HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٣٣

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ. فَإِنَّ قُرَيْشًا، حِينَ بنت البيت، استقصرت. ولجعلت لها خلفا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص97
ج ٢ ص ٩٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص١٩٥
في حجته، وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك؛ لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦/ ٣٢٤٠] (١٣٣٢)، (والبخاريّ) في «الحجّ» (١٦٠٠)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٥٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٦)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (٧/ ١٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦٧) - (بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤١] (١٣٣٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربمّا دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. وقوله: (اسْتَقْصَرَتْ) أي: اقتصرت على هذا القدر في البناء؛ لقصور النفقة عن تمامه، وفي الأخرى: «اقتصروا عن قواعد إبراهيم»، وفي الأخرى: «فإن قريشًا اقتصرتها»، وفي الأخرى: «استقصروا من بنيان البيت»، وفي الأخرى: «قصروا في البناء»، وفي الأخرى: «قصرت بهم النفقة»، قال العلماء: هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى «استقصرت»: قَصَرَت عن تمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر؛ لقصور النفقة بهم عن تمامها، ذكره النوويّ -﵀- . وقوله: (وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان اللام، وبالفاء، هذا الصحيح المشهور، والمراد به بابًا من خَلْفها، وقد جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى: «ولجعلت لها بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا»، وفي «صحيح البخاريّ»: قال هشام: «خَلْفًا» يعني بابًا، وفي الرواية الأخرى لمسلم: «بابين: أحدهما يُدْخَل منه، والآخر يُخْرَج منه»، وفي رواية البخاريّ: «ولجعلت لها خَلْفين»، قال القاضي: وقد ذكر الحربيّ هذا الحديث هكذا، وضبطه «خِلْفَين» بكسر الخاء، وقال: الخالفة عَمُود في مُؤَخَّر البيت، وقال الهرويّ: «خَلْفين» بفتح الخاء، قال القاضي: وكذا ضبطناه على شيخنا أبي الحسين، قال: وذكر الهرويّ، عن ابن الأعرابيّ أن الخلف الظهرُ، وهذا يفسر أن المراد الباب، كما فسّرته الأحاديث الباقية، والله أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي فيما بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيِ شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْب) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة دون واسطة [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) «تقدم في»المقدمة«٢/ ٥. و«هشام»ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية ابن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في«مسنده»مقرونًا بأبي أسامة (٦/ ٥٧) فقال: (٢٤٣٤٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا ابن نُمَير، ثنا هشام وأبو أسامة، قال: أنا هشام المعنى، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-:«لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ثم جعلتها على أسّ إبراهيم -﵇-، فإن قريشًا يوم بَنَتْها استَقْصَرت، ولجعلتُ لها خَلْفًا»، قال أبو أسامة:«خِلْفًا». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٣] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «ألَمْ تَرَيْ أَن قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ». فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُول اللهِ -ﷺ-، مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (عَبْدُ اللهُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) التيميّ المدنيّ، أخو القاسم، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عائشة في قصة بناء الكعبة، وعنه سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، قال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ورَوَى أبو داود في «الطهارة» من حديث أبي حَزْرَة يعقوب بن مجاهد: ثنا عبد الله بن محمد، أبو عتيق أخو القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة، فذكر حديث: «لا صلاة بحضرة طعام»، كذا في روايته، والحديث قد رواه مسلم من حديث أبي حَزْرة، عن عبد الله بن أبي عتيق، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو المحفوظ، وأبو عتيق هو محمد والد هذا، وابن عم القاسم بن محمد وأخيه، وقال مصعب الزبيريّ: أمه أم ولد، قُتِل بالحرّة، وكانت الحرّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث، وأعاده هنا بعده. والباقيان ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن محمد، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. ٤ - (ومنها): أن عائشة -﵂- حبيبة رسول الله -ﷺ-، وبنت حبيبه -﵄-، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ -ﷺ- إلا خديجة، ففيه خلاف، ومن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بنصب «عبد الله» على المفعولية، وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، فيكون من روايته، عن عبد الله بن محمد، وقد صرّح بذلك أبو أويس، عن ابن شهاب، لكنه سماه عبد الرحمن بن محمد، فَوَهِم، أخرجه أحمد، وأغرب إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أخرجه الدارقطنيّ في «غرائب مالك»، والمحفوظ الأول، وقد رواه معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم في الرواية التالية من طريق نافع، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر ، عن عائشة، فتابع سالمًا فيه، وزاد في المتن: «ولأنفقت كنز الكعبة»، قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، أخرجها أبو عوانة، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة. (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «ألَمْ تَرَيْ) خطاب للمرأة، وجزمه بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي رفعها بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها؛ أي: ألم تعلمي (أَنَّ قَوْمَكِ) أي: قريشًا (حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ) لتضرّرها بالسيول، أو لاحتراقها بسبب شِرارة مِجْمَرَةِ امرأة من قريش، أجمرتها. أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطُّفيل، قال: «كانت الكعبة في الجاهليّة مبنية بالرَّضْم، ليس فيها مَدَر، وكانت قدر ما يقتحمها الْعَنَاق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلًا، وكانت ذات ركنين، كهيئة هذه الحلقة فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نجّارًا، فقَدِمُوا به، وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوا في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ -ﷺ- يحمل الحجارة من أجياد، وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خمّر عورتك، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك، وبين المبعث خمس سنين»، قال معمر: وأما الزهريّ، فقال:«لما بلغ رسول الله -ﷺ- الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن الله لا يُهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللَّهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه سالمًا تابعوه»، قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد:«كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة»، وكذا رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن جبير بن مطعم بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في«مغازيه»، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق. ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء. وذكر ابن إسحاق:«أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان رَضْمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها، وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة»، فذكر القصّة مطوّلًا في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتى رَضُوا بأول داخل، فدخل النبيّ -ﷺ-، فحكّموه في ذلك، فوضعه بيده، قال:«وكانت الكعبة على عهد النبيّ -ﷺ- ثمانية عشر ذراعًا». ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى عن ابن خُثيم، عن أبي الطفيل أن اسم النجّار المذكور: باقوم، وللفاكهيّ من طريق ابن جريج مثله، قال:«وكان يتّجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا»، وروى سفيان بن عيينة في«جامعه»عن عمرو بن دينار؛ أنه سمع عبيد بن عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش: باقوم، وكان روميًّا، وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر، ذكره في«الفتح». (اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ») -﵇-، وذلك لقصور النفقة التي أخرجوها لذلك، فقد ذكر ابن إسحاق في «السيرة» عن عبد الله بن أبي نَجِيح أنه أخبره عن عبد الله بن صفوان بن أميّة: أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم -وهو جدّ جعدة بن هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ- قال لقريش: لا تُدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيّب، ولا تدخلوا فيه مهر بَغِيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. وروى سفيان بن عيينة في «جامعه» عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شَهِد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زُهْرة، أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة؟ فقال: إن قريشًا تقرّبت لبناء الكعبة -أي: بالنفقة الطيبة- فعجزت، فتركوا بعض البيت في الْحِجْر، فقال عمر: صدقت. [تنبيه]: قال العلماء: بُنِي البيت خمس مرات، بَنَتْه الملائكة، ثم إبراهيم -ﷺ-، ثم قريش في الجاهلية، وحضر النبيّ -ﷺ- هذا البناء، وله خمس وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون، وفيه سقط على الأرض حين وقع إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم الحجاج بن يوسف، واستمَرّ إلى الآن على بناء الحجاج، وقيل: بُنِي مرتين آخريين، أو ثلاثًا، قالوا: ولا يُغَيَّر عن هذا البناء، وقد ذَكَروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها، وردّها إلى بناء ابن الزبير؛ للأحاديث المذكورة في الباب، فقال مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، وبالله التوفيق. ذكره النوويّ -﵀- . قالت عائشة -﵂- (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) -﵇- (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) -بكسر الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلّثة- بمعنى الحدوث؛ أي: لولا قُرب عهد قريش (بِالْكُفْرِ) يريد أن الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيمًا. فقوله:«حِدْثَانُ»مبتدأ، وخبره محذوفٌ، كما قال ابن مالك في«الخلاصة»: وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ … حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ أي: موجودٌ، وجواب«لولا»قوله: (لَفَعَلْتُ«) أي: لهدمتها، وفي الرواية الآتية: »لولا حدثان قومك بالكفر، لنقضت البيت، وأدخلت فيه من الحجر«، وفي رواية: »لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أُدخل الْجَدْر في البيت، وأن أُلزق بابه بالأرض«. وفي رواية: «لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلُمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع». (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) -﵄- لَمّا سمع حديث عائشة -﵄- هذا (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) -﵂-، وهذا من ابن عمر -﵄- ليس شكًّا في صدق عائشة -﵂-، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد: التقرير واليقين، قاله في «الفتح» . وقال القاضي عياض -﵀-: ليس هذا اللفظ من ابن عمر -﵄- على سبيل التضعيف لروايتها، والتشكيك في صدقها وحفظها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يُستراب في حديثها، ولا فيما تنقله، ولكن كثيرًا ما يقع في كلام العرب صورة التشكيك والتقرير، والمراد به اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ [الأنبياء: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ الآية [سبأ: ٥٠] . وقال القرطبيّ -﵀-: قول ابن عمر -﵄- هذا ليس شكًّا منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما هذا على طريقة وضع الشَّرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرًا ليتبيّن مشروطه تحقيقًا، وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله -ﷺ- نظائر، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ومثله كثير، ولِبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر، وقد يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنس به المخاطب، وإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ [سبأ: ٥٠]، وعلى الجملة: فالشرط يأتي في الكلام على غير وجه الشكِّ، وهو كثير. انتهى . (سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، مَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: ما أظنّ (تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ) أي: مسحهما، والسين فيه أصليّة، وهو افتعال من السِّلام، وهي الحجارة، يقال: استلم؛ أي: أصاب السِّلَام، وهي الحجارة، كذا ذكره السيوطيّ -﵀-. والمراد هنا مسح الركنين باليد؛ إذ لا يشرع التقبيل بالفم إلا للحجر الأسود (اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ) أي: يقربان (الْحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وثلاثون ذراعًا، والقدر الذي أُخرج من الكعبة سيأتي بيان مقداره قريبًا -إن شاء الله تعالى- (إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بالبناء للمفعول، من التتميم، ووقع عند النسائيّ في «الكبرى» بلفظ: «لم يتم» مبنيًّا للفاعل، من التمام، أو مبنيًّا للمفعول من الإتمام (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) -﵇-؛ أي: القواعد الأصلية التي بنى إبراهيم -﵇- البيت عليها. يعني أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيّ -ﷺ-، حيث لم يتمّما على الأساس الذي بنى عليه إبراهيم -﵇- البيت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٧/ ٣٢٤١ و٣٢٤٢ و٣٢٤٣ و٣٢٤٤ و٣٢٤٥ و٣٢٤٦ و٣٢٤٧ و٣٢٤٨ و٣٢٤٩ و٣٢٥٠ و٣٢٥١] (١٣٣٣)، و(البخاريّ) في «العلم» (١٢٦) و«الحجّ» (١٥٨٣ و١٥٨٤ و١٥٨٥ و١٥٨٦) و«أحاديث الأنبياء» (٣٣٦٨) و«التفسير» (٤٤٨٤) و«التمنّي» (٧٢٤٣)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠٢٨)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٨٧٥)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٢٩٠١ و٢٩٠٢ و٢٩٠٣ و٢٩٠٤ و٢٩١١ و٢٩١٢ و٢٩١٣) وفي «الكبرى» (٣٨٨٣ و٣٨٨٤ و٣٨٨٥ و٣٨٩٣ و٣٨٩٤ و٣٨٩٥)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٥٥)، و(مالك) في «الموطإ» (٨١٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ١٢٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١١٣ و١٧٦ و١٧٩ و١٨٠ و٢٥٣ و٢٦٢)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ١٧٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٦٨ و١٨٦٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٧٢٦ و٢٧٤١ و٣٠٢٢ و٣٠٢٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٦ - ٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٨٩) و«المعرفة» (٤/ ٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بناء الكعبة الشريفة. ٢ - (ومنها): ما ترجم عليه البخاريّ في «كتاب العلم» من «صحيحه»، حيث قال: «باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهْم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه». والمراد بالاختيار في عبارته: المستحبّ، وذلك لأن قريشًا كانت تعظّم أمر الكعبة جدًّا، فخَشِي -ﷺ- أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غَيَّر بناءها؛ لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. قاله في «الفتح» . ٣ - (ومنها): ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة. ٤ - (ومنها): ومنه ترك إنكار المنكر؛ خشيةَ الوقوع في أنكر منه. ٥ - (ومنها): أن فيه اجتناب وليّ الأمر ما يتسرّع الناس إلى إنكاره، وما يُخشى منه تولّد الضرر عليهم في دين، أو دنيا، إلا الأمور الشرعيّة؛ كأخذ الزكاة، وإقامة الحدود، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): تألُّف قلوب الرعية، وحسن حياطتهم، وأن لا يُنَفَّروا، ولا يتعرض لما يُخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكن فيه ترك أمر شرعيّ. ٧ - (ومنها): أن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولًا، ما لم يكن محرَّمًا. ٨ - (ومنها): تقديم الأهمّ، فالأهمّ، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدئ بدفع المفسدة. قال النوويّ -﵀-: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة، وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبيّ -ﷺ- أخبر أن نقض الكعبة وردّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم -ﷺ- مصلحة، ولكن تُعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لِمَا كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها -ﷺ-. انتهى . ٩ - (ومنها): أن المفسدة إذا أُمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. ١٠ - (ومنها): حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة. ١١ - (ومنها): حرص الصحابة -﵃- على امتثال أوامر النبىّ -ﷺ-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، -أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ- لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) «تقدم في»المقدمة«٣/ ١٠. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ فقيه عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع)«تقدم في »المقدمة« ٣/ ١٠. ٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ) بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، وروايته عن أبيه وِجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينىّ: سمع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) «تقدم في»الطهارة«٤/ ٥٥٤. ٥ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في«الطهارة»٤/ ٥٥٤. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم -﵀- رواية مخرمة، عن أبيه، مع أن الأئمة قالوا: إنها وجادة من كتاب أبيه؟ [قلت]: إنما أخرج له في المتابعات، لا في الأصول، والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: وقع في هذا السند:«عبد الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة»، وهو عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصدّيق الذي في السند الماضي، نُسب في هذا السند إلى جدّه. وإنما نبّهت عليه؛ لئلا يلتبس بعبد الله بن أبي بكر الصدّيق، وَلَدُ أبي بكر من صلبه، شقيق أسماء بنت أبي بكر، وهو صحابيّ -﵁-، وقد ثبت ذكره في«صحيح البخاريّ»في قصّة الهجرة عن عائشة -﵂-، قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش، وهو غلام شابّ فَطِنٌ، فكان يبيت عندهما، ويخرج من السَّحر، فيُصبح مع قريش، قال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: لم أسمع له بمشهد إلا في الفتح، وحُنين، والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا أنه رُمي بسهم، فجُرح، ثم اندمل، ثم انتقض، فمات في خلافة أبيه في شوّال سنة إحدى عشرة. انتهى . قوله: («لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّة … إلخ) قال القرطبيّ -﵀-: فيه حجة لمالك في سد الذرائع على القول بسدِّ الذرائع. وقوله: (لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا الكنز هو المالُ الذي كان يجتمع مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقرّ النبيّ -ﷺ- ذلك المال في الكعبة؛ للعلَّة التي ذَكَرَها، وهي: مخافة التنفير، وأقرّه أبو بكر -﵁-، ولم يَعْرِض له، ثم إن عمر -﵁- هَمَّ بقسمته، فخالفه في ذلك بعض الصحابة، واحتج عليه: بأن النبيّ -ﷺ- وأبا بكر لم يفعلا ذلك، فتوقف. قال القرطبيّ: ولا يظن أن هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخل فيه حُلِيُّ الكعبة الذي حُلِّيت به من الذهب والفضة، كما قد ظنَّه بعضهم، فإن ذلك ليس بصحيح؛ لأن حليتها محتبسة عليها، كحُصرها، وقناديلها، وسائر ما يُحْبَس عليها لا يجوز صرفها في غيرها، ويكون حُكْمُ حليّها حكم حِلْيَة سيف أو مصحف حُبسا في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييره عن الوجه الذي حُبس له، وإنما ذلك الكنز كما ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يُهدَى إليها عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، فلما افتتح النبيّ -ﷺ- مكة خاف من نفرة قلوب قريش إن هو أنفقه في سبيل الله، كما قال، وذلك: أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألّا يتعرضوا له، فأقرّه النبيّ -ﷺ- على ذلك؛ لِما ذكرناه، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكر وعمر، ولا أدري ما صنع به بعد ذلك، وينبغي أن يبحث عنه، قال: