-وهو معمر بن عبد الله العدويّ على الصحيح، كما تقدّم- أن يحلقه، لا أنه حلق بنفسه، كما بيّنته رواية أنس -﵁- الآتية في الباب التالي، وسيأتي أيضًا هناك كيفيّة حلقه ﷺإن شاء الله تعالى-.
وهذا الحديث طرف من حديث طويل، أوله: «لَمّا نزل الحجاج بابن الزبير …»، نبّه عليه الإسماعيلي، قاله في «الفتح» .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٣١٥٢] (١٣٠٤)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٧٢٦ و١٧٢٩) و(المغازي) (٤٤١٠ و٤٤١١)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٨٨ - ١٢٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٣٠ و٣٠٢٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٦٥٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٠٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٣٨١)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٤٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٨٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ، ثُمَّ يَنْحَرَ، ثُمَّ يَحْلِقَ، وَالِابْتِدَاءِ فِي الْحَلْقِ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٣] (١٣٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى، وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: «خُذْ»، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْإَيمَنِ، ثُمَّ الْأيْسرَ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (ت ٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من هشام، وحفص كوفيّ، ويحيى نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو خادم رسول الله -ﷺ- خدمه عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين منهم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْن مَالِك) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ) أي العقبة (فَرَمَاهَا، ثمَّ أَتَى مَنْزِلهُ بِمِنًى) فيه أنه يستحب إذا قَدِمَ منى أن لا يُعَرِّج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة الكبرى جمرة العقبة راكبًا كما هو، فيرميها، ثم يذهب، فينزل حيث شاء من منى (وَنَحَرَ) أي: هديه، وكان عدده مائة، وقد
نحر بيده ثلاثًا وستين، وأمر عليًّا أن ينحر بقية المائة، وفيه استحباب نحر الهدي بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم؛ لقول رسول الله -ﷺ-: «نحرت ههنا، وكل منى منحر، فانحروا في رحالكم»، الحديث، رواه مسلم، وفي رواية أبي داود: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ». (ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ) قال النوويّ -﵀-: اختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حلق رأس رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع، فالصحيح المشهور أنه معمر بن عبد الله الْعَدَويّ، وفي «صحيح البخاريّ» قال: زعموا أنه معمر بن عبد الله، وقيل: اسمه خِرَاش بن أمية بن ربيعة الكُلَبِيُّ -بضم الكاف-: منسوب إلى كُليب بن حبشية، والله أعلم. انتهى .
(«خُذْ») أي ابدأ بالحلق من ههنا (وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ) فيه أنه يستحب في حلق الرأس أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق، وإن كان على يسار الحالق، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر؛ لأنه على يمين الحالق، والحديث يرد عليه، قال الطيبيّ -﵀-: دلّ الحديث على أن المستحب الابتداء بالأيمن -من رأس المحلوق- وذهب بعضهم إلى أن المستحب الأيسر. انتهى.
قال القاري -﵀-: أي ليكون أيمن الحالق، ونُسب إلى أبي حنيفة إلا أنه رجع عن هذا، وسبب ذلك أنه قاس أولًا يمين الفاعل كما هو المتبادر من التيامن، ولمّا بلغه أنه -ﷺ- اعتبر يمين المفعول رجع عن ذلك القول المبني على المعقول إلى صريح المنقول؛ إذ الحق بالاتباع أحق، ولو وقف الحالق خلف المحلوق أمكن الجمع بين الأيمنين -أي اجتمع الابتداء بيمين الحالق والمحلوق وارتفع الخلاف- وإذا تعذر الجمع فلا بد من ترجيح ما يدل عليه حديث أنس. انتهى .
(ثُمَّ الْأَيْسَرِ) أي ثمّ أشار للحلّاق إلى جانبه الأيسر؛ ليحلقه (ثُمَّ جَعَلَ) -ﷺ- (يُعْطِيهِ النَّاسَ) وفي رواية ابن أبي شيبة التالية: «وأشار إلى الجانب الأيمن هكذا، فقسم شعره بين من يليه، قال: ثم أشار إلى الحلاق، وإلى الجانب
الأيسر، فحلقه، فأعطاه أم سُليم»، وفي رواية أبي كريب: «فبدأ بالشقّ الأيمن، فوزّعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة»، وفي رواية عبد الأعلى الآتية: فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال: «احلق الشق الآخر»، فقال: «أين أبو طلحة؟»، فأعطاه إياه.
