HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٤٤

حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة. حدثنا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وحدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قالك كان رسول الله ﷺ، إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ. لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الأحزاب وحده».
ج ٢ ص ٩٨٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٣٣٦
عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس، قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا سافر قال: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلُفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الْحَوْر بعد الْكَوْر، ومن دعوة المظلومين، ومن سوء المنظر في الأهل والمال». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٣) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٩] (١٣٤٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ، أَو السَّرَايَا، أَو الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني انفرد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄-، تقدّم الكلام فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا قَفَلَ) -بقاف، ثم فاء- أي: رجع وزنًا ومعنى، ومنه تسمى القافلة، قال في «النهاية»: قَفَل أي: عاد من سفره، وقد يقال للسفر: قُفُول في الذهاب والمجيء، وأكثر ما يُستعمل في الرجوع. انتهى . قال وليّ الدين -﵀-: القفول: الرجوع من السفر، ويقال في المضارع: يَقْفُل بالضم، ولا يُستعمل القفول في ابتداء السفر، وإنما سُمِّي المسافرون قافلةً؛ تفاؤلًا لهم بالقفول والسلامة، على أن الجوهريّ قال: إن القافلة هي الرُّفْقة الراجعة من السفر، وقال القتبيّ: لا يقال لهم في مبدئهم: قافلة. انتهى. وقال الفيّوميّ -﵀-: قَفَلَ من سفره قُفُولًا، من باب قَعَدَ: رجع، والاسم قَفَلٌ -بفتحتين- ويَتَعَدَّى بالهمزة، فيقال: أقفلته، والفاعل من الثلاثيّ: قافل، والجمع قافلةٌ، وجمع القافلة قَوَافلُ، وتُطلَق القافلة على الرُّفْقَة، واقتَصَر عليه الفارابيّ، قال في «مجمع البحرين»: ومَن قال: القافلة: الراجعةُ من السفر فقط، فقد غَلِطَ، بل يقال للمبتدئة بالسفر أيضًا؛ تفاؤلًا لها بالرجوع، وقال الأزهريّ مثله، قال: والعرب تُسمِّي الناهضين للغزو قافلةً؛ تفاؤلًا بقفولها، وهو شائع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما حقّقه الفيّوميّ -﵀- أن القافلة تُطلق على المبتدئة للسفر، والراجعة منه، فما تقدّم فيما ذكره وليّ الدين من أنه لا يقال لهم ذلك، غير صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مِنَ الْجُيُوشِ) بالضمّ: جمع جيش، وهو العسكر العظيم ، وقال المجد -﵀-: «الجيش» هو: الجند، أو السائرون لحرب، أو غيرها. انتهى . (أَو السَّرَايَا) بالفتح: جمع سَرِيّة، وهي قطعة من الجيش، فَعِيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تسري في خُفية، وتُجمع أيضًا على سَرِيّات، مثلُ عطيّة وعطيّات ، وقال -ﷺ-: «خير الصحابة أربعةٌ، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تهزم اثنا عشر ألفًا من قلة» . (أَو الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) كأنه قصد استيعاب أنواع سفره -ﷺ- ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة، هي الغزو، والحجّ، والعمرة، وإلا فظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يُشرَع قول ذلك في كل سفر، إذا كان سفر طاعة، كصِلَة الرحم، وطلب العلم؛ لما يشمل الجميع من اسم الطاعة، وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح؛ لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا؛ لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الذي يخصه بسفر الطاعة، لا يمنع من سافر في مباح، ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص، فذهب قوم إلى الاختصاص؛ لكونها عبادات مخصوصة، شُرع لها ذكر مخصوص، فتختص به؛ كالذكر المأثور عقب الأذان، وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابيّ على الثلاث؛ لانحصار سفر النبيّ -ﷺ- فيها . (إِذَا أَوْفَى) أي: ارتفع، أو أقبل وأطلّ (عَلَى ثَنِيَّةٍ) بمثلّثة، ثم نون، ثم تحتانيّة ثقيلة: هي العقبة، وقال القرطبيّ: «الثنيّة» هي: الهضبة، وهي الكوم دون الجبل . (أَوْ فَدْفَدٍ) -بفتح الفاء، بعدها دال مهملة، ثم فاء، ثمّ دالٌ- والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل: هو الأرض المستوية، وقيل: الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات الحصى، وقيل: الجَلْد من الأرض في ارتفاع، وجمعه