وسبيل الله هنا: الجهاد، وهو الظاهر من عُرف الشرع، كما قررناه في كتاب الزكاة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: إخراج القرطبيّ حلي الكعبة من حكم الكنز فيه نظر، لا يخفى، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: قوله: «ولأنفقت كنز الكعبة» لم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق آخر أخرجه أبو عوانة من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة -﵂-. انتهى . وقوله: (وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ) أي: لاصقًا بالأرض، كما قال في الرواية التالية: «لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض». وقوله: (وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ»)«من»هنا للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى:«أدخلت من الحجر خمسة أذرُع» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعِيدٍ -يَعْنِي ابْنَ مِينَاءَ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي -يَعْنِي عَائِشَةَ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرحمن البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) هو: «سَلِيم» -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- «ابن حيّان» -بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة- الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق) ٢١/ ٢١٩٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) مولى الْبَخْتَريّ بن أبي ذُباب، أبو الوليد الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٠٧. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، كان أول من وُلد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين، قتل -﵁- في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) «تقدم في»الطهارة«١٦/ ٦١٠. و«عائشة -﵂- »ذُكرت قبله. وقوله: (فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ) أي: جعلتها لاصقة بها، بحيث يكون على وجهها، غير مرتفع عنه، وكان مرتفعًا بحيث لا يُصعَد إليه إلا بالسلّم، كما يأتي التصريح بذلك. وقوله: (وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا) هذا يفسّره ما يأتي من قوله:«بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه»، فالباب الشرقيّ هو الباب الذي لها الآن، وهو الباب القديم، والباب الغربيّ هو الذي أراد النبيّ -ﷺ- إحداثه، ويكون من خلفه، مقابل الباب الموجود. وقوله: (سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ) هكذا وقع في هذه الرواية:«ستة أذرع»بالهاء، وفي الرواية التالية:«خمس أذرع»بحذفها، وفي الرواية التالية:«فأراها قريبًا من سبعة أذرع«بالهاء، وكلاهما صحيح، ففي الذراع لغتان مشهورتان: التأنيث، والتذكير، والتأنيث أفصح، قاله النوويّ -﵀- . وقوله: (حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ)«حيث»هنا بمعنى«حين»كما في الروايات الأخرى، وقد ذكر ابن هشام الأنصاريّ -﵀- في«مغنيه»أن«حيث» ترد ظرف زمان عند الأخفش . والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ، ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَىْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»، قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسًّ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَىْءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. ٣ - (ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) هو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري في «الصحيح». ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين، سوى عطاء، فمكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّة هي خالته. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءِ) بن أبي رَبَاح -﵀- أنه (قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ) أي: البيت الحرام، أحرقه الحصين بن نُمير السكونيّ لَمّا حاصر عبد الله بن الزبير في مكة بعد وقعة الحرّة بالمدينة سنة ثلاث وستين من الهجرة بأمر يزيد بن معاوية، رموا البيت بالمنجنيق، ورموا مع الأحجار بالنار والنفط، ومُشاقات الكتان، وغير ذلك من المحرقات، فاحترق ثياب الكعبة، وأخشاب البيت، وأخذوا يرتجزون، ويقولون: خَطّارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ الْمُزْبِدِ … نَرْمِي بِهَا أَعْوَادَ هَذَا الْمَسْجِدِ والخطارة بتشديد الطاء: المنجنيق، وقيل في الحصين بن نمير هذا: ابْنُ نُمَيْرٍ بِئْسَمَا تَوَلَّى … قَدْ أَحْرَقَ الْمَقَامَ وَالْمُصَلَّى (زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا) أي: الكعبة بقرينة البيت (أَهْلُ الشَّامِ) أي: حين غزوا ابن الزبير بمكة، لا أن غزوهم كان لبيت الله الحرام. وسبب ذلك أن عبد الله بن الزبير -﵄- حين مات معاوية -﵁- امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وأصرّ على ذلك، حتى أَغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بنَ عقبة بالمدينة، فكانت وقعة الحرّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام بأمر الجيش الشاميّ حُصَين بن نُمير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوُا الكعبة بالمنجنيق، حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخراسان، وكثير من أهل الشام، ثم غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير مِن قِبَل ابن الزبير بَمْرج راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغلب عليها، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين، وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغَلَب المختار بن أبي عبيد على الكوفة، ففرّ منه من كان من قِبَل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قُتِل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير، وحصرهم فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بِيَنْبُع، فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث، أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل: عاش إلى سنة ثمانين، أو بعد ذلك، وعند الواقديّ أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزعمت الكيسانية أنه حيّ لم يمت، وأنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يملك الأرض في خرافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر هذا كله الحافظ في «الفتح» ملخَّصًا من طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبريّ، وغيره . (فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ) وللفاكهيّ في «كتاب مكة» من طريق أبى أويس، عن يزيد بن رومان وغيره قالوا: «لَمَّا أحرق أهل الشام الكعبةَ، ورَمَوْها بالمنجنيق، وَهَتِ الكعبة». ولابن سعد في «الطبقات» من طريق أبي الحارث بن زمعة قال: «ارتَحَلَ الحصين بن نُمير -يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من قِبل يزيد بن معاوية- لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالْخِصَاص التي كانت حول الكعبة، فهُدِمت، فإذا الكعبة تنفض -أي: تتحرك- مُتَوَهِّنةً، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق». وللفاكهيّ من طريق عثمان بن ساج: «بلغني أنه لَمّا قَدِمَ جيش الحصين بن نُمير، أحرق بعض أهل الشام على باب بني جُمَح، وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتى أخذ في البيت، فظنّ الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت، حتى إن الطير ليقع عليه، فتتناثر حجارته». ولعبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحبيل: أنه حَضَر ذلك، قال: «كانت الكعبة قد وَهَتْ من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قَدِمَ الناس الموسم، يريد أن يُحَزِّبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ في الكعبة …» الحديث. ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة قال: «لم يَبْنِ ابن الزبير الكعبة حتى حج الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استَقْبَلَ سنة خمس وستين». وحَكَى عن الواقدي أنه رَدَّ ذلك، وقال: الأثبت عندى أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا، وجزم الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة، سنة أربع وستين. قال الحافظ -﵀-: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدّ أمده إلى الموسم؛ ليراه أهل الآفاق؛ ليشنّع بذلك على بني أمية، ويؤيده أن في «تاريخ المسبحي»: أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين، وزاد المحبّ الطبريّ أنه كان في شهر رجب، والله أعلم. قال: وإن لم يكن هذا الجمع مقبولًا، فالذي في «الصحيح» مُقَدَّم على غيره. انتهى . (تَرَكَهُ) أي: البيت؛ أي: ترك بناءه (ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال (النَّاسُ الْمَوْسِمَ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين: جمعه: مواسم، = جمعه خِصَاصٌ، وخُصُوصٌ. انتهى. وهو الوقت الذي يَجتمع فيه الحجاج كلَّ سنة، كأنه وُسِم بذلك الوسم، وهو مَفْعِلٌ منه، اسم للزمان؛ لأنه مَعْلَمٌ لهم، يقال: وَسَمَه يَسِمُهُ سِمَةً، ووَسْمًا: إذا أثّر فيه بِكَيّ، قاله ابن الأثير -﵀- . وقال الأبيّ -﵀-: كان احتراق البيت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، والموسم هي أيام الحجّ، والتأخير إنما هو فيما بين الزمانين. انتهى. (يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ) «أو» للشكّ من الراوي، قال النوويّ -﵀-: أما الحرف الأول فهو «يُجَرِّئُهُمْ» -بالجيم، والراء، بعدها همزة- من الجراءة؛ أي: يُشَجِّعهم على قتالهم بإظهار قبح فِعالهم، هذا هو المشهور في ضبطه، قال القاضي عياض -﵀-: ورواه العذريّ: «يُجَرِّبُهُمْ» -بالجيم، والباء الموحدة- ومعناه: يختبرهم، وينظر ما عندهم في ذلك من حَمِيَّة، وغضب لله تعالى ولبيته. وأما الثاني، وهو قوله: «أو يُحَرِّبُهُمْ» فهو بالحاء المهملة، والراء، والباء الموحدة، وأوله مضموم، ومعناه: يُغيظهم بما يرونه قد فُعل بالبيت، من قولهم: حَرَّبتُ الأسدَ: إذا أغضبته. قال القاضي: وقد يكون معناه: يَحْمِلهم على الحرب، ويُحَرِّضهم عليها، ويؤكد عزائمهم لذلك، قال: ورواه آخرون: «يُحَزِّبُهم» بالحاء والزاي: يَشُدّ قوتهم، ويُميلهم إليه، ويَجعلهم حِزبًا له، وناصرين له على مخالفيه، وحِزْبُ الرجل من مال إليه، وتحازب القوم: تمالئوا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: الأول من الجرأة، وهي الشجاعة، والثاني من التحزيب، وهو التجميع، هكذا لابن سعيد، والفارسيّ، وغيرهما، ومعنى ذلك أنه أراد أن يُشجّعهم، أو يُجمّعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة، وروى الْعذريّ الحرف الأول «يُجَرّبهم» -بالباء الموحّدة- من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولبيته، وقيّد كافّتهم الحرف الثاني «يُحرّبهم» - بالحاء، والراء المهملتين، والباء الموحّدة- من التحريب، وهو التغضيب، يقال: حَرّبتُ الأسدَ، وأسدٌ مُحَرَّبٌ؛ أي: أغضبته، فهو مُغْضَبٌ. انتهى . (فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ) أي: رجعوا من الحجّ إلى بلدانهم، وقال الأبيّ: قوله: «فلما صدر الناس» يعني انصرفوا عن الموسم، قال ذلك لأهل مكة، ويَحْتَمِل أن يعني: انصرف رعاع الناس، وبقي خواصّ أهل الموسك. انتهى. (قَالَ) ابن الزبير -﵁- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ) يقال: أشار عليّ بكذا: إذا أراه ما عنده فيه من المصلحة . (أَنْقُضُهَا) وفي بعض النسخ: «أأنقضها» بهمزتين، الأولى للاستفهام (ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا) أي: أبنيها بناء جديدًا (أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟) أي: ضعُف، يقال: وَهَى الحائط وَهْيًا، من باب وَعَدَ: ضَعُفَ، واستَرْخَى، وكذلك الثوب، والْقِرْبةُ، والْحَبْلُ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أوهيته، ووَهَى الشئُ: إذا ضَعُفَ، أو سقط، قاله الفيّوميّ -﵀- . وفيه دليل لاستحباب مشاورة الإمام أهل الفضل والمعرفة في الأمور المهمة. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا) -بضم الفاء، وكسر الراء-؛ أي: انكشَف، واتّضَح لي، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٦]؛ أي: أوضحناه، وبَيّناه، وكشفنا معانيه، قال النوويّ -﵀-: هذا هو الصواب في ضبط هذه اللفظة، ومعناها، وهكذا ضبطه القاضي عياض، والمحققون، وقد جعله الحميديّ صاحب «الجمع بين الصحيحين» في كتابه «غريب الصحيحين»: فَرِقَ بفتح الفاء: بمعنى خاف، وأنكروه عليه، وغَلَّطوا الحميديّ في ضبطه، وتفسيره. انتهى . (أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ) أي: تترك (بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) -ﷺ- (لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ) هكذا هو في أكثر النسخ: «يُجِدَّه» -بضم الياء، وبدال واحدة- وفي كثير منها: «يُجَدِّده» بدالين، وهما بمعنى . قال الأبيّ -﵀-: قوله: «لو كان أحدكم احترق بيته … إلخ» لا تتم هذه الحجة بذاتها؛ لأنه يردّه ما ذَكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد، وإنما تتمّ بانضمامها إلى حديث عائشة -﵂-. انتهى . (فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنَّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا) أي: طالب، وداعٍ ربّي ﷿ أن يختار لي ما هو خير في هذا الأمر ثلاث مرّات (ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي) يقال: عزم على الشيء، وعَزَمه عَزْمًا، من باب ضرب: عَقَدَ ضميره على فعله . (فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ) أي: الليالي الثلاث (أَجْمَعَ رَأْيَهُ) أي: عزمه، يقال: أجمعتُ المسيرَ والأمرَ، وأجمعتُ عليه، يتعدّى بنفسه، وبالحرف: إذا عزم عليه ، وقال القرطبيّ: «أجمع رأيه» رباعيًّا: عزم، وأمضى، فأما جَمَعَ ثلاثيًّا: فضدّ التفريق. انتهى . (عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا) من باب نصر (فَتَحَامَاهُ النَّاسُ) أي: امتنعوا من نقض البيت خوفًا وهيبةً (أَنْ يَنْزِلَ) أي: مخافة النزول (بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ) أي: البيت (أَمْرٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ«ينزل» (مِنَ السَّمَاءِ) المراد به العذاب (حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ) وفي نسخة: «حتى صَعِدَ رجلٌ» (فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا) قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه: «تتابعوا» -بياء موحدة قبل العين- وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره القاضي عن رواية الأكثرين، وعن أبي بحر: «تتايعوا» بمثنّاة تحتانيّة بدل الموحّدة، وهو بمعناه، إلا أن أكثر ما يُستعمل بالمثناة في الشرّ خاصّةً، وليس هذا موضعه. انتهى. وقال ابن عيينة في «جامعه» عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: «خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثًا، ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم»، وفي رواية أبي أويس: «ثم عَزَل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يُبنَى به، فأَمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شَقَّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعدما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر أمثال الْخَلِف من الإبل، فأنفضوا له؛ أي: حركوا تلك القواعد بالْعُتُلّ، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد الله، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم وأشرافهم، فنزلوا حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنيانًا متصلًا، فأشهدهم على ذلك. وروى عبد الرزاق، من طريق ابن سابط، عن زيد: «أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الْخَلِفة، والحجارة مشبكة بعضها ببعض». وللفاكهي من وجه آخر، عن عطاء: «قال: كنت في الأمناء الذين جُمِعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكبّر الناس، فبنى عليه». وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: «فكشف عن ربض في الحجر، آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام؛ ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِف الإبل، وجهٌ حجر ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العتلة فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر» . (فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ) هكذا النسخ بتشديد التاء، ولعله للمبالغة، يقال: سَتَرتُ الشيءَ سَتْرًا، من باب قَتَلَ، ويقال لما ينصبه المصلّي قُدّامه علامة لمصلّاه، من عصًا، وتسنيم تُراب وغيره: سُترةٌ؛ لأنه يستر المارّ من المرور؛ أي: يحجبه. (عَلَيْهَا) أي: على الكعبة، والمراد: المنقوض من بنائها (السُّتُورَ) بالضمّ: جمع سِتْر بالكسر، وهو ما يُستر به، والسُّترةُ بالضمّ مثله، قال ابن فارس: السُّترةُ: ما استترت به كائنًا ما كان، والسِّتارة بالكسر مثله، والسِّتار بحذف الهاء لغةٌ، قاله الفيّوميّ -﵀- . (حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ) قال القرطبيّ -﵀-: إنما فَعَل ذلك ابن الزبير؛ لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأنّ ابن عبّاس -﵄- قال: إن كنت هادمها فلا تدع الناسَ لا قبلة لهم، وهذا يدلّ على أن بقعة البيت ما كانت تتنزّل عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر -﵁-، وقال: صلُّوا إلى موضعها. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: المقصود بهذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلّون في تلك الأيام، ويَعْرِفوا موضع الكعبة، ولم تزل تلك الستور حتى ارتفع البناء، وصار مشاهدًا للناس، فأزالها؛ لحصول المقصود بالبناء المرتفع من الكعبة، واستدلّ القاضي عياض بهذا لمذهب مالك في أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة، قال: وقد كان ابن عباس أشار على ابن الزبير بنحو هذا، وقال له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة، فقال له جابر: صَلُّوا إلى موضعها، فهي القبلة، ومذهب الشافعي وغيره جواز الصلاة إلى أرض الكعبة، ويجزيه ذلك بلا خلاف عنده، سواء كان بقي منها شاخص أم لا، والله أعلم. انتهى . (وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) -﵄- (إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ) -﵂- (تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ) قال الأبيّ -﵀-: كان المناسب أن يكون هذا حين الاستشارة، وحين قال ابن عبّاس، ولكن العطف بالواو، والأظهر أن ابن عبّاس لا يخفى عليه ذلك، ولكن رأى أنه فرقٌ بين بناء رسول الله -ﷺ- إياها، وبناء غيره، وأنه لو بناها -ﷺ- لكان بناؤه أوقع في النفوس من بناءٍ أسلم الناس عليه، ورأى ابن الزبير عكس العلّة، وهو قوله: «فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس»، ولكن يردّ عليه، أعني على قوله: «أجد ما أنفق، ولا أخاف الناس» ما ذكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد. انتهى . («لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بالرفع على الفاعليّة لـ»حديث«؛ لأنه يعمل عَمَلَ فِعله، وقوله: (بِكُفْرٍ) متعلّق بـ«حديثٌ»، أو بـ«عهدهم»، وقوله: (وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ) جملة حاليّة اعتَرضت بين«لولا»، وجوابها، و«يُقَوَّي»من التقوية، وفي بعض النسخ:«ما يُقَوِّيني»، ويَحْتَمِل أن يكون«يَقْوَى»بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، من قَوَيَ ثلاثيًّا، من باب تَعِب. (لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ) هكذا في هذه الرواية:«خمسة أذرع»، وهي رواية شاذّة، والمحفوظ ما تقدّم في رواية سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن الزبير بلفظ:«وزدت فيها ستة أذرع من الحجر». قال في«الفتح»: وأما رواية عطاء عند مسلم عن عائشة -﵂- مرفوعًا:«لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع»، فهي شاذةٌ، والرواية السابقة -يعني:«ستة أذرع»- أرجح؛ لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ. قال: ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريدَ بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء؛ أن النبيّ -ﷺ- قال لعائشة في هذه القصة:«ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع»، فيُحْمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك، قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الأخير لا يخفى تكلّفه، فالظاهر أن رواية خمسة أذرع شاذّة، كما سبق، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ -﵀-: قال أصحابنا: ست أذرع من الحجر مما يلي البيت محسوبة من البيت بلا خلاف، وفي الزائد خلاف، فإن طاف في الحجر، وبينه وبين البيت أكثر من ستة أذرع، ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما يجوز؛ لظواهر هذه الأحاديث، وهذا هو الذي رجحه جماعات من أصحابنا الخراسانيين. والثاني: لا يصح طوافه في شيء من الحجر، ولا على جداره، ولا يصح حتى يطوف خارجًا من جميع الْحِجْر، وهذا هو الصحيح، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ، وقطع به جماهير أصحابنا العراقيين، ورجحه جمهور الأصحاب، وبه قال جميع علماء المسلمين، سوى أبي