HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٠١

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. قَالَ عبد الله: إن رسول الله ﷺ قال «رحم الله المحلقيين» مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ «وَالْمُقَصِّرِينَ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص80
ج ٢ ص ٩٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٣ ص٦٧٧
كما هو ظاهر من تأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٣١٤٤] (١٣٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٢) - (بَابُ تَفْضِيلِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَجَوَازِ التَّقْصِيرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٥] (١٣٠١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَثنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ» مَرَّةً، أوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مُحَمَدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمامٌ مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطاب العدويّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كلاحقه، وهو (١٩٤) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بين الأولين؛ لاتحادهما في الأخذ والأداء، وفصل الثالث بالتحويل؛ لمخالفته لهما في ذلك، وقد بيّنّا وجه ذلك غير مرّة، فلا تغفل. ٢ - (ومنها): أن يحيى نيسابوريّ، وقتيبة بَغْلانيّ، والليث وابن رُمح مصريّان، والباقيان مدنيّان. شرح الحديث: (عَنْ نَافِع، أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عمر -﵄- (قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن نافع: «حلق رسول الله -ﷺ- في حجته»، قال في «الفتح»: وهذا طرف من حديث طويل، أوّله: «لَمَّا نزل الحجّاج بابن الزبير …» الحديث. [تنبيه]: الذي حلق رأس النبيّ -ﷺ- في حجة الوداع هو معمر بن عبد الله العدويّ، قال النوويّ -﵀-: هذا هو الصحيح المشهور، وفي «مسند الإمام أحمد» من حديثه أنه هو الذي حلق رأسه -ﷺ- في حجة الوداع ، قال النوويّ: (٢٧٢٩٠) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن ابن = وقيل: اسمه خراش بن أُميّة، والصحيح أن خِرَاشًا حلقه في الْحُديبية. انتهى . (وَحَلَقَ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ) قال صاحب «المعلم»: أعرف منهم عثمان بن عفّان، وأبا قتادة، كما في «مسند أحمد» (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر -﵄- (إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ») جملة خبريّة لفظًا دعائيّة معنى، فهو بمعنى الرواية الآتية: «اللهم ارحم المحلّقين» (مَرَّةً، أَوْ مَزَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ) في المرّة الرابعة بعد أن طلبوا منه الدعاء لهم مررًا («وَالْمُقَصِّرِينَ») أي: رحم الله المقصّرين. الحديث متّفقٌ عليه، والمسائل المتعلّقة به تأتي بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»). = إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب المصريّ، عن عبد الرحمن بن عُقبة مولى معمر بن عبد الله بن نافع بن نَضْلَة العدويّ، عن معمر بن عبد الله، قال: كنت أَرْحَلُ لرسول الله -ﷺ- في حجة الوداع، قال: فقال لي ليلةً من الليالي: «يا معمر لقد وجدت الليلةَ في اتساعي اضطرابًا»، قال: فقلت: أما والذي بعثك بالحق، لقد شددتها كما كنت أشُدّها، ولكنه أرخاها مَن فد كان نَفِسَ عليّ لمكاني منك؛ لتستبدل بي غيري، قال: فقال: «أما إني غير فاعل»، قال: فلما نحر رسول الله -ﷺ- هديه بمنى أمرني أن أحلقه، قال: فأخذت الموسى، فقمت على رأسه، قال: فنظر رسول الله -ﷺ- في وجهي، وقال لي: «يا معمر أمكنك رسول الله -ﷺ- من شحمة أذنه، وفي يدك الموسى»، قال: فقلت أما والله يا رسول الله إن ذلك من نعمة الله عليّ ومَنِّه، قال: فقال: «أجل إذًا أقرّ لك»، قال: ثم حلقت رسول الله -ﷺ-. انتهى. رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ») حيث عملوا بالأفضل؛ لأن العمل بما بدأ الله تعالى في قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧] أكمل، وقضاء التَّفَث المأمور به في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية [الحجّ: ٢٩] يكون به أجمل، ويكون في ميزان العمل أثقل، وفيه دليل على الترحم على الحيّ، وعدم اختصاصه بالميت. (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون -﵃-، قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرُق على الذي تولى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد. انتهى. (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هذه الواو «والمقصّرين» عاطفة على شيء محذوف تقديره: «قل: والمقصرين»، أو: قل: وارحم المقصرين، وهذا يسمى العطف التلقينيّ، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ بعد قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال الآلوسيّ: ومن ذريتي؟ عطف على كاف ﴿جَاعِلُكَ﴾ يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؟ أي وتكرم زيدًا، تريد تلقينه بذلك، قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ في معنى: بعض ذريتي، فكأنه قال: «وجاعل بعض ذريتي»، وهو من قبيل عطف التلقين، فيكون خبرًا في معنى الطلب، وكأن أصله: واجعل بعض ذربتي، لكنه عدل إلى المنزل؛ لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم، كأنه مستحق مثل المعطوف عليه، وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم، والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت، ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر، وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر. قال صاحب «المرعاة»: ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ بعد قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، فإنه يصح التقدير: وارزق من كفر بصيغة الأمر، فالطلب بمعنى الخبر على عكس: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق، وأن لا يحجر في طلب اللطف، أو التقديرُ: وأرزق من كفر، بصيغة المتكلم. وقال الآلوسي: ولك أن تجعل العطف على محذوف: أي ارزق من آمن ومن كفر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت العطف التلقينيّ، ومثله الاستثناء التلقينيّ، كحديث: «إلا الإذخر»، بقولي: وعَطْفُ قَوْلِ قَائِل عَلَى سِوَاهْ … بِعَطْفِ تَلْقِينٍ دَعَاه مَنْ حَوَاه كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿قَالَ وَمِنْ … ذُرِّيَّتِي﴾ فَاحْفَظْهُ أَيُّهَا الْفَطِنْ وَمِثْلُ ذَا اسْتِثْنَاؤُهُمْ كَمَا انْتَظَمْ … إِخْرَاجُهُ الإِذْخِرَ عَنْ حُكْمِ الْحَرَمْ (قَالَ) -ﷺ- («اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ») هذا تنبيهٌ على أنه -ﷺ- لم يقتصر على المحلِّقين أولًا؛ لعدم الالتفات إلى المقصرين، بل دَعَا لهم قصدًا، وكرر الدعاء لهم خاصّةً؛ لإظهار فضيلة التحليق. (قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) تأكيد لاستدعاء الرحمة للمقصرين، قال القاري: هل هو قول المحلقين، أو المقصرين، أو قولهما جميعًا؟ احتمالات ثلاث، أظهرها بعض الكل من النوعين. (قَالَ) -ﷺ- («وَالْمُقَصِّرِينَ») قال الحافظ -﵀-: فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر، ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك: الدعاء للمحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة «الموطإ» بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبّه عليه ابن عبد البر في «التقصِّي»، وأغفله في «التمهيد»، بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك، قال : وقد راجعت أصل سماعي من موطأ يحيى بن بكير فوجدته كما قال في «التقصي». وفي رواية الليث، عن نافع عند مسلم -يعني الرواية السابقة- وعلّقها البخاريّ: «رحم الله المحلقين مرة، أو مرتين»، قالوا: والمقصرين؟ قال: «والمقصرين»، والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافق لما رواه مالك، ولمسلم أيضًا وعلّقه البخاريّ من رواية عبيد الله -بالتصغير- العمريّ، عن نافع، قال في الرابعة: «والمقصرين». قال الحافظ: وبيان كونها في الرابعة أن قوله: «والمقصرين» معطوف على مقدّر، تقديره: «يرحم الله المحلقين»، وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاثًا صريحًا، فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة، وقد رواه أبو عوانة في «مستخرجه» من طريق الثوريّ، عن عبيد الله بلفظ: «قال في الثالثة: والمقصرين»، والجمع بينهما واضح بأن من قال: «في الرابعة»، فعلى ما شرحناه، ومن قال: «في الثالثة»، أراد أن قوله: «والمقصرين» معطوف على الدعوة الثالثة، أو أراد بالثالثة مسألة السائلين في ذلك، وكان -ﷺ- لا يُرَاجَع بعد ثلاث، كما ثبت، ولو لم يَدْعُ لهم بعد ثالث مسألة ما سألوه في ذلك. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤) من طريق أيوب عن نافع بلفظ: «اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا، ثم قال: والمقصرين»، ورواية من جزم مقدمة على من شك. انتهى. وروى البخاريّ بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: والمقصرين؟ قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: والمقصرين؟ قالها ثلاثًا. قال: «وللمقصرين». قال الحافظ: قوله: «قالها ثلاثًا» أي قوله: «اللهم اغفر للمحلقين»، وهذه الرواية شاهدة؛ لأن عبيد الله العمري حفظ الزيادة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٣١٤٥ و٣١٤٦ و٣١٤٧ و٣١٤٨] (١٣٠١)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٧٢٧)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٧٩)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩١٣)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣٠٤٣)، و(مالك) في «الموطّ» (١/ ٣٩٥)، و(الطيا لسيّ) في «مسنده» (١٨٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٦ و٣٤ و٧٩ و١١٩ و١٣٨ و١٤١ و١٥١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٦٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٨٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٢٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٨٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣١٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٠٣) و«المعرفة» (٤/ ٩٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الحلق أفضل من التقصير، حيث دعا النبيّ -ﷺ- للمحلّقين ثلاث مرّات. وقال في «الفتح»: وجه كون الحلق أفضل من التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأبين للخضوع والذلّة، وأدلّ على صدق النية، والذي يُقَصِّر يُبقي على نفسه شيئًا مما يتزين به، بخلاف الحالق، فإنه يُشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وفيه إشارة إلى التجرد، ومن ثم استَحَبّ الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة ، قال: وأما قول النوويّ تبعًا لغيره في تعليل ذلك بأن المقَصِّر يُبقِي على نفسه الشعر الذي هو زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر، ففيه نظر؛ لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتقشف، فإنه يحلّ له عقبه كل شيء إلا النساء في الحج خاصة. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان أن التقصير أيضًا جائز؛ لأنه -ﷺ- دعا لهم مرة واحدةً، فدلّ على جواز فعلهم. قال النوويّ -﵀-: في دعائه -ﷺ- للمحلّقين ثلاث مرّات، وللمقصّرين مرّةً بعد ذلك تصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين، إن شاء اقتصر على الحلق، وإن شاء على التقصير، وتصريح بتفضيل الحلق، وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير، وعلى أن التقصير يجزئ إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ أنه كان يقول: يلزمه الحلق في أول حجة، ولا يجزئه التقصير، وهذا إن صح عنه مردود بالنصوص، وإجماع من قبله. انتهى . ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: «المحلقين» على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه الذي تقتضيه الصيغة؛ إذ لا يقال من حَلَق بعض رأسه: إنه حلقه إلا مجازًا، وقد اختلف العلماء في وجوب حلق جميع الرأس، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): بيان أن التقصير يجزئ عن الحلق، وهو مجمع عليه، إلا ما روي عن الحسن البصريّ أن الحلق يتعيّن في أول حجة، حكاه ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه، قال ابن أبي شيبة: حدّثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن في الذي لم يحج قطّ، فإن شاء حلق، وإن شاء قصّر، نعم رَوَى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعيّ قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج أخرى: فإن شاء حلق، وإن شاء قصّر، ثم روى عنه أنه قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة، وأول عمرة. انتهى، وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب، لا للزوم، نعم عند المالكية، والحنابلة، أن محل تعيين الحلق والتقصير أن لا يكون المحرم لَبَّد شعره، أو ضَفَّره، أو عَقَصَهُ، وهو قول الثوريّ، والشافعيّ في القديم، والجمهور، وقال في الجديد وفاقًا للحنفية: لا يتعين إلا إن نذره، أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره، أو لم يكن له شعر، فيُمِرَّ الموسى على رأسه. وأغرب الخطابيّ، فاستدل بهذا الحديث لتعيّن الحلق من لبّد، ولا حجة فيه، قاله في «الفتح» . ٥ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء من فَعَل ما شُرع له، وتكرار الدعاء من فَعَل الراجح من الأمرين المخيَّر فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرجحان، وطلب الدعاء من فَعَل الجائز، وإن كان مرجوحًا . ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: مذهبنا المشهور أن الحلق، أو التقصير نُسُك من مناسك الحجّ والعمرة، ورُكْنٌ من أركانهما، لا يحصل واحد منهما إلا به، وبهذا قال العلماء كافّة، وللشافعي قول شاذّ ضعيف، أنه استباحة محظور، كالطيب، واللباس، وليس بنسك، والصواب الأول. انتهى . (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في موضع دعاء النبيّ -ﷺ- بقوله: «اللهم ارحم المحلقين … إلخ»: قال في «الفتح»: واختَلَفَ المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول الله -ﷺ- ذلك، فقال ابن عبد البرّ: لم يذكر أحدٌ من رواة نافع، عن ابن عمر -﵄- أن ذلك كان يوم الحديبية، وهو تقصير، وحَذْفٌ، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صُدَّ عن البيت، وهذا محفوظ مشهور، من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وحُبْشِيّ بن جُنَادة، وغيرهم، ثم أخرج حديث أبي سعيد -﵁-، بلفظ: «سمعت رسول الله -ﷺ- يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرةً»، وحديثَ ابن عباس -﵄-، بلفظ: حَلَق رجال يوم الحديبية، وقَصَّر آخرون، فقال رسول الله -ﷺ-: «رَحِمَ اللهُ المحلقين …» الحديث، وحديثَ أبي هريرة -﵁-، من طريق محمد بن فُضَيل الآتي بعد هذا عند مسلم، ولم يَسُقْ لفظه، بل قال: فذكر معناه، قال الحافظ: وتَجَوَّز في ذلك، فإنه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبيّ -ﷺ-، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها، ولم يَشهد الحديبية، ولم يَسُقْ ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئًا، قال: ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطرق عنه، قال: وقد قدّمت في صدر الباب أنه مُخَرَّج من مجموع الأحاديث عنه أن ذلك كان في حجة الوداع، كما يومئ إليه صنيع البخاريّ. وحديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن عبد البر، أخرجه أيضًا الطحاويّ من طريق الأوزاعيّ، وأحمدُ، وابن أبي شيبة، وأبو داود الطيالسيّ من طريق هشام الدستوائيّ، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم الأنصاريّ، عن أبي سعيد، وزاد فيه أبو داود: أن الصحابة حَلَقُوا يوم الحديبية، إلا عثمان، وأبا قتادة. وأما حديث ابن عباس -﵄-: فأخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عنه، وهو عند ابن إسحاق في «المغازي» بهذا الإسناد، وأن ذلك كان بالحديبية، وكذلك أخرجه أحمد وغيره من طريقه. وأما حديث حُبْشيّ بن جُنادة: فأخرجه ابن أبي شيبة، من طريق أبي إسحاق عنه، ولم يعيّن المكان، وأخرجه أحمد من هذا الوجه، وزاد في سياقه عن حُبشيّ، وكان ممن شَهِد حجة الوداع، فذكر هذا الحديث، وهذا يُشعر بأنه كان في حجة الوداع. وأما قول ابن عبد البر فوَهَمٌ، فقد ورد تعيين الحديبية من حديث جابر، عند أبي قُرَّة في «السنن»، ومن طريق الطبرانيّ في «الأوسط»، ومن حديث المسور بن مخرمة، عند ابن إسحاق في «المغازي»، وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السَّلُوليّ، عند أحمد، وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قَارِب بن الأسود الثقفيّ، عند أحمد، وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عُمارة عند الحارث، فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا، وأصح إسنادًا، ولهذا قال النوويّ عقب أحاديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأم الحصين: هذه الأحاديث تدلّ على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع، قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في «النهاية»، ثم قال النوويّ: لا يبعد أن يكون وقع في الموضعين. انتهى. وقال عياض: كان في الموضعين، ولذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، وقال الحافظ: بل هو المتعين؛ لتظاهر الروايات بذلك في الموضعين، كما قدمناه، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال؛ لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم مُنِعُوا من الوصول إلى البيت، مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبيّ -ﷺ-، وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة، كما ستأتي في مكانها، فلما أمرهم النبيّ -ﷺ- بالإحلال، توقفوا، فأشارت أم سلمة -﵂- أن يَحِلّ هو -ﷺ- قبلهم، ففعل، فتبعوه، فحلق بعضهم، وقَصَّر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس -﵂- المشار إليه قبلُ، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره: «أنهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: لأنهم لم يشكُّوا». وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في «النهاية»: كان أكثر من حج مع رسول الله -ﷺ- لم يَسُقِ الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم شقّ عليهم، ثم لما لم يكن لهم بُدّ من الطاعة، كان التقصير في أنفسهم أخفّ من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجّح النبيّ -ﷺ- فعل مَن حَلَق؛ لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى. قال الحافظ: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابيّ وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر، والتزين به، وكان الحلق فيهم قليلًا، وربما كانوا يرونه من الشهرة، ومن زِيّ الأعاجم، فلذلك كَرِهُوا الحلق، واقتصروا على التقصير. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم حلق الرأس: ذهب إلى وجوب حلق جميعه مالك، وأحمد، واستحبه الكوفيون، والشافعيّ، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه: فعن الحنفية الربع، إلا أبا يوسف، فقال: النصف، وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه: شعرة واحدة، والتقصير كالحلق، فالأفضل أن يُقَصِّر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على ما دونها أجزأ، هذا للشافعية، وهو مرتب عند غيرهم على الحلق، وهذا كله في حق الرجال، كذا في «الفتح» . وقال ابن قدامة -﵀-: يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره، كذلك المرأة، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، وعن أحمد يجزئه البعض مبنيًا على المسح في الطهارة، وكذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي: يجزئه التقصير من ثلاث شعرات، واختار ابن المنذر أنه يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له، ولنا قول الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، وهذا عام في جميعه، ولأن النبيّ -ﷺ- حلق جميع رأسه تفسيرًا لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع إليه، ولأنه نُسك تعلق بالرأس، فوجب استيعابه به كالمسح. انتهى . واختار ابن الهمام -﵀- من الحنفيّة قول مالك في وجوب استيعاب الرأس بالحلق والتقصير، وقال بعد بسط الكلام فيه: فكان مقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب، كما هو قول مالك، وهو الذي أدين الله به، قال: وقياسه على المسح قياس مع الفارق. انتهى. وقال الشيخ الشنقيطيّ -﵀- بعد ذكر مذاهب الأئمة في ذلك: أظهر الأقوال عندي أنه يلزم حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير؛ لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع، ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية، والشافعية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، ولم يقل: بعض رؤوسكم، ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ أي رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبيّ -ﷺ- يقول: «دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فمن حلق الجميع أو قصّره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه؛ ومن اقتصر على ثلاث شعرات، أو على ربع الرأس لم يَدَعْ ما يريبه؛ إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبيّ -ﷺ- لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه، وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة؛ ليفرقه على الناس، وفعلُه في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق، كقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: وفعله -ﷺ- إذا كان بيانًا لنص مجملٍ يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبيِّنَ لذلك النص المجمل واجب، ولا خلاف في ذلك بين من يُعْتَدّ به من أهل الأصول. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق مذاهب العلماء، وأدلّتهم أن الأرجح هو ما ذهب إليه مالك وغيره من أن الواجب في الحلق حلق جميع الرأس، وكذلك التقصير من جميع الرأس، لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): هذا الذي ذكرناه من الاختلاف في وجوب حلق جميع الرأس، وعدمه إنما هو في حق الرجال، فأما النساء فإن المشروع في حقهنّ التقصير بالإجماع، ورَوَى أبو داود في «سننه» عن ابن عباس -﵄-: أن النبيّ -ﷺ- قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» . قال وليّ الدين -﵀-: وقال أصحابنا: فلو حلقت المرأة أجزأها، قال الماورديّ: وتكون مسيئة، وقال جماعة من أصحابنا: يكره لها الحلق، وقال القاضيان: أبو الطيب، وحسين: لا يجوز، قال النوويّ في «شرح المهذب»: ولعلهما أرادا أنه مكروه، قال: وقد يُستدل للكراهة بحديث عليّ -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- نَهَى أن تحلق المرأة رأسها»، رواه الترمذيّ، وقال: فيه اضطراب، ولا دلالة فيه لضعفه، ولكن يُستدلّ بعموم قوله -ﷺ-: «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»، وبالحديث الصحيح في نهي النساء عن التشبه بالرجال. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الواجب في حقّ المرأة المحرمة التقصير دون الحلق، ولا يجوز لها أن تحلق كما قال القاضيان: أبو الطيّب والحسين من الشافعيّة؛ لمخالفتها الواجب عليها، ولحديث:«من عَمِل عملًا … إلخ»، وحديث نهي النساء عن التشبّه بالرجال، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فوائد]: ذكرها الحافظ وفي الدين -﵀-: (الأولى): قال: محل التخيير بين الحلق والتقصير عند المالكية والحنابلة ما إذا لم يُلَبِّد شعر رأسه، فإن لبّده أي سَكَّنه بما يمنع الانتفاش، كالصمغ ونحوه تعيّن عندهم الحلق، ولم يجز التقصير، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وسفيان الثوريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقال به ابن المنذر، وحكاه القاضي عياض، والنوويّ عن جمهور العلماء. وذهب ابن عباس -﵄- إلى أنه على ما نوى من ذلك: إن نوى الحلق تعيّن، وإلا فهو على التخيير. وذهب أبو حنيفة إلى بقاء التخيير في حقه أيضًا، وأنه لا فرق بين الملبّد وغيره، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه النوويّ في «شرح المهذب» عن ابن عباس، وهو قول الشافعيّ في الجديد، وهو الصحيح عند أصحابه، وما حكاه ابن المنذر هو قوله في القديم. وتمسك الأولون بما رُوي من طريق عبد الله بن عمر العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر، أنه -ﷺ- قال: «من لَبَّد رأسه فليحلق»، وجعل أصحابنا المعنى في ذلك أن التلبيد لا يفعله إلا من يريد الحلق يوم النحر للنسك، فينزل هذا منزلة نذر الحلق، وجعل المالكية سبب ذلك تعذر التقصير، وقالوا: لا يمكن التقصير مع التلبيد، قال ابن شاس في «الجواهر»: ويقوم التقصير مقام الحلق حيث يتمكن من الإتيان به على وجهه، وقد يتعذر إن عجز عن ذلك، فيتعيّن الحلق، كمن لا شعر على رأسه، أو شعره لطيف لا يمكن تقصيره، أو لبّد شعره، مثل أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، أو عَقَصه، أو ضَفّره، فإنه لا بد من الحلق في جميع هذه. انتهى. قال وليّ الدين: وفي ذكره مع ذلك من لا شعر على رأسه نظر، فإن هذا لا يتأتى في حقه حلق ولا تقصير، ومسألة العقص والضفر شكل من التلبيد، فإنه لا يتعذر مع ذلك التقصير بلا شك، بل ولا يتعذر مع التلبيد، والعيان يدفعه، وهذا خلاف في شهادة، والْمُدرَك الذي ذكره أصحابنا أقرب، والله أعلم. وأشار الخطابيّ إلى الاستدلال لتعيّن الحلق في صورة التلبيد بهذا الحديث، فقال: وفي قوله: «اللهم ارحم المحلقين» وجه آخر، وهو أن السنة فيمن لَبَّد رأسه الحلاق، وإنما يجزئ التقصير فيمن لم يلبّد، وكان رسول الله -ﷺ- قد لبد رأسه. قال وليّ الدين: وفيما ذكره نظرٌ؛ لأن الحديث دل على جواز التقصير في هذه الحالة أيضًا بدعائه -ﷺ- للمقصرين، وهو خلاف مُدَّعاه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر الأرجح قول من قال: إن من لبّد يجوز له الحلق، أو التقصير؛ لعموم الأدلّة، وأما حديث: «من لبّد رأسه … إلخ»، فقد ضعّفه البيهقيّ، فلا يصلح للاحتجاج به؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم. (الثانية): قال وليّ الدين -﵀-: قال أصحابنا: المقصود من الحلق أو التقصّير إزالة الشعر، فيقوم مقامه النتف، والإحراق، والأخذ بالنورة والمقصين، والقطع بالأسنان وغيرها، ويحصل الحلق بكل واحد من ذلك، قالوا: ومحله ما إذا لم ينذر الحلق، فإن نذره تعيّن، ولم تقم هذه الأمور مقامه، وقد يقال: إن في ذلك استنباط معنى من النصّ يعود عليه بالإبطال، كما قالوا في قول الحنفية: يجوز إخراج القيمة في الزكاة؛ لأنها قد تكون أبلغ في سدّ خلة الفقير، فيحتاج إلى الفرق بين البابين، والمشهور عند المالكية أيضًا إجزاء الأخذ بالنورة، وقال أشهب: لا يجزئ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في كون النتف