HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٣٨

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنّ رسول الله ﷺ قَالَ «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذو محرم».
ج ٢ ص ٩٧٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢٨٦
في أيّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في حقّ المكلّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: مَنْ وجد في نفسه قوّةً على الفهم، والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لما فيه من النفع المتعدّي، ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله على العبادة أولى؛ لعسر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو بَحْثٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧١) - (بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥٩] (١٣٣٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، تقدّم قريبًا. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العُمَريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله -﵄-، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا) ناهية، ولذا الفعل بعدها مجزوم، ويَحْتَمِل أن تكون نافية، والفعل مرفوعٌ، ويراد بالنفي النهي، والنهي المستفاد من النفي أبلغ؛ لأن النهي نفي لوصف الشيء، والنفي نفي لذاته، ونفي الذات أبلغ من نفي الصفات (تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) أي: شابة كانت، أو عجوزًا، سفرًا للحجّ أو غيره (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ليال، وفي رواية:»فوق ثلاث«، وفي رواية:»ثلاثة«، وفي رواية:»لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم«، وفي رواية:»لا تسافر المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها«، وفي رواية:»نَهَى أن تسافر المرأة مسيرة يومين«، وفي رواية:»لا يحلّ لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها ذو حرمة منها«، وفي رواية:»لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم«، وفي رواية:»مسيرة يوم وليلة«، وفي رواية:»لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم«، هذه كلها روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود:»ولا تسافر بَرِيدًا«، والبريد مسيرة نصف يوم. قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد. قال البيهقيّ -﵀-: كأنه -ﷺ- سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا، فقال: لا، وكذلك البريد، فأَدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يُرد -ﷺ- تحديد أقل ما يُسَمَّى سفرًا. فالحاصل أن كل ما يُسَمَّى سفرًا تُنْهَى عنه المرأة بغير زوج، أو محرم، سواءٌ كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو بَرِيدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس -﵄- المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، وهذا يتناول جميع ما يُسَمَّى سفرًا، والله أعلم . (إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ») قال النوويّ -﵀-: حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها، والخلوة بها، والمسافَرة بها: كلُّ من حَرُم نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احترازٌ من أخت المرأة، وعمتها، وخالتها، ونحوهنّ، وقولنا: بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنهما تحرمان على التأبيد، وليستا محرمين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل مكلّف، وقولنا: لحرمتها احترازٌ من الملاعِنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست مَحْرَمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبةً، وتغليظًا، والله أعلم. انتهى . وقال النوويّ أيضًا: وفيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور، أن جميع المحارم سواء في ذلك، فيجوز لها المسافَرة مع محرمها بالنسب؛ كابنها، وأخيها، وابن أخيها، وابن أختها، وخالها، وعمّها، ومع محرمها بالرضاع؛ كأخيها من الرضاع، وابن أخيها، وابن أختها منه، ونحوهم، ومع محرمها من المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك، وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها، والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور، ووافق مالك على ذلك كله إلا ابن زوجها، فكره سفرها معه؛ لفساد الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، قال: والمرأة فتنة إلا فيما جَبَل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب، وعموم هذا الحديث يردّ على مالك، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «إلا معها ذو محرم»؛ أي: فيحلّ، ولم يصرح بذكر الزوج. وسيأتي في حديث أبي سعيد -﵁- في هذا الباب بلفظ: «إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها». قال: وضابط المحرم عند العلماء مَن حَرُم عليه نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة، وعمتها، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها الملاعِنة، واستثنى أحمد مَن حَرُمت على التأبيد: مسلمةً لها أبٌ كتابيّ، فقال: لا يكون محرمًا لها؛ لأنه لا يؤمَن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها، ومن قال: إن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يُدخله. وقد رَوَى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: «سفر المرأة مع عبدها ضيعة»، لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يقيّده بما إذا كانا في قافلة، بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا؛ لهذا الحديث. وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يُشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم، فإنه لما استثنى المحرم، فقال القائل: إن امرأتي حاجّةٌ، فكأنه فَهِمَ حال الزوج في المحرم، ولم يَرُدّ عليه ما فهمه، بل قال له: اخرج معها. واستثنى بعض العلماء ابن الزوج فكره السفر معه؛ لغلبة الفساد في الناس، قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتحريم ففيه بُعْدٌ؛ لمخالفة الحديث، وإن كانت للتنزيه، فَيَتوقف على أن لفظ: «لا يحلّ» هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية؟ انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٥٩ و٣٢٦٠ و٣٢٦١] (١٣٣٨)، و(البخاريّ) في «تقصير الصلاة» (١٠٨٦ و١٠٨٧)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٧٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٣ و١٩ و١٤٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٢١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٢ - ١٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): نهي المرأة عن السفر بغير محرم، قال القاضي عياض: واتَّفَقَ العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب، فاتَّفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر حرام، إذا لم تستطع إظهار الدِّين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، فإنهم اختلفوا في الحج، هل هو على الفور، أم على التراخي؟ قال القاضي عياض: قال الباجيّ: هذا عندي في الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر، كيف شاءت في كل الأسفار، بلا زوج، ولا محرم، وهذا الذي قاله الباجيّ لا يوافَق عليه؛ لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويَجتمع في الأسفار من سفهاء الناس، وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلة دينه، ومروءته، وخيانته، ونحو ذلك، والله أعلم . ٢ - (ومنها): بيان أن للمرأة أن تسافر مع محرمها إلى أيّ سفر أرادت، حجًّا أو عمرةً، أو زيارة أقاربها، أو لطلب علم شرعيّ، أو غير ذلك من الأمور المباحة. ٣ - (ومنها): بيان أن جميع المحارم سواء في سفر المرأة معهم، وبه قال الشافعيّ، والجمهور، وخالف مالك في ابن زوجها، وقد سبق ردّه. ٤ - (ومنها): أنه استدلّ الحنفيّة برواية ثلاثة أيام لمذهبهم، أن قصر الصلاة في السفر لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام، قال النوويّ: وهذا استدلال فاسدٌ، وقد جاءت الأحاديث بروايات مختلفة، كما سبق، وبيّنا مقصودها، وأن السفر يُطلق على يوم، وعلى بريد، وعلى دون ذلك، وقد أوضحت الجواب عن شبهتهم إيضاحًا بليغًا في باب صلاة المسافر من «شرح المهذّب». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق تحقيق هذه المسألة بأدلتها في أبواب المسافر، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): عناية الشرع بسدّ طرق الفساد، وإبعاد المسلمين عما يفتح عليهم باب الشرّ والفساد، فإن سفر المرأة بدون محرمها، لا يخفى ما فيه من الفساد العريض، فسدّ هذا الباب بتحريم سفرها إلا مع من يقوم بحمايتها، ويغار عليها من المحارم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط المحرم لوجوب الحجّ على المرأة: قال النوويّ -﵀-: أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله -ﷺ-: «بُنِيَ الإسلام على خمس …» الحديث، وفيه: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا»، واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها، فأبو حنيفة يشترطه؛ لوجوب الحج عليها، إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وحُكِي ذلك أيضًا عن الحسن البصريّ، والنخعيّ. وقال عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج، أو محرم، أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وُجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة، أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن، ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة، وتكون آمنةً، والمشهور من نصوص الشافعيّ، وجماهير أصحابه هو الأول. واختَلَف أصحابنا في خروجها لحج التطوع، وسفر الزيارة، والتجارة، ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة. انتهى . قال ابن رشد -﵀-: اختلفوا هل من شروط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو محرم منها؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج للنهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، فمن غَلَّب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بأحاديث النهي، ورأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم. انتهى. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: هذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا، وكان كل واحد منهما عامًّا من وجه خاصًّا من وجه، بيانه أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩١] الآية عامّ في الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله -ﷺ-: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» خاصّ بالنساء، عامّ في كل سفر، فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خصّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصّ الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج. انتهى. قال الشوكانيّ -﵀-: ويمكن أن يقال: إن أحاديث النهي عن السفر من غير محرم لا تعارض الآية؛ لأنها تضمنت أن المَحْرَم في حقّ المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التي أطلقها القرآن، وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين، لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد بُيّنت بالزاد والراحلة؛ لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث النهي زيادةً على ذلك البيان باعتبار النساء غيرَ منافية، فيتعيّن قبولها، على أن التصريح باشتراط المَحرم في سفر الحج بخصوصه، كما في حديث ابن عباس عند البزار، والدارقطنيّ، وحديث أبي أمامة عند الطبرانيّ مبطل لدعوى التعارض. انتهى . وقال الطبري في «القرى» (ص ٤٤): وافق أبا حنيفة في اشتراط المحرم، أو الزوج: أصحاب الحديث، وهو قول النخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال أحمد، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعيّ، قال البغويّ في «شرح السنة»: والقول باشتراط المحرم أولى؛ لظاهر الحديث، ولم يختلفوا أنها ليس لها الخروج في غير الفرض إلا مع محرم، إلا في كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلّصت فيلزمها الخروج بلا محرم. وقال الطبريّ (ص ٤٥): ووجه دلالة حديث عديّ على عدم ذلك اعتبار المحرم أنه -ﷺ- أخبر عن خروج المرأة وحدها عند أمانها على نفسها، فوجب وقوعه لا محالة، ودلّ ذلك على الجواز؛ إذ لو حَرُم لبيّنه، فإنه وقت حاجة؛ لأنه كالواقع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. قال: وهذا القائل يَحْمِل أحاديث اشتراط المحرم على حال الخوف والخطر جمعًا بينهما، وعملًا بهما، وذلك أولى من إهمال بعضها. ويمكن أن يقال: الحديث دل على الوقوع، لا على الجواز، لا بطريق المطابقة، ولا بالاستلزام؛ لأنه ورد في معرض الثناء على حال الزمان بالأمن والعدل، وذكر خروج المرأة وحدها في معرض الاستدلال على ذلك، سواء كان جائزًا أو غير جائز، فالجواز وعدمه مسكوت عنه، ولا إشعار للفظ الخبر بهما، لا نفيًا ولا إثباتًا؛ إذ لو قال عقيب كلامه: وارتحالها لذلك جائز لها لم يُعَدّ ذلك تكرارًا لما فُهِم من الأول، ولا مؤكدًا للفظه، أو قال: وارتحالها محرّم عليها لم يُعَدّ ذلك نقضًا له، كيف وفي قوله: «لا تخاف أحدًا إلا الله» إشعار بالحرمة؛ إذ لو لم يحرم عليها ذلك لما خافت الله تعالى. وأما قوله: وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فمسلّم، ولم يتأخر، فإن أحاديث اشتراط المَحرم إن ثبت الخطاب بها قبل هذا الحديث، فالتحريم ثابت عندهم، وليس في لفظ هذا الحديث ما يناقضه، فيُحمل على ما ذكرناه، وإن كان الخطاب بها متأخرًا عن هذا الحديث، فقد بيّن -ﷺ- ما سكت فيه عنه، مما احتَمَل إرادته قبل موته، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة على الحالين، وهذا هو الظاهر عندي، وإن كان الصحيح من مذهب الشافعي خلافه. انتهى كلام الطبريّ -﵀-. وقال الحافظ -﵀-: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أُمن الطريق أول أحاديث باب حج النساء -يعني به حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه قال: أَذِنَ عمر -﵁- لأزواج النبيّ -ﷺ- في آخر حجة حجها، فبعث معهنّ عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف- لاتفاق عمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ونساء النبيّ -ﷺ- على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهنّ في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصّة، لا من جهة توقف السفر على المَحرم. وأجيب بأن أزواج النبيّ -ﷺ- كلهن أمهات المؤمنين، وهم محارم لهنّ؛ لأن المَحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبيّ -ﷺ- إلى يوم القيامة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى، فإن كون أزواج النبيّ -ﷺ- أمهات للمؤمنين، ليس فيه إباحة الخلوة بهنّ، والنظر إليهنّ، بدليل أن آية الحجاب نزلت فيهنّ، بل الحجاب عليهن أشدّ من غيرهنّ. وخلاصة القول أن القول الأرجح في المسألة قول من قال باشتراط المَحرم لحج المرأة؛ لحديث الباب، وأصرح الأحاديث حديث ابن عبّاس -﵄- الآتي لمّا قال النبيّ -ﷺ-: «ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّةً، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق، فحجّ مع امرأتك». فهذا صريح أن قوله -ﷺ-: «ولا تسافر المرأة» عامّ في الحجّ وغيره؛ لأنه لو كان الحج مستثنى من النهي لعَذَر هذا الرجل في خروج امرأته بلا محرم. والحاصل أنه لا يحلّ للمرأة أن تسافر بدون مَحرم مطلقًا، سواء السفر سفر حجّ، أو غيره، إلا للضرورة التي لا بدّ منها، كأن تُسْلِم في دار الحرب، أو أسرها العدوّ، فيجب عليها السفر إلى دار الإسلام بدون مَحْرَم؛ للضرورة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «فَوْقَ ثَلَاثٍ»، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ أَبِيهِ: «ثَلَاثَةً، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا. و«عبيد الله» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» (٦/ ٤٤٠) فقال: (٢٧٢٩) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم». انتهى. وأما رواية أبي أسامة فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، أبو عبد الله، ثقة حافظٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٤. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٢] (٨٢٧ مكرّر) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا، فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَا لَمْ أسْمَعْ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاَثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا تُسَافِر الْمَرأةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) تقدم في «المقدمة» (ع) ٦/ ٥٠. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخميّ الْفَرسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. ٥ - (قَزَعَةُ) بن يحيى البصريّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٥/ ١٠٢٥. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ -﵁-، وفي الرواية التالية: «عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت قَزَعة، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-» (قَالَ) أبو سعيد -﵁- (سَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من رسول الله -ﷺ- (حَدِيثًا) هو حديث مشتمل على أربعة أشياء، ففي الرواية التالية: «سمعت من رسول الله -ﷺ- أربعًا» (فَأَعْجَبَنِي) زاد في الرواية التالية: «فأعجبنني، وآنقنني»، وهو بمعناه (فَقُلْتُ لَهُ) القائل هو قَزَعة؛ أي: قلت لأبي سعيد -﵁- (أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنت سمعت هذا من رسول الله -ﷺ-؟ (قَالَ) أبو سعيد (فَأَقولُ) هذا أيضًا بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفأقول (عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَا لَمْ أَسْمَعْ؟) والاستفهام للإنكار (قَالَ) قزعة (سَمِعْتُهُ) أي: أبا سعيد (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ) -بفتح حرف المضارعة، من باب نصر- هكذا رواية المصنّف -﵀- هنا، فـ»لا«ناهية، والفعل مجزوم بها بحذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة التي رفعها بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها، وسيأتي في أواخر»كتاب الحجّ«بلفظ:»لا تُشدّ الرحال«-بضم أوّله مبنيًّا للمفعول- وهو الذي في صحيح البخاريّ، وعليه فـ»لا«نافية، والمراد من النفي هو النهي، قال الطيبيّ: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يُقْصَد بالزيارة إلا هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختُصَّت به. و«الرِّحَال»بالمهملة: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكَنَى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازِمه، وخرج ذكرُها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه:«إنما يُسَافَرُ»، أخرجه مسلم، من طريق عمران بن أبي أنس، عن سليمان الأغر، عن أبي هريرة -﵁-، وسيأتي في أواخر«كتاب الحجّ» -إن شاء الله تعالى-. (إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ) الاستثناء فيه مُفَرَّغ، والتقدير: لا تُشدّ الرحال إلى موضع، ولازِمه منعُ السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرَّغ مقدَّر بأعم العامّ، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد، كما سيأتي. (مَسْجِدِي هَذَا) أي: المسجد النبويّ بالمدينة، و«مسجدي»بالجر على البدليّة، ويجوز رفعه على تقدير مبتدأ؛ أي: أي أحدها مسجدي، ونصبُه بتقدير فعل؛ أي: أعني، و«قوله: »هذا« بدل، أو عطف بيان لـ»مسجدي«، وأتى به إشارة إلى أن المساجد التي في المدينة غير مسجده ليس لها هذا الفضل، والله تعالى أعلم. (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: المحرم، فهو كقولهم: الكتاب، بمعنى المكتوب، و»المسجد« يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة المذكورة فيما قبله. ثم المراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يُصَلَّى فيه دون البيوت وغيرها، من أجزاء الحرم، قال الطبريّ: ويتأيد بقوله: «مسجدي هذا»؛ لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك، وقيل: المراد به الكعبة، حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائيّ بلفظ: «إلا الكعبة»، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائيّ: «إلا مسجد الكعبة»، حتى ولو سقطت لفظة «مسجد» لكانت مرادةً، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسيّ من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد، قاله في «الفتح» . (وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى») أي: بيت المقدس، فـ«الأقصى»نعتٌ لـ«المسجد»، وفي الرواية الآتية:«ومسجد الأقصى»بالإضافة، وهي رواية البخاريّ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد جوّزه الكوفيون، واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان؛ أي: الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى، ونحو ذلك، وإليه أشار ابن مالك -﵀- في«الخلاصة»حيث قال: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ وسُمِّي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل: في الزمان، وفيه نظر؛ لأنه ثبت في«الصحيحين»أن بينهما أربعين سنة، وقد تقدّم في أبواب المساجد من حديث أبي ذرّ -﵁-، وتقدّم أيضًا بيان ما فيه من الإشكال، والجواب عنه. وقال الزمخشريّ: سُمِّي الأقصى؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبُعده عن الأقذار والخَبَث، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه. [فائدة]: لبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين، منها: إيلياء بالمد والقصر، وبحذف الياء الأولى، وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث، وبيت الْمَقْدِس بسكون القاف، وبفتحها مع التشديد، والقُدْس، بغير ميم، مع ضم القاف، وسكون الدال، وبضمها أيضًا، وشَلَّم بالمعجمة، وتشديد اللام، وبالمهملة، وشلام بمعجمة، وسَلِم بفتح المهملة، وكسر اللام الخفيفة، وأوري سلم بسكون الواو وبكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة، قال الأعشى [من المتقارب]: وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِمْ ومن أسمائه كُورَةُ، وبيت إيل، وصهيون، ومصروث، آخره مثلثةٌ، وكورشيلا، وبابوش، بموحدتين، ومعجمة، وقد تتبع أكثر هذه الأسماء الحسين بن خالويه اللغويّ في «كتاب ليس». وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السالفة، والثالث أُسِّس على التقوى. وقال النوويّ -﵀-: فيه بيانُ عظيمِ فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ولفضل الصلاة فيها، ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده لحجّ أو عمرة، ولو نذره إلى المسجدين الآخرين، فقولان للشافعيّ، أصحهما عند أصحابه يستحبّ قصدهما، ولا يجب، والثاني يجب، وبه قال كثيرون من العلماء. وأما باقي المساجد سوى الثلاثة، فلا يجب قصدها بالنذر، ولا ينعقد نذر قصدها، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً إلا محمد بن مسلمة المالكيّ، فقال: إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده؛ لأن النبيّ -ﷺ- كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا. وقال الليث بن سعد: يلزمه قصد ذلك المسجد أيّ مسجد كان، وعلى مذهب الجماهير لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شيء، وقال أحمد: يلزمه كفارة يمين. واختَلَف العلماء في شدّ الرحال، وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجوينيّ من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام الحرمين، والمحققون أنه لا يحرم، ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامّة إنما هي في شدّ الرحال إلى هذه الثلاثة خاصّة. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامح عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه أبو محمد الْجُوينيّ، وتبعه القاضي عياض من تحريم شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد هو الحقّ؛ لظاهر هذا الحديث، وسيأتي هذا البحث مستوفًى في أواخر «كتاب الحج» -إن شاء الله تعالى-. (وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) يحتمل أن تكون»لا«ناهية، الفعل مجزوم بها، وكُسر؛ لالتقاء الساكنين، ويَحْتَمل أن تكون نافيةً، والفعل مرفوع، والمراد من النفي النهي الأكيد، كما سبق، والوجه الأول يؤيّده قوله:»لا تَشُدُّوا الرحال«(يَوْمَيْنِ) هذا لا يعارض ما سبق بلفظ»ثلاثًا«، وكذا الآتي بلفظ:»مسيرة يوم وليلة«؛ لأنه مما خرج مخرج جواب السؤال، على ما تقدّم بيانه (مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا) أي: صاحب حرمة بسبب النسب، أو المصاهرة، أو الرضاع (أَوْ زَوْجُهَا»)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٦٢ و٣٢٦٣ و٣٢٦٤ و٣٢٦٥ و٣٢٦٦، (١٣٣٨)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (١١٨٨ و١١٩٧) و«الحجّ» (١٨٦٤) و«الصوم» (١٩٩٢ و١٩٩٥)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٣٢٦)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (١٢٤٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٧ و٣٤ و٥١ و٥٩ و٧١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٢ - ١٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦١٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٤٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٣٧٧ و٣٩٣)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٢٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٥٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٥٠)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: تكلّم الدارقطنيّ -﵀- في إسناد هذا الحديث، فقال في «العلل»: (٢٣٠٠) - وسئل عن حديث قَزَعَة بن يحيى، عن أبي سعيد، عن النبيّ -ﷺ-: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ولا تسافر المرأة …». فقال: اختُلِف فيه على قَزَعَة فرواه المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، وعُمارة بن عُمير، وقتادة، وعبد الملك بن عُمير، وقيل: عن عبد الملك بن ميسرة، ولا يصحّ، عن قَزَعة، عن أبي سعيد. ورواه يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعَة، عن أبي سعيد، واختُلِف عنه، فرواه سُويد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن أبي سعيد. وخالفه صدقة بن خالد، فرواه عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال محمد بن شعيب بن شابور، عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ. ورواه طلق بن حبيب، عن قَزَعة، عن ابن عمر، واختُلِف عن ابن عيينة، فرواه الحرب بن سريج، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن طَلْق، عن قَزَعة، عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه غيره من أصحاب ابن عيينة موقوفًا. وكذلك رواه وَرْقاء وغيره عن عمرو موقوفًا، والصحيح قول من قال: عن قَزَعَة، عن أبي سعيد. انتهى كلام الدارقطنيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ -﵀- أن رواية الشيخين لهذا الحديث هي الصحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَرْبَعًا، فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي: نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي) قال القاضي عياض -﵀-: معنى «آنقنني»: أعجبنني، وإنما كرر المعنى، لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا للبيان والتوكيد، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٥٧] والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية [الأنفال: ٦٩]، والطيب هنا الحلال، ومنه قول الْحُطيئة [من الطويل]: أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بِهَا هِنْدٌ … وَهْنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ وقال آخر [من الوافر]: يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ … يَا لَلْكُهُولِ وَللشُّبَّانِ مُغْتَرِبُ ومثله في حديث ابن مسعود -﵁-: «إذا وقعت في آل حاميم وقعت في روضات أتأنّق فيهنّ»، قال أبو عبيد: أي أتتبع محاسنهنّ، وقال أبو حمزة: معناه: أستلذّ بقراءتهنّ، والأنَقُ: الفرَح والسرور، والشيء الأنيق: العجِبُ، والمونَق المعجَب، ومنه منظرٌ مونقٌ. انتهى . وقوله: (وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ) الضمير لشعبة -﵀-. [تنبيه]: رواية شعبة، عن عبد الملك بن عُمير هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (١١٩٧) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك، سمعت قَزَعَة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ -﵁- يحدِّث بأربع عن النبيّ -ﷺ-، فأعجبنني، وآنقنني، قال: «لا تسافر المرأة يومين، إلا معها زوجها، أو ذو محرم، ولا صومَ في يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، ولا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي». وأخرجه أيضًا في «الحج»، فقال: (١٨٦٤) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن قَزَعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد، وقد غزا مع النبيّ -ﷺ- ثنتي عشرة غزوةً، قال: أربع سمعتهن من رسول الله -ﷺ-، أو قال: يُحدّثهن عن النبيّ -ﷺ-: «فأعجبنني، وآنقنني: أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين، ليس معها زوجها، أو ذو محرم، ولا صومَ يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه يدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٣ - (سَهْمُ بْنُ مِنْجَابِ) بن راشد الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، والعلاء بن الحضرميّ، وقَرْثَع الضبيّ، وقَزَعة بن يحيى. وروى عنه إبراهيم النخعيّ، وأبو خَلْدة عمرو بن دينار الكوفيّ، وأبو سنان ضِرَار بن مُرّة الشيبانيّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، لكنه فرّق بين الذي يروي عن العلاء، فذكره في التابعين، وبين الذي يروي عن قَزَعة وقرثع، فذكره في أتباع التابعين، فالله أعلم، ولَمّا ذكر البخاري في «تاريخه» سهم بن مِنجاب الراوي عن العلاء بن الحضرميّ نسبه سعديًّا، وهذا مما يؤيّد أنه غير الضبيّ، قاله الحافظ -﵀- . أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٢ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ١٠٢ - ١٠٤.

