمها المساكين. انتهى، وهذه الرواية الأخيرة عن عطاء قول سادس. واعلم أن ابن العربيّ في «شرح الترمذيّ» حكى إجماع الأمة على أن السعي ركن في العمرة، وجعل الخلاف في الحج فقط. قال الحافظ وليّ الدين: ولم أر لغيره تعرّضًا لذلك، ويخالفه صريحًا كلام ابن حزم، فإنه حكى الخلاف في العمرة، وحكي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف بالبيت، وكذلك ابن عبد البرّ حكى الخلاف عن أبي حنيفة، وصاحبيه في الحجّ والعمرة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من سوق المذاهب والنظر في أدلّتها أن أرجح المذاهب هو المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة؛ لقوة أدلّته، كما تقدّم بيانها آنفًا. والحاصل أن القول بركنيّة السعي هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وليس لمخالفيه دليلٌ يُعتمد عليه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨١] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا، أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- لِلْحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ إلخ) أي بأن لا أتطوف، أو في أن لا أتطوف، فهو بتقدير حرف الجرّ. وقولها: (لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ إلخ) أي لو كان المراد بالنصّ ما تقول، وهو عدم الوجوب، لكان نظمه: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، تريد أن الذي يُستعمل للدلالة على عدم الوجوب عينًا، هو رفع الإثم عن الترك، وأما رفع الإثم عن الفعل، فقد يُستعمل في المباح، وقد يستعمل في المندوب، أو الواجب أيضًا، بناء على أن المخاطب يتوهّم فيه الإثم، فيخاطب بنفي الإثم، وإن كان الفعل في نفسه واجبًا، وفيما نحن فيه كذلك، فلو كان المقصود في هذا المقام الدلالة على عدم الوجوب عينًا لكان الكلام اللائق بهذه الدلالة أن يقال: فلا جناح عليه أن لا يتطوّف بهما، قاله السنديّ ﵀ في «شرح النسائيّ» . وقال السيوطيّ ﵀ في «شرح النسائيّ»: هذا من بديع فقهها؛ لأن ظاهر الآية رفع الجناح عن الطائف بالصفا والمروة، وليس هو بنصّ في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك مُحْتَمِلٌ، ولو كان نصًّا في ذلك لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف؛ لأن هذا يتضمّن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذلك إنما كان؛ لأن الأنصار تحرّجوا بذلك الموضع في الإسلام، فأخبروا أن لا حرج عليهم. انتهى . وقولها: (فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) قال في «الفتح»: ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، ويقتصرون على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرّح بذلك رواية سفيان التالية بلفظ: «وإنما كان من أهلّ بمناة الطاغية التي بالمشلّل لا يطوفون بين الصفا والمروة»، وفي رواية معمر، عن الزهريّ: «إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة»، أخرجه البخاريّ تعليقًا، ووصله أحمد وغيره، وفي رواية يونس، عن الزهريّ الآتية عند مسلم بعد حديثين: «أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان يُهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنّة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة»، فطُرق الزهريّ متّفقة. وقد اختُلِف فيه على هشام بن عروة، عن أبيه، فرواه مالك عنه بنحو رواية شعيب عن الزهريّ، ورواه أبو أسامة عنه بلفظ: «إنما أنزل الله هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فلا يحلّ لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة»، أخرجه مسلم -يعني هذه الرواية-. وظاهره يوافق رواية الزهريّ، وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهيّ من طريق عثمان بن وَسّاج، عنه: «أن عمرو بن لُحيّ نَصَب مناةَ على ساحل البحر مما يلي قُديدًا، فكانت الأزد، وغسّان يحجّونها، ويعظّمونها، إذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من منى أتوا مناة، فأهلّوا لها، فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة، قال: وكانت مناة للأوس، والخزرج، والأزد، من غسّان، ومن دان دينهم من أهل يثرب»، فهذا يوافق رواية الزهريّ. قال: وأخرج مسلم من طريق أبي معاوية -يعني الرواية الماضية- عن هشام هذا الحديث، فخالف جميع ما تقدّم، ولفظه: «إنما كان ذلك؛ لأن الأنصار كانوا يُهلّون في الجاهليّة لصنمين على شطّ البحر، يقال لهما: إساف، ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلّون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية». فهذه الرواية تقتضي أن تحرّجهم إنما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئًا كانوا يفعلونه في الجاهليّة؛ لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع، فخَشُوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أسامة، فإنها تقتضي أن التحرّج عن الطواف بين الصفا والمروة؛ لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرّجوا من فعله في الإسلام، ولولا الزيادة التي من طريق يونس، حيث قال: وكانت سنّة في آبائهم إلخ، لكان الجمع بين الروايتين ممكنًا بأن نقول: وقع في رواية الزهريّ حذفٌ تقديره: أنهم كانوا يُهلون في الجاهلية لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة، فكان من أهلّ أي بعد ذلك في الإسلام يتحرّج أن يطوف بين الصفا والمروة؛ لئلا يضاهي فعل الجاهليّة. ويمكن أيضًا أن يكون في رواية أبي أسامة حذفٌ تقديره: كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فجاء الإسلام، فظنّوا أنه أبطل ذلك، فلا يحلّ لهم. ويبيّن ذلك رواية أبي معاوية المذكورة، حيث قال فيها: «فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهليّة»، إلا أنه وقع فيها وهَمٌ غير هذا، نبّه عليه عياض، فقال: قوله: «لصنمين على شطّ البحر» وَهَمٌ، فإنهما ما كانا قطّ على شطّ البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت مناة مما يلي جهة البحر. انتهى. وسقط من روايته أيضًا إهلالهم أَوّلًا لمناة، فكأنهم كانوا يهلّون لمناة، فيبدؤون بها، ثم يطوفون بين الصفا والمروة لأجل إساف ونائلة، فمن ثمّ تحرّجوا من الطواف بينهما في الإسلام. قال: ويؤيد ما ذكرناه حديث أنس المذكور عند البخاريّ بلفظ: «أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم؛ لأنَّها كانت من شعار الجاهلية». وروى النسائيّ بإسناد قويّ، عن زيد بن حارثة، قال: «كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس، يقال لهما: إساف ونائلة، كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما …» الحديث. وروى الطبرانيّ، وابن أبي حاتم في «التفسير» بإسناد حسن، من حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: «قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهليّة، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]». وروى الفاكهيّ، وإسماعيل القاضي في «الإحكام» بإسناد صحيح عن الشعبيّ، قال: «كان صنم بالصفا يُدْعَى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]». وذكر الواحديّ في «أسبابه» عن ابن عباس نحو هذا، وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمُسِخا حجرين، فوُضِعا على الصفا والمروة؛ ليُعْتَبَر بهما، فلما طالت المدة عُبِدَا، والباقي نحوه. وروى الفاكهي بإسناد صحيح إلى أبي مِجْلَز نحوه. وفي «كتاب مكة» لعمر بن شبّه بإسناد قويّ عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فنزلت. ومن طريق الكلبيّ، قال: كان الناس أول ما أسلموا كرهوا الطواف بينهما؛ لأنه كان على كل واحد منهما صنم، فنزلت، فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية، وتقدّمها على رواية غيره. وَيحْتَمِل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين: منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهريّ، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقّف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقيّ - ﵀ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الأخير أحسن، وأقرب، فتأمل، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٢] (…) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، قَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، طَافَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ سُنَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ، سَأَلْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَلَوْ كَانَتْ كمَا تَقُولُ، لَكَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَأُرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أكثر النسخ بالتاء، وفي بعضها: «أخي» بحذف التاء، وكلاهما صحيح، والأول أصحّ وأشهر، وهو المعروف في غير هذه الرواية. انتهى. وقولها: (لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ) - بفتح الميم والنون الخفيفة -: صنمٌ كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبيّ: كانت صخرة نصبها عمرو بن لُحيّ لهُذيل، وكانوا يعبدونها، و«الطاغية» صفة لها إسلامية. وقولها: (الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ) - بضم أوله، وفتح المعجمة، ولامين، الأولى مفتوحة مثقّلة -: هي الثنيّة المشرفة على قُديد، وفي رواية للبخاريّ: «كانوا يُهلّون لمناة، وكانت مناةُ حَذْوَ قُديد»، أي مقابله، و«قُديد» بقاف مصغّرًا: قرية جامعة، بين مكة والمدينة، كثيرة المياه. قاله أبو عُبيد البكريّ . وقولها: (سَأَلْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ) أي سأل الصحابة -﵃-. وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي ما حدّثه به عروة عن عائشة من القصّة المذكورة. وقوله: (لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبَو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرَّحمن، المدنيّ الفقيه العابد المتوفّى سنة (٩٤ هـ)، وقيل غير ذلك، تقدّم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٠. وقوله: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، قال القاضي عياض - ﵀ -: ورُوي: «إنّ هذا لَعِلْمٌ» بالتنوين، وكلاهما صحيحٌ، ومعنى الأول: إن هذا هو العلم المتقن، ومعناه استحسان قول عائشة - ﵂ -، وبلاغتها في تفسير الآية الكريمة. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «إن هذا العلم» كذا للأكثر: أي إن هذا هو العلم المتين، وللكشميهني: «إن هذا لعلمٌ» بفتح اللام المؤكّدة، وبالتنوين، على أنه الخبر. وقوله: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إلخ) وفي رواية البخاريّ: «ولقد سمعتُ رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذَكَرت عائشة ممن كان يُهلّ بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون، ثم تحرّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت». قال في«الفتح»: وقوله:«إلا من ذكرت عائشة»إنما ساغ له هذا الاستثناء مع أن الرجال الذين أخبروه أطلقوا ذلك؛ لبيان الخبر عنده من رواية الزهري له عن عروة عنها. ومحصل ما أخبر به أبو بكر بن عبد الرحمن، أن المانع لهم من التطوف بينهما، أنهم كانوا يطوفون بالبيت وبين الصفا والمروة في الجاهلية، فلما أنزل الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بينهما ظنوا رفع ذلك الحكم، فسألوا هل عليهم من حرج إن فعلوا ذلك، بناء على ما ظنوه من أن التطوف بينهما من فعل الجاهلية. وقوله: «حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت» يعني تأخر نزول آية البقرة في الصفا والمروة عن آية الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩] انتهى . وقوله: (فَأُرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ) ضبطوه بضم الهمزة، من «أَراها»، وفتحها، والضم أحسن وأشهر، أي أظنها. وفي رواية البخاري المذكورة: «فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين». وحاصل كلامه أن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب، كان للرد على الفريقين، الذين تحرجوا أن يطوفوا بينهما؛ لكونه عندهم من أفعال الجاهلية، والذين امتنعوا من الطواف بينهما؛ لكونهما لم يذكرا . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقةٌ [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٥) أو قبل ذلك (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٣ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام المشهور، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ) الفاعل ضمير عُقيل، أي ساق عُقيل الحديث عن ابن شهاب، بنحو سياق ابن عُيينة عنه. وقولها: (إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ) أي نُجانب الإثم، قال الفيّوميّ - ﵀ -: حَرِجَ الرجلُ، من باب تَعِبَ: أَثِمَ، ورجلٌ حَرِجٌ: آثمٌ، وتحرّج الإنسان تحرّجًا: مما ورد لفظه مخالفًا لمعناه، والمراد: فَعَلَ فِعلًا جانب به الْحَرَجَ، كما يقال: تحنّث: إذا فَعَلَ ما يخرج به عن الْحِنث، قال ابن الأعرابيّ: للعرب أفعالٌ، تخالف معانيها ألفاظها، قالوا: تَحَرَّجَ، وتَحَنَّثَ، وتَأَثَّمَ، وتَهَجَّدَ: إذا ترك الْهُجُود ، ومن هذا الباب ما ورد بلفظ الدعاء، ولا يراد به الدعاء، بل الحثّ والتحريض، كقوله: تَرِبَتْ يداك، وعَقْرَى حَلْقَي، وما أشبه ذلك. انتهى . وقولها: (قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلخ) أي فرضه، وجعله ركنًا بالسنّة، وليس مرادها نفي فرضيّته، ويؤيّد هذا قولها: «ما أتمّ الله حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة»، وفي لفظ: «ما أتمّ الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: «قد سنّ رسول الله - ﷺ -»الطواف بينهما«؛ سَنّ: بمعنى شَرَع وبيَّن، وهو ركن واجب من أركان الحج والعمرة عند جمهور السلف، وفقهاء الخلف، كما تقدم، ولا ينجبر بالدَّم، ومن تركه، أو شوطًا منه عاد إليه ما لم يُصِب النساء؛ فإن أصاب أعاد قابلًا حجة أو عمرة. واستدل الجمهور: بأن الله تعالى قد جعله من الشعائر، وفعله النبيّ - ﷺ -، وقال:«خذوا عني مناسككم»، وبحديث حبيبة بنت أبي تِجْراة الشيبية، قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول:«اسْعَوْا، فإن الله كتب عليكم السعي»، غير أن هذا الحديث تفرَّد به عبد الله بن المؤمِّل، وهو سيئ الحفظ ، وقد تقدّم الكلام فيه. [تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها الطبريّ - ﵀ - في«تفسيره» ٢/ ٤٧ فقال: حدّثني المثني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عروة بن الزبير، قال: سألت عائشة، فقلت لها: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أوّلتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالْمُشَلَّل، وكان مَن أهلّ لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، أنزل الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله - ﷺ - «الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ، يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في الباب، والباب الذي قبله. وقولها: (وَغَسَّانُ) بفتح الغين المعجمة، والسين المهملة المشدّدة: آخره نون: اسم قبيلة من الأزد، قاله في «اللباب» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٥] (١٢٧٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَت الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٩١) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كَانَت الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن المبارك، عن عاصم، قال: قلت لابن مالك - ﵁ -: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنَّها كانت من شعائر الجاهليّة، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وتمام شرح الحديث سبق في الحديث الماضي. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٣٠٨٥] (١٢٧٨)، و(البخاريّ) في «الحجِّ» (١٦٤٨) و«التفسير» (٤٤٩٦)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٩٦٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣٩٥٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٦٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣١)، و(البغويّ) في «تفسيره» (١/ ٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤١) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ لَا يُكَرَّرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٦] (١٢٧٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان تقدّما قبل باب. