HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٤٥

وحدثني زهير بن حرب. حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا المدينة.
ج ٢ ص ٩٨٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٣٤٧
(٨٧٣) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كان النبيّ -ﷺ- إذا قفل من غزوة، أو حجّ، أو عمرة، فَعَلا فَدْفَدًا من الأرض، أو شَرَفًا كبّر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، سائحون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهَزَم الأحزاب وحده». انتهى. وأما رواية مالك بن أنس، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ -﵀-، في «صحيحه»، فقال: (١٦٧٠) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- كان إذا قَفَل من غزو، أو حجّ، أو عمرة، يكبّر على كل شَرَف من الأرض، ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». انتهى. وأما رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٢/ ٣٩٩) فقال: (٣٥٨٢) - حدّثنا أحمد بن الفرج الحمصيّ، نا ابن أبي فُديك، قال: حدّثني الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله -ﷺ- كان إذا قَفَل من الغزو، أو الحجّ، أو العمرة، يكبّر على كل شَرَف ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قديرٌ، آيبون، تائبون، عابدون، سائحون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨١] (١٣٤٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالكٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٢/ ١٥٨٦. ٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-؛ كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو (٢٠٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا -﵁- خادم رسول الله -ﷺ- خدمه عشر سنين، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، وكان معمّرًا، قد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) أنه (قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- (أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبيِّ -ﷺ-) أي: من غزوة خيبر، فقالها مختصرة، عند المصنّف، وقد ساقها البخاريّ -﵀- مطوّلة، من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدّثني يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك -﵁- قال: كنا مع النبيّ -ﷺ- مَقْفَله من عُسْفان ورسول الله -ﷺ- على راحلته، وقد أردف صفية بنت حُيَيّ، فَعَثَرت ناقته، فصُرِعا جميعًا، فاقتحم أبو طلحة، فقال: يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: «عليك المرأة»، فقَلَب ثوبًا على وجهه، وأتاها، فألقاه عليها، وأصلح لهما مركبهما، فركبا، واكتنفنا رسولَ الله -ﷺ-، فلما أشرفنا على المدينة قال: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون»، فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة. وقوله: (أَنَا) أتى به توكيدًا للضمير المرفوع المتّصل، حتى يعطف عليه ما بعده، وليس لازمًا؛ لوجود الفصل بالظرف، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» حيث قال: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ وقوله: (وَأَبُو طَلْحَةَ) مرفوع بالعطف على الفاعل، وهو أبو طلحة الأنصاريّ، زيد بن سَهْل بن الأسود بن حَرَام الخزرجيّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة -﵃-، شَهِدَ بدرًا وما بعدها، مات سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في «الحيض» ٧/ ٧٢٠. (وصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ) أي: راكبة خلفه -ﷺ-، والجملة في محلّ نصب على الحال. وهي أم المؤمنين صفيّة بنت حُيى بن أخطب الإسرائيليّة، تزوّجها النبيّ -ﷺ- بعد خيبر، وماتت سنة (٣٦)، وقيل: في خلافة معاوية -﵄-، وهو الصحيح، تقدّمت ترجمتها في «الحج» ٦٥/ ٣٢٢٣. (عَلَى نَاقَتِهِ) متعلّق بـ «رديفته» (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ) أي: بظاهرها (قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ») تقدّم شرح هذه الكلمات في الحديث الماضي (فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ) أي: الذكر المذكور، ففيه استحباب تكرار هذا الذكر (حَتَّى قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) النبويّة زادها الله تعالى شرفًا وعِزًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. = كان في غزوة خيبر، فالصواب مقفله من خيبر، وقيل: لعله في طريق خيبر مكان يسمّى عُسفان، وقيل: أضافه لتقارب الغزوتين، وهذا هو ما مال إليه الحافظ -﵀-، راجع: «الفتح» ٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩ «كتاب الجهاد والسير» رقم (٣٠٨٦). مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣/ ٣٢٨١ و٣٢٨٢] (١٣٤٥)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٣٠٨٥ و٣٠٨٦) و«اللباس» (٥٩٦٨) و«الأدب» (٦١٨٥)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٥٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٤٨٣ و٥٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٨٧ و١٨٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٨)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ١٠٨)، و(تمّام الرازي) في «فوائده» (١/ ٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان ما يُستحبّ أن يقال عند الرجوع من السفر. ٢ - (ومنها): بيان جواز إرداف المرأة خلف الرجل. ٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة ستر المرأة عن الناس، وستر من لا تجوز رؤيته، وستر الوجه عنه. ٤ - (ومنها): استحباب خدمة الإمام والعالم، وخدمة أهل الفضل. ٥ - (ومنها): استحباب اكتناف الإمام، والاجتماع حوله عند دخول المدن. ٦ - (ومنها): استحباب حمد الله تعالى للمسافر عند إتيانه سالمًا إلى أهله، وسؤاله الله التوبة. ٧ - (ومنها): وجوب احتجاب أمهات المؤمنين -﵅- وإن كنّ كالأمهات. ٨ - (ومنها): جواز تدارك المرأة الأجنبيّة إذا سقطت، أو كادت تسقط، فيُعينها على التخلّص مما يُخشى عليها، كما فعل أبو طلحة -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في «الجمعة» ٦/ ١٩٧٢. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق البصريّ، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، ولاحقيه، وهو (٢٠٦) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية بشر بن المفضّل، عن يحيى بن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ، فقال: (٣٠٨٦) - حدّثنا عليٌّ، حدّثنا بشر بن المُفَضّل، حدّثنا يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك -﵁- أنه أقبل هو وأبو طلحة، مع النبيّ -ﷺ- ومع النبيّ -ﷺ- صفية مردفها على راحلته، فلما كانوا ببعض الطريق عَثَرَت الناقة، فصُرع النبيّ -ﷺ- والمرأة، وإن أبا طلحة -قال: أحسب قال: - اقتحم عن بعيره، فأتى رسول الله -ﷺ- فقال: يا نبي الله جعلني الله فداءك، هل أصابك من شيء؟ قال: «لا، ولكن عليك بالمرأة»، فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه، فقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، فشدّ لهما على راحلتهما، فركبا، فساروا، حتى إذا كانوا بظهر المدينة، أو قال: أشرفوا على المدينة قال النبيّ -ﷺ-: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون»، فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٤) - (بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا، إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٣] (١٢٥٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيه، ولاحقه، وهو (٢٠٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنَاخَ) بالنون، والخاء المعجمة؛ أي: أبرك بعيره، والمراد أنه نزل بها (بِالْبَطْحَاءِ الَّتي بِذِي الْحُلَيْفَةِ) وتُسَمَّى الْمُعَرَّس أيضًا، وهي بضم الميم، وفتح العين، والراء المهملتين، مع تشديد الراء، وآخره سين مهملة، وأصل الْمُعَرَّس موضع النزول مطلقًا، أو في آخر الليل، قال أبو زيد: عَرَّس القوم في المنزل: إذا نزلوا به أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، وقال الخليل، والأصمعيّ: التعريس النزول آخر الليل، وصار هذا اللفظ عَلَمًا بالغلبة على موضع معيّن، وهو على ستة أميال من المدينة، كما حكاه أبو داود في «سننه» عن محمد بن إسحاق المدينيّ، وجزم به في «المشارق» . (فَصَلَّى بِهَا) قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة للإحرام، ويَحْتَمِل أن تكون للفريضة، وقد ثبت من حديث أنس -﵁- أنه -ﷺ- صلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم إن هذا النزول يَحْتَمِل أن يكون في الذهاب، وهو الظاهر من تصرّف البخاريّ، ويَحْتَمِل أن يكون في الرجوع، ويؤيده حديث ابن عمر -﵄- عند البخاريّ بلفظ: «وإذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي، وبات حتى أصبح»، ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابًا وإيابًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كونه في الرجوع هو الأظهر، كما يدلّ عليه قوله: «كان إذا صدر من الحجّ أو العمرة أناخ بالبطحاء»، وأصرح منه رواية البخاريّ عن عبد الله بن عمر -﵄-؛ أن رسول الله -ﷺ- كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق الْمُعَرَّس، وأن رسول الله -ﷺ- كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي، وبات حتى يصبح. انتهى، والله تعالى أعلم. (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) -﵄- (يَفْعَلُ دلِكَ) اقتداء برسول الله -ﷺ-، كما حثّ الله -﷾- عليه بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال القاضي عياض -﵀-: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاجّ ليس من مناسك الحج، وإنما فَعله من فَعله من أهل المدينة؛ تبركًا بآثار النبيّ -ﷺ-، ولأنها بطحاء مباركةٌ، قال: واستَحَبّ مالك النزول، والصلاة فيه، وأن لا يُجَاوَزَ حتى يُصَلَّى فيه، وإن كان في غير وقت صلاة مَكَث حتى يدخل وقت الصلاة، فيصلي، قال: وقيل: إنما نزل به -ﷺ- في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا، كما