ورواية أبي عوانة في «صحيحه»: «أن رسول الله -ﷺ- أمر الحلاق، فحَلَقَ رأسه، ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن، ثم حلق الشق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس».
قال الحافظ -﵀-: ولا تناقض بين هذه الروايات، بل طريق الجمع بينها أنه ناول أبا طلحة كُلًّا من الشقين، فأما الأيمن فوزّعه أبو طلحة بأمره -ﷺ-، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره أيضًا، زاد أحمد في رواية له: «لتجعلها في طيبها»، وعلى هذا فالضمير في قوله: «يقسمه» في رواية أبي عوانة يعود على الشق الأيمن، وكذا قوله في رواية الباب فقال: «اقسمه بين الناس». انتهى.
وقال المحب الطبري: والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن على ما تضمنه حديث توزيع الشعرة والشعرتين بين الناس، وأعطى الأيسر أبا طلحة، أو أم سليم على ما تضمنه أيضًا، ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه لهما، فنُسبت العطية تارة إليه، وتارة إليها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٣/ ٣١٥٣ و٣١٥٤ و٣١٥٥ و٣١٥٦] (١٣٠٥)،
و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٧٠ و١٧١)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٨١ و١٩٨٢)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩١٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٤٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١١ و٢١٤ و٢٥٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٧٩)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٢٩٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤٨٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٠٣) و«المعرفة» (١/ ١٤٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان السنة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة، ووصوله منى، وهي أربعة: رمي جمرة العقبة أوّلًا، ثم نحر الهدي، أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة، وطواف الإفاضة، وكلها ذُكرت في هذا الحديث، إلا طواف الإفاضة.
٢ - (ومنها): بيان أن السنة في هذه الأعمال الأربعة أن تكون مرتبةً كما ذكرنا؛ لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها فقدَّم مؤخرًا، أو أخّر مقدَّمًا جاز؛ لقوله -ﷺ-: «افْعَلْ ولا حرج»، وسيأتي الكلام على هذا في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى.
٣ - (ومنها): طهارة شعر الآدميّ، قال النوويّ -﵀-: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء.
٤ - (ومنها): التبرك بشعره -ﷺ-، وجواز اقتنائه للتبرك، وهو خاصّ به -ﷺ-، وأما غيره -ﷺ- فلا يُشرع التبرّك بشيء من أجزائه؛ لأنه لم يُنقل عنه -ﷺ- أنه أجازه في غيره، ولا عمله الصحابة -﵃-، فإنهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر -﵁-، وكذا فضل الخلفاء الراشدين -﵃-، ومع ذلك فلم يتبرّكوا بأجزائهم، فليُتنبّه، فإن هذه مغلطة خطيرة يقع فيها كثير من الناس جهلًا، أو تجاهلًا، والله تعالى المستعان.
٥ - (ومنها): ما قال الزرقانيّ -﵀-: وإنما قسم -ﷺ- شعره في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بينهم، وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل،
وخَصّ أبا طلحة -﵁- بالقسمة؛ التفاتًا إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره -ﷺ-، ولحد له، وبنى فيه اللبن. انتهى.
٦ - (ومنها): مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه، فيما يفرّقه عليهم من عطاء وهدية.
٧ - (ومنها): أن المواساة لا تستلزم المساواة، حيث إنه -ﷺ- أعطى أبا طلحة وزوجه شعر شقّه، ووزّع على سائر الناس مع كثرتهم شعر شقّه الآخر.
٨ - (ومنها): أن فيه تفضيل من يتولى التفرقة على غيره بالزيادة في العطيّة.
٩ - (ومنها): أن حلق الرأس أفضل من التقصير؛ اقتداءً بفعله -ﷺ-، ولقوله: «اللهم ارحم المحلّقين ثلاثًا»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أمَّا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: لِلْحَلَّاقِ هَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، هَكَذَا، فَقَسَمَ شَعَرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ، وَإِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أمّ سُلَيْمٍ، وَأمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ قَالَ: فَبَدَأَ بِالشَّقِّ الْأَيْمَنِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ بِالْأَيْسَرِ، فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟» فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلهم ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نمير.
