٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رَباح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالْعُمْرَةِ) قال النوويّ ﵀: هذا فيه دليل للمذهب الصحيح عند الأصوليين أن لفظ «كان» لا يقتضي التكرار؛ لأن إحرامهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج مع النبيّ -ﷺ- إنما وُجِد مرةً واحدةً، وهي حجة الوداع. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ ﵀ من أن لفظ «كان، لا يقتضي التكرار، خلاف التحقيق، بل التحقيق أنه يفيد التكرار والدوام إلا لقرينة، كهذا الحديث، فكون حجته -ﷺ- واحدة هو الذي صرف دلالته عن التكرار والدوام، وقد أشبعت البحث في هذا في»التحفة المرضيّة«، و»شرحها«في الأصول، فلتُراجع عند قولي:
وَلَفْظُ«كَانَ» لِدَوَامِ الْفِعْلِ مَعْ … تَكْرَارِهِ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُتَّبَعْ
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٢] (١٣١٩) - (حَدَّثَنَا عُثْمَان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكرِيَّاءَ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه جابرًا -﵁- من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) -﵁-، وفي الرواية التالية من طريق يحيى الأمويّ: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله -﵄-، فصرّح ابن جريج بالإخبار، وأبو الزبير بالسماع، فزالت تهمة التدليس عنهما (قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وفي الرواية التالية: «نحر» مكان «ذبح»، والفرق بين النحر والذبح أن النحر يكون في اللَّبّة -بفتح اللام، وتشديد الموحدة- وهي الوَهْدة التي بين أصل العنق والصدر، والذبحُ يكون في الحلق، فالذبح هو قطع العروق التي في أعلى العُنُق تحت اللحيين، قال ابن عابدين ﵀: النحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، والذبح قطعها في أعلاه تحت اللحيين، وفي «تكملة البحر»: ولا بأس بالذبح في الحلق كلِّه، أسفلِهِ وأوسَطِهِ، وأعلاه؛ لأن ما بين اللبة واللحيين هو الحلق، ولأن كله مُجْتَمَعُ العروق، فصار حكم الكل واحد. انتهى، وفي «البدائع»: الذبح هو فَرْيُ الأوداج، ومحله ما بين اللبة واللحيين، والنحرُ فَرْيُ الأوداج، ومحله آخر الحلق. انتهى، ذكر هذا كلّه في «المرعاة» .
(عَنْ عَائِشَةَ) أي لعائشة -﵂-، ولسائر نسائه، كما سيأتي في الحديث التالي (بَقَرَةً) وَيحْتَمِل أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرةً، وجعل بقرة أخرى عن الكل تمييزًا لها؛ لأنها انفردت بسبب موجب وهو القران؛ لأنها أردفت الحج على عمرتها، وهنّ لمّا اشتركن في سببٍ غيرِهِ أشرك بينهنّ، ويكون في ذلك
تخصيص وتفضيل؛ لأن الواجب في ذلك شاة، أو سبع بدنة، أو بقرةٍ، كما فَعَل في حق صواحبها، ولعل إيثار البقر؛ لأنه المتيسر حينئذ، وإلا فالإبل أفضل منه، وقيل: إنه لبيان الجواز (يَوْمَ النَّحْرِ) أي في حجته، كما في رواية محمد بن بكر التالية قال: «نحر رسول الله -ﷺ- عن عائشة بقرةً في حجته»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٠/ ٣١٩٢ و٣١٩٣] (١٣١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٧٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٩٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في نحر البقر، وذبحها:
ذهب جمهور العلماء إلى أن نحر البقر جائز، وإن كان الذبح مستحبًّا عندهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآية [البقرة: ٦٧]، وخالف الحسن بن صالح، ومجاهد فاستحبّا نحرها، وقال مالك: إن ذَبَح الجزور من غير ضرورة، أو نَحَر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل.
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، ومعنى النحر أن يضربها بِحَرْبة، أو نحوها في الوَهْدة التي بين أصل عنقها وصدرها، فإن ذُبِح ما يُنحَر، أو نُحِر ما يُذْبَح فجائز، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومالك، والليث، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وحُكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، والأمر يقتضي
الوجوب، وحُكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر.
وحجة الأولين قوله -ﷺ-: «أمرر الدم بما شئت»، وعن عائشة -﵂- قالت: نحر رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع بقرة واحدة. انتهى مختصرًا.
وقال ابن رُشْد ﵀: اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نَحْرٌ، وذَبْحٌ، وأن من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر، واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل، وذلك في غير موضع الضرورة، وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير كراهة، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وجماعة العلماء، وقال أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أُكِل، ولكنه يكره، وفرّق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة.
وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم، فأما العموم فقوله -ﷺ-: «ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا»، متّفقٌ عليه، وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله -ﷺ- نَحَر الإبل والبقر، وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب وأدلّتها أن ما ذهب إليه الجمهور أن المستحبّ نحر الإبل، وذبح البقر، فإن ذبح ما يُنحر، أو نحر ما يُذبح جاز؛ لقوّة حجته، كما سلف آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَيي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ،
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ نِسَائِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ: عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً في حَجَّتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ، نزيل بغداد، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (نَحَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ نِسَائِهِ) وفي حديث عن عائشة -﵂- أيضًا: «أن رسول الله -ﷺ- نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع»، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ في «الكبرى»، وابن ماجه، كلهم من رواية يونس، عن الزهريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة -﵂-، لفظ أحمد، ولفظ الثلاثة: «بقرةً واحدةً»، وعن أبي هريرة -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرةً بينهن»، أخرجه أبو داود، والنسائيّ في «الكبرى»، وابن ماجه، والحديثان سكت عنهما أبو داود، والمنذريّ.
وقد روى مالك في «الموطإ»، والبخاريّ في «صحيحه» من طريقه في «باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنّ»، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة -﵂- تقول: «خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرَى إلا الحج …» الحديث، وفيه: قالت: «فدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: نحر رسول الله عن أزواجه»، وللشيخين من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد بلفظ: «ذبح».
قال ابن بطال ﵀: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي، والأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية يونس، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة -﵂-: «أن رسول الله -ﷺ- نحر عن أزواجه بقرة واحدة»، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى.
قال الحافظ ﵀: رواية يونس أخرجها النسائيّ، وأبو داود، وغيرهما، ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائيّ أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونس، قال: «ما ذَبَحَ عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة»، وروى النسائي أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: «ذبح رسول الله -ﷺ- عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن»، صححه الحاكم، وهو شاهدٌ قويّ لرواية الزهريّ.
وأما ما رواه عَمَّار الدُّهْنيّ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، قالت: «ذبح عنا رسول الله -ﷺ- يوم حججنا بقرةً بقرةً»، أخرجه النسائي أيضًا، فهو شاذٌّ مخالفٌ لما تقدم، وقد رواه البخاريّ في «الأضاحي»، ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: «ضحّى رسول الله -ﷺ- عن نسائه البقر»، ولم يذكر ما زاده عمار الدُّهْنيّ. انتهى كلام الحافظ ﵀.
وتعقبه الزرقانيّ، فقال: لا شذوذ فيه، فإن عمارًا الدهنيّ -بضم المهملة، وإسكان الهاء، ونون- ثقة صدوقٌ، من رجال مسلم، والأربعة، فزيادته مقبولة فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره فإن رواية معمر: «ما ذَبَح إلا بقرة» المراد بها جنس بقرة، أي لا بعيرًا، ولا غنمًا، فلا تنافي الرواية الصريحة أنّ عن كل واحدة بقرةً، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن، فلا تأييد فيها لرواية يونس التي حكم إسماعيل القاضي بشذوذها؛ لأنه انفرد بقوله: «واحدة»، وإسماعيل من الحفاظ لا يجهل أن يونس ثقة حافظ، وإنما حكم بشذوذ روايته ومخالفة غيره له على القاعدة أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ، وحديث أبي هريرة لا شاهد فيه، فضلًا عن قُوّته؛ إذ قوله: «ذبح بقرة بينهن» لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها، وإن كان ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في التعدد. انتهى.
وردّ بعض المحقّقين على الزرقانيّ تعقّبه هذا، فقال: وفي هذا التعقب نظر؛ لأن عمارًا ويونس اختلفا في ذلك، وعمار وإن كان ثقةً صدوقًا فلا يساوي يونس؛ لأنه ثقة حافظ، كما تقدم في كلام الحافظ، وقال في «التقريب» عن عمار الدُّهْنيّ: صدوقٌ، فإذا تعارضا في الوحدة والتعدد تَرَجَّح حديث
يونس، وقول الزرقانيّ: إن زيادته ليست مخالفة لغيره ليس بصحيح، فإن رواية يونس صريحة في نحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة في التعدد، ولا يمكن الجمع بينهما، ولا يصح إرادة الجنس في رواية معمر؛ للتاء الفارقة بين الواحدة والجنس، قال العينيّ: الفرق بين البقرة والبقر كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء يَحْتَمِل التضحية بأكثر من واحدة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما ذُكر أن تعقّب الزرقانيّ غير صحيح، وأن الصواب مع الحافظ في قوله: إن رواية عمار الدُّهْنيّ: «بقرةً بقرةً» شاذّة، والصحيح ما رواه يونس وغيره: بقرة واحدة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قد تقدّم أنه اتَّفَقَ من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيِّب، فقال: تجزئ عن عشرة، وبه قال إسحاق ابن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية، واحتج لذلك في «صحيحه»، وقوّاه، وبه قال ابن حزم، وبسط في إثباته، واستدلّ لذلك بما تقدم من أحاديث عائشة، وأبي هريرة، وجابر -﵃-.
