HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٢٢

حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ على مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً. فقَالَ «ارْكَبْهَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا بَدَنَةٌ. فقَالَ «ارْكَبْهَا. وَيْلَكَ!» فِي الثَّانِيَةِ أَوْ في الثالثة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص91
ج ٢ ص ٩٦٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٨٩
(٦٣) - (بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠٩] (١٣٢٢) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا ويلَكَ»، فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان تقدّما قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مما قيل فيه: إنه أصح أسانيد أبي هريرة -﵁-. ٤ - (ومنها): أنه مُسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْأَعْرَجِ) قال في «الفتح»: لم تختلف الرواة عن مالك، عن أبي الزناد فيه، ورواه ابن عيينة، عن أبي الزناد، فقال: «عن الأعرج، عن أبي هريرة، أو عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة»، أخرجه سعيد بن منصور، عنه، وقد رواه الثوريّ، عن أبي الزناد بالإسنادين، مفرّقًا. انتهى. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، رَأَى رَجُلًا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه بعد طول البحث (يَسُوقُ بَدَنَةً) كذا في معظم الأحاديث، ووقع في الرواية الآتية من طريق بكير بن الأخنس، عن أنس: «مرّ ببدنة، أو هديّة»، ولأبي عوانة من هذا الوجه: «أو هدي»، وهو مما يوضّح أنه ليس المراد بالبدنة مجرّد مدلولها اللغويّ، وفي الرواية التالية من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ، عن أبي الزناد: «بينا رجل يسوق بدنة مقلّدةً»، وكذا في طريق همّام بن منبّه، عن أبي هريرة، وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة أنها كانت مُقَلَّدَةً نعلًا، وزاد النسائيّ من رواية ثابت، عن أنس: «وقد جَهَدَه المشي»، ولأبي يعلى من طريق الحسن، عن أنس: «حافيًا»، لكنها رواية ضعيفة . (فَقَالَ) -ﷺ- («ارْكَبْهَا») أي اركب بدنتك التي تسوقها؛ لتستريح من تعبك الذي لحقك من مشقّة المشي (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ) هذا ظنٌّ من الرجل أن البدنة لا تُركب. قال وليّ الدين ﵀: المراد بالبدنة هنا، الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ويقع هذا اللفظ على الذكر والأنثى بالاتفاق، كما نقله النوويّ وغيره، ونقل ابن عبد البرّ قولًا: إنها تختصّ بالأنثى، وردّه، وهل تختصّ في أصل وضعها بالإبل، أم تستعمل فيها، وفي البقر، أم فيها، وفي الغنم؟ فيه خلاف. ولو استعملت البدنة هنا في أصل مدلولها لم يحصل الجواب بقوله: «إنها بدنة»، لأن كونها من الإبل مشاهد معلوم، والذي ظنّ أنه خفي من أمرها كونها هديًا، فدلّ بقوله: «إنها بدنة»، على أنها مهداة. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ . (فَقَالَ) -ﷺ- («ارْكَبْهَا، ويلَكَ») هذه الكلمة أصلها أنها تقال لمن وقع في هَلَكة، فقيل: لأنه كان محتاجًا، قد وقع في تعب وجهد، وقيل: هي كلمة تجري على اللسان، وتُستعمل من غير قصد إلى ما وُضعت له أوّلًا، بل تدعّم بها العرب كلامها، كقولهم: لا أُمّ له، ولا أب له، وتربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه، وعَقْرَى، وحَلْقَى، وما أشبه ذلك، قاله النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ: قالها له تأديبًا؛ لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البرّ، وابن العربيّ، وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا، قال: ولولا أنه -ﷺ- اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل، لا محالة، قال القرطبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة، وغيرها، فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء، ورجحه عياض، وغيره، قالوا: والأمر هنا، وإن قلنا: إنه للإرشاد، لكنه استحقّ الذمّ بتوقفه على امتثال الأمر، والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا. ويَحْتَمِل أن يكون ظنّ أنه يلزمه غُرْمٌ بركوبها، أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فتوقّف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال. وقيل: لأنه كان أشرف على هَلَكَة من الجهد، و«ويل» كلمة تقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت على الهلكة، فاركب، فعلى هذا هي إخبار، وقيل: هي كلمة تُدَعِّم بها العرب كلامها، ولا تقصد معناها، كقوله: لا أم لك، ويقوّيه ما في بعض الروايات بلفظ: «ويحك» بدل «ويلك»، قال