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - (يَقُولُ: لَمْ يَطُفْ) أي لَمْ يَسْعَ (النَّبِيُّ - ﷺ -، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا) زاد في الرواية التالية: «طوافه الأول»، قال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل على أن السعي في الحجِّ، أو العمرة لا يُكَرَّر، بل يُقْتَصر منه على مرّة واحدة، ويكره تكراره؛ لأنه بدعةٌ، وفيه دليل لما قدّمناه أن النبيّ - ﷺ - كان قارنًا، وأن القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ، وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة، والله أعلم. انتهى . وقال العلامة ابن القيّم - ﵀ -: حديث جابر - ﵁ - هذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتع سعيٌ واحدٌ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد - ﵀ -، نصَّ عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا فيقال: عائشة أثبتت وجابر نفى والمثبت مقدم على النافي، أو يقال: مراد جابر - ﵁ - مَن قَرَن مع النبيّ - ﷺ -، وساق الهدي، كأبي بكر وعمر وطلحة وعليّ - ﵃ -، وذوي اليسار، فإنهم إنما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصحابة - ﵃ -، أو يُعَلَّل حديث عائشة - ﵂ - بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: حملُ حديث جابر - ﵁ - على أن المراد مَنْ قَرَنَ مع النبيّ - ﷺ -، لا عموم الصحابة - ﵃ - القارنين والمتمتّعين هو الأرجح والأقرب، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٣٠٨٦ و٣٠٨٧] (١٢٧٩)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٩٥)، و(النسائيّ) في «المناسك» (٥/ ٢٤٤) و«الكبرى» (٢/ ٤١٦ و٤٦٢)، و(ابن ماجة«في»المناسك«(٢٩٧٢ و٢٩٧٣)، و(ابن خزيمة) في»صحيحه«(٢٧٦٨)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٣٨١٩ و٣٩١٤)، و(ابن أبي شيبة) في»مصنّفه«(٣/ ٢٩٢)، و(أحمد) في»مسنده«(٣/ ٣١٧)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(٢٠١٢)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٢/ ٣٢٧)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٣/ ٣١٣ و٣٦٣)، و(الطبرانيّ) في»الكبير«(١١/ ٥٥)، و(ابن راهويه) في»مسنده«(٢/ ٣٤٢)، و(الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار«(٢/ ٢٠٤)، و(الدارقطنيّ) في»سننه«(٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٥/ ١٠٦) و»الصغرى«(٤/ ٢٠٢ و٢٨٩) و»المعرفة« (٤/ ٩٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الْأَوَّلَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. و«ابن جريجٍ» ذُكر قبله. وقوله: (طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) بالنصب على البدليّة من «طَوَافًا». [تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جُريج، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» ٢/ ٣٢٧ فقال: (٣٣١٥) - حدّثنا عمار بن رجاء، نا محمد بن بكر الْبُرْسانيّ، أنا ابن جريجٍ، قال: حدّثني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: «لم يطف النبيّ - ﷺ -»، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول«. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَامَةِ الْحَاجِّ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٨] (١٢٨٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ (ع) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الشِّعْبَ الْأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ، فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّي، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَدَاةَ جَمْعٍ. قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَن الْفَضْلِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ المدنيّ، مولى ابن حُويطب، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣٠) (خ م د ت س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥٤/ ١٩٣٤. ٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في «الحيض» ٢/ ٦٨٨. ٨ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بين الثلاثة منهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء، حيث إنهم سمعوا من لفظ إسماعيل، ولذا قالوا: «حدّثنا»، وأفرد واحدًا؛ لمخالفته لهم في ذلك، حيث إنه سمع قراءة قارئ على شيخه، ولذا قال: «أخبرنا»، وهذا من مستحسنات الأداء، وليس واجبًا، كما قال في «ألفيّة الحديث»: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي» .. وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي» وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا» … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا» ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) هو المدنيّ، مولى آل حُويطب، ولا يعرف اسم أبيه، وكان خُصَيف يروي عنه، فيقول: حدّثني محمد بن حُويطب، فذكر ابن حبّان أن خُصيفًا كان ينسبه إلى جدّ مواليه، قاله في «الفتح» . (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) - ﵄ -. [تنبيه]: كون هذه الرواية عن كريب، عن أسامة، دون ذكر واسطة بينهما، هو الذي في «الصحيحين» وغيرهما، ووقع في رواية للنسائيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن أبي حرملة، كلاهما عن كريب، عن ابن عبّاس، عن أسامة بن زيد، بذكر واسطة ابن عبّاس بين كريب وأسامة، والأول هو الصحيح، كما أشار إليه الحافظ المزيّ - ﵀ -، فإنه قال بعد ذكر رواية النسائيّ المذكورة: كذا قال، والصحيح عن أسامة. انتهى . (قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بكسر الدال: أي رَكِبت وراءه، وفيه الركوب حال الدفع من عرفة، والارتداف على الدابة، ومحله إذا كانت مُطيقة، وارتداف أهل الفضل، ويُعَدّ ذلك من إكرامهم للرديف، لا من سوء أدبه (مِنْ عَرَفَاتٍ) متعلّق بـ «رَدِفتُ» (فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الشِّعْبَ) بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والمراد به هنا الشِّعب المعهود للحجّاج، كما وصفه بقوله: (الْأَيْسَرَ) بالنصب على الوصفيّة لـ «لشعب»، وكذا قوله: (الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ) أي قبل الوصول إليها (أَنَاخَ) يقال: أَنَخْتُ الجملَ: إذا أبركته، فأناخ الجمل نفسُهُ، وفيه استعمال أفعل لازمًا ومتعدّيًا، وهو كثير، وقال ابن الأعرابيّ: يقال: أناخ رباعيًّا، ولا يقال: ناخ ثلاثيًّا، قاله في «التاج» . وقال الفيّوميّ: أناخ الرجل الجملَ إناخةً، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فناخ، بل يقال: فبَرَكَ، وتنوّخ، وقد يقال: فاستناخ، والْمُنَاخ بضمّ الميم: موضع الإناخة. انتهى . (فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ) أي من محلّ البول (فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضّأ به، وسبق فيه لغة أنه يقال بالضمّ، وليست بشيء. قال: وفيه دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، قال أصحابنا: الاستعانة فيه ثلاثة أقسام: [أحدها]: أن يستعين في إحضار الماء من البئر، والبيت، ونحوهما، وتقديمِهِ إليه، وهذا جائز، ولا يقال: إنه خلاف الأولى. [والثاني]: أن يستعين بمن يَغسِل الأعضاء، فهذا مكروه كراهة تنزيه، إلا أن يكون معذورًا بمرض أو غيره. [والثالث]: أن يستعين بمن يَصُبّ عليه، فإن كان لعذر فلا بأس، وإلا فهو خلاف الأولي، وهل يسمى مكروهًا؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما ليس بمكروه؛ لأنه لم يثبت فيه نهيٌ، وأما استعانة النبيّ - ﷺ - بأسامة، والمغيرة بن شعبة، في غزوة تبوك، وبالرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، فلبيان الجواز، ويكون أفضل في حقه حينئذ؛ لأنه مأمور بالبيان، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قوله في الثاني: «مكروه كراهة تنزيه» فيه نظر لا يخفى؛ لأن الظاهر عدم جوازه أصلًا؛ لأن المأمور به في الأصل غسل المكلّف أعضاءه بنفسه، فكما لا يصلّي أحد عن غيره، فكذلك الوضوء، إلا إذا دلّ دليل على خلاف ذلك، مثل صبّ الماء، ونحوه، ولم يوجد في هذا دليلٌ، فيبقى على الأصل، وقد تقدّم تحقيق ذلك في «كتاب الطهارة» من هذا الشرح، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) أي: خففه، بأن توضأ مرةً مرةً، أو خَفَّفَ استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته - ﷺ -، وهذا معنى قوله في رواية مالك الآتية بعد باب، بلفظ: «ولم يسبغ الوضوء»، وأغرب ابن عبد البر، فقال: معنى قوله: «ولم يسبغ الوضوء»، أي استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغويّ؛ لأنه من الوضاءة، وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال، أي لم يكمل وضوءه، فيتوضأ للصلاة، قال: وقد قيل: إنه توضأ وضوءًا خفيفًا، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يُشْرَع الوضوء لصلاة واحدة مرتين، وليس ذلك في رواية مالك، ثم قال: وقد قيل: إن معنى قوله: «ولم يسبغ الوضوء»، أي لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها، واستضعفه. انتهى. وحَكَى ابن بطال أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم سبق ابن عبد البرّ إلى ما اختاره أوّلًا، وهو متعقب بهذه الرواية الصريحة، وقد تابع محمد بن أبي حرملة عليها محمد بن عقبة أخو موسي، أخرجه مسلم بعد باب بمثل لفظه، وتابعهما إبراهيم بن عقبة أخو موسى أيضًا، أخرجه مسلم أيضًا بعد باب بلفظ: «فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ». وفي رواية للبخاريّ في «الطهارة» من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن موسى بن عقبة، بلفظ: «فجعلت أصبّ عليه، ويتوضأ»، ولم تكن عادته - ﷺ - أن يباشر ذلك أحد منه حال الاستنجاء. ويوضحه ما أخرجه مسلم أيضًا بعد باب من طريق عطاء مولى ابن سباع، عن أسامة، في هذه القصة قال فيها أيضًا: «ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة». قال القرطبيّ - ﵀ -: اختَلَف الشراح في قوله: «ولم يسبغ الوضوء»، هل المراد به: اقتَصَر به على بعض الأعضاء، فيكون وضوءًا لغويًّا، أو اقتَصَر على بعض العدد، فيكون وضوءًا شرعيًّا؟، قال: وكلاهما مُحْتَمِلٌ، لكن يعضد من قال بالثاني قوله في الرواية الأخرى: «وضوءًا خفيفًا»؛ لأنه لا يقال في الناقص خفيف، ومن موضحات ذلك أيضًا قول أسامة - ﵁ - له: «الصلاةَ»، فإنه يدلّ على أنه رآه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولذلك قال له: «أتصلي؟»، كذا قال ابن بطال، وفيه نظرٌ؛ لأنه لا مانع أن يقول له ذلك؛ لاحتمال أن يكون مراده: أتريد الصلاة؟ فلمَ لمْ تتوضأ وضوءها؟، وجوابه بأن الصلاة أمامك، معناه أن المغرب لا تصلى هنا، فلا تحتاج إلى وضوء الصلاة، وكأن أسامة - ﵁ - ظَنّ أنه - ﷺ - نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج، أو خرج، فأعلمه النبيّ - ﷺ - أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها؛ لتُجْمَع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يَعْرِف تلك السُّنّة قبل ذلك. وأما اعتلال ابن عبد البر بأن الوضوء لا يُشْرَع مرتين لصلاة واحدة، فليس بلازم؛ لاحتمال أنه توضأ ثانيًا عن حدث طارئ، وليس الشرط بأنه لا يُشرع تجديد الوضوء إلا لمن أَدَّى به صلاةً فرضًا أو نَفْلًا متّفقًا عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصح خلافه. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق هذه المسألة في «كتاب الطهارة»، وأن الأرجح أن تجديد الوضوء مشروع، وإن لم يؤدّ به عبادةً؛ لأن الوضوء وإن كان وسيلة للصلاة، إلا أنه عبادة مستقلّة حيث تكفّر به الخطايا، كما سبق في حديث: «إذا توضأ العبد المسلم، فغسل وجهه، خرج من وجهه كلّ خطيئة نظر إليها بعينيه …» الحديث، فراجع شرح هذا الحديث، تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. قال: وإنما توضأ أَوّلًا؛ ليستديم الطهارة، ولا سيّما في تلك الحالة؛ لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذ، وخَفّف الوضوء؛ لقلة الماء حينئذ. وقال الخطابيّ - ﵀ -: إنما ترك إسباغه حين نزل الشِّعْب؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. انتهى . (ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) بنصب «الصلاةَ» على الإغراء، أو على إضمار فعل، أي: أتريد الصلاةَ، قال الحافظ - ﵀ -: «ويؤيّده قوله في رواية:»أتصلي يا رسول الله؟ «، ويجوز الرفع على تقدير: حانت الصلاة، أو حَضَرَت مثلًا. (فَقَالَ) - ﷺ - («الصَّلَاةُ أَمَامَكَ») برفع«الصلاةُ»على الابتداء، والخبر:«أمامك»، وهو بفتح الهمزة، أي قُدّامك، ثم إنه يحتمل نصبه على الظرفيّة، فيتعلّق بمحذوف خبرٍ عن المبتدأ، وَيحْتَمِل الرفع على أنه الخبر؛ لأنه من الظروف التي تقبل التصرّف ، كما قال في«الخلاصة»: وَمَا يُرَى ظَرْفًا وَغَيْرَ ظَرْفِ … فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ يعني أن الصلاة ستصلى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي المصلى بين يديك، أو معنى أمامك لا تفوتك، وستدركها، وفيه تذكير التابع بما تركه متبوعه؛ ليفعله، أو يَعْتَذِر عنه، أو يُبَيِّن له وجه صوابه، قاله في«الفتح». وقال النوويّ - ﵀ -: معناه أن أسامة ذكَّره بصلاة المغرب، وظَنّ أن النبيّ - ﷺ - نسيها حيث أخّرها عن العادة المعروفة في غير هذه الليلة، فقال له النبيّ - ﷺ -:«الصلاة أمامك»، أي إن الصلاة في هذه الليلة مشروعة فيما بين يديك، أي في المزدلفة، ففيه استحباب تذكير التابع المتبوع بما تركه خلاف العادة؛ ليفعله، أو يعتذر عنه، أو يبيّن له وجه صوابه، وأنّ مخالفته للعادة سببها كذا وكذا. وأما قوله - ﷺ -:«الصلاة أمامك»، ففيه أن السنّة في هذا الموضع في هذه الليلة تأخير المغرب إلى العشاء، والجمع بينهما في المزدلفة، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وليس هو بواجب، بل سنةٌ، فلو صلاهما في طريقه، أو صلى كل واحدة في وقتها جاز، وقال بعض أصحاب مالك: إن صلى المغرب في وقتها لزمه إعادتها، وهذا شاذّ ضعيف. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«شاذّ ضعيف»، فيه نظر لا يخفي، بل هو الصواب الذي تدلّ عليه الأدلّة الصحيحة، من فعل النبيِّ - ﷺ - وقوله، فتبصّر. وقال الخطابيّ - ﵀ -: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة، وهي أمامك، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس؛ لبيان فعل النبيّ - ﷺ -، وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاجّ إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع، على ما سنّه الرسول - ﷺ - بفعله، وبيّنه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان لمَا أخّرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام. انتهى كلام الخطابيّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ. وقال الكرمانيّ متعقّبًا لكلام الخطّابيّ: ليس فيه دليل على أنه لا يجوز؛ إذ فعله المجرد لا يدلّ إلا على الندب، وملازمة الشرطية في قوله: «لَمَا أَخَّرها» ممنوعة؛ لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير؛ إذ الأصل عدم الجواز. وتعقّبه العينيّ، فقال: لا نسلّم نفي الدليل على عدم الجواز؛ لأن فعله قارنه قوله، فدلّ على عدم الجواز، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالمًا بالسنّة، ولم يكن يعلم ذلك؛ لأنه - ﷺ - أول من سنها في حجة الوداع، والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فَقِرَانُ فعله بقوله دليل على عدم الجواز، ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود، والله أعلم. انتهى كلام العينيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ ردًّا على كلام الكرمانيّ تحقيقٌ حقيق بالقبول؛ لأنه الذي تؤيّده الأدلّة الصحيحة، فتبصّر. قال المحقّق ابن حزم - ﵀ -: وأما قولنا: «لا تجزئ صلاة المغرب تلك الليلة إلا بمزدلفة، ولا بدّ، وبعد غروب الشفق، ولا بدّ»، فلِمَا رَوَيناه من طريق البخاريّ: نا ابن سلام، نا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، قال: لما أفاض رسول الله - ﷺ - من عرفات، عَدَلَ إلى الشِّعْب، فقضى حاجته، فجعلت أصب عليه، ويتوضأ، فقلت: يا رسول الله أتصلي؟ قال: «المصلى أمامك»، وذكر باقي الحديث. ثم قال: فإذ قد قصد - ﷺ - ترك صلاة المغرب، وأخبر بأن المصلَّى من أمام، وأن الصلاة من أمام، فالمصلَّى هو موضع الصلاة، فقد أخبر بأن موضع الصلاة، ووقت الصلاة من أمام، فصح يقينًا أن ما قبل ذلك الوقت، وما قبل ذلك المكان، ليس مصلًّى، ولا الصلاة فيه صلاة. انتهى كلام ابن حزم - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن صلاة المغرب في تلك الليلة لا تجوز إلا في المزدلفة مجموعة مع العشاء، كما بيّن النبيّ - ﷺ - ذلك قولًا وفعلًا، فمن صلّاها قبل ذلك، لزمه إعادتها فيها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. قال في «العمدة»: [فإن قلت]: «الصلاة أمامك» قضية حَمْليّةٌ، فكيف يصحّ هذا الحمل؟ لأن الصلاة ليست بأمام. [قلت]: المضاف فيه محذوف، تقديره: وقت الصلاة أمامك؛ إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، وقيل: معناه: المصلَّى أمامك، أي مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحالّ، وإرادة المحلّ، وهو أعمّ من أن يكون مكانًا، أو زمانًا. انتهى . (فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى) أي لم يبدأ بشيء قبل الصلاة، ووقع في رواية إبراهيم بن عقبة الآتية بعد باب: «ثم سار، حتى بلغ جَمْعًا، فصلى المغرب والعشاء»، وقد بيّنه في رواية مالك الآتية هناك أيضًا بلفظ: «فركب، فلما جاء المزدلفة، نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلّاها، ولم يصلّ بينهما شيئًا»، وبيّن في رواية إبراهيم بن عقبة، عن كريب: أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين على الإناخة، ولفظه: «فركب حتى جئنا المزدلفة، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يَحُلُّوا حتى أقام العشاء الآخرةَ، فصلّوا، ثم حَلُّوا»، وكأنهم صنعوا ذلك رِفْقًا بالدوابّ، أو للأمن من تشويشهم بها، وفيه إشعار بأنه خَفَّف القراءة في الصلاتين، وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يُجْمَع بينهما، ولا يَقطع ذلك الجمع، أفاده في «الفتح» . (ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) أي ركب خلف رسول الله - ﷺ -، وهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، ابن عمّ النبيّ - ﷺ -، وأكبر أولاد العبّاس، استُشهِد في خلافة عمر - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في «الصيام» ١٣/ ٢٥٨٩. ووقع في رواية إبراهيم بن عقبة الآتية: «قال كريب: فقلت لأسامة: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: رَدِفَه الفضلُ بنُ العباس، وانطلقت أنا في سُبّاق قريش على رجليّ، يعني إلى منى». واستُدِلّ بالحديث على جمع التأخير، وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية، وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية، والمالكية بسبب النسك، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم ترجيح القول بأنه للنسك، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَدَاةَ جَمْعِ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ «رَدِفَ»، و«جمع» بفتح الجيم، وسكون الَميم: هو المزدلفة؛ سُمّيت بذلك، إما لأن الناس يجتمعون بها، أو لأن آدم؛ اجتمع بحوّاء هناك . وقوله: (قَالَ كُرَيْبٌ) موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه (فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ) - ﵄ - (عَن الْفَضْلِ) أي عن أخيه الفضل بن عبّاس - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر، وهذا مذهب الشافعيّ، وسفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، ومن بعدهم، وقال الحسن البصريّ: يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة، ثم يقطع، وحُكِي عن عليّ، وابن عمر، وعائشة، ومالك، وجمهور فقهاء المدينة، أنه يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة، ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف، وقال أحمد، وإسحاق، وبعض السلف: يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة. ودليل الشافعيّ، والجمهور هذا الحديث الصحيح، مع الأحاديث بعده، ولا حجة للآخرين في مخالفتها، فيتعيّن اتباع السنة. قال: وأما قوله في الرواية الآتية: «لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة»، فقد يحتج به أحمد، وإسحاق لمذهبهما، ويُجيب عنه الجمهور بأن المراد حتى شرع في الرمي؛ ليجمع بين الروايتين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق هو الأرجح؛ لهذا الحديث، وأما تأويل الجمهور له، ففيه نظر لا يخفي، فلماذا لا يؤوّل بالعكس؟ فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد، والفضل بن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٣٠٨٨ و٣٠٨٩ و٣١٠٠ و٣١٠١ و٣١٠٢ و٣١٠٣ و٣١٠٤ و٣١٠٥] (١٢٨٠ و١٢٨١)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٣٩ و١٨١) و«الحجِّ» (١٦٧٠ و١٦٧٢)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٢٥)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (١/ ٢٩٢) و«المناسك» (٥/ ٢٥٩) و«الكبرى» (٢/ ٤٢٦ - و٤٢٧)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (٢/ ١٠٠٥)، و(مالك) في «الموطّإ» (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و(ابن أبي شيبة) في «مسنده» (١/ ١١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٠ و٥/ ١٩٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٥٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٨٨٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٦٤ و٣٧٥ و٣٧٦ و٣٧٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٣ و٣٦٧ و٣٦٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٥٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣٨٦) و«الأوسط» (٧/ ١٩٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٢/ ٩٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٧/ ٤٥)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٢٢) و«المعرفة» (٤/ ١١٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن التلبية تُستحبّ حتى يرمي جمرة العقبة، وخالف في ذلك بعضهم، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان جواز الإرداف على الدابة إذا أطاقت ذلك. ٣ - (ومنها): جواز الاستعانة في الوضوء في صب الماء. ٤ - (ومنها): مشروعية التخفيف في الوضوء. ٥ - (ومنها): استحباب الوضوء للدوام على الطهارة، وإن لم يصلّ به صلاة؛ إذ هي عبادة تَرَتَّب عليها تكفير الذنوب، فقول من قال بكراهة الوضوء إثر الوضوء ما لم يؤدّ بالأول صلاة مما لا دليل عليه، وقد تقدم تحقيق هذا في «كتاب الطهارة»، فارجع إليه تزدد علمًا. ٦ - (ومنها): أن صلاة المغرب في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة لا تُجْزِئُ، على القول الراجح؛ لقوله - ﷺ -: «الصلاةُ أمامَك». ٧ - (ومنها): أن الفصل بين الصلاتين بتنزيل الرحل ونحوه لا يضرّ في الجمع. ٨ - (ومنها): أنه لا يشرع الفصل بينهما بأداء سنة المغرب؛ لقوله: «ولم يُصَلِّ بينهما»، كما في رواية مالك الآتية بعد باب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي تُقطع فيه التلبية: ذهب الجمهور إلى ما دلّ عليه حديث الباب، فقالوا: يستمرّ على التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وبعدها يشرع في التحلّل. روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس - ﵄ -، أنه كان يقول: «التلبية شعار الحجِّ، فإذا كنت حاجًّا، فلَبِّ حتى بدء حلّك، وبدء حلّك أن ترمي جمرة العقبة». وروى سعيد بن منصور، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: «حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يُلبّي حتى رمى جمرة العقبة»، وباستمرارها قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأتباعهم. وذهبت طائفة إلى أن المحرِم يقطع التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة. وذهبت طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ - ﵃ -، وبه قال مالك، وقيّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعيّ، والليث، وعن الحسن البصريّ مثله، لكن قال: «إذا صلّى الغداة يوم عرفة»، وهو بمعنى الأول، وقد روى الطحاويّ بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: «حججت مع عبد الله، فلما أفاض إلى جمْع جعل يلبّي، فقال رجل: أعرابيّ هذا؟، فقال عبد الله: أنسي الناس، أم ضلّوا؟»، وأشار الطحاويّ إلى أن كلّ من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنَّها لا تشرع، وجمع في ذلك بين ما اختلف من الآثار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه الجمهور من استمرار التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم أيضًا، في أنه هل تُقطع التلبية مع أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟: ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب أحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى الثاني، ويدلّ لهم ما رواه ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل، قال: «أفضت مع النبيِّ - ﷺ - من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة»، قال بن خزيمة - ﵀ -: هذا حديث صحيحٌ مُفَسِّرٌ لما أُبْهِم في الروايات الأخري، وأن المراد بقوله: «حتى رمى جمرة العقبة»، أي أتمّ رميها. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد، وبعض الشافعيّة من أن قطع التلبية عند تمام الرمي هو الحقّ؛ لصحة حديث الفضل المذكور عند ابن خزيمة - ﵀ -، وهو حديث مفسّر تُحْمَل عليه الأحاديث الأخري، فيكون معنى قوله: «حتى رمى جمرة العقبة»: حتى أتمّ رميها بآخر الحصيات، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٩] (١٢٨١) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى ابْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَي، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ مجتهد [١٠] (ت ٢٣٨) وله (٧٢) سنةَ (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَطَاءٌ) بن أبي رباح أسلم، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي حتى فرغ منها؛ لِمَا تقدّم من رواية ابن خزيمة في «صحيحه» بلفظ: «فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة»، فهذا نصّ صريح يرجّح مذهب القائلين بأن قطع التلبية يكون مع آخر الجمرة، كما أسلفنا تحقيقه، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٠] (١٢٨٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ»، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ»، وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) اسمه نافذ المكيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٠. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فقد تفرّد به هو وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، هو شقيق عبد الله الراوي عنه، وهو أكبر أولاد العباس - ﵁ -، وكان يكنى به، استُشهد في خلافة عمر - ﵃ -، كما تقدّم قريبًا (وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي راكبًا خلفه من مزدلفة إلى مني، والجملة معترضة (أَنَّهُ) أي الرسول - ﷺ - (قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ) هذا سمعه منه - ﷺ -، وهو غير رديفه؛ لأن رديفه في ذلك الوقت هو أسامة بن زيد - ﵄ -، كما تقدّم في حديث أسامة - ﵁ - المذكور قبل حديث (وَغَدَاةِ جَمْعٍ) بفتح الجيم، وإسكان الميم: اسم لمزدلفة، أي صباح ليلة المزدلفة، حيث كان الفضل رديفه - ﷺ - (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ «قال»، وكذا قوله: (حِينَ دَفَعُوا) أي رجعوا من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى («عَلَيْكُمُ بِالسَّكِينَةِ») أي الزموها، والجملة في محل نصب مقول القول، قال النوويّ - ﵀ -: هذا إرشاد إلى الأدب والسنّةِ في السير تلك الليلة، ويُلحَق بها سائر مواضع الزحام. انتهى . (وَهُوَ) - ﷺ - (كَافٌّ نَاقَتَهُ) بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكفّ، وهو المنع، أي مانعها من الإسراع حين الزحام، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا) بصيغة اسم الفاعل من التحسير، يقال: حسّرتُهُ - بالتثقيل -: أوقعته في الحسرة، اسم واد بين المزدلفة ومني، سمّي به؛ لأن فيل أَبْرَهَة كَلَّ فيه، وأعيا، فحسّرَ أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات، أفاده الفيّوميّ. (وَهُوَ مِنْ مِنًى) يعني أن واديَ محسّر من جملة مني، وظاهره أنه داخل في حدودها، وعلى هذا فالأمر بالارتفاع عنه؛ لكونه محلّ تحسّر أصحاب الفيل. وقيل: هو من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومني، وأن معنى قوله: «وهو من منى» أي هو موضع قريبٌ من منى في آخر المزدلفة، وقد تقدّم تحقيق الكلام في ذلك في شرح حديث جابر - ﵁ - الطويل (قَالَ) - ﷺ - («عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ) بالخاء، والذال المعجمتين، أي الزموا حصى الرمي، والمراد به الحصى الصغار، قال الفيّوميّ - ﵀ -: خذفت الحصاة ونحوها خذفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أطلق مجازًا. انتهي، وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: حصى الخذف هو نحو حبة الباقلّا، قال أصحابنا: ولو رمى بأكبر منها، أو أصغر جاز، وكان مكروهًا. انتهى. وقوله: (الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ») صفة لـ «حصى الخذف»، والفعل مبنيّ للمفعول، و«الجمرة» بالرفع نائب فاعله (وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) أي حتى فرغ من رمي جمرة العقبة يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الفضل بن عباس - ﵄ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٣٠٩٠ و٣٠٩١] (١٢٨٢)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٥٤٤ و١٦٨٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨١٥)، و(الترمذيّ) في «الحج» (٩١٨)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجِّ» (٥/ ٢٥٨ و٢٦٧) و«الكبرى» (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، و(ابن ماجة) في «المناسك» (٣٠٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٠ و٢١٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٨٤٣ و٢٨٦٠ و٢٨٧٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٧٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ٦٨٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٩١ و١٩٠٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٨٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٢/ ٩٢)، و(البزّار) في «مسنده» (٦/ ١٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بحث يتعلّق بقوله: «وهو كافّ ناقته حتى دخل مُحسِّرًا، وهو من منى»: (اعلم): أني رأيت رسالةً للعلامة المحدّث المحقّق عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي اليمانيّ المتوفّى سنة (١٣٨٦ هـ) قد أجاد فيها البحث فيما يتعلّق بسير النبيّ -ﷺ- في حجته بين المشاعر، ومتى كان إسراعه، والكلام عن وادي مُحسّر، وسبب الإسراع فيه، أحببت نقلها هنا؛ لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها . قال رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه .. آمين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في «الصحيحين»، وغيرهما عن هشام بن عروة عن أبيه قال: «سُئِلَ أسامةُ، وأنا جالس: كيف كان رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فَجْوة نَصَّ»، لفظ البخاري، وزاد في رواية: «قال هشام: والنصّ فوق العنق». المشهور أن العنق سيرٌ فِيهِ إسراع، وقد يَرِدُ على ذلك أن في روايةٍ في «صحيح مسلم» عن أسامة: «فما زال يسير على هيئته»، ويُرْوَى: «على هينته، حتى أتى جَمْعًا»، وفي روايةٍ في «المسند» سندُها صحيح: «فَجَعَلَ يَكْبَح راحلته حتى إن ذِفْرَيها لتكاد تصيب قادمة الرحل، وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار، فإن البِرَّ ليس في إيضاع الإبل»، وفي أخرى سندها حسن: «فكان رسول الله - ﷺ - إذا الْتَحَم عليه الناس أعنق، وإذا وجد فرجة نص»، وفي «الْمُسْنَد»، و«صحيح مسلم» في حديث جابر: «وقد شَنَقَ للقصواء الزمامَ حتى إِنّ رأسها ليُصِيب مَوْرك رحله، ويقول: أيها الناس السكينة السكينة؛ كلما أتى حَبْلًا من الحبال أرخى لها حتى تصعد …»، وفي معنى ذلك أخبار أُخْرى. فأيُّ إسراعٍ يكون لناقةٍ مُنَوَّقة مشنوق لها الزمام أشدَّ الشنق، ملتحم عليها المشاة والركبان؟. وقد يُجاب بأنّ العَنَقَ في الأصل هو كما في «الفائق»: الخطو الفسيح، فالسرعة