حنيفة، فإنه قال: إن طاف في الحجر، وبقي في مكة أعاده، وإن رجع من مكة بلا إعادة، أراق دمًا، وأجزأه طوافه، واحتج الجمهور بأن النبيّ -ﷺ- طاف من وراء الحجر، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم»، ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه -ﷺ- إلى الآن، وسواء كان كله من البيت، أم بعضه، فالطواف يكون من ورائه، كما فعل النبيّ -ﷺ-، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه النوويّ -﵀- من عدم جواز الطواف إلا وراء الحجر كلّه، سيأتي ترجيح خلافه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»، قَالَ) ابن الزبير -﵄- (فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ) أي: لتمكّن الإيمان في قلوبهم (قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ) تقدّم أن الأرجح أنه ستة أذرع (مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى) أي: أظهر بالحفر (أُسًّا) -بضمّ الهمزة، وتشديد السين المهملة- قال الفيّوميّ -﵀-: أُسُّ الحائط بالضمّ: أصله، وجمعه آساسٌ، مثلُ قُفْل وأَقفال، وربّما قيل: إِساسٌ، مثلُ عُسّ وعِسَاسٍ، والأَسَاسُ مثله، وجمعه: أُسُسٌ، مثلُ عَنَاقٍ وعُنُقٍ ، وأَسَّسته تأسيسًا: جعلتُ له أَسَاسًا. انتهى . (نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ) إلى ذلك الأُسّ، ففي رواية البخاريّ من طريق جرير بن حازم، عن يزيد بن رُومان، قال: «وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أُريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها». قال في «الفتح»: قوله: «ستة أذرع أو نحوها» قد ورد ذلك مرفوعًا إلى النبيّ -ﷺ- كما تقدم في الطريق الثانية، وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع بين المختلف منها ممكن، كما تقدم، وهو أولى من دعوى الاضطراب، والطعن في الروايات المقيّدة؛ لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح، وتبعه النوويّ؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح، أو الجمع، ولم يتعذر ذلك هنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد، كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيّدة متواردة على سبب واحد، وهو أن قريشًا قَصّروا عن بناء إبراهيم -﵊- وأن ابن الزبير أعاده على بناء إبراهيم، وأن الحَجاج أعاده على بناء قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحِجر من بناء إبراهيم في البيت. انتهى . (فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا) وروي أن طولها كان عشرين ذراعًا، ولعل راويه جبر الكسر، وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعلّ عطاء جبر الكسر أيضًا، قاله في «الفتح» . وذكر السهيليّ أن طول الكعبة كان من عهد إسماعيل تسعة أذرع، فلما بَنَتْها قريش قبل الإسلام بخمس سنين زادوا في طولها تسعة أذرع، فلما بناها ابن الزبير زاد في طولها تسعة أذرع أيضًا، فكانت سبعة وعشرين، وعلى ذلك هي الآن، ذكره الأبيّ . (فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ) أي: عدّه قصيرًا (فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ عن الأسود بن يزيد: «ففعله عبد الله بن الزبير»، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: «فنقضه عبد الله بن الزبير، فجعل له بابين في الأرض»، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، وللفاكهي من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة: «أنه دخل الكعبة بعدما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر». قال الحافظ -﵀-: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سَمْته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غَيَّره الحَجاج الجدار الذي من جهة الحجر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليمانيّ، وما تحت عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود، يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فَيَحْتَمِل أن يكون لاصقًا كما صرحت به الروايات، لكن الحَجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله أيضًا، ثم بدا له فسدّ الباب المجدد، قال: لكن لم أر النقل بذلك صريحًا. وذكر الفاكهيّ في أخبار مكة أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة، كما في الباب الموجود سواء، فالله أعلم. انتهى . (فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) أي: في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وتقدّم أنه كان بويع له، ولم يتخلّف عن بيعته إلا أهل الشام؛ لبيعتهم مروان، وابنه عبد الملك، وكان عبد الملك ولَّى الحَجاج ولايتين، الأولى ولاه فيه الحجاز، والثانية ولاه العراق، ففي ولايته الأولى حاصر فيها ابن الزبير بمكة، وقاتله، حتى قُتل . (كَتَبَ الْحَجَّاجُ) بن يوسف بن عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في «الصحيحين» وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة خمس وتسعين . (إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ، أبي الوليد المدنيّ، ثمّ الدمشقيّ، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغيّر حاله، مُلّك ثلاث عشرة سنةً استقلالًا، وقبلها منازعًا لابن الزبير تسع سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوّال، وقد جاوز الستّين . (يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ) أي: بما فعله ابن الزبير في الكعبة، فقوله بعده: «وَيُخْبِرُهُ» من عطف التفسير له (وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ) من إضافة المصدر إلى الفاعل: أي لسنا مما صدر من ابن الزبير من المعايب في شيء، أفاده الأبيّ -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: يريد بذلك سبّه، وعيبه، يقال: لطّخته: أي رميته بأمر قبيح. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: التلطيخ: التلويث، والتقذير، يقال: لطّخت فلانًا بأمر قبيح: إذا رميته به، ورجلٌ لَطِيخٌ: أي: قَذِرٌ، أراد بذلك العيب لفعله، وهو المعاب. وقال أيضًا: وما فعله عبد الله بن الزبير -﵄- في البيت كان صوابًا وحقًّا، وقبّح الله الحجّاج، وعبد الملك، لقد جهِلا سنّة رسول الله -ﷺ-، واجترءا على بيت الله، وعلى أوليائه. انتهى . (أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ) بقطع الهمزة، وتشديد الراء، من الإقرار؛ أي: ثبِّته، ولا تغيّره (وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ) قال بعضهم: هذا من خطأ عبد الملك، بل الأولى والأهمّ العكس؛ لأن الطواف إنما هو من وراء الحجر، وكثيرًا ما يغلط الطائفون، فيطوفون في الحجر، فالاحتياط عما يؤدي إلى الوقوع في ذلك آكد، ويَحْتَمل أن يجاب بأنه إنما فرّق بأن التغيير بإضافة الحجر أبْين، وعبد الملك لا يريد أن يبقى لابن الزبير أثرٌ، ولا ذِكْرُ فعل بحال. انتهى . (وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ) يعني البناء الأول المتقدّم على بناء ابن الزبير، وهو الذي عليه الآن، وقد كان الرشيد أراد أن يردّه على ما بناه ابن الزبير، فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبةً للملوك، لا يشاء أحدٌ إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، فترك ما همّ به، واستحسن الناس هذا من مالك، وعَمِلوا عليه، فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرّض له بهدّ، أو تغيير، قاله القرطبيّ -﵀- ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا تقدّم أنه متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وأما بسياق القصّة هذه، فمن أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): قال في «الفتح»: قال المحبّ الطبريّ في «شرح التنبيه» له: والأصح أن القدر الذي في الحِجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحِجر من البيت مطلقةً، فيُحْمَل المطلق على المقيّد فإن إطلاق اسم الكل على البعض سائغٌ مجازًا، وإنما قال النوويّ ذلك نصرةً لما رجّحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعيّ نصّ على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يُعرَف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم، أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملًا مستمرًّا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت. وهذا متعقَّبٌ، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نصّ الشافعي أيضًا كما ذكره البيهقيّ في «المعرفة» أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عِدّة من أهل العلم، من قريش لَقِيَهُمْ، كما تقدم، فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطًا، وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعل النبيّ -ﷺ- ومن بعده فعلوه استحبابًا للراحة من تسوّر الحجر، لا سيما والرجال والنساء يطوفون جميعًا، فلا يؤمَن من المرأة التكشف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة. وأما ما نقله المهلَّب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النبيّ -ﷺ- وأبي بكر، حتى كان عمر فبناه، ووسّعه قطعًا للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت، ففيه نظرٌ، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما جاء بلفظ: لم يكن حول البيت حائطٌ، كانوا يصلّون حول البيت، حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جُدره قصيرة، فبناه ابن الزبير. انتهى. وهذا إنما هو في حائط المسجد، لا في الحجر، فدخل الوهم على قائله من هنا، ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبيّ -ﷺ- كما صرّح به في كثير من الأحاديث الصحيحة. نعم في الحكم بفساد طواف مَن دخل الحجر، وخَلَّى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظرٌ، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية، كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللخميّ. وذكر الأزرقيّ أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا وثلث ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه، والله أعلم. وأما قول المهلّب: إن الفضاء لا يسمى بيتًا، وإنما البيت البنيان؛ لأن شخصًا لو حلف لا يدخل بيتًا، فانهدم ذلك البيت فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح؛ فإن المشروع من الطواف ما شُرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت؛ لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة، ولو فقد الجدار، وأما اليمين فمتعلقة بالعُرف، ويؤيده ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنُقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها، ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدل على أن