وقوله: (لِلْحَلَّاقِ هَا) هكذا في رواية مسلم «ها»، وفي رواية أبي يعلى الآتية: «وقال للحلاق: هنا»، وهو اسم إشارة للمكان، أي: ابدأ من هنا، يعني الجانب الأيمن، وأما «ها» في رواية المصنّف، فهي اسم فعل أمر بمعنى
«خذ»، أي خُذ، وابدأ من هذا الجانب، قيل: الصواب مدّها، وفتحها، كما في حديث: «إلا هاء وهاء» في الربا، قال في «النهاية»: قال ابن الأثير: أصحاب الحديث يرونه «ها وها» ساكنة الألف، والصواب مدّها، وفتحها؛ لأن أصلها «هاكَ»، أي خذ، فحُذفت الكاف، وعُوّض منها المدّة والهمزة، يقال للواحد: هاءَ، وللاثنين: هاؤما، وللجمع: هاؤمُ، وغيرُ الخطّابيّ يُجيز فيها السكون على حذف العوض، فتَتَنَزّل منزلة «ها» التي للتنبيه، وفيها لغات أخرى. انتهى ، وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح الحديث المذكور في «الربا» -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ) أي فرّق الشعر المحلوق بين الناس، وقسمه فيهم، كما قبله: «فقسم شعره بين من يليه»، فقوله: «الشعرة والشعرتين» بالنصب على البدليّة من الضمير المفعول في قوله: «فوزّعه».
وقوله: («هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟») استفهام بتقدير أداته، أي أههنا أبو طلحة، وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، مشهور بكنيته، زوج أم سليم، شهد بدرًا وما بعدها، ومات سنة (٣٤ هـ) وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في «الحيض» ٧/ ٧٢٠.
وكان له -ﷺ- بأبي طلحة وأهل بيته مزيد خصوصيّة ومحبّة ليست لغيرهم من الأنصار، وكثير من المهاجرين الأبرار -﵃-، وهو الذي حفر قبره الشريف، ولحد له، وبنى فيه اللبِنَ، وخصّه بدفن ابنته أم كلثوم، وزوجها عثمان بن عفان -﵄- حاضر، قاله القاري -﵀- .
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص ساقها أبو يعلى -﵀- في «مسنده» (٥/ ٢٢٧) فقال:
(٢٨٤٠) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص، عن هشام، عن محمد، قال: رمى رسول الله -ﷺ- الجمار، والحلاقُ جالسٌ، فأمر بالبُدْن فنُحِرت، وقال للحلاق: «هنا»، وأشار بيده إلى جانب الأيمن، قال: فقسم
شعره بين من يليه، قال: ثم أشار إلى الحلاق إلى جانبه الأيسر، فحلقه، فأعطاه أم سليم. انتهى.
وأما رواية أبي كريب، عن حفص، فقد ساقها أبو داود -﵀- في «سننه»، فقال:
(١٦٩١) - حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا حفص، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: أن رسول الله -ﷺ- رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بِذِبْح فذبح، ثم دعا بالحلاق، فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: «ها هنا أبو طلحة؟» فدفعه إلى أبي طلحة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ، فَنَحَرَهَا، وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ، وَقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ ، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «احْلِق الشِّقَّ الْآخَرَ»، فَقَالَ: «أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ؟» فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ) المراد بالحجّام هو: الحالق المذكور في الروايات الأخرى.
وقوله: (وَقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأسِهِ) أي أشار بيده على رأسه، ففيه إطلاق القول على الفعل، وقوله: «عن رأسه» وفي نسخة: «على رأسه».
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأنصَارِيَّ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ»، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى.
وقوله: (وَنَحَرَ نُسُكَهُ) -بسكون السين ويضم- جمع نسيكة وهي الذبيحة، والمراد بُدنه -ﷺ-، وقد نحر بيده الكريمة ثلاثًا وستّين بدنةً، وأمر عليًّا أن ينحر بقيّة المائة، كما تقدّم في حديث جابر -﵁- الطويل في صفة حجة النبيّ -ﷺ-.
وقوله: (وَحَلَقَ) أي أراد حلق رأسه.
وقوله: (فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ») الضمير يرجع إلى شعر الشق الأيمن، لا الأيسر بدليل الروايات الأخرى، والحاصل أنه -ﷺ- أعطى أبا طلحة شعر الشقّين، وأمره أن يقسم الشقّ الأيمن بين الناس، ويُعطي الشق الأيسر أم سليم -﵁-، وهو الذي دلّت عليه الروايات المتقدّمة، فلا بدّ من تأويل هذه الرواية بما يتّفق مع الروايات الأخرى.