الهرويّ: «ويل» يقال لمن وقع في هلكة يستحقّها، و«ويح» لمن وقع في هلكة لا يستحقّها. انتهى . (فِي الثَّانِيَةِ) أي في المرّة الثانية (أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) أي أو قال في المرّة الثالثة، وهذا شكّ من الراوي، قال القاري: «في الثانية، أو في الثالثة» أي في إحدى المرّتين، متعلّق بـ «قال». ووقع في رواية همام الثالثة: «ويلك اركبها، ويلك اركبها». ولأحمد من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، والثوريّ، كلاهما عن أبي الزناد، ومن طريق عجلان، عن أبي هريرة، قال: «اركبها ويحك»، قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويحك». زاد أبو يعلى من رواية الحسن: «فركبها»، إلا أنها ضعيفة، وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة -﵁-: «فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ -ﷺ-، والنعل في عنقها». قال الحافظ: وتبيّن بهذه الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغويّ لم يحصل الجواب بقوله: إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظنّ أنه خَفِي كونها هديًا، فلذلك قال: إنها بدنة، والحقّ أنه لم يَخْفَ ذلك على النبىّ -ﷺ- لكونها كانت مقلّدةً، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: «ويلك». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣/ ٣٢٠٩ و٣٢١٠ و٣٢١١] (١٣٢٢)، و(البخاريّ) في «الحج» (١٦٨٩ و١٧٠٦) و«الوصايا» (٢٧٥٥) و«الأدب» (٦١٦٠)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٦٠)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ١٧٦) و«الكبرى» (٢/ ٣٦٤ - ٣٤٥)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٣١٠٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٧٧)، و(الطيا لسيّ) في «مسنده» (٢٥٩٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٤ و٤٨١ و٤٨٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٩٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١١٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٤/ ١٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠١٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٢٥٠ و٢٥٢ و٢٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٣٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية ركوب البدنة، مطلقًا، سواء كان واجبًا، أو متطوّعًا به؛ لكونه -ﷺ- لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدلّ على أن ذلك لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث عليّ -﵁-: «أنه سئل: هل يَركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبيّ -ﷺ- يمرّ بالرجال يمشون، فيأمرهم يركبون هديه»، أي هدي النبيّ -ﷺ-، وإسناده صالح، قاله الحافظ ﵀ . ٢ - (ومنها): تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى الامتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك، وتوبيخه. ٣ - (ومنها): جواز مسايرة الكبار في السفر. ٤ - (ومنها): أن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير، لا يَأنَفُ عن إرشاده إليها. ٥ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استَنْبَط من هذا الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه، حيث بوّب بقوله: «باب هل يَنتفع الواقف بوقفه»، قال: وقد اشترط عُمر -﵁-: لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره، قال: وكذلك من جعل بدنة، أو شيئًا لله، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره، وإن لم يشترط. انتهى. قال وليّ الدين ﵀: وقد قال أصحابنا: يجوز أن ينتفع الواقف بأوقافه العامة كآحاد الناس كالصلاة في بقعة جعلها مسجدًا، أو الشرب من بئر وقفها، والمطالعة في كتاب وقفه على المسلمين، والشرب من كيزان سبّلها على العموم، والطبخ في قِدر وقفها على العموم أيضًا، والمشهور عندهم منع وقف الإنسان على نفسه، وهو المنصوص للشافعيّ، ومع ذلك، فاختلفوا فيما لو شرط الواقف النظر لنفسه، وشرط أجرة، هل يصحّ هذا الشرط؟ وقال النوويّ: الأرجح هنا جوازه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: ويتقيد ذلك بأجرة المثل. انتهى. ٦ - (ومنها): أن فيه جواز ركوب الهدي ما لم يضرّ به الركوب؛ لحديث جابر -﵁- الآتي: «اركبها بالمعروف»، وهذا متّفق عليه بين العلماء، قال وليّ الدين: قال الشافعية، والحنفية: ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان، ومقتضى نقل ابن عبد البرّ عن مالك أنه لا يضمن. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أن ما نُقِل عن مالك هو ظاهر الحديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه قال الشافعية، والحنفية: كما يجوز ركوبها، يجوز الحمل عليها، ورواه ابن أبي شيبة، عن عطاء، وطاوس، ومنع مالك الحمل عليها، وقال: لا يركبها بالْمِحْمَلَ، حكاه ابن المنذر، وظاهر إطلاق الحديث أن له أن يركبها كيف شاء، ما لم يضرّ بها، والحمل مقيس على الركوب. أفاده وليّ الدين ﵀. ٨ - (ومنها): ما قيل: إنه كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره في ذلك مقامه بالعارية، وحَكَى ابن المنذر عن الشافعيّ أنه قال: له أن يحمل الْمُعْيي، والمضطرّ على هديه، ونقل القاضي عياض الإجماع على منع إجارتها؛ لأنها بيع للمنافع. ٩ - (ومنها): أن بعضهم ألحق بالهدايا في ذلك الضحايا، فله أن يركبها إذا احتاج إلى ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركوب الهدايا: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذا على مذاهب: (أحدها): الجواز مطلقًا، حكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، وكذا حكاه النوويّ في «شرحي مسلم، والمهذب» عنهم، وعن مالك في رواية، وعن أهل الظاهر، وحكاه الخطابيّ عن أحمد، وإسحاق، وصرّح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليه. وهذا هو الذي جزم به الرافعيّ، والنوويّ في «الروضة» في «كتاب الضحايا». وحكاه النوويّ في «شرح المهذّب» عن الماورديّ، والقفال. (الثاني): الجواز بشرط الاحتياج لذلك، ولا يركبها من غير حاجة، قال النوويّ في «شرح مسلم»: إنه مذهب الشافعيّ، ونقله في «شرح المهذّب» عن تصريح الشيخ أبي حامد، والبندنيجيّ، والمتولّي، وصاحب «البيان»، وآخرين، قال: وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطرّ إليه. وتقييد الجواز بشرط الحاجة هو المشهور من مذهب مالك، وأحمد، وجزم المجد ابن تيمية في «المحرّر» بجواز ركوبها مع الحاجة ما لم يضر بها، وبهذا قال ابن المنذر، وجماعة، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وحكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. (الثالث): الجواز بشرط الاضطرار لذلك، نقله ابن المنذر عن الشافعيّ، فقال: وقال الشافعيّ: يركبها إذا اضطرّ ركوبًا، غير قادح، ولا يركبها إلا من ضرورة، وكذا حكى الخطابيّ عن الشافعيّ، ورواه مالك في «الموطإ» عن عروة بن الزبير، وقال ابن المنذر في «الإشراف»: وقال أصحاب الرأي: لا يركبها، وإن احتاج، ولم يجد منه بدًّا حمل عليه، وركبه، وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ، قال: لا يركب البدنة، ولا يحمل عليها إلا مِنْ أَمْرٍ لا يجد منه بدًّا، وحكاه الخطابيّ عن الثوريّ، وقال ابن عبد البرّ: الذي ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، وأكثر الفقهاء كراهية ركوب الهدي من غير ضرورة. انتهى. (الرابع): منع ركوبها مطلقًا، قال ابن المنذر: وقال الثوريّ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: الولد، واللبن، والركوب، فإذا سُمِّيت بُدنًا ذهبت المنافع، وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: في ألبانها، وظهورها، وأوبارها حتى تسمّى بُدنًا، فإذا سميت بُدنًا فمحلها إلى البيت العتيق. (الخامس): وجوب ركوبها، حكاه القاضي عياض، وابن عبد البرّ عن بعض أهل الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البَحيرة، والسائبة. قال الحافظ وليّ الدين: فمن قال بالجواز مطلقًا تمسّك بظاهر هذا الحديث، فإنه -ﷺ- أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيّد ذلك بشيء، ومن قيّد الجواز بالحاجة، أو الضرورة قال: هذه واقعة مُحْتَمِلة، وقد دلّت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجًا للركوب، أو مضطرًّا له. روى النسائيّ عن أنس -﵁- أن النبيّ -ﷺ- رأى رجلًا يسوق بدنة، وقد جَهَدَه المشي قال: «اركبها …» الحديث، وفي «صحيح مسلم» عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «اركبها بالمعروف، إذا أُلْجِئت إليها حتى تجد ظهرًا»، ورواه مسلم أيضًا من هذا الوجه بدون قوله: «إذا ألجئت إليها». ومن منع مطلقًا، فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ولعل أحدًا لم يقل بهذا المذهب، ويكون معنى قول الثوريّ: ذهبت المنافع، أي بالملك، وإن بقيت بالارتفاق. ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجْهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهليّة عليه من إكرام البَحِيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وإهمالها بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه -ﷺ- أهدى، ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. انتهى كلام وليّ الدين ببعض تصرّف . وتعقّبه الحافظ ﵀ في قوله: «ولم يأمر الناس إلخ»، فقال: وفيه نظر؛ لِما تقدم من حديث عليّ -﵁-، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، ورواه أبو داود في «المراسيل» عن عطاء: «كان النبيّ -ﷺ- يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يَحْمِل عليها، ويركبها غير مُنْهِكها، قلت: ماذا؟ قال: الرجل الراجل، والمتبع السير، فإن نُتجت حمل عليها ولدها». قال: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ من وجوب الركوب عند شدة الحاجة حسنٌ جدًّا. والحاصل أن ركوب الهدي بالمعروف جائز عند الاضطرار حتى تزول الضرورة، والدليل على اعتبار هذه القيود حديث جابر -﵁- الآتي في الباب: «اركبها بالمعروف إذ أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا»، فإن مفهومه أنه يركبها بلا إلحاق ضرر بها، إذا كان هو مضطرًّا لركوبها، وأنه إذا وجد غيرها تركها، ثم إنه إذا كان يخاف على نفسه إن لم يركب كان ركوبها واجبًا عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال في «الفتح»: واختلف المجيزون، هل يَحْمِل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور، وهل يَحْمِل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدّم، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها، وقال الطحاويّ في «اختلاف العلماء»: قال أصحابنا، والشافعيّ: إن احتلب منها شيئًا تصدّق به، فإن أكله تصدّق بثمنه، ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يَغرَم، ولا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وقال الثوريّ: لا يركب إلا إذا اضطرّ. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١٠] (…) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنىّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ، عن أبي الزناد لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١١] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَيلَكَ ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَيْلَكَ ارْكبْهَا، وَيْلَكَ ارْكبْهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. و«أبو هريرة» -﵁- ذُكر قبله. وقوله: (وَيْلَكَ ارْكَبْهَا) قال وليّ الدين العراقىّ ﵀: «ويلك» كلمة تُستعمل في التغليظ على المخاطب، وأصلها لمن وقع في هلكة، وهو يستحقها، فهي كلمة عذاب، بخلاف «ويح» فهي كلمة رحمة، وفيها هنا وجهان: [أحدهما]: أنها على بابها الأصليّ، ثم يَحْتَمِل أن يكون ذلك لأمر دنيويّ، وهو أن هذا الرجل كان محتاجًا إلى الركوب، فقد وقع في تَعَبٍ وجَهْد، ويدل لذلك قوله في رواية النسائيّ من حديث أنس -﵁-: وقد جَهده المشي. ويَحْتَمِل أن يكون لأمر دينيّ، وهو مراجعته للنبيّ -ﷺ-، وتأخر امتثاله أمره. [فإن قلت]: هذا الأمر إنما هو للإباحة عند الجمهور، فكيف استَحْقّ الذم بترك المباح الذي لا حرج فيه؟ [قلت]: لَمّا فَهِمَ منه من توقفه في الإباحة، حيث صار يعارض أمر النبيّ -ﷺ- له بالركوب بقوله: «إنها بدنة» يشير بذلك إلى أنه لا يباح ركوبها؛ لكونها هديًا. [فإن قلت]: معارضته النبيّ -ﷺ- في الإباحة شديدة، تؤدي إلى الكفر، فكيف مَخْلَص هذا الرجل منها؟. [قلت]: ما عارض عنادًا، بل ظَنّ أن النبيّ -ﷺ-. لم يعلم أنها هديٌ، فلما عَلِم النبي -ﷺ- ذلك، وقال له: «اركبها، وإن كانت بدنة» بادر لامتثال أمره، وركب، وقال أبو هريرة -﵁-: «فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ -ﷺ-، والنعل في عنقها»، رواه البخاريّ من رواية عكرمة، عن أبي هريرة -﵁-. [فإن قلت]: في الرواية الأولى أنه -ﷺ- بدأه بقوله: «ويلك»، ثم قاله له في المرة الثانية، والثالثة، وفي الرواية الثانية أنه قال له ذلك في الثانية، أو الثالثة، فكيف الجمع بينهما؟. [قلت]: يَحْتَمِل أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيويّ، وهو ما حَصَل له من الْجَهْد والمشقة بالمشي، وقال له ذلك في الثانية، أو الثالثة لأمر دينيّ، وهو مراجعته له، وتأخر امتثال أمره. [الوجه الثاني]: أنه لم يُرد بهذه اللفظة موضوعها الأصليّ، بل هي مما يجري على لسان العرب في المخاطبة، من غير قصد لمدلوله، كما قيل في قوله -ﷺ-: «تَرِبت يداك»، وقوله: «أفلح وأبيه، عَقْرَى حَلْقَى»، وكما تقول العرب: «لا أمّ له، لا أب له»، و«قاتله الله ما أشجعه»، ونظائر ذلك معروفة، وفي رواية ابن ماجه: «ويحك». انتهى .
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع: «الفتح» ٤/ ٦٣٧، ٦٣٨.

٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٤٤.

٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٧٤.

٤. «الفتح» ٤/ ٦٤٠.

٥. «الفتح» ٤/ ٦٤٠.

٦. «الفتح» ٤/ ٦٣٨.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٤٤ - ١٤٦.

٨. «الفتح» ٤/ ٦٣٩.

٩. «الفتح» ٤/ ٦٣٩، ٦٤٠.

١٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٤٨، ١٤٩.