البقعة أصل للجدار، بخلاف العكس، أشار إلى ذلك ابن الْمُنَيِّر في «الحاشية»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): حَكَى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض وغيره عن الرشيد، أو المهديّ، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه. قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعلى عبد الله بن عباس -﵄-، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يَرُمّ ما وَهَى منها، ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: لا آمن أن يجيء مِن بعدك أمير، فيغيّر الذي صنعت. أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه. وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن عبد الملك هَمَّ بنقض ما فعله الحَجاج، ثم ترك ذلك لمّا ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك. قال: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غَيَّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحَجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب، وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرة، وفي سقفها، وفي سُلَّم سطحها، وجدد فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيد، وأرجو من الله تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رُمِّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفًا، ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل الكعبة أشدّ مما كان أولًا فأدّاه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى، وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصب للأول بعض من جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئًا إلا عن ملأ منهم، وأن كل ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر. وقد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ، وهو بالتحتانية قبل الألف وبعدها معجمة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظموا هذه الحرمة -يعني الكعبة- حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا»، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شَبّة في «كتاب مكة»، وسنده حسن، فنسأل الله تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه. قال: ومما يُتعجب منه أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه الحَجاج، إما من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع، فإنما هو لزيادة محضة؛ كالرخام، أو لتحسين كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد الله بن بكر السهميّ، عن أبيه، قال: جاورت بمكة فعابت -أي: بالعين المهملة، وبالباء الموحدة- أسطوانة من أساطين البيت، فأُخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلًا، فتركوها ليعودوا من غد؛ ليصلحوها، فجاؤوا من غد فأصابوها أقدم من قِدْح؛ أي: بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ، رجاله ثقات، وبكر هو ابن حبيب من كبار أتباع التابعين، وكأن القصة كانت في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب، والله -﷾- أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عَطَاءٍ، يُحَدِّثَانِ عَن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ -يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ، أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ»، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ: شَرْقِيًّا، وَغَرْبِيًّا. وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ، فَسَقَطَ». قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ، وَمَا تَحَمَّلَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) -بتصغير الاسمين- ابن قتادة بن سعد بن عامر بن جُنْدَع بن ليث الليثيّ، ثم الْجُنْدَعيّ، أبو هاشم المكيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وقيل: لم يسمع منه، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وأم كلثوم امرأة منهم، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وغيرهم. وروى عنه جرير بن حازم، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى الأمويان، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، والأوزاعيّ، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ يحتج بحديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان مستجاب الدعوة، وقال داود العطار: كان من أفصح أهل مكة، وقال محمد بن عمر: كان ثقةً صالحًا، له أحاديث، وقال العجليّ: تابعىّ مكيّ ثقةٌ، وقال ابن حزم في «المحلى»: لم يسمع من عائشة، وقال البخاريّ في «التاريخ الأوسط»: لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا يذكره. قال عمرو بن عليّ: مات سنة ثلاث عشر ومائة، وقال إسحاق القراب: قُتِل بالشام في الغزوة سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له مسلم والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءِ) بن خَبّاب -بمعجمة، وموحّدتين- الحجازيّ، مقبول [٦]. روى عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن عائشة، في قصة بناء البيت، وروى عنه ابن جريج، وقرنه بعبد الله بن عُبيد بن عُمير، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبيّ في «الميزان»: لا يُعرَف. انفرد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ) ويقال: ابن عيّاش بن أبي ربيعة، عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم الأمير المخزوميّ المعروف بالقُبَاع -بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة- صدوقٌ [٢]. رَوَى عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا، وعن عمر، ومعاوية، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. وروى عنه سعيد بن جبير، والشعبيّ، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو قَزَعَة، ومجاهد بن جبر، والزهريّ، وغيرهم. قال الزبير بن بكار: استعمله ابن الزبير على البصرة، فرأى مكيالًا، فقال: إن مكيالكم هذا لقُبَاع، فلَقَّبوه به، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، رَوَى عن عمر، وروى البخاريّ في «تاريخه» عن الشعبيّ أن الحارث ماتت أمه، وهي نصرانية، فشيّعها أصحاب رسول الله -ﷺ-، قال سفيان: خرج عليهم، فقال: إن لها أهل دين غيركم، فقال معاوية: لقد ساد هذا، وقال ابن سعد: كانت ولايته على البصرة سنةً، واستَعمل ابن الزبير بعده أخاه مصعبًا. وذكره بعض من ألَّف في الصحابة، وذكره ابن معين في تابعي أهل مكة. وقال المبرّد: الْقُبَاع بالتخفيف: الذي يُخفي ما فيه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٣٣٣)، وحديث حفصة -﵂- مرفوعًا (٢٨٨٣): «سيعوذ بهذا البيت -يعني الكعبة- قوم ليست لهم مَنَعَة …». والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ: «الحارث بن عبد الله»، وليس في شيء منها خلاف، ونُسخ بلادنا هي رواية عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، وادَّعَى القاضي عياض أنه وقع هكذا لجميع الرواة، سوى الفارسيّ، فإن في روايته: الحارث بن عبد الأعلى، قال: وهو خطأٌ، بل الصواب: الحارث بن عبد الله، وهذا الذي نقله عن رواية الفارسيّ غير مقبول، بل الصواب أنها كرواية غيره: الحارث بن عبد الله، ولعله وقع للقاضي نسخة عن الفارسيّ فيها هذه اللفظة مصحفة على الفارسيّ، لا من الفارسيّ، والله أعلم. انتهى . وقوله: (مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ) بضمّ الخاء المعجمة، مصغّرًا، كنية ابن الزبير، وله كنيتان، هذا، وأبو بكر، والمشهورة هي الأولى. وقوله: (فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ … إلخ) أي: ظهر لهم ما لم يظهر أوّلًا. وقوله: (فَهَلُمِّي) أي: فتعالي، و«هَلُمّ» كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل -﵀-: أصله: لُمَّ من الضمّ والجمع، ومنه: لَمّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمّ نفسك إلينا، و«ها» للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِد، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء. أهل الحجاز يُنادُون بها بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. وفي لغة نجد تَلْحقها الضمائر، وتُطابَق، فيقال: هُلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُمْ، وقُوما، وقوموا، وقُمْنَ. وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]: أي أقبِل، ومتعديةً، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]: أي أحضروهم. انتهى . وقوله: (تَعَزُّزًا) معنى «تعزّزًا» أي: تكبّرًا، وتشدّدًا على الناس، قال ابن الأثير -﵀-: وقد جاء في بعض نسخ مسلم : «تعزّرًا» براء بعد زاي، من التعزير؛ أي: التوقير، فإما أن يريد توقير البيت وتعظيمه، أو تعظيم أنفسهم، وتكبّرهم على الناس. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول يُبعده السياق، فالمعنى الثاني هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَدَعُونَهُ) بفتح أوله، وثانيه؛ أي: يتركونه «يرتقي»؛ أي: يصعد إلى الباب. وقوله: (حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في النسخ كلِّها: «كاد أن يدخل»، وفيه حجةٌ لجواز دخول «أَنْ» بعد «كاد»، وقد كثُر ذلك، وهي لغة فصيحة، ولكن الأشهر عدمه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أشار النوويّ -﵀- إلى قول ابن مالك -﵀- في «الخلاصة»: كـ«كَانَ» «كَادَ» وَ«عَسَى» لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ «أَنْ» بَعَدَ «عَسَى» … نَزْرٌ وَ«كَادَ» الأمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقوله: (فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ) أي: بَحَثَ بطرفها في الأرض، وهذه عادة من يُفكّر في أمر مُهِمّ. وقوله: (وَدِدْتُ) بكسر الدال، من باب تعب، على الأشهر، وجوّز الكسائيّ: وَدَدَتُ أَوَدّ بفتحتين، وأنكرها البصريون، قال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سمِع، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى . وقوله: (وَمَا تَحَمَّلَ) الواو عاطفة، أو هي واو المعيّة؛ أي: مع ما تحمّله. والحديث تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، كِلَاهُمَا عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتِكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (٢٣٤) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) «تقدم في»المقدمة«٤/ ١٨. و«ابنُ جُريج»ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جُريج هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر. وأما رواية عبد الرزّاق، عن ابن جُريج، فقد