وما ذكر معه يقوم مقام الحلق نظر لا يخفى، كما أشار إليه وليّ الدين في آخر كلامه، فالظاهر أنه يتعيّن الحلق، إلا عند التعذّر، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (الثالثة): أنه رَتَّب ابن عبد البر -﵀- على ما ذكره من ورود هذا الحديث في الحديبية، كما تقدّم عنه أن المُحْصَر يجب عليه الحلق، أو التقصير كغيره، فإن سقوط بقية الأركان عنه إنما هو لعجزه عنها، وهو قادر على الحلق، فيبقى وجوبه، وقد حض النبيّ -ﷺ- أصحابه على ذلك، وبهذا قال مالك، وكذا الشافعيّ؛ بناء على أصح قوليه، وأشهرهما أن الحلق نسك، وحُكِي عن أبي يوسف، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: ليس عليه حلق، ولا تقصير. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الأولون من وجوب الحلق أو التقصير على المحصر هو الحقّ؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (الرابعة): محل الحلق والتقصير شعر الرأس، دون بقية شعور البدن، واستَحَبّ مالك مع الحلق أن يأخذ من لحيته، وشاربه، وأظافره، وصحّ عن ابن عمر -﵄- فعلُ ذلك، رواه مالك، والشافعيّ، والبيهقيّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أما الأخذ من اللحية فلا وجه له، ولا يكون فعل ابن عمر في ذلك حجة؛ لصحّة قوله -ﷺ-: «أعفوا اللحى»، فلا يعارض المرفوع بفعله، وأما الأخذ من الشارب، والأظافر، فسنّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (الخامسة): أنه يسقط الحلق والتقصير بفقد شعر الرأس، فإذا كان أصلع، أو محلوقًا، فلا شيء عليه، ولا فدية، ولكن يستحب إمرار الموسى على رأسه عند مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور، وأوجبه أبو حنيفة، وأنكره أبو بكر بن داود، وهو محجوج بالإجماع قبله، فقد حكى ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يُمِرّ الموسى على رأسه، قال الشافعيّ: ولو أخذ من شاربه، أو شعر لحيته شيئًا كان أحبّ إلي؛ ليكون قد وضع من شعره شيئًا لله تعالى، قال إمام الحرمين: ولست أرى لذلك وجهًا إلا أن يكون أسنده إلى أثر. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد إمام الحرمين -﵀- في هذا الاعتراض، فكيف تُقام السنة بأخذ شعر اللحية المنهيّ عنه، هيهات هيهات. وقال المتولي: يستحب أن يأخذ من الشعور التي يؤمر بإزالتها للفطرة، كالشارب، والإبط، والعانة؛ لئلا يخلو نسكه عن حلق. قال أصحابنا: ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير، بخلاف ما لو كان برأسه شعر، وبه علة تمنع الحلق، فيصبر للإمكان، ولا يفتدي، ولا يسقط عنه الحلق. انتهى كلام وليّ الدين العراقيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٧] (…) - (أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في مقدّمة «شرح المقدّمة» أن إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، فاته من سماع هذا الكتاب من مسلم ثلاثة مواضع: أولها في «كتاب الحج»، وهذا موضعه، «باب تفضيل الحلق على التقصير» رقم (١٣٠١) حديث ابن عمر -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «رحم الله المحلّقين» إلى ثمانية أوراق أو نحوها ، «باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره» رقم (١٣٤٤) حديث ابن عمر -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- كان إذا استوى على بعيره خارجًا من سفر كبّر ثلاثًا …» وأن إبراهيم يقول من هنا: عن مسلم، ولا يقول: أخبرنا، كما يقول في باقي الكتاب، وأول هذا قول الجلوديّ هنا: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم بن الحجّاج، قال: حدّثنا ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله -ﷺ- قال: «رحم الله المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله … إلى آخره. فقائل: «أخبرنا أبو إسحاق … إلخ» هو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ المتوفّى في ذي الحجة سنة (٣٦٨ هـ)، وتقدّمت ترجمته في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٦٣. وأما أبو إسحاق، فهو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد صاحب الإمام مسلم، وراوي الكتاب هذا عنه المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨ هـ) وتقدّمت ترجمته أيضًا في «المقدّمة» ٦/ ٧٣، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير الهمدانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«عبيد الله» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، عن عبيد الله هذه لم أجد من ساقها
مصادر المؤلف (٢٠)

