و(النسائيّ) في «كتاب آداب القضاة» (٨/ ٢٢٧)، و(ابن ماجه) في «المناسك» (٢٩٠٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٢ و٢١٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٠٣٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٩) - (بَابُ صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٤] (١٣٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَن الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقةٌ [٦] (م د س ق) تقدم في «الحج» ٤٤/ ٣١٠٢.
٦ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (٩٨) (ع) تقدم في «الحيض» ٢/ ٦٨٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (عَن النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (لَقِيَ) بكسر القاف (رَكْبًا) بفتح، فسكون: جمع راكب؛ كصاحب وصَحْبٍ، ويُجمع أيضًا على رُكبان، والمراد به الجماعة الراكبة (بِالرَّوْحَاءِ) ولأبى داود: «كان رسول الله -ﷺ- بالروحاء، فلقي ركبًا، فسلّم عليهم …».
و«الرَّوْحاء» -بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، ممدودًا على وزن حمراء-: اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين، أو أربعين ميلًا من المدينة، أفاده في «القاموس»، و«المصباح»، وقال القاضي عياض -﵀- في «المشارق»: هي من أعمال الفُرْع، بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلًا، وفي «صحيح مسلم» في «كتاب الأذان»: أن الرَّوحاء ستة وثلاثون ميلًا، وفي «كتاب ابن أبي شيبة»: ثلاثون ميلًا.
وقد ثبت أن ذلك كان في حجة الوداع، فقد أخرج البيهقيّ أيضًا من طريق محمد بن سُوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله -﵄-، قال: رَفَعَت امرأة صبيًّا لها إلى النبيّ -ﷺ- في حجته، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حجّ؟ قال: «نعم، ولك أجر».
وفي رواية النسائيّ من طريق الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس -﵄- قال: «صَدَرَ رسول الله -ﷺ-، فلما كان بالروحاء لقي قومًا …».
وهذه الرواية تدلّ على أن هؤلاء القوم لَقُوا النبيّ -ﷺ- في رجوعه من الحجّ، لا في ذهابه له، ومثله رواية البيهقيّ من طريق الشافعيّ، عن ابن عيينة: «أن النبيّ -ﷺ- قَفَلَ، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا …» الحديث، وفي رواية له من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه: «بينما رسول الله -ﷺ- يسير بطريق مكة كلّمته امرأة …» الحديث، وجزم به ابن القيّم في «الهدي»، حيث قال: ثم ارتحل -ﷺ- راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان بالروحاء لقي ركبًا، فذكر قصّة الصبيّ.
وقيل: وقعت هذه القصّة في مقدمه إلى بيت الله، والمراد بالصدور، والقفول صدوره من المدينة للحجّ، ولا يخفى ما فيه .
(فَقَالَ) -ﷺ- («مَن الْقَوْمُ؟») وفي رواية النسائيّ: «من أنتم؟» (قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ) خبر لمحذوف؛ أي: نحن المسلمون (فَقَالُوا) أي: القوم (مَنْ أَنْتَ؟) كذا بالإفراد، وفي رواية النسائيّ: «من أنتم».
قال القاضي عياض -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون هذا اللقاء كان ليلًا، فلم يعرفوه -ﷺ-، ويَحْتَمِل كونه نهارًا، لكنّهم لم يروه -ﷺ- قبل ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك. انتهى.
(قَالَ) -ﷺ- («رَسُولُ اللهِ») أي: أنا رسول الله (فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا) لا تُعرَف من هي ولا الصبيّ ، وفي رواية للنسائيّ: «فأخرجت امرأة صبيًّا من الْمِحَفّة، فقالت …»، وفي رواية أحمد، وأبي داود: «ففَزِعت امرأة، فأخذت بعضد صبيّ، فأخرجته من مِحَفّتها».
و«المحفّة» -بكسر الميم، وتشديد الفاء-: مركب للنساء، كالهودج، إلا أنها لا تُقبّب كما تقبّب الهوادج.
(فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟) وفي الرواية الآتية: «فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجٌّ؟» أي: أيحصل لهذا الصبيّ ثواب حجّ، فقوله: «حجّ» فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخّرًا خبره الجارّ والمجرور قبله، وفي رواية لأحمد: «هل لهذا حجّ؟».
(قَالَ) -ﷺ- («نَعَمْ) أي: له حجّ، وقوله: (وَلَكِ أَجْرٌ») زاده -ﷺ- على سؤالها؛ ترغيبًا لها.
قال عياض -﵀-: وأجرها فيما تكلّفته في أمره في ذلك، وتعليمه، وتجنيبه ما يجتنبه المحرم.
وقال النوويّ -﵀-: معناه بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم، وفعل ما يفعله المحرم.
وقال الصنعانيّ -﵀-: قوله: «لك أجر» أي: بسبب حملها، وحجّها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين.