ساقها عبد الرزّاق في«مصنّفه»(٥/ ١٢٧) فقال: (٩١٥٠) - عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عُمير، قال: وَفَد الحارث بن عبد الله، على عبد الملك في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال: وكان الحارث مُصَدَّقًا لا يُكَذَّب، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال رسول الله -ﷺ-:«إن قومك استقصروا من بنيان البيت، وإني لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه من بعدي، فهَلُمّ لأريك ما تركوا منه»، فأراها قريبًا من سبعة أذرع. هذا حديث عبد الله بن عبيد، وزاد عليه الوليد بن عطاء، قال: قال النبيّ -ﷺ-:«وجعلت له بابين موضوعين في الأرض، شرقيًّا وغربيًّا، وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟ »قالت: لا، قال:«تعزّزًا؛ لأن لا يُدخلوها إلا من أرادوا، فإن الرجل إذا كَرِهوا أن يدخلها يَدَعُونه، حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط»، قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، فنكت بعصاه ساعةً، ثم قال: وَدِدت أني تركته، وما تحمّل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ أَبِي قَزَعَةً؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ»، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا، قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ) هو: عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، امتَنَع عن القضاء [٩]. رَوَى عن حميد الطويل، وحاتم بن أبي صغيرة، ومهدي بن ميمون، وهشام بن حسان، وأبي المقدام هشام بن زياد، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وعلي ابن المدينيّ، وإسحاق بن منصور الكوسج، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمود بن غيلان، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صالحٌ، وقال أبو عمرو الطائيّ: عَرَضَ سَوّار على عبد الله بن بكر قضاء الأُبُلّة فأبى، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن قانع: ثقةٌ. وقال ابن سعد: السهميّ بطن من باهلة، وكان ثقةً، صدوقًا، نزل بغداد على سعيد بن سَلْم، ولم يزل بها حتى مات في المحرم سنة (٢٠٨). أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) هو ابن مسلم، أبو يونس القشيريّ، وقيل: الباهليّ مولاهم البصريّ، وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج أمه، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي مليكة، وسماك بن حرب، والنعمان بن سالم، وأبي قَزَعة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، والقطان، ورَوْح بن عُبادة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صالح الحديث، وقال مسلم عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ، والبزار في «مسنده»: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال هاشم بن مَرْثَد، عن ابن معين: لم يسمع من عكرمة شيئًا، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (١٣٣٣) و(١٦٨٠) و(٢٠٨٥) و(٢٧٤٥) و(٢٨٥٩) و(٢٨٧٦). ٣ - (أَبُو قَزَعَةَ) سُويد بن حُجير الباهليّ البصريّ، ثقة [٤] (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ) قال ابن الأثير -﵀-: «قاتل الله اليهود»؛ أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، وقد تكرّرت في الحديث، ولا تخرُج عن أحد هذه المعاني، وقد تَرِد بمعنى التعجّب من الشيء؛ كقولهم: تربت يداه، وقد تَرِدُ ولا يراد بها وقوع الأمر، ومنه حديث عمر -﵁-: «قاتل الله سمرة». انتهى . وقوله: (فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا فيه انتصار للمظلوم، وردّ الغيبة، وتصديق الصادق إذا كذّبه إنسان، والحارث هذا هو المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَن الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَن الْجَدْرِ، أَمِن الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ»، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٣ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٣. ٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيد) بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أ ٧٥) (ع) (تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. و«عائشة -﵂- ذُكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وعائشة -﵂-، فمدنيّة، وفيه عائشة -﵂- سبق الكلام عليها قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَن الْجَدْرِ) بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة: هو الحِجر، قال في«الفتح»: كذا للأكثر، وكذا هو في«مسند مسدّد»شيخ البخاريّ فيه، وفي رواية المستملي:«الجدار»قال الخليل: الْجَدْرُ لغة في الجدار. انتهى. وَوَهِم من ضبطه بضمها؛ لأن المراد الْحِجْرُ، ولأبي داود الطيالسيّ في«مسنده»عن أبي الأحوص شيخ مسدّد فيه:«الْجَدْر، أو الحجر»بالشك، ولأبي عوانة من طريق شيبان، عن الأشعث:«الْحِجْر»بغير شك. انتهى. (أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ) -ﷺ- («نَعَمْ») أي: هو من جملة البيت، قال في«الفتح»: هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله في الطريق الثانية :«أَن أدخل الجدر في البيت»، وبذلك كان يفتي ابن عباس -﵄- كما رواه عبد الرزاق، عن أبيه، عن مَرْثَد بن شُرَحبيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: لو وَلِيتُ من البيت ما وَليَ ابن الزبير، لأدخلت الحجر كله في البيت، فَلِمَ يطاف به إن لم يكن من البيت؟ ورَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق علقمة، عن أمه، عن عائشة قالت: كنت أُحِبّ أن أصلي في البيت، فأخذ رسول الله -ﷺ- بيدي، فأدخلني الْحِجْر، فقال:«صلّي فيه، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت»، ونحوه لأبي داود، من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة، ولأبي عوانة من طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة، ولأحمد من طريق سعيد بن جبير، عن عائشة، وفيه:«أنها أرسلت إلى شيبة الْحَجَبِيّ ليفتح لها البيت بالليل، فقال: ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل». وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد جاءت روايات أصحّ منها مقيَّدةٌ: منها لمسلم من طريق أبي قَزَعَة، عن الحارث بن عبد الله، عن عائشة، في حديث الباب:«حتى أزيد فيه من الْحِجر»، وله من وجه آخر، عن الحارث، عنها:«فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي، فَهَلُمِّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع»، وله من طريق سعيد بن مِيناء، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، في هذا الحديث:«وزدت فيها من الْحِجْر ستة أذرع». وعند البخاريّ في آخر بعض طرق الحديث أن يزيد بن رومان الذي رواه عن عروة أراه لجرير بن حازم، فحَزَره جرير ستة أذرع، أو نحوها. ولسفيان بن عيينة في«جامعه»عن داود بن شابور، عن مجاهد: أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر، وله عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن الزبير: ستة أذرع وشبر، وهكذا ذكر الشافعيّ عن عدد لقيهم من أهل العلم، من قريش، كما أخرجه البيهقيّ في«المعرفة»عنه. وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة، وأما رواية عطاء عند مسلم، عن عائشة مرفوعًا:«لكنت أُدخل فيها من الحجر خمسة أذرع»، فهي شاذّة، والرواية السابقة أرجح؛ لِما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ، قال: ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريدَ بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء: أن النبيّ -ﷺ- قال لعائشة في هذه القصة:«ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع»، فيُحْمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويُجْمَع بين الروايات كلها بذلك. قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن كون رواية عطاء بلفظ:«خمسة أذرع»شاذّةً هو الظاهر، فلا تنس نصيبك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ:«إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ») -بتشديد الصاد- أي: النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك، كما جزم به الأزرقيّ وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن إسحاق في«السيرة»عن عبد الله بن أبي نَجِيح أنه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية، أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهو جدّ جَعْدة بن هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ قال لقريش: لا تُدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيب، ولا تدخلوا فيه مَهْرَ بَغِيّ، ولا بيع رِبًا، ولا مظلمة أحد من الناس. ورَوَى سفيان بن عيينة في«جامعه»عن عبيد الله بن أبى يزيد، عن أبيه، أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زُهْرة أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشًا تقربت لبناء الكعبة؛ أي: بالنفقة الطيبة، فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت. انتهى. (قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟) زاد في رواية شيبان التالية:«لا يُصعَد إليه إلا بسلّم»(قَالَ:«فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا) وجاء من رواية الحارث بن عبد الله، عن عائشة: «فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط». (وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين «حديثٌ»، ورفع «عهدهم» على الفاعليّة له، كما سبق. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ: «في الجاهليّة»، وهو بمعنى «بالجاهليّة»، كما في سائر الروايات. انتهى ، ولفظ البخاريّ: «بجاهليّة» (فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ) وفي رواية شيبان، عن أشعث التالية: «مخافة أن تَنْفِر قلوبهم» بالفاء بدل الكاف، ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم أن النَّفْرة التي خشيها -ﷺ- أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. انتهى . (لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ«) أي: ليتمكّن كلّ من أراد دخول البيت من الدخول فيه دون أن يلحقة مشقّة، مع أنه الموافق لما فعله إبراهيم -﵇-. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَن الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَن الْحِجْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا، لَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ؟ وَقَالَ: «مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، أبو معاوية الثحويّ
مصادر المؤلف (٧١)