وأجاب الجمهور عن ذلك بوجوه، قال الشوكانيّ: قد استدلّ بقول عائشة المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن الظاهر أنه لم يتخلَّف أحد من زوجاته يومئذ، وهن تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تُعارَض به الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في إجزاء البقرة عن سبعة فقط الْمُجْمَع على مدلولها.
وقيل: إن البقرة كانت عن سبع منهنّ، وعن الباقية لعله ذبح غير البقر، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب ابن القيم بأن أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن الروايات في ذلك مختلفة، وحديث عائشة يدل على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح، فتقدم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قال ابن القيّم ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا.
وخلاصته أن البقرة تُجزئ عن سبعة فقط؛ لتصريح الأحاديث الصحيحة
بذلك، فتقدّم على ما اقتضاه مفهوم حديث عائشة -﵂- هذا من أنه -ﷺ- ذبح بقرة عن أزواجه، وهنّ أكثر من سبعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: اختُلِف في أن البقرة المذكورة في حديث عائشة -﵂- عند مالك، والشيخين كانت أضحية أو هديًا، وبكلا اللفظين وردت الروايات، فرَوَى البخاريّ في «الأضاحي»، ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: «ضحّى رسول الله -ﷺ- عن نسائه بالبقر»، وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون، عن عبد الرحمن، بلفظ: «أهدى» بدل «ضحى»، قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر كما تقدم، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة -﵁- صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من رواه بلفظ: «أهدى»، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: «لا ضحايا على أهل منى»، وتبيّن توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي، والأضحية. انتهى كلام الحافظ.
وهذا كما ترى يدل على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هديًا، ونَحَى في «كتاب الأضاحي» إلى كونها أضحية، حيث قال: قوله: «ضحى النبيّ -ﷺ- عن أزواجه بالبقر» ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه، فقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية، وهو ضُحى يوم النحر، قال: وإن حُمِل على ظاهره، فيكون تطوعًا، لا على أنها سنة الأضحية، كذا قال، ولا يخفى بُعده.
واستدل به الجمهور على أن أضحية الرجل تجزئ عنه، وعن أهل بيته، وخالف في ذلك الحنفية، وادَّعَى الطحاوي أنه مخصوص، أو منسوخ، ولم يأت لذلك بدليل. انتهى.
وهذا كما ترى رَجَّحَ ها هنا خلاف ما رجحه في «كتاب الحج».
وذهب ابن القيم: إلى أن الصواب رواية الهدي، فقد قال بعد ذكر مذهب ابن حزم: إن الحاج شُرع له التضحية مع الهدي: والصحيح إن شاء الله أن هدي الحاجّ له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبيّ -ﷺ- ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي
بمنى وأضحية بغيرها، وأما قول عائشة -﵂-: «ضَحَّى عن نسائه بالبقر»، فهو هدي أُطلِق عليه اسم الأضحية، وأنهنّ كنّ متمتعات، وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحره عنهنّ هو الهدي الذي يلزمهن. انتهى.
لكن تبويب البخاري في «كتاب الأضاحى» على حديث عائشة المذكور: «باب الأضحية للمسافر، والنساء»، و«باب من ذبح ضحية غيره»، يدل على أنه حَمَل الحديث على الأضحية، ولذلك استُدِلّ به لمالك على أن التضحية بالبقر أفضل، خلافًا للجمهور؛ إذ قالوا: إن الأفضل البدنة؛ لقوله -ﷺ-: «من راح في الساعة الأولى -أي إلى الجمعة- فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة …» إلى آخره، مع أنه ليس في حديث عائشة تفضيل البقر، ولا عموم لفظ، إنما هي قضية عين محتملة لأمور، فلا حجة فيها لمالك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور من تفضيل البدنة على البقرة في التضحية هو الراجح؛ لصريح حديث الجمعة المذكور في ذلك، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
واستُدِلّ به أيضًا على الأضحية على النساء، والأضحية على المسافر، وعلى الحاج بمنى، وغير ذلك من المسائل ليس هذا موضع تفصيلها.
وقد ترجم البخاريّ ﵀ على حديث عائشة -﵂- كما تقدم: «باب ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهنّ»، قال الحافظ: أما قوله من غير أمرهنّ، فأخذه من استفهام عائشة -﵂- عن اللحم لَمّا دُخِل به عليها، ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال، فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم، بأن يكون استأذنهنّ في ذلك، لكن لما أُدخل اللحم عليها احتَمَلَ عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك، فاستفهمت عنه لذلك.
وقال النوويّ: هذا محمول على أنه -ﷺ- استأذنهنّ في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه. انتهى .