فدافد. وقال القرطبيّ: «الفدفد»: ما غَلُظ من الأرض، وارتفع، وجمعه: فدافد، قال: وتكبيره -ﷺ- في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه، وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته، وتوحيدُه الله تعالى هناك: إشعار بانفراده -﷿- بإيجاد جميع الموجودات، وبأنه المألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «يُكبّر على كلّ شَرَف» -بفتح الشين المعجمة، والراء، بعدها فاءٌ- هو المكان العالي. (كَبَّرَ ثَلَاثًا) قال الطيبيّ -﵀-: وجه التكبير على الأماكن العالية، هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات، وكان -ﷺ- يراعي ذلك في الزمان والمكان؛ لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء، والصعود والهبوط، وما أشبه ذلك، مما ينبغي أن لا ينسى ربه عند ذلك، فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته المدبر لها قبل صنعه. انتهى. وقال الزين العراقيّ -﵀-: مناسبة التكبير على المرتفع أن الاستعلاء محبوب للنفس، وفيه ظهور وغلبة، فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شيء، ويشكر له ذلك، ويستمطر منه المزيد. انتهى. (ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ) قال القرطبيّ: الملك أصله الشدّ والرّبط، والْمُلك بالضم يتضمّن الملك بالكسر، ولا ينعكس. انتهى . (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال الحافظ -﵀-: يَحْتَمِل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير، وهو على المكان المرتفع، ويَحْتَمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع، وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبَّح، كما في حديث جابر -﵁- عند البخاريّ: «قال: كنّا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سَبّحنا»، ويَحْتَمِل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبيّ -﵀-: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنه المعبود في جميع الأماكن. (آيِبُونَ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: نحن آئبون، أي راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف المذكورة. وقال وليّ الدين -﵀-: [فإن قلت]: ما فائدة الإخبار بالأَوْب، وهو الرجوع من السفر كما تقدم، وذلك ظاهر من حالهم، وما تحت الإخبار بذلك من الفائدة؟ [قلت]: قد يراد أَوْبٌ مخصوصٌ، وهو الرجوع عن المخالفة إلى الطاعة، أو التفاؤل بذلك، أو الإعلام بأن السفر المقصود قد انقضى، فهو استبشار بكمال العبادة، والفراغ منها، وحصول المقصود والظفر به. انتهى . (تَائِبُونَ) أي: إلى ربنا، من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود شرعًا، وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة، قاله -ﷺ- على سبيل التواضع، أو تعليمًا لأمته، أو المراد أمته، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب. وقال وليّ الدين -﵀-: وقوله: «تائبون» يَحْتَمِل أن يكون إشعارًا بحصول التقصير في العبادة، فيتوب من ذلك، وهو تواضع، وهضم للنفس، أو تعليم لمن يقع ذلك منه في سفر الطاعات، فيَخْلِطه بما لا يجوز فعله، ويَحْتَمِل الإشارة بذلك إلى أن ما كان فيه من طاعة الحجّ، أو العمرة، أو الغزو قد كَفَّر ما مضى، فيسأل التوبة فيما بعده، وقد تُسْتَعمل التوبة في العصمة، فيَسأل أن لا يقع منه بعده ما يحتاج إلى تكفير، وهذا اللفظ وإن كان خبرًا، فهو في معنى الدعاء، ولو كان إِشعارًا بأنهم رحبوا بهذه الأوصاف؛ لَنَصَبها على الحال، فقال: تائبين عابدين إلى آخره، وهو غير مناسب أيضًا لما فيه من تزكية النفس، وإظهار الأعمال. انتهى . وقوله: (عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ) جمع ساجد، وأصله الخضوع والتذلّل، ومنه قول الشاعر: تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ أي: متذلِّلةً خاضعةً، قاله القرطبيّ -﵀- . (لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رَفْعٌ بتقدير «نحن»، والجارّ والمجرور متعلق بـ «حامدون»، أو بـ «ساجدون»، أو بهما، أو بالصفات الخمسة على طريق التنازع. وقال وليّ الدين -﵀-: قوله: «ساجدون» بعد قوله: «عابدون» مِن ذكْر الخاصّ بعد العامّ، وقوله: «لربنا» يَحْتَمِل تعلقه بقوله: «ساجدون» أي: نسجد له، لا لغيره من الأصنام وغيرها، ويَحْتَمِل أن يكون معمولًا مقدمًا لقوله: «حامدون» أي: نحمده دون غيره؛ لرؤيتنا النعمة منه؛ إذ هو المنعم بها، لا رب سواه. انتهى. (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ الآية [الفتح: ٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وهذا في سفر الغزو، والمناسب لسفر الحجّ والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يريد -ﷺ- نفسه الكريمة (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ») أي: من غير فعل أحد من الآدميين، واختُلِف في المراد بالأحزاب هنا، فقيل: هم كفار قريش، ومن وافقهم من العرب، واليهود الذين تحزّبوا؛ أي: تجمعوا في غزوة الخندق، ونزلت في شأنهم«سورة الأحزاب»، وقيل: المراد أعمّ من ذلك؛ أي: أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن، قال النوويّ: والمشهور الأول. وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شُرع من بعد الخندق. وأجيب: بأن غزوات النبيّ -ﷺ- التي خرج فيها بنفسه محصورة، والمطابق منها لذلك غزوة الخندق؛ لظاهر قوله تعالى في«سورة الأحزاب»: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٥]، وفيها قبل ذلك: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩]. والأصل في الأحزاب أنه جمع حِزْب، وهو القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسيّة؛ أي: كل من تحزب من الكفار، وإما عهديّة، والمراد من تقدّم، وهو الأقرب، وقال القرطبيّ -﵀-: ويَحْتَمِل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم افعل ذلك وحدك، والأول أظهر، قاله الحافظ . وقال القاري -﵀-: قوله: «وهزم الأحزاب» أي: القبائل المجتمعة من الكفار لحرب النبيّ -ﷺ-، وكانوا اثني عشر ألفًا توجهوا من مكة إلى المدينة، واجتمعوا حولها، سوى من انضم إليهم من اليهود، ومضى عليهم قريب من شهر، لم يقع بينهم حرب، إلا الترامي بالنبل والحجارة؛ زعمًا منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم، فلا بُدّ أنهم يهربون، فأرسل الله عليهم ريحًا في ليلة شاتية، سَفّت التراب على وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت أوتادهم، وأكفأت قدورهم، وأرسل الله ألفًا من الملائكة، فكَبّرت في ذوائب عسكرهم، فهاصت الخيل وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا، ونزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣/ ٣٢٧٩ و٣٢٨٠] (١٣٤٤)، و(البخاريّ) في «العمرة» (١٧٩٧) و«الجهاد» (٢٩٩٥ و٣٠٨٤) و«المغازي» (٤١١٦) و«الدعوات» (٦٣٨٥)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧٧٠)، و(الترمذيّ) في «الحجّ» (٩٥٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٧٧ و٥/ ٢٣٦ و٦/ ١٣٨) و«عمل اليوم والليلة» (٥٣٩ و٥٤٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٨٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٢٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٣٦١ و١٢/ ٥١٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٨٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٥ و١٠ و١٥ و٢١ و٣٨ و٦٣ و١٠٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٠٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٣٠٧ و٣٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٩٨ و٣٩٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٧ - ١٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٥٩)، و«المعرفة» (٤/ ٢٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الإتيان بهذا الذكر في القفول من سفر الغزو، والحج، والعمرة، وهل يختصّ ذلك بهذه الأسفار، أو يتعدّى إلى كل سفر طاعة؛ كالرباط، وطلب العلم، وصلة الرحم، أو يتعدى إلى السفر المباح أيضًا؛ كالنزهة، أو يستمر في كل سفر، ولو كان محَرَّمًا يَحْتَمِل أوجهًا: [أحدها]: الاختصاص، وذلك لأن هذا ذكر مخصوص شُرِع بأثر هذه العبادات المخصوصة، فلا يتعدى إلى غيرها؛ كالذكر عقب الصلاة من التسبيح، والتحميد، والتكبير على الهيئة المخصوصة، فإنه لا يتعدى إلى غيرها من العبادات؛ كالصيام ونحوه، والأذكار المخصوصة متعبَّد بها في لفظها، ومحلها، ومكانها، وزمانها. [الثاني]: أنه يتعدى إلى سائر أسفار الطاعة؛ لكونها في معناها في التقرب بها. [الثالث]: أنه يَتَعدَّى إلى الأسفار المباحة أيضًا، وعلى هذين الاحتمالين فالتقييد في الحديث إنما هو لكونه -ﷺ- لم يكن يسافر بغير المقاصد الثلاثة، فقيده بحسب الواقع، لا لاختصاص الحكم به. [الرابع]: تعدّيه إلى الأسفار المحرَّمة؛ لأن مرتكب الحرام أحوج إلى الذكر من غيره؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. وقال الحافظ العراقيّ -﵀- في «شرح الترمذيّ»: سواء فيه السفر لحجّ، أو عمرة، أو غزو، كما في الحديث، أو لغير ذلك، من طلب علم، وتجارة، وغيرهما. انتهى. قال ولده وليّ الدين -﵀-: فمثّل بطلب العلم، وهو من الطاعات، وبالتجارة، وهي من المباحات، ولم يمثل المحرّم، لكنه مندرج في إطلاقه. انتهى . ٢ - (ومنها): أن الحديث صريح في اختصاص التكبير ثلاثًا بحالة كونه على المكان المرتفع، وأما قوله: «ثم يقول: لا إله إلا الله …» إلى آخره، فيَحْتَمِل