فيه من جهة سعة الخطو، لا من جهة سرعة تتابعه، والإبل بطبيعة حالها واسعة الْخَطو. وفي فقه اللغة للثعالبي: «فصل في ترتيب سَيْر الإِبل، عن النَّضْر بن شُميل: أوَّل سير الإبل الدبيب، ثم التزيد، ثم الذَّمِيل، ثم الرسيم …، فصل في مثل ذلك عن الأصمعيّ: العنق من السير المُسْبَطِرّ، فإذا ارتفع عنه قليلًا فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذَّمِيل، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الرسيم»، وقضيّة هذا أنّ أول سير الإبل يسمّى عَنَقًا، وبعدُ فقد عُرف بالوصف حقيقة سير ناقته -ﷺ- عند الازدحام. فأما النصّ فهو كما قال هشام: فوق ذلك، كأنه -ﷺ- كان إذا وجد فَجْوةً أي: خُلُوًّا عن المزاحمين أَرْخَى الزمام فتسرع قليلًا بِطبيعة حالها، ولم يُعَيّن الصحابة مواضع تلك الفَجَوات؛ لأنّه لا دخل لخصوص المكان فيها، وإنما المدار على الخلوّ من المزاحمين، كما مرّ. وقد عُلم مِمَا مرَّ أنَّ عرفة إلى مزدلفة لم يُسرع النَّبِيُّ -ﷺ- فوق العادة، وأنّه ليس بينهما مكان يشرع فيه الإِبطاء، أوِ الإسراع المعتاد، وإنما المدار على الزّحام وعدمه. فأما من مزدلفة إلى جمرة العقبة ففي «المسند» بسند صحيح عن أسامة: «لما دفع من عرفة … كَفَّ رأس راحلته حتى أصاب رأسها واسطة الرحل، أو كاد يصيبه، يُشِير إلى الناس بيده: السكينة السكينة حتى أتى جَمْعًا، ثم أردف الفضل بن عباس … فقال الفضل: لم يَزَلْ يسير سَيْرًا لينًا كسَيْره بالأمس، حتى أتى على وادي محسِّر، فدفع فِيهِ حتى اسْتوت به الأرضُ». وفي حديث جابر -﵁- في «المسند» و«صحيح مسلم» وغيرهما: «حتى أَتَى بَطْنَ مُحَسّر، فحَرَّك قليلًا، وفي»سنن النَّسَائيّ«من حديث أبي الزبير، عن جابر:»أفاض رسول اللهِ -ﷺ-، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأَوْضَعَ في وادي محسّر … «، وهو في»المسند«، وبقية»السنن«، قال الترمذيّ: حسن صحيح، وفي بعض رواياته في»المسند«، و»سنن ابن ماجة«:»وقال: لتأخذْ أمّتِي نسكها، فإِنّي لا أدري لعلّي لا ألقاهم بعد عامِي هذا«. وفي«الْمُسْنَد»، و«سنن الترمذي»، من حديث عليّ:« … ثم أفاض حتى انْتهى إلى وادِي محسّر، فقَرَع ناقته، فخَبَّتْ حتى جاوز الوادِي»، لفظ التّرمذيّ، وقال:«حسن صحيح». في هذه الأحاديث أَنّ النّبِيّ -ﷺ- خَصَّ وادي محسّر دونَ ما قبله وما بعده بأن قرع ناقته فيه لتسرع فوق العادة، ولم يكن لذلك سبب طبيعيّ، ففهم الصحابة -﵃- أن ذلك لأمرٍ شرعيّ، وأنّ مثل ذلك الإسراع مشروع في ذلك المكان، ولذلك نصّوا عليه وفاءً بما أُمروا به من التبليغ، وعَمِلوا به بعد النّبِي -ﷺ-. جاء ذلك عن عمر، وابن عمر، وأخذت به الأمة، فهو سنة ثابتة. قال المعلّمي -﵀-: وهل يُشرع مِثْلُ ذلك الإسراع عند المرور بمحسّر في الطلوع إلى عَرَفَة، وعند المرور به في غير الحَجّ؟ لم أجد دليلًا خاصًّا على ذلك، وقد يُستدلّ على عَدَمِه بأنه لم يُنْقَلْ أنّه -ﷺ- أسرع فيه عند طلوعه إلى عَرَفَةَ. وقد يُدْفَعُ هذا باحتمال أنه عند الطلوع لم يكن قد أُمر بالإسراع فتركه؛ لأنه لم يكن مشروعًا حينَئذ ، أَوْ لعله أسرع، ولم يُنْقَلْ ذلك؛ لأنّهم لم يعتَنُوا ببيان سيره في طلوعه، كما اعتَنَوا ببيان سيره في نزوله، واكتفاءً بدلالة إسراعه به في نزوله على أنَّ الإسراع فيه مشروع مطلقًا، فما هذه الدلالة؟ مدارها على المعنى الذي لأجله شُرع الإسراع، وفي ذلك أقوال: [الأوَّل]: أن ذلك الوادي مأوى للشياطين؛ وكأنّ هذا مأخوذ من قصة الوادي الذي نام فيه النبي -ﷺ- وأصحابه عَنْ صلاة الصبح، فلما استيقظوا، وقد طلعت الشمس أمرهم بالخروج منه، وعلَّلَ ذلك بأنّ فيه شيطانًا، فاقْتَادُوا رواحِلَهُم حتى خرجوا منه، فصلّى بهم، ويَرُدّ هذا أنَّ الخروجَ إنّما كان لمصلحة الصلاة، لا لِكَرَاهِيَة الكون في الوادِي ، فقد باتُوا فيه وناموا، وأيضًا فلم يُسْرِعْ ولا أمرهم بالإسراع في خروجهم. [الثاني]: أن النصارى كانوا يقفون بمحسِّر، فَأوْضَعَ فيه النبِيُّ -ﷺ-؛ مخالفةً لهم، وكأنّ هذا مأخوذ مِمّا رُوِيَ أن عمر -﵁- قال، وهو يوضِعُ: إليك تعدو قلقًا وضينها … معتَرِضًا في بطنها جنينُها مخالِفًا دينَ النصارى دينُها ولا يَخْفَى أنّ هذا لا يدل على أنّ النصارى كانوا يقفون بمحسر، ويكفي في معنى البيت مخالَفَة النّصارى في شركهم، وعدم حجّهم، وأيضًا فلو ثَبَتَ أنهم كانوا يقفون به فالمخالفة تحصل بعدم الوقوف، فلا تقتضِي الإسراع. [الثالث]: أنّ المشركين كانوا يقفون به يتفاخرون بآبائهم، وكأنّ هذا مبنيٌّ على الذي قَبْلَه، ولكن لما كانت دعوى وقوف النّصارى لا سَنَدَ لها أبدلوا بالمشركين؛ لأنّه قد رُوِيَ ما يشْبِهُ ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] ويردُّه أنّه إذا كانت الآيَةُ تُشِيرُ إلى ذلك، فإنّها تشير إلى أنّ ذلك كان عند قضاء المناسك، وأكثَر الروايات توافق ذلك، وأنّهم كانوا يتفاخرون بمني، وفي بعضها: عند الْجَمْرَة، وفي بعضها: يوم النحر، وليس في الروايات ذِكرٌ لمحسِّر، وأيضًا فمُخَالفتهم في ذلك لا تَقْتَضِي الإسراع. [الرابع]: وهو المشهور: أن وادي محسِّر موضع نزل به عذاب، قال ابن القيّم في «الْهَدْي»: «فلمّا أتى بطنَ محسّر حرَّكَ ناقَتَهُ وأَسْرَعَ السَّيْرَ، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بَأْسُ اللهِ بأعدائه، فإن هنالك أَصَابَ أَصْحَابَ الفيل ما قَصَّ اللهُ علينا، ولذلك سُمّيَ ذلك الوادي واديَ محسّر؛ لأن الفِيلَ حَسَرَ فيه: أَيْ أَعْيَا، وانقطع مِنَ الذّهاب، وكذلك فعل في سلوكه الحِجْرَ، وديارَ ثمود، فإِنّه تَقَنَّعَ بثَوبه، وأسرع السير، ومحسر برزخ …»، وسيأتي بقيّةُ عبارته. وهذا القولُ مَقْبولٌ، وشاهِدُهُ، وهو الإسراعُ في أرض ثَمود مَنْقُول، = رواه مسلم، وغيره، فدلّ على أن خروجهم كراهة للوادي حيث حضر الشيطان فيه، وأما مبيتهم فيه، فلم يعلموا بحضور الشيطان فيه، ولم يتبيّن لهم ذلك إلا بعد فوات الصبح، فتأمله بالإمعان. ووَجِيهٌ أن يُكْرَهَ الكونُ بمنازل غَضَب اللهِ فوق ما لا بُدَّ منه منَ الْمُرُور السريع، كما يستَحَبّ الكون واللبث بمنازلَ بركة اللهِ، كمكَّةَ، والمدينة، ولا يَخدِش في هذا الوَجْهِ الوَجِيه أن نَجْهَلَ ما هو العَذَابُ الذي نزل بمحسِّر، فإن ما ذكروه مِنْ أَنّه عذابُ أصحاب الفيل، وأَنَّ الفِيلَ حُبِسَ هناك، مُتَعَقَّب بأنّ المعروفَ في الأخبار، والأشْعَار، والآثار أَنّ ذلك كان بالْمُغَمَّس . وأنّ الفيل حُبِسَ دون الْحَرَم، ولكن لا مانع أن تكونَ طليعة من أصحاب الفيل تَقَدَّمت الفِيلَ والجيش، فبلغت محسِّرًا؛ وقيل: إنّ العذابَ هو أن رجلًا اصطاد فيه، فنزلت نارٌ فَأَحرقته. وقد عَلِمْتَ أنّ وَجَاهَةَ القول الرابع لا يخدِش فيها الْجَهْلُ بتعيين العذاب. وإذا كان ذاك المعنى هو المتجه، فلا ريب أنَّ اقتضاءَه للإِسراع في محسّر كراهِيَةَ الكون به فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، لا يختصّ بالحاجّ المفِيض من مزدلفَةَ، فيُلْحَق به غيرُه؛ استنباطًا، والله أعلم. [فصل]: إذا ثَبَتَ أن محسّرًا يكره الكونُ به فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، وَجَبَ أنْ لا يَكونَ من البُقْعة التي شُرِعَت فيها البيتوتة ليالِيَ التشريق، والكونُ بها بقيّة نهار الثامن، وليلة التاسع، ويوم النحر، وأيّام التشريق، وهي مني، فلا يكون محسّر من منى في الحكم، فأمّا في الاسم فقد جاء ما يدل على أنّه من مزدَلِفَةَ في الاسم، مع خروجه منها في الحكم، وجاء ما يدلّ على أنَه من منى في الاسم، وجاء ما يدل على أنه ليس من منى ولا مزدلفة. فأما الأوّلُ: فأخْرج ابن جرير في «تفسيره» عن زيد بن أسلم، عنِ النبيّ -ﷺ- قال: «عرفَةُ كلها موقفٌ إلا عُرَنَةَ، وجَمْع كلها موقف إلا محسِّرًا»، وأخرج عن ابنِ الزبير: «كل مُزْدلفة موقف، إلا وادي محسّر»، وعن عروة بن الزبير مثله. وخبر عبد الله بن الزبير في «الموطَّأِ»، عن هشام بن عروة عنه، والأصل في الاستثناء الاتّصال، فيكون محسّرٌ داخِلًا في مزدلفة في الاسم، خارجًا عنها في الحكم، فعلى هذا لا يكون من منى في الاسم أيضًا. فإن قيل: قضِيَّةُ هذا أن تكونَ عرنَةُ داخلةً في اسم عَرَفَةَ، وإن خرجت عنها في الحكم. قلت: لا مانع من هذا، بل يَشْهَدُ له ما ذكره صاحبُ «الْقِرَى» وغيرُهُ بعد ذكر تحديد ابن عباس لعرفة، أنّه يدخل فيها عُرَنَةُ، ويوافِقُهُ حديثُ ابن عمر في «المسند»، و«سنن أبي داود»: «غَدَا رسولُ اللهِ -ﷺ- … حتى أَتَى عَرَفَةَ، فنزل بنَمِرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفَةَ …»، ونَمِرَة من عُرنة. وأما الثاني: فيدلّ عليه ما في «المسند»، و«صحيح مسلم»، و«سنَن النسائيّ» من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي مَعْبَد مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس، عن أخِيهِ الفَضْل، وكان رديفَ رسول الله -ﷺ-، أَنّه قال في عَشِيّةِ عَرَفَة، وغداة جَمْعٍ للناس حين دَفَعُوا: «عليكم بالسكينة»، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسّرًا -وهو من منى- قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة»، وقال: لم يزل رسولُ الله -ﷺ- يُلَبِّي حتى رمى الْجَمْرَة، لفظ مسلم. وفي «المسنَد»، و«سنن النسائيّ»: «حتى إذا دخل»، ثم ساقَهُ مسلم من طريق ابن جُرَيج، عن أبي الزبير، ولم يَسُق المتن، وقد ساقَه الإمامُ أحمدُ في «المسند»، وفيه: «حتى إذا دخل منى حين هَبَطَ محسِّرًا قال: عليكم بحصى الخذف …»، ولم يكن مقصود الفضل إِلا الإخبار بما كان مِنَ النبيِّ -ﷺ- في مَسِيرِهِ من المزدلفة إلى جَمْرَة العَقَبَة، بدون نَظَر إلى حكم البيتوتة، فغايَةُ ما يُؤْخَذُ من خبره أن محسرًا من منى في الاسم، ومسلم أخرج هذا الحديثَ في «صحيحه» في أحاديث اسْتدامة التلبِيَة إلى رَمْي جمرة العَقَبة، ولم يخرجه في الموضع الذي يتعلَّقُ بحكم البيتوتة، وبين الموضعَين أربعة عشَر بابًا في تَبْويب النوويّ. ولم أجِدْ هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير، وقد رواه جماعةٌ غير أبي مَعْبد، عن ابن عباس، ورَوَاه جماعة غير ابن عَبَّاس، عنِ الفَضْل، ولم أرَ في شيءٍ من رواياتهم هذه الكلمة، أو معناها أن محسرًا من مني، وأبو الزبير وثّقه جماعةٌ، ولَيَّنَهُ آخرون، قال الشافعيّ: «أبو الزبير يحتاج إلى دعامة»، وقد لا يَبْعُدُ أن تكونَ كلمةُ: «وهو من منى»، وهي في الرواية التي اتفَقَ على إخراج لفظها الإمام أحمدُ، ومسلمٌ، والنسائيُّ، مُدْرَجة من قول أبي الزبير، وأن راوي الرواية الأخرى خَفِي عليه الإدراج، وروى بالمعني، والله أعلم. وأما الثالثُ: وهو أنَّ محسّرًا ليس داخلًا في اسم مني، ولا اسم مُزْدَلفَة، فهو المشهورُ، وفي «تاريخ الأَزْرَقيّ» ٢/ ١٥٥: «حَدَّثَنِي جدي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريجٍ .... قلت لعطاء: وأينَ المزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا أَفَضْتَ من مأزمَي عرفة فذلك إلى محسّر»، وفيه ص ١٣٩ بهذا السند عن ابن جريجٍ: قال: «قلت لعطاءٍ: أين منى؟ قال: من العَقَبة إلى محسِّر، قال عطاء: فلا أحبّ أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر»، وهو خَبَرٌ واحدٌ قطعه، وقد روى ابن جريجٍ في «تفسيره» القطعة الأولى: «حدّثنا هنَّاد، قال: ثنا ابنُ أبي زائدة، قال: أنا ابنُ جُرَيْج، قال: قلت لعطاء …»، وسنده صحيح، فأمّا سند الأزرقيّ ففِيهِ مسلم بن خالد، فيه لِينٌ، لكنّه فقِيهُ مكة في عصره، وهذا الحكم مما يعنى به فقهاء مكة، وشيخه ابن جريجٍ إمام، وهو فقيه مكة في عصره أيضًا، وهو مِمَّنْ روى حديثَ أبِي الزبَيْر السابق، وكأنّه لم يُعَوِّلْ على ما فِيهِ، مِمّا يدلُّ على أن محسِّرًا من مني، وعطاء إمام، وهو فَقِيه مكة في عصره، وروى عن ابن عباس حديثَ الفَضْل وغيره؛ ثم جاء فقِيهُ عصره الإِمَام الشافِعِيُّ، وهو مكِّيٌ، أخَذَ عن مسلم بن خالد وغَيْرِهِ، قال في «الأُمّ» ٢/ ١٧٩: «والْمُزْدلفةُ من حينِ يُفْضِي من مأزمَيْ عرفة - وليس المأزمان من مزدلفة - إلى أن يَأْتِيَ قَرْنَ محسِّر»، وقال ص ١٨٢: «ومنى ما بين العقبة، وليست العقبة مِنْ مِنَي، إلى بطن محسِّر، وليس بطن محسر مِنْ منى»، وهذا القَوْلُ أَعنِي أنَّ محَسِّرًا ليس من المزدلفة، ولا من منى هو المعروف في كتب الفقه، والمناسك في المذاهب الأربعة. وقال ابنُ حزم في «الْمحلّى» ٧/ ١٨٨ المسألة (٨٥٣): «وعَرَفَةُ كلها موقفٌ إلا بطن عُرَنَة، ومزْدلِفَة كلها موقف إلا بطنَ محسّر؛ لأنّ عرفة من الحِلّ، وبطن عرنة من الحرم، فهو من غير عرفة، وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام، وهي مِنَ الحرم، وبطن محسّر من الحِلّ، فهو غيرُ مزدلفة»، ولا ريبَ أَنّ منى عنده من الْحَرَم، فهي غيرُ محسر الذي هو عندَه من الحل، وقد أَغْرَبَ في زعمه أن بَطْنَ عرنَةَ من الْحَرَم، وأغْرَبُ من ذلك زَعْمُهُ أَنّ محَسِّرًا من الحلّ، احْتَجّ ابن حزمٍ باختلاف المكانَين في أنّ هذا من الحلّ، وهذا من الحَرَم، على تَغَايُرهما واختلاف ، وَإِنّها لَحُجَّةٌ لو صح ذاك الاختلاف. وقال شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَّةَ في «مناسكه»: «ومزدلفَةُ كلها يُقَالُ لها الْمَشْعَر الحرام، وهي ما بين مَأْزِمَي عَرَفة إلى بطن محسّر، فإِنّ بين كلِّ مَشْعَرَين حدًّا ليس منهما، فإنّ بين عَرَفَةَ ومزْدلفَةَ بطنَ عُرَنَةَ، وبين مزدلفَةَ ومنى بَطْن محسِّر»، كأنّه نظر إلى عبارة ابن حَزمٍ، وأعرض عمّا فيها من الخطأِ. وقد أوضَحَ ابن القيّم ذلك فقال في «الْهَدْي»: «ومُحَسِّر بَرْزَخٌ بين منى وبين مزدلفَةَ، لا من هذه ولا من هذه، وعُرَنَةُ برزخٌ بين عَرَفَةَ والمشعر الحرام، فبين كلّ مَشْعَرَين برزخ ليس منهما، فَمِنى من الحَرَم، وهي مَشْعَر، ومُحَسِّر من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعُرَنَةُ ليست مَشْعَرًا، وهي من الحِلّ، وعَرَفَةُ حلٌّ ومَشْعر، ولا ريب أن الشيخَيْن كانا عَارِفَيْن بحديث أبي الزُّبير، عن أبي مَعْبد، ومع ذلك قَطَعَا بأنَّ محسِّرًا ليس من مني، وفي هذا سَنَدٌ قَوِيٌّ لما تقدّم من الكلام فيه، والله أعلم. آخر الرسالة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الشيخ المعلّميّ -﵀- في هذا البحث، وأفاد، فجزاه الله عن خدمة السنّة خير الجزاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩١] (…) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِ: وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يُشِيرُ بِيَدِهِ، كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الذي قبله، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان. وقوله: (كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ) أراد به الإشارة إلى صغر الحصى. وقال النوويّ -﵀-: المراد به الإيضاح، وزيادة البيان لحصى الخذف، وليس المراد أن الرمي يكون على هيئة الخذف، وإن كان بعض أصحابنا قد قال باستحباب ذلك، لكنه غلطٌ، والصواب أنه لا يُستحبّ كون الرمي على هيئة الخذف، فقد ثبت حديث عبد الله بن المغفّل -﵁-، عن النبيِّ -ﷺ- في النهي عن الخذف، وإنما معنى هذه الإشارة ما قدّمناه، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطان، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ في «المجتبى» ٥/ ٢٦٧ فقال: (٣٠٥٢) - أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بن سَعِيدٍ، قال: حدّثنا يحيي، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير، عن أبي معبد، عن عبد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ- حين دفعوا عشية عرفة، وغداة جمع: «عليكم بالسكينة»، وهو كافٌّ ناقتَهُ، حتى إذا دخل منى حين هَبَطَ مُحَسِّرًا قال: «عليكم بحصى الخذف الذي تُرمى به الجمرة»، قال: والنبيّ -ﷺ- يشير بيده، كما يَخْذِف الإنسان. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٢] (١٢٨٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ، وَنَحْنُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٣ - (حُصَينُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (كَثِيرُ بْنُ مُدْرِكٍ) أبو مدرك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٢]. رَوَى عن علقمة، وابني أخيه: الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد النخعيين. وروى عنه أبو مالك الأشجعيّ، ومنصور بن المعتمر، وحُصين بن عبد الرحمن. قال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». له عند مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية. قلت: وقال العجلي: كوفي ثقة. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديث الباب متابعةً، وكرّره ثلاث مرّات. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير -﵁-، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُدَاسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: حُصين، عن كثير، عن عبد الرحمن، ورواية كثير عن عبد الرحمن من رواية الأكابر عن الأصاغر، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النخعيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بْنُ مَسْعُودٍ -﵁- (وَنَحْنُ بِجَمْعٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أننا نازلون في جمع، وهي المزدلفة (سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يعني النبيّ -ﷺ-، والجملة مقول «قال»، قال النوويّ -﵀-: وفيه دليل على جواز قول: «سورة البقرة»، و«سورة النساء»، وشبه ذلك، وكَرِهَ ذلك بعض الأوائل، وقال: إنما يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة التي تذكر فيها النساء، وشبهُ ذلك، والصواب جواز قول: «سورة البقرة»، و«سورة النساء»، و«سورة المائدة»، وغيرها، وبهذا قال جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة، من كلام النبيِّ -ﷺ-، والصحابة -﵃-، كحديث: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة كفتاه»، والله أعلم. قال: وأما قول عبد الله بن مسعود -﵁-: «سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، فإنما خَصّ البقرة؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا مقام مَن أُنزلت عليه المناسك، وأُخِذ عنه الشرع، وبَيَّنَ الأحكام، فاعتمدوه، وأراد بذلك الردّ على من يقول بقطع التلبية من الوقوف بعرفات، وهذا معنى قوله في الرواية الثانية: «أن عبد الله لَبَّى حين أفاض من جمع، فقيل: أعرابي هذا؟» فقال ابن مسعود ما قال؛ إنكارًا على المعترض، وردًّا عليه، والله أعلم. انتهى. وقوله: (يَقُولُ) جملة حاليّة من المفعول (فِي هَذَا الْمَقَامِ) ولفظ النسائيّ: «في هذا المكان»، يعني المزدلفة، وقوله: («لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ») مقول «يقول»، وفيه دليلٌ على استحباب إدامة التلبية بعد الوقوف بعرفات، وفي المزدلفة ليلة النحر، وصباحه، وأنها لا تُقطع إلا إذا رمى جمرة العقبة في ذلك اليوم، وهو المذهب الراجح، كما سبق في حديث الفضل بن عباس -﵄-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٣٠٩٢ و٣٠٩٣ و٣٠٩٤ و٣٠٩٥] (١٢٨٣)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجِّ» (٥/ ٢٦٥) وفي «الكبرى» (٤٠٥٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مسنده» (١/ ١٣٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٧٤ و٤١٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٨٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٢) و«المعرفة» (٤/ ١٠٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْع، فَقِيلَ: أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ، أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِي هَذَا الْمَكَانِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟) المشار إليه هو ابن مسعود -﵁-، أي أهذا الرجل أعرابيّ من أهل البادية، جاهل بأمر دينه؟. وقوله: (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن مسعود -﵁- منكرًا على من أنكر عليه التلبية حينما أفاض من جمع. وقوله: (أَنَسِيَ النَّاسُ، أَمْ ضَلُّوا؟) أي أَنَسُوا سنّة النبيّ -ﷺ- في التلبية في مثل هذا الموضع، حتى أنكروا عليّ ذلك، أم هم تاركون للسنة مع علمهم بها؟؛ لأنه لا ينكر عليه إلا أحد رجلين: إما جاهلٌ بالسنّة، أو متساهل بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاه حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) بن عليّ بن محمد الخلّال، أبو عليّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. و«حُصين» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن حُصين هذه ساقها أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» ٣/ ٣٦٥ فقال: (٢٩٥٥) - حدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن حصين (ع) وثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن محمد بن عمران، ثنا الحلوانيّ، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن حُصين، عن كثير بن مدرك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، أنه لَبَّى ليلة جَمْعٍ، ثم قال: ها هنا رأيت الذي أُنزلت عليه سورة البقرة يلبي. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ، يَعْنِي الْبَكَّائِيُّ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَا: سَمِعْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ هَا هُنَا، يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»، ثُمَّ لَبَّي، وَلَبَّيْنَا مَعَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم نون - أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) تقدم في «الصلاة» ٥٢/ ١١٤٣. ٢ - (زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ) هو: زياد بن عبد الله بن الطُّفيل العامريّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ ثبتٌ في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لينٌ [٨] (١٨٣) (خ م ت ق) تقدم في «الصلاة» ٥٢/ ١١٤٣. ٣ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ، وهو أخو عبد الرحمن المذكور معه [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٣) - (بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَالتَّكْبِيرِ، فِي الذَّهَابِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، في يَوْمِ عَرَفَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٦] (١٢٨٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام العَلَم الحجة المشهور، رأس [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربما أخطأ [١٠] (٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٥ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَلُ، صدوقٌ يُغرب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٦ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٦) (م د س) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٥. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المدنيّ، كان وصيّ أبيه، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (خ م د ت س) تقدم في «الجمعة» ١/ ١٩٥٢. ٩ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄-، تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان بالتحويل، يجتمعان في يحيى بن سعيد الأنصاريّ، فكلّ من عبد الله بن نُمير، ويحيى بن سعيد الأمويّ يرويان عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهذا معنى قول المصنّف: «قالا جميعًا: حدّثنا إلخ». ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى من قدّمنا في التراجم. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من يحيى الأنصاريّ، والباقون بغداديون، وابن المثنّى بصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عمر -﵄-، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄-. [تنبيه]: هكذا رواية المصنّف -﵀- لهذا الحديث من طريق عبد الله بن نمير، ويحيى الأمويّ، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، بإدخال «عبد الله بن عبد الله بن عمر» بين عبد الله بن أبي سلمة، وابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد الأنصاريّ عمر بن حسين، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ورواه النسائيّ من طريق حمّاد بن زيد، عن يحيى الأنصاريّ، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن عمر، فأسقط عبد الله بن عبد الله، وتابع هشيم حمّادًا، عن يحيى الأنصاريّ. والظاهر أن كلتا الطريقين محفوظتان، والله تعالى أعلم. (قَالَ: غَدَوْنَا) من باب قعد: بمعنى ذهبنا غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوة غُدًى، مثلُ مُدْيةٍ ومُدَي، هذا أصله، ثم كَثُرَ حتى استُعْمل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله -ﷺ-: «واغدُ يا أنيسُ» ، أي انطلق، قاله الفيّوميّ -﵀-. (مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ) بصيغة الجمع، اسم للموضع المعروف، قال الفيّوميّ -﵀-: وعَرَفاتٌ: موضعُ وقوف الْحَجِيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، ويُعْرَب إعراب مسلمات، ومؤمنات، والتنوين يُشبه تنوين المقابلة، كما في باب مسلماتٍ، وليس بتنوين صرفٍ؛ لوجود مقتضى المنع من الصرف، وهو العلمية والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام، وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات: جمع عَرَفَةَ تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات. انتهى . وإلى إعراب نحو عرفات أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» حيث قال: وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا … يُكْسَرُ فِي الْجَرِّ وَفِي النَّصْبِ مَعَا كَذَا أُولَاتُ وَالَّذِي اسْمَا قَدْ جُعِلْ … كَأَذْرِعَاتٍ فِيهِ ذَا أَيْضًا قُبِلْ قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أشار إليه في «الخلاصة» من أن إعراب نحو أذرعات اسم قرية بالشام، وكذا عرفات بإعراب جمع المؤنّث هو المذهب الصحيح، وفيه مذهبان آخران: أحدهما: أن يُرفع بالضمّة، ويُنصب ويُجرّ بالكسرة، ويُزال منه التنوين، نحو: هذه عرفاتُ، ورأيت عرفاتِ، ووقفت بعرفاتِ بلا تنوين. والثاني: أن يرفع بالضمّة، ويُنصب ويُجرّ بالفتحة، ويُحذف منه التنوين، نحو: هذه عرفاتُ، ورأيتُ عرفاتَ، ووقفتُ بعرفاتَ، ويروى قوله [من الطويل]: تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتَ وَأَهْلُهَا … بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ بكسر التاء، كالمذهب الأول، وبكسرتين، كالمذهب الثاني، وبفتحها بلا تنوين، كالمذهب الأول . (مِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) يعني أنهم يجمعون بين التلبية والتكبير، فمرّة يلبّي هؤلاء، ويكبّر آخرون، ومرّة بالعكس، فيصدُق في كلّ مرّة أن البعض يكبّر، والبعض يلبّي، والظاهر أنهم ما فعلوا ذلك، إلا لأنهم وجدوا النبيّ -ﷺ- فعل مثله، فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاويّ، من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، من طريق مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عنه، قال: «خرجت مع رسول الله -ﷺ-، فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير». فهذا نصّ صريح بأنه -ﷺ- كان يلبّي في غالب أحواله، ويكبّر أحيانًا، فالمستحبّ للحاجّ أن يأتي بالذكرين جميعًا، لكن يكثر التلبية، ويأتي بالتكبير في أثنائها، كما هو صريح فعله -ﷺ-. وفي الرواية التالية من طريق عمر بن حسين، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: «كنّا مع رسول الله -ﷺ- في غداة عرفة، فمنّا المكبر، ومنّا المهلّل، فأما نحن فنكبّر، قال: قلت: والله لعجبًا منكم، كيف لَمْ تقولوا له: ماذا رأيتَ رسول الله -ﷺ- يصنع؟». وأراد عبد الله بن أبي سلمة بذلك الوقوفَ على الأفضل؛ لأن الحديث يدلّ على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم -ﷺ- على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو؛ ليعرف الأفضل من الأمرين، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن قد تبيّن من حديث ابن مسعود -﵁- الذي ذكرناه ما كان يصنعه -ﷺ-، فكان يلبي غالبًا، ويكبّر خلالها، فالأفضل للحاجّ أن يجمع بينهما، مع تغليب التلبية، كما أسلفته آنفًا. وفي الحديث دليلٌ على استحباب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة، لكن التلبية أفضل؛ لأنه -ﷺ- لازمها، مع خلطه بالتكبير، وفيه ردٌّ على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٣٠٩٦ و٣٠٩٧] (١٢٨٤)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨١٦)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجِّ» (٥/ ٢٥٠) و«الكبرى» (٢/ ٤١٨)، و(مالك) في «الموطّإ» (٧٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢ و٣٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٨٠٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٧٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٧٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٣٤٥) و«الأوسط» (٥/ ٦٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي غَدَاةِ عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ، وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، فَأَمَّا نَحْنُ فَنُكَبِّرُ، قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ لَعَجَبًا مِنْكُمْ، كَيْفَ لَمْ تَقُولُوا لَهُ: مَاذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَصْنَعُ؟). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل باب. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال، البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٣ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) ابن إبراهيم بن كثير العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشُون المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدير، ثقةٌ فقيه، مصنّف [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧، وهو ولد عبد الله بن أبي سلمة شيخ شيخه. ٦ - (عُمَرُ بْنُ حُسَيْنِ) بن عبد الله الْجُمَحيّ مولاهم، أبو قُدامة المكيّ، قاضي المدينة، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن مولاته عائشة بنت قُدامة بن مظعون، وعبد الله بن أبي سلمة الماجِشون، وابن عمر. وروى عنه ابن إسحاق، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز بن المطَّلِب بن حَنْطب، ومالك، وابن أبي ذئب، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وعدّه يحيى بن سعيد الأنصاريّ في فقهاء المدينة، حكاه البخاريّ في «التاريخ»، ورَوَى ابن وهب، عن مالك، قال: كان عُمَر من أهل الفضل، والفقه، والمشورة في الأمور، والعبادة، وكان أشدّ شيء ابتذالًا لنفسه، قال مالك: وأخبرني بعض من حضره عند الموت، قال: فسمعته يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾، وروى ابن القاسم، عن مالك، قال: كان عمر بن حسين عابدًا، فأخبرني رجل أنه سمعه يقرأ القرآن كلّ يوم إذا راح، فقيل له: كان يختم كلّ يوم وليلة؟ قال: نعم. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ) أي القائل: لا إله إلا الله. وقوله: (قَالَ: قُلْتُ) القائل: «قلتُ» هو عبد الله بن أبي سلمة. وقوله: (وَاللهِ لَعَجَبًا مِنْكُمْ) «عجبًا» مفعول مطلق لفعل مقدَّر، أي أعجب عجبًا. وقوله: (كَيْفَ لَمْ تَقُولُوا لَهُ إلخ) تقدّم في حديث ابن مسعود -﵁- ما يُبيّن ما كان يصنعه النبيّ -ﷺ-، حيث قال: «فما ترك - يعني النبيّ -ﷺ- التلبيةَ حتى رَمَى جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتكبير»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٨] (١٢٨٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عوف بن رَبَاح، حجازيّ ثقةٌ [٤]. رَوى عن أنس، وعنه ابنه أبو بكر، وموسى بن عقبة، وأخوه محمد بن عقبة، وبكير بن الأشج، وشعبة، ومالك، والضحاك بن عثمان الْحِزَاميّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجة، وليس له عندهم إلا هذا الحديث، وأعاده هنا بعده. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الخادم الشهير -﵁-، تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (١٩٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، عاش فوق المائة، وهو آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ سَأَل أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁- (وَهُمَا غَادِيَانِ) جملة في محلّ نصب عَلى الحال، أي حال كونهما ذاهبين وقت الغداة (مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ، كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ) أي في شأن التلبية، هل كنتم تلزمونها، أم يكون معها ذكر آخر؟