وقال القاريّ -﵀-: أي: أجر السببيّة، وهو تعليمه إن كان مميّزًا، أو أجر النيابة في الإحرام، والرمي، والإيقاف، والحمل في الطواف، والسعي، إن لم يكن مميّزًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر -﵀- في كتابه «التمهيد»: قد رَوَى هذا الحديث عن إبراهيم بن عقبة جماعةٌ من الأئمة الحفّاظ، فأكثرهم رواه مسندًا، وممن رواه مسندًا معمر، ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وموسى بن عقبة، واختُلف فيه على الثوريّ، كما اختُلف على مالك، وكان عند الثوريّ عن إبراهيم، ومحمد ابني عقبة جميعًا، عن كريب.
فرواه أبو نُعيم الفضل بن دُكين، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، عن النبيّ -ﷺ- مسندًا.
ورواه وكيع، عن الثوريّ، عن محمد، وإبراهيم ابني عقبة، عن كريب مرسلًا.
ورواه يحيى القطّان، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مرسلًا.
وعن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، مسندًا.
فقطع يحيى القطّان عن الثوريّ حديث إبراهيم، ووصل حديث محمد.
ورواه محمد بن كثير، عن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، متّصلًا، ومن وصل هذا الحديث، وأسنده، فقوله أولى.
والحديث صحيح، مسند، ثابت الاتّصال، لا يضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفّاظٌ ثقات. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀، وهو تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٦٩/ ٣٢٥٤ و٣٢٥٥ و٣٢٥٦ و٣٢٥٧] (١٣٣٦)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٣٦)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ١٢٠ - ١٢١) و«الكبرى» (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، و(مالك) في «الموطّإ» (٩٦١)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٨٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٥٠٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٣٧٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٩ و٢٤٤ و٢٨٨ و٣٤٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٠٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٤١١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢١٧٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٥٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٥٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الحجّ بالصغير مطلقًا، سواء كان مميّزًا، أم لا، إذا فَعَل عنه وليّه ما يفعل الحاجّ، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن الصبيّ يثاب على طاعته، ويكتب له حسناته.
٣ - (ومنها): ثبوت الأجر لوليّه إذا حجّ به.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الزيادة في الجواب على السؤال؛ زيادة في الفائدة، وهو من مقاصد البلغاء، ومنه حديث: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته»، فإن السؤال كان عن حكم ماء البحر، فزادهم النبيّ -ﷺ- في الجواب حكم ميتته؛ زيادة في الفائدة، وإنّ السؤال هنا كان عن حكم حج الصبي، فبيّنه -ﷺ- لها، وزادها ثبوت الأجر لها في ذلك، وأما قول كثير من الأصوليين: يجب أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول.
٥ - (ومنها): أن من جهل شيئًا عليه أن يسأل أهل العلم؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٦ - (ومنها): أن على النساء أن يسألن عما يجهلنه من الأحكام؛
كالرجال، وأن يتفقّهن في الدين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حجّ الصبيّ:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: أجاز الحجّ بالصبيّ جماعة العلماء بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخالفهم في ذلك أهل البدع، فلم يروا الحجّ بهم، وقولهم مهجور عند العلماء؛ لأن النبيّ -ﷺ- حجّ بأُغيلمة بني عبد المطّلب، وقال في الصبيّ: له حجّ، وللذي يُحِجّه أجر، وحجّ أبو بكر بابن الزبير في خرقة، وقال عمر: تُكتب للصبيّ حسناته، ولا تكتب عليه السيّئات، وحجّ السلف قديمًا وحديثًا بالصبيان والأطفال، يُعرّضونهم لرحمة الله، وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مُرُوا الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشرًا فاضربوه عليها»، فكما تكون له صلاة، وليست عليه، كذلك له حجّ، وليس عليه.
وأكثر أهل العلم يرون الزكاة في أموال اليتامى، ومحالٌ ألا يؤجروا عليها، فالقلم إنما هو مرفوعٌ عنهم فيما أساءوا في أنفسهم، ألا ترى أن ما أتلفوه من الأموال ضمنوه، وكذلك الدماء، عمدُهم فيها خطأ يؤديه عنهم من يؤديه عن الكبار في خطئهم.
وأجمع العلماء على أن من حجّ صغيرًا قبل البلوغ، أو حُجّ به طفلًا، ثم بلغ، لم يُجزه ذلك عن حجة الإسلام.
وقد شذّت فرقة، فأجازوا له حجه بهذا الحديث، وليس عند أهل العلم بشيء؛ لأن الفرض لا يؤدَّى إلا بعد الوجوب، وهذا ابن عبّاس هو الذي روى هذا الحديث عن النبيّ -ﷺ-، وهو الذي كان يفتي بالصبيّ يحجّ، ثم يَحتلم، قال: يحجّ حجة الإسلام، وفي المملوك يحجّ، ثم يُعتَق، قال: عليه الحجّ، ذكر عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عبّاس، وعن ابن عيينة، عن مطرّف، عن ابن عباس مثله، وعن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عبّاس مثله.
وعلى هذا جماعة علماء الأمصار، إلا داود بن عليّ، فإنه خالف في
المملوك، فقال: يجزئه عن حجة الإسلام، ولا يجزئ الصبيّ، وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج أنه أخبره، عن عطاء، قال: يقضي حجة الصغير عنه، فإذا بلغ فعليه حجة واجبة. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله.
