HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣١٥

حدثنا أَبُو بكر بن أبي شيبة. حدثنا ابن نمير وَأَبُو أُسَامَةَ. قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ. فَأَذِنَ لَهُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص86
ج ٢ ص ٩٥٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الخميس المبارك العاشر من شهر جمادى الأولى ١٠/ ٥/ ١٤٢٩ هـ أول الجزء الرابع والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى. (٥٧) - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنًى لأَهْلِ السِّقَايَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٨] (١٣١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) الثانيّ هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين، وابن نمير «الأول» هو: عبد الله بن نمير، والثاني: ولده محمد بن عبد الله بن نُمير. [تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا، أو كلها، ووقع في بعض نسخ المغاربة: «وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زهير، وأبو أسامة»، فجعل زهيرًا بدل ابن نمير، قال أبو علي الغسانيّ الجيّانيّ، والقاضي: وقع في رواية ابن ماهان، عن ابن سفيان، عن مسلم، قال. ووقع في رواية أبي أحمد الْجُلُوديّ، عن ابن سفيان، عن زهير. قالا: وهذا وَهَمٌ، والصواب ابن نمير، قالا: وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبه في «مسنده»، قال الجيّانيّ: ورواه الكسائيّ عن إبراهيم بن سفيان كما رواه ابن ماهان على الصواب. انتهى . وقال النوويّ: وإنما ذكر خلف الواسطيّ في كتابه «الأطراف»: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن نمير، وأبو أسامة، ولم يذكر زهيرًا. انتهى. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) عمّ النبيّ -ﷺ- المتوفّى سنة (٣٢) تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. (اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى) المراد بها ليلة الحادي عشر واللتين بعده (مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) قال القاري ﵀: أي التي بالمسجد الحرام المملوءة من ماء زمرم المندوب الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر؛ للخلق الكثير، وهي الآن بِركة، وكانت حياضًا في يدي قُصَيّ، ثم منه لابنه عبد مناف، ثم منه لابنه هاشم، ثم منه لابنه عبد المطلب، ثم منه لابنه العباس، ثم منه لابنه عبد الله، ثم منه لابنه عليّ، وهكذا إلى الآن، لكن لهم نُوّاب يقومون بها، قالوا: وهي لآل عباس أبدًا. انتهى. وروى الفاكهي بسنده عن عطاء قال: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي: كان عبد مناف يَحْمِل الماء في الروايا والقِرَب إلى مكة، ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده، ثم عبد المطلب، فلما حَفَر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس، قال ابن إسحاق: لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة، والسقاية، واللواء، والرِّفادة، ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية، والرفادة، والبقية للأخوين، ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنًّا، فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهي بيده، فأقرّها رسول الله -ﷺ- معه فهي اليوم إلى بني العباس. ورَوَى الفاكهيّ من طريق الشعبيّ قال: تكلم العباس، وعليّ، وشيبة بن عثمان في السقاية، والحجابة، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ١٩ - ٢٤]، قال: حتى تفتح مكة. ومن طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أن العباس لما مات أراد علئ أن يأخذ السقاية، فقال له طلحة: أشهد لرأيت أباه يقوم عليها، وأن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال: فَكَفّ عليّ عن السقاية. ومن طريق ابن جريج قال: قال العباس: يا رسول الله لو جمعت لنا الحجابة، والسقاية؟ فقال: «إنما أعطيتكم ما تُرْزءون، ولم أعطكم ما تَرزُءون»، الأول بضم أوله، وسكون الراء، وفتح الزاي، والثاني بفتح أوله، وضم الزاي: أي أعطيتكم ما ينقصكم، لا ما تنقصون به الناس. وروى الطبرانيّ، والفاكهيّ حديث السائب المخزوميّ، أنه كان يقول: اشربوا من سقاية العباس، فإنه من السنة، كذا في «الفتح» . وقال الطبريّ: قال أهل التواريخ: كان أصل السقاية حياضًا من أَدَمٍ توضع على عهد قُصَيّ بفناء الكعبة، وششقي فيها الماء للحاج، وأصل الرفادة خَرْجًا كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قُصي يصنع به طعامًا للحاج يأكله من ليس له سعة، وما زال ذلك الأمر حتى قام به هاشم، ثم أخوه المطلب، ثم عبد المطلب، ثم قام به العباس. انتهى . (فَأَذِنَ لَهُ) أي: أذن النبيّ -ﷺ- للعبّاس أن يبيت تلك الليالي بمكة، ويترك المبيت بمنى، وفي رواية: رَخَّص رسول الله -ﷺ- للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، والمراد بأيام منى لياليها، كما وقع في رواية البخاري، وهي ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. والحديث دليل على مشروعية المبيت في منى ليالي أيام التشريق، وعلى جواز التخلف عن المبيت فيه لأجل السقاية. واتفق العلماء على ذلك، ثم اختلفوا هل المبيت فيه واجب أو سنة؟ وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ٣١٧٨ و٣١٧٩] (١٣١٥)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٦٣٤ و١٧٤٣ و١٧٤٤ و١٧٤٥)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٢٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٩ و٢٢ و٢٨ و٨٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٥٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٢٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٩٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٣٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٥٣) و«الصغرى» (٤/ ٣٢١) و«المعرفة» (٤/ ١٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية، ويُلحق بهم غيرهم من أهل الأعذار. ٢ - (ومنها): بيان أن المبيت بمنى ليالي التشريق مأمور به، وهذا متّفقٌ عليه، لكن اختلفوا في وجوبه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد، أو ما في معناها، لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى. ٤ - (ومنها): أن فيه استئذانَ الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح والأحكام، وأنه ينبغي لمن استؤمر أن يبادر إلى الإذن عند ظهور المصلحة . ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: في هذا الحديث من الفقه ما يدلّ على أن سقاية الحاجّ ولاية ثابتةٌ لولد العبّاس، لا يُنازعون فيها، وقال بعض أهل العلم: وفيه إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولد العبّاس، وأنه لا ينبغي أن يُنازعوا فيها، وأن ذلك يدوم لهم. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المبيت بمنى ليالي التشريق: ذهب مالك ﵀، وأصحابه إلى أنه واجب، ولو بات ليلة واحدة منها، أو جُلّ ليلة، وهو خارج عن منى لزمه دم؛ لأثر ابن عباس -﵄-: «من نَسِي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا»، أخرجه البيهقيّ، وروى مالك في «الموطإ» عن نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄- أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: لا يَبِيتَنّ أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه؛ لأنه -ﷺ- بات بمنى، وعمر كان يؤدِّب على ترك المقام بها، ولو بات بغيرها متعمدًا لم يلزمه شيءٌ عند أبي حنيفة، وأصحابه؛ لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يَسْهُل عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من الواجبات عندهم. وللشافعيّ ﵀ في هذه المسألة قولان: أصحهما، وأشهرهما، وأظهرهما أنه واجب، والثاني أنه سنة، فعلى القول بأنه واجب فالدم واجب في تركه، وعلى أنه سنة فالدم سنة في تركه، ولا يبزم عندهم الدم إلا في ترك المبيت في الليالي كلها؛ لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم، أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مُدًّا والثاني أن فيه درهمًا، والثالث أن فيه ثلث دم، وحكم الليلتين معلوم، والمعتبر في المبيت عندهم الكون بمنى معظم الليل؛ إذ المبيت ورد مطلقًا والاستيعاب غير واجب اتفاقًا، فأقيم المعظم مقام الكل، ولا فرق بين أول الليل وآخره، وفي قولٍ أن المعتبر الكون بمنى عند طلوع الفجر، ومن حضر بها قبله فقد أدى واجب المبيت. وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث، فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق بشيء، وعنه لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال: قيل: مُدّ، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم. وقال الحافظ ﵀: في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي، أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وفي قول للشافعيّ، وورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية أنه سنة، ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل. انتهى، وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. وقال الحافظ ﵀: وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس، أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟ فقيل: يختص الحكم بالعباس، وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية، فله ذلك، ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس، حتى لو عُملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عمّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء، أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعاهده بأهل السقاية، كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء خاصة. قال الزرقانيّ ﵀: لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الذي رواه مالك، وأصحاب السنن الأربع عن عاصم بن عدي: أن رسول الله -ﷺ- أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى. قال الحافظ: وهو قول أحمد، واختاره ابن المنذر أعني الاختصاص بأهل السقاية، ورعاء الإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر صاحب «المغني» حيث قال بعد ذكر حديث ابن عمر: وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره، وعن ابن عباس قال: لم يرخص النبيّ -ﷺ- لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته، رواه ابن ماجه. انتهى، وقال أيضًا: يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى، ويؤخرون رمي اليوم الأول، ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعًا لما عليهم من المشقة في المبيت، والإقامة للرمي؛ لحديث أبي البَدّاح بن عاصم بن عدي، عن أبيه قال: رخّص رسول الله -ﷺ- لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما، رواه مالك، والترمذيّ، والنسائيّ، قال الترمذيّ: هذا حديث صحيح، وهو صحيح كما قال. وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج لحديث ابن عمر الذي نحن في شرحه، إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلًا ونهارًا فافترقا، وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعيّنت عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء، كالمرضى، ومن له مال يَخاف ضياعه ونحوهم، كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبيّ -ﷺ- رخص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم، أو نقول: نصّ عليه لمعنى وُجد في غيرهم فوجب إلحاقه بهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أظهر الأقوال عندي -كما قال صاحب «المرعاة»- أن المبيت بمنى أيامَ منى نُسُك من مناسك الحجّ يدخل في قول ابن عباس -﵁-: «من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا» ، والدليل على ذلك ثلاثة أمور: [الأول]: أن النبيّ -ﷺ- بات بها الليالي المذكورة، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم»، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة. = صحيحة، عن ابن عباس -﵄- موقوفًا عليه، لا مرفوعًا، ولفظه عن مالك، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس -﵄- قال: «من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا»، قال مالك: لا أدري قال: «ترك»، أم «نسي»، قال البيهقيّ: وكذا رواه الثوريّ، عن أيوب: «من ترك، أو نسي شيئًا من نسكه فليهرق له دمًا»، قال البيهقيّ: فكأنه قالهما، يعني البيهقي أن «أو» ليست للشك، كما أشار إليه مالك، بل للتقسيم، والمراد به يُريق دمًا، سواء ترك عمدًا، أو سهوًا، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. وقال الحافظ ﵀ في «التلخيص الحبير»: حديث ابن عباس -﵄- موقوفًا عليه ومرفوعًا: «من ترك نسكًا فعليه دم»، أما الموقوف فرواه مالك في «الموطإ»، والشافعي عنه، عن أيوب، عن سعيد بن جبير عنه، بلفظ: «من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا»، وأما المرفوع، فرواه ابن حزم، من طريق علي بن الجعد، عن ابن عيينة، عن أيوب به، وأعلّه بالراوي عن علي بن الجعد، أحمد بن علي بن سهل المروزيّ، فقال: إنه مجهول، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد المقدسيّ، قال: هما مجهولان. انتهى من «التلخيص الحبير». قال الجامع: فتبيّن بهذا أن هذا الأثر موقوفًا صحيح في غاية الصحّة، وأما المرفوع، فلا يصحّ، لكن الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، فالاستدلال به على وجوب الدم في ترك النسك صحيح، لا إشكال فيه، وإن لم يرد نصّ بذلك، فتأمل. وقال الشيخ الشنقيطيّ ﵀ في «تفسيره» ٤/ ٤٧٣: وجه استدلال الفقهاء به -أي بأثر ابن عباس -﵄- المذكور- على سائر الدماء التي قالوا بوجوبها غير الدماء الثابتة بالنص، أنه لا يخلو من أحد أمرين: الأول: أن يكون له حكم الرفع؛ بناءً على أنه تعبد، لا مجال للرأي فيه، وعلى هذا فلا إشكال. والثاني: أنه لو فُرض أنه مما للرأي فيه مجال، وأنه موقوف ليس له حكم الرفع، فهو فتوى من صحابيّ جليل، لم يُعْلَم لها مخالف من الصحابة -﵃-، وهم خير أسوة بعد رسول الله -ﷺ-. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. [الثاني]: حديث ابن عمر -﵄- في الترخيص للعباس الذي نحن في شرحه. [الأمر الثالث]: هو ما روي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى، ويرسل رجالًا يدخلونهم في منى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم. والحاصل أن المبيت بمنى ليالي التشريق واجب؛ لهذه الأدلّة المذكورة، وهذا لمن لا عُذر له، وأما أصحاب الأعذار، كأهل السقاية، والرعاة، وغيرهم ممن له عذر يمنعه المبيت بها، فيُرخّص له؛ لحديث الباب في أهل السقاية، وإلحاقًا لغيرهم بهم، كما هو مذهب الجمهور، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا في الباب، والأبواب الثلاثة قبله. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، وابن جريج كلاهما، عن عبيد الله هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀، فقال: (١٧٤٣) - حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون، حدّثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-: رَخَّص النبيّ -ﷺ- (ح) حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- أن النبيّ -ﷺ- أَذِن (ح) وحدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر -﵁-: أن العباس -﵁- استأذن النبيّ -ﷺ- ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٦)

١. هكذا ترجم القرطبيّ ﵀ في «المفهم»، وترجمته أنسب من ترجمة النوويّ ﵀، ولذا اخترتها هنا، فتنبّه.

٢. راجع: «تقييد المهمل» ٣/ ٨٤١، ٨٤٢.

٣. «الفتح» ٤/ ٥٦٦، ٥٦٧.

٤. راجع: «المرعاة» ٩/ ٣٠٠.

٥. راجع: «الفتح» ٤/ ٧٠٦.

٦. هذا أثر صحيح موقوفًا على ابن عباس -﵄-، قال النوويّ ﵀ في «شرح المهذب»: وأما حديث: «من ترك نسكًا فعليه دم»، فرواه مالكٌ، والبيهقيّ، وغيرهما بأسانيد =