١. «الفتح» ٤/ ٥٢٨ - ٥٢٩.

٢. «شرح النوويّ» ٩/ ٨٨ - ٨٩.

٣. «شرح النوويّ» ٩/ ٨٩ - ٩٠.

٤. وقع في السند التالي: عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، منسوبًا إلى جدّه، وسننبّه عليه هناك -إن شاء الله تعالى-.

٥. إشارة إلى حلقة مدوّرة رُسمت في نسخة. «الفتح» ٤/ ٤٨٦.

٦. «الفتح» ٤/ ٤٨٥ - ٤٨٧.

٧. «شرح النوويّ» ٩/ ٨٩.

٨. «الفتح» ٤/ ٤٨٨.

٩. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩.

١٠. «المفهم» ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦.

١١. «الفتح» ١/ ٣٩٠ و٤/ ٤٩٧.

١٢. «شرح النووي» ٩/ ٨٩.

١٣. راجع: «الإصابة» ٤/ ٢٤.

١٤. «المفهم»٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥.

١٥. «الفتح»٤/ ٤٨٧ - ٤٨٨.

١٦. «المفهم»٣/ ٤٣٥.

١٧. «شرح النوويّ»٩/ ٩١.

١٨. راجع:«مغني اللبيب»١/ ٢٥٨.

١٩. وفي نسخة:«أأنقضها».

٢٠. وفي نسخة:«حتى يجدّده».

٢١. وفي نسخة:«حتى صَعِد رجلٌ».

٢٢. «الفَنِيق»: الفحلُ المكرم من الإبل الذي لا يُركب، ولا يُهان؛ لكرامته عليهم. اهـ. «لسان العرب» ١٠/ ٣١٣.

٢٣. راجع:«الفتح»١٠/ ١٧٩«كتاب التفسير»رقم (٤٦٦٦) تفسير«سورة براءة».

٢٤. قال في«القاموس»: الْخُصّ بالضمّ: البيت من القصب، أو البيت يُسقّف بخشبة، =

٢٥. «الفتح» ٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣.

٢٦. «النهاية» ٥/ ١٨٦.

٢٧. «شرح النوويّ» ٩/ ٩٢.

٢٨. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٢٧.

٢٩. «المفهم» ٣/ ٤٣٦.

٣٠. راجع: «المصباح» ٢/ ٣٢٧.

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٤.

٣٢. «شرح النوويّ» ٩/ ٩٢.

٣٣. «شرح النوويّ»٩/ ٩٣.

٣٤. «شرح الأبيّ»٣/ ٤٢٧.

٣٥. «المصباح المنير»٢/ ٤٠٨.

٣٦. «المصباح المنير»١/ ١٠٩.

٣٧. «المفهم» ٣/ ٤٣٧.

٣٨. «الخَلِفة» بكسر اللام: هي الحامل من الإبل، اسم فاعل، يقال: خَلِفت خَلَفًا، من باب تعب: إذا حملت، وتُحذف الهاء، أيضًا، فيقال: خَلِفٌ، قاله في «المصباح» ١/ ١٧٨ - ١٧٩.

٣٩. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤.

٤٠. «المصباح المنير»١/ ٢٦٦.

٤١. «المفهم»٣/ ٤٣٧.

٤٢. «شرح النوويّ»٩/ ٩٣ - ٩٤.

٤٣. «شرح الأبيّ»٣/ ٤٢٨.

٤٤. «الفتح» ٤/ ٤٨٩.

٤٥. «شرح النوويّ» ٩/ ٩١.

٤٦. قيل: الأولى تمثيله بنحو قَذَالٍ وقُذُل؛ لأن جمع عَنَاق على عُنُق لم يُسمع، وإنما هو أعناق، فتنبّه.

٤٧. «المصباح المنير» ١/ ١٤ - ١٥.

٤٨. «الفتح» ٤/ ٤٩٥.

٤٩. «الفتح» ٤/ ٤٩٥.

٥٠. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٢٨.

٥١. «الفتح» ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥.

٥٢. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٢٨.

٥٣. «تقريب التهذيب» ص ٦٥.

٥٤. «تقريب التهذيب» ص ٢٢٠.

٥٥. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٢٩.

٥٦. «شرح النوويّ» ٩/ ٩٤.

٥٧. «المفهم» ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨.

٥٨. «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٢٩.

٥٩. «المفهم» ٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩.

٦٠. وفي نسخة: «آنت سمعتها؟».

٦١. «شرح النوويّ» ٩/ ٩٤.

٦٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

٦٣. هذه النسخة لم أر من أشار إليها من الشرّاح، فليُنظر.

٦٤. «النهاية» ٣/ ٢٢٨.

٦٥. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٦٥٣.

٦٦. «النهاية» ٤/ ١٢ - ١٣.

٦٧. كتب بعض الشّرّاح هنا ترجمة: «باب جَدْر الكعبة، وبابها»، وحذفته؛ لأن الحديثين من جملة أحاديث الباب الماضي، وهذا هو الذي فعله الأبيّ، والسنوسيّ في «شرحيهما»، والقرطبيّ في «المفهم»، وأبو نعيم في «المستخرج»، فكلّهم أدخلوا الحديثين في جملة أحاديث الباب الماضي، وهو الأظهر، فتأمل، والله تعالى وليّ التوفيق.

٦٨. أي عند البخاريّ.

٦٩. «الفتح» ٤/ ٤٨٩.

٧٠. «شرح النوويّ» ٩/ ٩٧.

٧١. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٩٠.