واختلف الفقهاء في المراهق، والعبد يُحرمان بالحجّ، ثم يَحتلم هذا، ويُعتَق هذا قبل الوقوف بعرفة: فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرامين لهذين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامهما، ولا يُجزئهما حجّهما ذلك عن حجة الإسلام.
وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة، فوقف بها محرمًا، أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يحتج واحد منهما إلى تجديد إحرامه.
وقال أبو حنيفة: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ في حال إحرامه، فإن جدّد إحرامًا قبل وقوفه بعرفة أجزأه، وإن لم يُجدّد إحرامًا لم يُجزئه، قال: وأما العبد؛ فلا يجزئه عن حجة الإسلام، وإن جدّد إحرامًا.
وقال مالك: يُحجّ بالصغير، ويجرّد بالإحرام، ويُمنع من الطيب، ومن كلّ ما يُمنع منه الكبير، فإن قوي على الطواف، والسعي، ورمي الجمار، وإلا طيف به محمولًا، ورُمي عنه، وإن أصاب صيدًا فُديَ عنه، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الكبير فُعل به ذلك، وفُدي عنه.
وهذا كلّه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وجماعة الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لا جزاء عليه في صيد، ولا فدية عليه في لباس، ولا طيب. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀-.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم -﵀-: ونَستَحبّ الحجّ بالصبيّ، وإن كان صغيرًا، أو كبيرًا، وله حجّ، وأجر، وهو تطوّع، وللذي يَحجّ به أجرٌ، ويجتنب ما يجتنب المحرم، ولا شيء عليه إن واقع من ذلك ما لا يحلّ له، ويُطاف به، ويُرمى عنه الجمار إن لم يطق ذلك، ويجزئ الطائف به طوافُه ذلك عن نفسه، وكذلك ينبغي أن يدرّبوا، ويعلّموا الشرائع، من الصلاة، والصوم، إذا أطاقوا ذلك، ويُجنّبوا الحرام كلّه، والله تعالى يتفضّل بأن يأجرهم، ولا يكتب عليهم
إثمًا حتى يبلغوا، قال: والحجّ عملٌ حسنٌ، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
[فإن قيل]: لا نيّة للصبيّ.
[قلنا]: نعم، ولا تلزمه، إنما تلزم النيّة المخاطبَ المأمورَ المكلّف، والصبيّ ليس مخاطبًا، ولا مكلّفًا، ولا مأمورًا، وإنما أجره تفضّل من الله تعالى، مجرّد عليه كما يتفضّل على الميت بعد موته، ولا نيّة له، ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعد موته، وبما يعمله غيره عنه، من حجّ، أو صيام، أو صدقة، ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء، وإذا كان الصبيّ قد رُفع عنه القلم، فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم، أو في إحرامه، ولا في حلق رأسه لأذى به، ولا عن تمتّعه، ولا لإحصاره؛ لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك، ولو لزمه هديٌ للزمه أن يعوّض منه الصيام، وهو في المتعة، وحلق الرأس، وجزاء الصيد، وهم لا يقولون هذا، ولا يفسد حجه بشيء مما ذكرنا، إنما هو ما عَمِلَ، أو عُمل به أُجر، وما لم يعمل، فلا إثم عليه.
وقد كان الصبيان يحضرون الصلاة مع رسول الله -ﷺ-، صحّت بذلك آثارٌ كثيرة؛ كصلاته بأمامة بنت أبي العاص، وحضور ابن عبّاس معه الصلاة، وسماعه بكاء الصبيّ في الصلاة، وغير ذلك، ويجزي الطائف به طوافه عن نفسه؛ لأنه طائف، وحاملٌ، فهما عملان متغايران، لكلّ منهما حكم كما هو طائفٌ، وراكب، ولا فرق.
قال: فإن بلغ الصبيّ في حال إحرامه لزمه أن يجدّد إحرامًا، ويَشرع في عمل الحجّ، فإن فاتته عرفة، أو مزدلفة، فقد فاته الحجّ، ولا هدي عليه، ولا شيء، أما تجديده الإحرام؛ فلأنه قد صار مأمورًا بالحجّ، وهو قادرٌ عليه، فلزمه أن يبتدئه؛ لأن إحرامه الأوّل كان تطوّعًا، والفرض أولى من التطوّع. انتهى كلام ابن حزم -﵀-.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله أبو محمد بن حزم -﵀- تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله جواز الحجّ بالصبيّ، وأنه يكتب له أجره، وأن من حجّ به يؤجر به أيضًا، وأنه يعمل ما يطيق أن يعمله من أعمال الحجّ، وما لا فليس عليه شيء، بل يعمل له من يحجّ به، مثل الرمي وغيره، ويطوف به
حاملًا له، ويعتدّ بذلك الطواف لنفسه، وللصبيّ، وأنه يجنَّب فعل محظورات الحجّ، وإن ارتكب شيئًا من ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه مرفوعٌ عنه القلمُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَت امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، أخو إبراهيم المذكور في السند الماضي، ثقةٌ [٦] (م س ق) تقدم في «الحج» ٤٤/ ٣١٠٤.
والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ: أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أًجْرٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