، وفي الرواية التالية: «قال: قلت لأنس بن مالك غداة عرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟»، وقوله: (مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟) متعلّق بحال مقدَّر، أي حال كونكم مصاحبين له -ﷺ- (فَقَالَ) أنس -﵁- (كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا) من الإهلال، أي يرفع صوته بالتلبية، وفي رواية النسائيّ: «كان يلبي الملبي» (فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، أي لا أحد ينكر إهلاله؛ لكونه على صواب (وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) وفي الرواية التالية: «قال: سرت هذا المسير مع النبيِّ -ﷺ- وأصحابه، فمنّا المكبّر، ومنّا المهلّ، ولا يعيب أحدنا على صاحبه». قال في «العمدة»: والتكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملبّي في خلال التلبية من غير ترك التلبية؛ لأن المرويّ عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك: يقطع إذا زالت الشمس، وقال مرّة أخرى: إذا وقف، وقال أيضًا: إذا راح إلى مسجد عرفة. وقال الخطّابيّ: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمي أوّل حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وعليها العمل، وأما قول أنس -﵁- هذا فقد يَحْتَمِل أن يكون تكبير المكبّر منهم شيئًا من الذكر يُدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير ترك التلبية. انتهى. وقال الطيبيّ -﵀-: هذا رخصة ولا حرج في التكبير، بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التكبير في يوم عرفة من سنة الحجاج، بل السنة لهم التلبية إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر. وحَكَى المنذريّ أن بعض العلماء أخذ بظاهره، لكنه لا يدل على فضل التكبير على التلبية، بل على جوازه فقط؛ لأن غاية ما فيه تقريره -ﷺ- على التكبير، وذلك لا يدلّ على استحبابه، فقد قام الدليل الصريح على أن التلبية حينئذ أفضل لمداومته -ﷺ- عليها. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ليس من سنّة الحاجّ» فيه نظر؛ بل هو من سنته، وكذا قوله: «لا يدلّ على استحبابه» فيه نظر أيضًا، فكيف لا يدلّ عليه، وقد ثبت في حديث ابن مسعود -﵁- أنه -ﷺ- كان يخلط التكبير بالتلبية. والحاصل أن التكبير سنة ثابتة قولًا، وتقريرًا، ولا شكّ أن التلبية أفضل منه؛ لملازمة النبيّ -ﷺ- لها، وأمره أصحابه برفع الصوت بها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٣٠٩٨ و٣٠٩٩] (١٢٨٥)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٩٧٠) و«الحجّ» (١٦٥٩)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) وفي «الكبرى» (٣٩٩١ و٣٩٩٢)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٠٨)، و(مالك) في «الموطإ» (٧٥٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٢٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٧٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٥٠٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٠ و١٤٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٧٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٧١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٦٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣١٣ و٥/ ١١٢) و«المعرفة» (٤/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ غَدَاةَ عَرَفَةَ: مَا تَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ، مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَصْحَابِهِ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ، وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، وَلَا يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) المكيّ، أبو عمر البصريّ، نزيل مكة، ثقةٌ تغيّر حفظه قليلًا، من صغار [٨]. رَوَى عن موسى بن عقبة، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وهشام بن حسان، ويونس بن يزيد، والثوريّ، وجعفر الصادق، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وعمرو بن محمد الناقد، وسُريج بن يونس، وصدقة بن الفضل المروزيّ، وعبد الله بن الزبير الحميديّ، وغيرهم. قال الأثرم: سئل عنه أحمد، فحسَّنَ أمره، وقال الميمونيّ عن أحمد: رأيته سنة (٨٧)، وقال الدُّوريّ، وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو زرعة: شيخ صالحٌ، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا إبراهيم بن محمد الشافعيّ، ثنا عبد الله بن رجاء المكيّ الحافظ المأمون، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت صدقة يُحسن الثناء عليه، ويُوَثِّقه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من أهل البصرة، فانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن مات بها. أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٢٨٥) وحديث (١٧٥٠): «نفّلنا رسول الله -ﷺ- نفلًا سوى نصيبنا …». ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ) كذا في النسخ، والأنسب لما تقدّم في الرواية السابقة أن يقول: «ومنّا المهِلّ» بلام واحدة، من الإهلال؛ لأن المهلّل اسم فاعل من التهليل، وهو قول «لا إله إلا الله»، والمراد هنا إدامة التلبية، فيكون المناسب هو «المهلّ»، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَأَدَاءِ صَلَاتَي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ) وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٠] (١٢٨٠ مكرّر) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَىِ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبغ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَت الْعِشَاءُ، فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ) بن حارثة -﵄-، تقدّم أيضًا قبل باب. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ) بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: هو الشِّعْب الأيسر دون المزدلفة، وهو الطريق المعهود للحاجّ، ومعناه الأصليّ: ما انفرج بين جبلين، أو الطريق في الجبل. وقوله: (وَلَمْ يُسْبِغ الْوُضُوءَ) قال القرطبيّ ﵀: أي لم يكمله، وهل اقتصر على بعض الأعضاء؛ فيكون وضوءًا لغويًا؟ أو اقتصر على بعض الأعداد -وهو الواحدة مع استيفاء الأعضاء- فيكون وضوءًا شرعيًّا؟ قولان لأهل الشرح، وكلاهما مُحْتَمِلٌ، وقد عَضَدَ مَن قال بالشرعي قولَهُ بقول الراوي: «وضوءًا خفيفًا»، فإنه لا يقال في النَّاقص من الأصل: خفيف؛ وإنما يقال: خفيف؛ في ناقص الكيفية، ولا خلاف في أن قوله: «فأسبغ الوضوء» أنه الشرعيّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: إرادة اللغويّ هنا ضعيف جدًّا، يردّه سياق الحديث برواياته المختلفة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أقيمت العشاء) قال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على جواز الاقتصار على الإقامة في الجمع من غير أذان، وقد تقدم الخلاف في ذلك في الجمع بين الصلاتين في حديث جابر -﵁-، وأنه ذكر فيه الأذان للأولى، ويَحْتَمِل قوله: «أقيمت» -ها هنا-: شُرِع فيها، ففُعِلت بأحكامها، كما يقال: أقيمت السُّوق، إذا حُرِّك فيها ما يَليق بها من البيع والشراء، ولم يقصدِ الإخبار عن الإقامة، بل عن الشروع. انتهى . وقال النوويّ ﵀: هذه الرواية تدلّ على أنه صلاهما بالإقامة لكلّ واحدة منهما دون الأذان، وفي رواية ابن عمر -﵄- في آخر الباب أنه صلاهما بإقامة واحدة، وقد سبق في حديث جابر -﵁- الطويل في صفة حجة النبيّ -ﷺ- أنه أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، قال: وهذه الرواية مقدمة على الروايتين الأوليين؛ لأن مع جابر -﵁- زيادة علم، وزيادة الثقة مقبولة، ولأن جابرًا -﵁- اعتنى بالحديث، ونقل حَجة النبيّ -ﷺ- مستقصاةً، فهو أولى بالاعتماد، وهذا هو الصحيح من مذهبنا أنه يستحب الأذان للأولى منهما، ويقيم لكل واحدة إقامةً، فيصليهما بأذان وإقامتين، ويتأول حديث إقامة واحدة أن كل صلاة لها إقامة، ولا بدّ من هذا ليجمع بينه وبين الرواية الأولى، وبينه أيضًا وبين رواية جابر -﵁-، وقد سبق إيضاح المسألة في حديث جابر -﵁-. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في المسألة عند شرح حديث ابن عمر -﵄- آخر الباب -إن شاء الله تعالى-. وقوله: (ثُمَّ أُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَت الْعِشَاءُ، فَصَلَّاهَا) قال النوويّ ﵀: فيه دليل على استحباب المبادرة بصلاتي المغرب والعشاء أوّلَ قدومه المزدلفة، ويجوز تأخيرهما إلى قبيل طلوع الفجر، وفيه أنه لا يضرّ الفصل بين الصلاتين المجموعتين إذا كان الجمع في وقت الثانية؛ لقوله: «ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله»، وأما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فلا يجوز الفصل بينهما، فإن فصل بطل الجمع، ولم تصح الصلاة الثانية إلا في وقتها الأصليّ. انتهى . وقوله: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) فيه أنه لا يصلي بين المجموعتين شيئًا، قال النوويّ ﵀: ومذهبنا استحباب السنن الراتبة، لكن يفعلها بعدهما، لا بينهما، ويفعل سنة الظهر التي قبلها قبل الصلاتين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: استحباب السنن الراتبة في مثل هذا المكان يحتاج إلى دليل خاصّ، فليُتفطّن، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد أوردت تمام شرحه، وبيان مسائله قبل باب، وأذكر هنا ما لم يذكر هناك من المسائل، فأقول: مسألتين مما تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الجمع، والقصر في عرفة، والمزدلفة، ومنى: (اعلم): أنه لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بالمزدلفة، وإنما الخلاف، هل هو للنسك، أو لمطلق السفر، أو للسفر الطويل؟، فمن قال: للنسك، وهو الحقّ، قال: يجمع أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر، قال: يجمعون، سوى أهل المزدلفة، ومن قال: للسفر الطويل، قال: يُتمّ أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره. قال ابن قُدامة ﵀ في «المغني» ما ملخّصه: يجوز الجمع لكلّ من بعرفة من مكيّ وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يَجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلّى مع الإمام. قال: فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكّة، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، والزهريّ، وابن جريج، والثوريّ، ويحيى القطّان، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وقال القاسم بن محمد، وسالم، ومالك، والأوزاعيّ: لهم القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القائلون بمشروعيّة الجمع والقصر في عرفة، والمزدلفة، وكذا القصر في أيام منى لكلّ من أحرم بالحجّ، سواء كان مسافرًا، أم غير مسافر هو الحقّ؛ لأن النبيّ -ﷺ- جمع وقصر بمن معه من الحجاج، ولم يأمر أهل مكة، ولا غيرهم بالإتمام، فدلّ على أن ذلك للنسك. وأما احتجاج بعضهم بما أخرجه الترمذيّ في «جامعه» من حديث عمران بن حُصين -﵄- أنه -ﷺ- كان يصلّي بمكة ركعتين، ويقول: «يا أهل مكة أَتِمُّوا، فإنا قوم سَفْرٌ»، قال: وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناءً بما تقدّم بمكة. فمتعقّبٌ بأن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عليّ بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصّة كانت زمن الفتح، وقصّة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك؛ لبُعد العهد، ولكثرة من حضر في الحجّ ممن لم يحضر الفتح، فتأمّل بالإنصاف. والحاصل أن الحقّ قول من قال: إن الجمع والقصر للنسك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة المغرب قبل المزدلفة: قال الترمذيّ ﵀بعد ذكر الحديث- ما نصّه: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، أنه لا يصلي المغرب دون جمع، قال الحافظ العراقيّ ﵀: كأنه أراد العمل عليه مشروعيّةً، واستحبابًا، لا تحتمًا، ولا لزومًا، فإنهم لم يتّفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه، فقال سفيان الثوريّ: لا يصليهما حتى يأتي جَمْعًا، وله السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون جَمْع أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن صلاهما قبل المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق، أو بعده، فعليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة، وقال مالك: لا يصليهما أحد قبل جَمْع، إلا من عذر، ولم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. وذهب الشافعيّ إلى أن هذا هو الأفضل، وأنه إن جَمَع بينهما في وقت المغرب، أو في وقت العشاء بأرض عرفات، أو غيرها، أو صلّى كلّ صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأشهب، وحكاه النوويّ عن أصحاب الحديث، وبه قال عطاء، من التابعين، وعروة، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير، ذكره في «العمدة» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال: لا يجمع قبل المزدلفة، فإن جمع أعاد، ولا بدّ؛ لقوله -ﷺ- لأسامة بن زيد -﵄- حين سأله عن الصلاة في الطريق: «الصلاة أمامك»، وفي لفظ: «المصلّى أمامك»، فبيّن أن محلّ الصلاتين، ووقتهما عند الوصول إلى المزدلفة، لا قبل ذلك. قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀ بعد ذكر ما سبق من الاختلافات ما نصّه: قوله -ﷺ- في هذا الحديث: «الصلاة أمامك» يدلّ على أنه لا يجوز لأحد أن يصليهما إلا هناك، وقد قال -ﷺ-: «خُذُوا عني مناسككم»، ولم يصلهما إلا بالمزدلفة، فإن كان له عذر فعسى الله أن يعذره، وأما من لا عذر له فواجب أن لا تجزئه صلاته قبل ذلك الموضع على ظاهر هذا الحديث. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ الدَّفْعَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ لِحَاجَتِهِ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، فَقُلْتُ: أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مَوْلَى الزُّبَيْرِ) أي ابن العوّام، وعبارة الحافظ المزيّ ﵀ في «تحفته»: مولى آل الزبير بن العوّام، ويقال: مولى أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص زوج الزبير بن العوّام، أخو إبراهيم بن عُقبة، ومحمد بن عقبة، أدرك أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عُمر -﵃-. وقال أيضًا: قال الواقديّ: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد بني عقبة حَلْقةٌ في مسجد رسول الله -ﷺ-، وكانوا كلُّهم فقهاء محدّثين، وكان موسى يُفتي. انتهى . وقوله: (الْمُصَلَّى أَمَامَكَ) «الْمُصَلَّى» بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة: ظرف مكان، أي: المحلّ الذي تجوز فيه الصلاة في هذه الليلة للحجّاج أمامك، أي: قُدَّامك. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الشِّعْبِ نَزَلَ، فَبَالَ، وَلَمْ يَقُلْ أُسَامَةُ: أَرَاقَ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ جَمْعًا، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ المدنيّ، مولى آل الزبير، أخو موسى، ثقة [٦]. رَوَى عن كريب، وأبي الزناد، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وروى عنه السفيانان، وابن المبارك، ومالك، والدَّراورديّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال ابن المدينيّ: له عشرة أحاديث، وقال أحمد، ويحيى، والنسائيّ: ثقة، ونَقَل الغلابي عن ابن معين أنه قال: إبراهيم أحب إليّ من موسى، وقال الدارقطنيّ: ثقة ليس فيه شيء، وقال مصعب بن عبد الله: كانت له هيبة وعلمٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صالح لا بأس به، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: يُكتب حديثه، وقال ابن سعد: ثقةٌ قليل الحديث، وقال أبو داود: إبراهيم، وموسى، ومحمد بنو عُقبة كلهم ثقات، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٨٠) وأعاده بعده، و(١٣٣٦) وأعاده أيضًا بعده، و(٢٠٩٠). والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَبَالَ، وَلَمْ يَقُلْ أُسَامَةُ: أَرَاقَ الْمَاءَ) يعني أنه لم يَكْنِ عن البول بإراقة الماء، بل صرّح باسمه؛ إيضاحًا للمراد، وقال النوويّ ﵀: فيه أداء الرواية بحروفها، وفيه استعمال صرائح الألفاظ التي قد تُسْتَبْشَعُ، ولا يُكْنَى عنها إذا دعت الحاجة إلى التصريح، بأن خيف لبس المعنى، أو اشتباه الألفاظ، أو غير ذلك. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ ابْنَ زَيْدٍ: كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَشِيَّةَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- نَاقَتَهُ، وَبَالَ، وَمَا قَالَ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ، ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا، حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا، قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيىَ بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ) ابن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) بفتح الراء، وكسر الدال المهملة: أي ركبتَ خلفه. وقوله: (عَشِيَّةَ عَرَفَةَ؟) ظرف لـ «رَدِفتَ». وقوله: (الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإناخة: أي يُبْركون جمالهم. وقوله: (لِلْمَغْرِبِ) متعلّقٌ بـ «يُنيخ»، يعني أنهم يُنيخون جمالهم ليُصلّوا المغرب هناك، وهذا من جهلهم بالسنّة، وفي الرواية التالية: «لَمّا أتى النَّقْبَ الذي ينزله الأمراء …». وأخرج الفاكهيّ عن سعيد بن جبير، قال: «دفعت مع ابن عمر من عرفة، حتى إذا وازينا الشِّعْب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب دخله ابن عمر، فتنفّض فيه، ثم توضأ، وكبّر، فانطلق، حتى جاء جمعًا، فأقام، فصلّى المغرب، فلما سلّم قال: الصلاة، ثم صلّى العشاء». وأصله في الجمع بجَمْع عند مسلم، وأصحاب السنن. ورَوَى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن جريج، قال: قال عطاء: «أردف النبيّ -ﷺ- أسامة، فلما جاء الشِّعْب الذي يصلّي فيه الخلفاء الآن المغرب، نزل، فأهراق الماء، ثم توضّأ». قال الحافظ ﵀: وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلّون المغرب عند الشِّعْب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنّة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة. والمراد بالخلفاء، والأمراء في هذا الحديث بنو أميّة، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وجاء عن عكرمة إنكار ذلك. وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن أبي نَجيح: سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول الله -ﷺ- مبالًا، واتخذتموه مصلّى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك، وكان جابر يقول: لا صلاة إلا بجَمْع، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونَقَلَ عن الكوفيين، وعن ابن القاسم صاحب مالك، وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلّى أجزأه، وهو قول أبي يوسف، والجمهور، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح قول من قال بوجوب الإعادة على من صلّى قبل المزدلفة؛ لأن النبيّ -ﷺ- جعل مكان الصلاتين في تلك الليلة المزدلفة، فلا يجوز أداؤهما قبلها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَمَا قَالَ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ)؛ يعني أن أسامة لم يَكْنِ عن البول، بل صرّح باسمه. و«أَهْرَاق» قال النوويّ ﵀: بفتح الهاء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «بفتح الهاء» فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو مخالف لما في كتب اللغة، ودونك عبارة «المصباح»: راقَ الماءُ والدمُ وغيرُه رَيْقًا، من باب باع: انصَبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفْتَحُ الهاءُ من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تُفْتَح الدالُ من يُدَحْرجه، وتُفْتَح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصل هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقه يُهْريقه ساكن الهاء؛ تشبيهًا له بأسطاع يُسطيع، كأن الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا. انتهى . وقريب من هذا عبارة «القاموس»، فتبيّن بهذا أن أَهْرَاق بسكون الهاء، وليس بفتحها، كما قال النوويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثُمِّ دَعَا بالْوَضُوءِ) بفتح الواو، أي بالماء الذي يتوضّأ به. وقوله: (فتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ) يعني خفيفًا، كما في الرواية الأخرى. وقوله: (فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ) أي أمر بأن تقام، والمراد أداؤها بالأذان والإقامة، لا بالإقامة المفردة، كما بيّنه حديث جابر -﵁-، كما أسلفنا تقريره. وقوله: (ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ)؛ أي: أبركوا رواحلهم فيها، قال القرطبيّ ﵀: يعني: أنهم بادروا بالمغرب عند وصولهم إلى المزدلفة، فصلّوها قبل أن يُنَوِّخوا إبلهم، ثم لما فرغوا من صلاة المغرب نوَّخوها، ولم يحلُّوا رحالهم من عليها، كما قال في الرواية الأخرى؛ وكأنها شَوَّشت عليهم بقيامها، فأزالوا ما شوَّش عليهم، ويُستدل به على جواز العمل اليسير بين الصلاتين المجموعتين. انتهى . وقوله: (وَلَمْ يَحُلُّوا) قال القرطبيّ ﵀: -بضم الحاء- يعني: أنهم لم يَحلُّوا رحالهم، ولا سبيل إلى كسر الحاء، كما توهمه من جَهِل. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ولا سبيل إلى كسر الحاء»؛ يعني أن يَحُلّ هنا بضمّ الحاء، ولا يجوز كسرها، وهو كما قال، قال الفيّوميّ ﵀: وحَلَلتُ الْعُقْدَة حَلًّا، من باب قتل، واسم الفاعل حَلّالٌ. انتهى . وقوله: (حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لصحة إطلاق «العشاء الآخرة»، وأما إنكار الأصمعيّ وغيره ذلك، وقولهم: إنه من لحن العوامّ، ومُحالِ كلامهم، وأن صوابه «العشاء» فقط، ولا يجوز وصفها بالآخرة فغلط منهم، بل الصواب جوازه، وهذا الحديث صريح فيه، وقد تظاهرت به أحاديث كثيرة، وقد سبق بيانه واضحًا في مواضع كثيرة من «كتاب الصلاة». انتهى ، وهو بحث نفيسٌ. وقوله: (فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا) أي حلّ الناس الركاب، وأنزلوا أمتعتهم من ظهور رواحلهم. وقوله: (قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) قال القرطبيّ ﵀: هذا يظهر منه أن هذا الجواب غير مطابق لما سأله عنه، فإنه سأله عن كيفية صنعهم للنسك، فأجابه بإردافه الفضل بن العباس، وبسبقه على رجليه، وليس كذلك، بل هو مُطابقٌ؛ لأنه أخبره بما يتضمن نَفْرُهُم من المزدلفة إلى منى، فكأنه قال: نفرنا إلى منى. انتهى . وقوله: (وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ) بضمّ السين المهملة، وتشديد الموحّدة: جمع سابق، كما قال في «الخلاصة»: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا والمعنى: ذهبت أنا في جملة من سبق النبيّ -ﷺ- من المزدلفة إلى منى. وقوله: (عَلَى رِجْلَيِّ) بتشديد الياء على التثنية. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- لَمَّا أَتَى النَّقْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ نَزَلَ، فَبَالَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَهَرَاقَ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش الأسديّ، مولى آل الزبير المدنيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن جدّه لأمه أبي حبة، وكريب مولى ابن عباس، ومحمد بن أبي بكر بن عوف الثقفيّ، ويحيى بن عروة بن الزبير. وروى عنه ابن أبي الزناد، ووهيب بن خالد، والسفيانان. قال الميمونيّ، عن أحمد: محمد بن عقبة، وإبراهيم بن عقبة، وموسى بن عقبة إخوة ثقات، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: لا أعلم إلا خيرًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخ صالحٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقةً. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط متابعةً، هذا برقم (١٢٨٠)، و(١٣٣٦): «نعم ولك أجر»، وأعاده بعده. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (لَمَّا أَتَى النَّقْبَ) -بفتح النون، وإسكان القاف- وهو الطريق في الجبل، وقيل: الفرجة بين جبلين . وقوله: (الَّذِي يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ) تقدّم في الحديث الماضي أن المراد بهم أمراء بني أميّة، وأن فعلهم هذا مخالف للسنّة، وقد خالفهم الصحابة، ومنهم ابن عمر، وأنكر عليهم عكرمة، وقال: اتّخذه النبيّ -ﷺ- مبالًا، واتخذتموه أنتم مصلَّى. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٥] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ مَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حِينَ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الشِّعْبَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْغَائِطِ، فَلَمَّا رَجَعَ صَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَجَمَعَ بِهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ١١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (عَطَاءٌ مَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ) -بكسر السين المهملة، وتخفيف الموحّدة- هو: عطاء بن يعقوب المدنيّ، مولى ابن سِباع، وقد قيل: إن له رؤيةً، ثقةٌ [٣]. قال في «التهذيب»: والصحيح أنه ليس بالكيخارانيّ، رَوَى عن أسامة بن زيد، وروى عنه الزهريّ، وأبو الزبير، قال النسائيّ: ثقة، روى له مسلم حديثًا واحدًا في الحج. ورَوَى عبد الله بن منده في «تاريخه» عن الليث بن ممعد، قال: كان عطاء مولى ابن سِبَاع لا يرفع رأسه إلى السماء، وكان النبيّ -ﷺ- مسح برأسه، أورده أبو موسى في «ذيل الصحابة»، وقال: لم يذكره ابن منده، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. انتهى . وقال النوويّ ﵀ في «شرحه»: قوله: «مولى سِبَاع» هكذا وقع في معظم النسخ: «عطاء مولى سِبَاع»، وفي بعض النسخ «مولى أمّ سباع»، وكلاهما خلاف المعروف فيه، وإنما المشهور: «عطاء مولى ابن سباع»، هكذا ذكره البخاريّ في «تاريخه»، وابن أبي حاتم في كتابه «الجرح والتعديل»، وخَلَفٌ الواسطيّ في «الأطراف»، والحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»، والسمعانيّ في «الأنساب»، وغيرهم، وهو عطاء بن يعقوب، وقيل: عطاء بن نافع، وممن ذكر الوجهين في اسم أبيه: البخاريُّ، وخَلَفٌ، والحميديّ، واقتصر ابن أبي حاتم، والسمعانيّ، وغيرهما على أنه «عطاء بن يعقوب»، قالوا كلهم: وهو عطاء الكيخارانيّ -بفتح الكاف، وإسكان المثناة من تحتُ، وبالخاء المعجمة- ويقال فيه أيضًا: الكوخارانيّ، واتفقوا على أنها نسبة إلى موضع باليمن، هكذا قاله الجمهور، قال أبو سعد السمعانيّ: هي قرية باليمن، يقال لها: كيخران، قال يحيى بن معين: عطاء هذا ثقةٌ. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ: إن عطاء بن يعقوب هو عطاء الكيخارانيّ، ونقله عن جماعة، لكن ردّ هذا الحافظ المزيّ، وقال في ترجمة عطاء بن يعقوب هذا: والصحيح أنه ليس بالكيخارانيّ، وقال في ترجمة عطاء بن نافع الكيخارانيّ: وليس بعطاء بن يعقوب مولى ابن سِبَاعٍ المدنيّ، فرّق بينهما أحمد بن حنبل، وعليّ ابن المدينيّ، ومسلم بن الحجّاج، وغيرهم، وجعلهما البخاريّ واحدًا، وتابعه على ذلك أبو حاتم الرازيّ، وغيره، وذلك معدود في أوهامه. انتهى كلام الحافظ المزيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. و«أسامة بن زيد» -﵄- ذُكر قبله. وقوله: (إِلَى الْغَائِطِ) قال الفيّوميّ ﵀: الغائط: الْمُطْمَئِنّ الواسع من الأرض، والجمع غيطان، وأَغْواطٌ، وغُوطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج المستقذَر من الإنسان؛ كراهةً لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع الْمُطْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، وقالوا: تغوّط الإنسان، وقال ابن الْقُوطيّة: غاط في الماء غَوْطًا: دخل فيه، ومنه الغائط. انتهى . وقوله: (مِنَ الْإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: الْمِطْهَرة، وجمعها الأَدَوَى بفتح الواو . وقوله: (ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ) وفي نسخة: «حتى أتى المزدلفة». والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٦] (١٢٨٦) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأُسَامَةُ رِدْفُهُ، قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هَيْئَتِهِ حَتَّى أَتَى جَمْعًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ، الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم المكيّ الفقيه، تقدّم قبل باب. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر -﵄-، تقدّم أيضًا قبل باب. و«أُسَامَةُ بْنُ زيد» -﵄- ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ) أي دَفَعَ منها، قال الفيّوميّ ﵀: أفاض الناس من عرفات: دَفَعُوا منها، وكلّ دَفْعَةٍ إفاضةٌ، وأفاضوا من منًى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طَواف الإفاضة، أي: طواف الرجوع من منى إلى مكة. انتهى . (وَأُسَامَةُ رِدْفُهُ) بكسر الراء، وسكون الدال المهملة، أي راكب خلفه، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَمَا) نافية (زَالَ يَسِيرُ عَلَى هَيْئَتِهِ) بفتح الهاء، بعدها ياء مثنّاة تحتانيّة ساكنة، ثم همزة: أي على حالته التي هو عليها من الوقار والسكينة، وهذا كما أمر -ﷺ- أصحابه بذلك لما سمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا، وصوتًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع»، رواه البخاريّ، وفي رواية النسائيّ: «يا أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار، فإن البرّ ليس بإيضاع الإبل»؛ أي بإسراعها. ووقع في بعض النسخ بدل «هيئته»: «هِينته» بكسر الهاء، والياء، بعدها نون، وهو قريب من معنى الأول، وقال الفيّوميّ ﵀: ومشى على هِينته: أي ترفَّق من غير عَجَلَةٍ، وأصلها الواو. انتهى . [فإن قلت]: هذه الرواية تدلّ على أنه -ﷺ- كان في دفعه من عرفة يمشي على السكينة، والرواية تدلّ على أنه كان يسير النصّ، وهو الإسراع، فكيف التوفيق بينهما؟. [أجيب]: بأنه لا تنافي بينهما، فإنه -ﷺ- كان يسير العنَق، وهو السير دون الإسراع، فإذا وجد فجوة نصّ، فهذه الرواية بيّنت كيفيّة سيره إذا لم يجد فجوةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (حَتَّى أَتَى جَمْعًا) -بفتح الجيم، وسكون الميم-: أي المزدلفة، وسُمِّيت جَمْعًا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدَلَف إليها، أي دنا منها، ورُوي عن قتادة أنها سُمِّيت جمعًا؛ لأنها يُجمع فيها بين الصلاتين، وقيل: وُصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يجتمعون بها، ويزدلفون إلى الله، أي يتقربون إليه بالوقوف فيها، وسُمِّيت المزدلفة: إما لاجتماع الناس بها، أو لاقترابهم إلى منى، أو لازدلاف الناس منها جميعًا، أو للنزول بها في كل زُلْفَة من الليل، أو لأنها منزلة وقربة إلى الله، أو لازدلاف آدم إلى حواء بها، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [٤٤/ ٣١٠٦] (١٢٨٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ، وَأَنَا شَاهِدٌ، أَوْ قَالَ: سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَرْدَفَهُ مِنْ عَرَفَاتٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ أفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قريبًا. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. و«أسامة» ذُكر قبله. شرح الحديث: عن هشام بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير ﵀ أنه (قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ) أي ابن زيد -﵄- (وَأَنَا شَاهِدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من «أسامةُ» (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) عروة (سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) -﵄- (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَرْدَفَهُ) أي أركبه خلفه (مِنْ عَرَفَاتٍ) وقوله: (قُلْتُ) تفسير للسؤال (كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ الله -ﷺ-) هكذا في بعض النسخ «يسير» بصيغة المضارع، ووقع في بعضها: «سيرُ رسول الله -ﷺ-» بصيغة المصدر مضافًا إلى «رسول الله -ﷺ-» (حِينَ أفَاضَ) أي دفع (مِنْ عَرَفَةَ؟ قَالَ) أسامة «(كانَ) -ﷺ- (يَسِيرُ الْعَنَقَ) -بفتح المهملة، والنون-: هو السير بين الإبطاء والإسراع، قال في»المشارق«: هو سير سهل في سرعة، وقال القزّاز: الْعَنَق سير سريع، وقيل: المشي الذي يتحرّك به عنق الدّابّة، وفي»الفائق«: الْعَنَق الخطو الفسيح، وانتصاب»العَنَقَ«على المصدر النوعيّ، كرجعت القهقرى. (فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً) -بفتح الفاء، وسكون الجيم-: المكان المتّسع بين الشيأين، ورواه أبو مصعب، ويحيى بن بُكير، وغيرهما عن مالك، بلفظ:«فُرْجة»- بضمّ الفاء، وسكون الراء- وهو بمعنى الفجوة (نَصَّ) -بفتح النون، وتشديد الصاد المهملة- أي: أسرع، وقال أبو عبيد: النصّ تحريك الدابّة حتى
مصادر المؤلف (١٢٦)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ١٥.