الإتيان به، وهو على المكان المرتفع، ويَحْتَمِل ألا يتقيد بذلك، بل إن كان المكان المرتفع واسعًا قاله فيه، وإن كان ضيّقًا كمّل بقية الذكر بعد انهباطه، ولا يستمرّ واقفًا في المكان المرتفع لتكميله، قاله وليّ الدين -﵀- أيضًا. ٣ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ -﵀- في «شرح الترمذيّ»: مناسبة التكبير على المكان المرتفع، أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس، وفيه ظهورٌ وغلبةٌ على من هو دونه في المكان، فينبغي لمن تلبّس به أن يذكر عند ذلك كبرياءَ الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، ويشكر له ذلك، يستمطر بذلك المزيد مما مَنّ به عليه. وقال أبو العباس القرطبيّ -﵀- توحيده لله تعالى هناك إشعار بانفراده تعالى بإيجاد جميع الموجودات، وبأنه المألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات. ورَوَى ابن السنيّ في «عمل اليوم والليلة» عن أنس -﵁- قال: «كان النبيّ -ﷺ- إذا علا نشزًا من الأرض، قال: اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على جمل حال». قال وليّ الدين -﵀-: ويَحْتَمِل أن سبب ذلك إظهار ذكر الله تعالى، وتوحيده، ومنّته على أهل دينه، وذلك في الأماكن العالية أظهر منه في الأماكن المنخفضة، وفي «صحيح البخاريّ» عن جابر -﵁- قال: «كنا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبَّحنا»، وفي «سنن أبي داود»، من حديث ابن عمر -﵄-: «وكان النبيّ -ﷺ- وجيوشه إذا عَلَوُا الثنايا كبّروا، وإذا هَبَطُوا سبَّحُوا، فوُضِعت الصلاة على ذلك». ويَحْتَمِل أن يكون سبب التسبيح في الانهباط، أن الانخفاض محل الضيق، والتسبيح سبب للفرج، ومنه قوله تعالى في حق يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]، وكانت مقالته في بطن الحوت: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ -﵀-: وجه مناسبة قوله: «صدق الله وعده» إن كان سفر حجّ، أو عمرة، تذكيره بذلك وعد الله تعالى لنبيّه -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وإن كان رجوعًا من غَزَاة تذكيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، قال: وفي حديث أنس -﵁- عند مسلم: «أقبلنا مع رسول الله -ﷺ- أنا وأبو طلحة، وصفية رديفته على ناقته، حتى إذا كان بظهر المدينة قال: آيبون، تائبون …» الحديث، فهذا كان مَقْفَله من خيبر، وكانت متصلة بقصة الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢]، فردّ النبيّ -ﷺ- ذلك عليهم. انتهى . ٥ - (ومنها): أن مجموع هذا الذكر إنما كان -ﷺ- يأتي به عند القفول، وكان يأتي بصدره في الخروج أيضًا كما تقدّم في الباب الماضي: «أنه -ﷺ- كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبّر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخّر لنا هذا … الحديث، وفي آخره:«وإذا رجع قالهنّ، وزاد فيهنّ: آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون»، وتقدم حديث البخاريّ:«كنا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبّحنا»، وحديث أبي داود:«كان النبيّ -ﷺ- وجيوشه إذا عَلَوا الثنايا كبّروا، وإذا هبطوا سبّحوا»، وقال -ﷺللرجل الذي قال له: أوصني، لمّا أراد سفرًا-:«عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شَرَف» رواه الترمذيّ، وهو حديث حسن، ولم يخصّ ذلك بالرجعة من سفره . ٦ - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ -﵀-: في الحديث جواز السجع في الدعاء، والكلام بلا تكلف، وإنما يُنْهَى عن التكلف؛ لأنه يشغل عن الإخلاص، ويقدح في النية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، كلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، إِلَّا حَدِيثَ أَيُّوبَ، فَإِنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٣. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. [تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع هذه ساقها الترمذيّ ﵀، فقال:
مصادر المؤلف (١٧)

١. «النهاية» ٤/ ٩٢ - ٩٣.

٢. «المفهم» ٣/ ٤٥٦.

٣. «القاموس المحيط» ٢/ ٢٦٦.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٥.

٥. حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٢٦١١)، والترمذيّ (١٥٥٥)، وابن ماجه (٢٧٢٨).

٦. راجع: «الفتح» ١٤/ ٤٢٦ «كتاب الدعوات» رقم (٦٣٨٥).

٧. «المفهم» ٣/ ٤٥٦.

٨. «المفهم» ٣/ ٤٥٦.

٩. «المفهم» ٣/ ٣٥٦.

١٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٨٦.

١١. «طرح التثريب»٥/ ١٨٦.

١٢. «المفهم»٣/ ٤٥٦.

١٣. «الفتح» ١٤/ ٤٢٧.

١٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٨٤ - ١٨٥.

١٥. «طرح التثريب»٥/ ١٨٥ - ١٨٦.

١٦. «طرح التثريب»٥/ ١٨٧.

١٧. راجع: «طرح التثريب» ٥/ ١٨٧.