٢. «شرح النوويّ» ٩/ ١٠٤.

٣. «شرح النوويّ» ٩/ ١٠٥.

٤. «الفتح» ٥/ ١٦٧.

٥. راجع: «شرح النوويّ» ٩/ ١٠٤ - ١٠٥.

٦. «شرح النوويّ» ٩/ ١٠٤.

٧. راجع: «المرعاة» ٨/ ٣٣٤.

٨. أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه»عن عدي بن حاتم -﵁-، قال: بينا أنا عند النبيّ -ﷺ- إذا أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه الآخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة، فلترينّ الظعينة ترتحل من الْحِيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتُفْتَحَنّ كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله، فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فليقولنّ: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا، وأُفضِل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم -ﷺ-: يخرج ملء كفّه. انتهى.

٩. غير أنه سقط من روايته لفظة: «ثلاثة»، فتنبّه.

١٠. سيأتي برقم (١٣٩٧) رقم محمد فؤاد -﵀-.

١١. «الفتح» ٣/ ٦٠٢.

١٢. «شرح النوويّ» ٩/ ١٠٦.

١٣. «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٧.

١٤. «إكمال المعلم» ٤/ ٤٤٨ بزيادة من «نهاية ابن الأثير» ١/ ٧٦. قال ابن الأثير -﵀-: والمحدّثون يروونه: «أينقنني»، وليس بشيء. انتهى.

١٥. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٢٩.