٢. «التمهيد لابن عبد البر» ٢٢/ ٢٥٧.

٣. وفي نسخة: «أخبرني».

٤. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٢١.

٥. راجع: «الفتح» ٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠.

٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

٧. «شرح النوويّ» ٩/ ١٦، ١٧.

٨. هذا حديث منكر. انظر: «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألبانيّ ﵀ ١/ ٣٩، فلا ينبغي الاشتغال بتأويله، فتبصّر.

٩. «التمهيد لابن عبد البر» ٢٢/ ٢٥٦.

١٠. صححه الشيخ الألبانيّ، انظر: «صحيح الترمذي»، وغيره من كتبه.

١١. راجع: «شرحي» على النسائيّ ٢٥/ ٢٢٤، ٢٢٥.

١٢. «الفتح» ٤/ ٥٢١.

١٣. راجع: «التتبع» بنسخة رسالة الشيخ ربيع المدخليّ ص ٢٣٤ - ٢٣٨.

١٤. وفي نسخة: «لأعلم».

١٥. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٥، ٣٤٦.

١٦. «شرح النوويّ» ٩/ ١٧.

١٧. وفي نسخة: «وإني لأعلم».

١٨. بفتح الغين المعجمة، والفاء.

١٩. «الفتح» ٤/ ٥٣٧.

٢٠. راجع: «قرّة عين المحتاج» ١/ ١٤٨، ١٤٩.

٢١. «لسان العرب» ٣/ ٢٠٨٣.

٢٢. «الفتح» ٤/ ٥٣٧.

٢٣. «شرح النوويّ» ٩/ ١٨.

٢٤. «عمدة القاري» ٤/ ٢٤١.

٢٥. «عمدة القاري» للعيني ٤/ ٢٤١.

٢٦. «المفهم» ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٢٨. «المفهم» ٣/ ٣٨٠.

٢٩. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣٠. وفي نسخة: «عن أبيه».

٣١. راجع: «شرح النوويّ» ٩/ ١٩، و«اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٢٢٨.

٣٢. راجع: «المرقاة» ٥/ ٤٩٠.

٣٣. وفي نسخة: «سليمان بن داود أبو داود».

٣٤. «شرح النوويّ» ٩/ ١٩.

٣٥. «الفتح»٢/ ١٣٢، كتاب الصلاة، باب إدخال البعير في المسجد للعلّة.

٣٦. نقل في«تهذيب التهذيب»عن ابن الْبَرْقيّ قال: لا يُعلَم له -أي لمحمد بن عبد الرحمن هذا- رواية عن أحد من الصحابة، مع أن سنّه يَحْتَمِل ذلك. انتهى.

٣٧. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٠.

٣٨. «عمدة القاري» ٤/ ٦٢.

٣٩. «عمدة القاري» ٤/ ٦٢.

٤٠. «المفهم» ٣/ ٣٨١.

٤١. «الجامع لأحكام القرآن» ٢/ ١٧٩، ١٨٠.

٤٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

٤٣. «المفهم» ٣/ ٣٨٣، ٣٨٤.

٤٤. «شرح النوويّ» ٩/ ٢١.

٤٥. «المفهم» ٣/ ٣٨٥.

٤٦. «الفتح» ٤/ ٥٧٨، ٥٧٩.

٤٧. «المصباح المنير» ١/ ٣١٣.

٤٨. «تفسير ابن كثير» ١/ ٢٠٥.

٤٩. بكسر المثنّاة، وسكون الجيم، بعدها راء، ثم ألف ساكنة، ثم هاء، وهي حبيبة بنت تِجْراة، وهي إحدى نساء بني عبد الدار، قاله في«الفتح»٤/ ٥٧٧.

٥٠. ونصّه في«المسند»٦/ ٤٢١: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، قال: ثنا عطاء، عن حبيبة بنت أبي تِجْراة، قالت: دخلنا على دار أبي حسين في نسوة من قريش والنبيّ -ﷺ- يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى، يدور به إزاره من شدّة السعي، وهو يقول لأصحابه:«اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي».

٥١. وفي نسخة: «إنما أنزل الله».

٥٢. وفي نسخة: «الحجّ».

٥٣. «شرح السنديّ على النسائيّ»٥/ ٢٣٨.

٥٤. «زهر الربى في شرح المجتبى»٥/ ٢٣٨، ٢٣٩.

٥٥. كذا نسخة «الفتح»، ولعل الصواب: «رَمَوْا»، فليُحرّر.

٥٦. «الفتح» ٤/ ٥٨٠، ٥٨١.

٥٧. راجع: «الفتح» ٤/ ٥٧٩.

٥٨. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٣.

٥٩. «الفتح» ٤/ ٥٨١، ٥٨٢.

٦٠. راجع: «الفتح» ٩/ ٥٨٢.

٦١. أي النوم.

٦٢. «المصباح المنير» ١/ ١٢٧، ١٢٨.

٦٣. «المفهم» ٣/ ٣٨٥.

٦٤. رواية الليث هذه ساقها أيضًا أبو عوانة في «مسنده»، فكان العزو إليه أقرب، لكني اخترت رواية الطبريّ؛ لكونها أقرب إلى رواية المصنّف، وأما أبو عوانة فساقها مطوّلة بقصّة أبي بكر بن عبد الرحمن المذكورة، فتنبّه.

٦٥. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ١٤٤.

٦٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٥.

٦٧. وفي نسخة: «حدّثني».

٦٨. «الفتح» ٤/ ٦١١، ٦١٢.

٦٩. «تحفة الأشراف» ١/ ١٦٦.

٧٠. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٢٨٤.

٧١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٩.

٧٢. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٦.

٧٣. راجع: «الفتح» ٤/ ٦١٢، ٦١٣.

٧٤. راجع:«حاشية الصبّان على الأشمونيّ»٢/ ١٣١.

٧٥. «الفتح»٤/ ٦١٣.

٧٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٦.

٧٧. «معالم السنن» ٢/ ١٧٥.

٧٨. «عمدة القاري» ٢/ ٢٦٠.

٧٩. «المحلّى» ٧/ ١٢٩.

٨٠. «عمدة القاري» ٢/ ٢٦٠.

٨١. «الفتح» ٤/ ٦١٣، ٦١٤.

٨٢. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٠٨.

٨٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٧.

٨٤. راجع:«الفتح»٤/ ٦٣٢.

٨٥. وفي نسخة: «حتى رمى جمرة العقبة».

٨٦. «شرح النوويّ»٩/ ٢٧.

٨٧. هذه الرسالة نُسخت من مخطوطات مكتبة الحرم برقم: (٤٧٠٤).

٨٨. ها هنا: بعد«أن»كلمةٌ غير واضحة، والظاهر أنَّها«مِنْ».

٨٩. هذه الكلمة غير واضحة في الأصل تمام الوضوح، والسياق يقطع بأنها (محسّر).

٩٠. قال الجامع: هذا الاحتمال هو الأقرب عندي، وأما الذي بعده، فبُعده مما لا يخفى على الفطن، فتأمل.

٩١. قال الجامع: بل الظاهر أن خروجهم لكراهة إقامتهم بالوادي، فإنه -ﷺ- علّله بقوله: «ليأخذ كلّ رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا الشيطان فيه» =

٩٢. من باب ضرب.

٩٣. بعد كلمة (المغمس) كلمة غير واضحة أظنها -والله أعلم- «حذاء عرفة». انتهى. الكاتب.

٩٤. قائل «ولم أر إلخ» هو المعلميّ -﵀-.

٩٥. هنا كلمة لم أتبيّنها وتكاد تكون (حكمهما) والله أعلم. انتهى. الكاتب.

٩٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٢٨.

٩٧. حديث طويل، متّفقٌ عليه.

٩٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٥.

٩٩. راجع: «شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ٦١، ٦٢.

١٠٠. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٠١. «المفهم» ٣/ ٣٩٠.

١٠٢. «المفهم» ٣/ ٣٩٠.

١٠٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٣١.

١٠٤. «شرح النوويّ» ٩/ ٣١.

١٠٥. «عمدة القاري» ٨/ ١٧٢.

١٠٦. راجع: «تحفة الأشراف» ٢٩/ ١١٥ - ١٢٠.

١٠٧. «شرح النوويّ» ٩/ ٣١.

١٠٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٨.

١٠٩. «المفهم» ٣/ ٣٩١.

١١٠. «المصباح المنير» ١/ ١٤٨.

١١١. «شرح مسلم» ٩/ ٣٢، ٣٣.

١١٢. «المفهم» ٣/ ٣٩١.

١١٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٣٣.

١١٤. وفي نسخة: «حتى أتى المزدلفة».

١١٥. راجع: «تهذيب التهذيب» ٧/ ١٩٥.

١١٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٣٣، ٣٤.

١١٧. «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١٢١، ١٢٢.

١١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٧.

١١٩. «المصباح المنير» ١/ ٩.

١٢٠. وفي نسخة: «على هينته».

١٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٥.

١٢٢. وفي نسخة: «على هينته».

١٢٣. «المصباح» ٢/ ٦٤٣.

١٢٤. «الفتح» ٤/ ٦١٧.

١٢٥. وفي نسخة: «كيف كان سير رسول الله -ﷺ-».

١٢٦. وفي نسخة:«كيف