١. قال في «المسند» ٦/ ٤٠٠:

٢. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٢٢٢، ٢٢٣.

٣. راجع: «المرعاة» ٩/ ٢٥٦.

٤. القائل: الحافظ.

٥. هي الرواية التالية.

٦. ما استحبّه الصلحاء من إلقاء الشعور عند التوبة يدلّ له ما جاء عن النبيّ -ﷺ- أنه قال لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن». حديث حسن، رواه أبو داود.

٧. «الفتح» ٤/ ٦٨٣.

٨. «شرح النوويّ» ٩/ ٤٩، ٥٠.

٩. «الفتح» ٤/ ٦٨٢، ٦٨٣.

١٠. «الفتح» ٤/ ٦٨٤.

١١. «شرح النووي» ٩/ ٥٠.

١٢. هكذا النسخة، ولعل الصواب: «ومن طريقه» بالضمير، فليُحرّر.

١٣. «الفتح» ٤/ ٦٨٣.

١٤. «المغني» ٣/ ٣٩٣.

١٥. «أضواء البيان» ٥/ ١٨٣، ١٨٤.

١٦. صححه الشيخ الألبانيّ -﵀- في السلسلة الصحيحة«(٦٠٥)؛ وأورده في»صحيح أبي داود«(١٧٣٢).

١٧. راجع:«طرح التثريب في شرح التقريب»٥/ ١١٥.

١٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١١٦ - ١١٨.

١٩. رقم الأستاذ محمد عبد الباقي، فتنبّه.

٢٠. هذا في النسخ المخطوطة أيام الشيخ ابن الصلاح -﵀-، وأما الآن بعد أن جاء دور الطباعة، فاختلفت النسخ في عدد الأوراق اختلافًا متباينًا لا يمكن ضبطها بالحصر، فتنبّه.