نَهَى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٧٤/ ٣٢٨٣ و٣٢٨٤ و٣٢٨٥] (١٢٥٧)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٣٢)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠٤٤)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ١٢٧) و«الكبرى» (٢/ ٣٣٠ و٤٧٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٤٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨ و١١٢ و١٣٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٥/ ٢٣٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٨٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥) و«المعرفة» (٣/ ٥٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الصلاة في بطحاء ذي الحليفة، وقال إسماعيل القاضي: إنه -ﷺ- إنما كان يصلي فيه نافلةً، لكن من ضرورة المبيت به أنه يصلي فيه فريضة، وسيأتي قول مالك: لا ينبغي لأحد مجاوزته، حتى يصلي فيه، وكذا استحباب الشافعي له، وقول أبي حنيفة: إن أحبّ أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ. ٢ - (ومنها): أنه لو مر به في وقت كراهة الصلاة استُحبّ له الانتظار حتى يدخل وقت جواز الصلاة، وسيأتي قول مالك -﵀-: مَن مَرَّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له. ٣ - (ومنها): في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع زيادة المبيت بها إلى الصباح، والأخذ بالزيادة لازم، قال وليّ الدين -﵀-: ومقتضى ما قالوه في مبيت المزدلفة حصول القصد بالمبيت بها نصف الليل، لكن إن كان المعنى أن لا يَطْرُق أهله ليلًا اقتَضَى ذلك الاستمرارَ إلى الصباح؛ لئلا يقع في هذا المحذور، ويدل لذلك قوله: «وبات حتى يصبح». ٤ - (ومنها): أنه قد يقال: مقتضى قوله في رواية موسى بن عقبة الآتية: «إذا صدر عن الحجّ، أو العمرة» التقييد بذلك، ومقتضى المعنى عدم التقييد، واستحباب الصلاة بها، والمبيت لكل مارّ بها، وإن لم يكن صادرًا من حجّ، ولا عمرة، قال وليّ الدين: وعدم التقييد هو الصواب، قال: ويدلّ له ما صحّ من شرف البقعة، وأنها مباركة، وأما التقييد في تلك الرواية، فإنما هو لفعل ابن عمر، ولم يكن ابن عمر يمرّ عليها إلا في حجّ، أو عمرة، ولم يبق بعد الفتح غزو من تلك الجهة؛ لأنها صارت كلها دار سلام. انتهى كلام وليّ الدين -﵀-. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن التقييد بمن صدر من حجّ، أو عمرة هو الأقرب؛ اتّباعًا لما ثبت عنه -ﷺ-؛ إذ لم يثبت عنه في غير ذلك، فينبغي التقيّد بما ثبت عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نزول النبيّ -ﷺ- ببطحاء ذي الحليفة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: [أحدها]: أن ذلك جَرَى اتّفاقًا، لا عن قصد، فهو كبقية منازل الحجّ، وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البرّ عن محمد بن الحسن، أنه قال: إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله -ﷺ- من منازل طريق مكة، وبلغنا أن ابن عمر -﵄- كان يتبع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالْمُعَرَّس، وذكر محمد هذا توجيهًا لقول أبي حنيفة: مَن مَرّ بالمعرَّس من ذي الحليفة راجعًا من مكة، فإن أحب أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ، وليس ذلك عليه. [ثانيها]: أنه قَصَد النزول به، لكن لا لمعنى فيه، حَكَى القاضي عياض عن بعضهم أنه -ﷺ- إنما نزل به في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلا يفجأ الناسُ أهاليهم ليلًا، كما نَهَى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة. [ثالثها]: أنه نزل به قصدًا؛ لمعنى فيه، وهو التبرك به، ويدل له أنه -ﷺ- أُتِي به، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، ويدل له أيضًا صلاته -ﷺ- به، وما فُهِم من لفظ الحديث من مواظبته على النزول به، لكنه ليس من مناسك الحجّ، بل هو سنة مستقلّة، وبهذا قال الجمهور، قال مالك في «الموطإ»: لا ينبغي لأحد أن يجاوز الْمُعَرَّس إذا قَفَل حتى يصلي فيه، وأنه مَن مَرّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله -ﷺ- عَرَّس به، وأن عبد الله بن عمر -﵄- أناخ به، قال ابن عبد البرّ: واستحبه الشافعيّ، ولم يأمر به، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله -ﷺ- بالمعَرَّس كسائر منازل طريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرَّس إنما كان يصلي فيه نافلة، ولا وجه لتزهيد الناس في الخير، ولو كان المعرَّس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخّره عنه، وذكر حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرَّس، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ فذكر عذرًا، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق، ولو فعلتَ لأوجعتك ضربًا. [رابعها]: أنه من مناسك الحجّ، وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البرّ في «التمهيد» حكايته عن ابن عمر -﵄-، فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحج، ومناسكه التي يجب على تاركها فديةٌ، أو دمٌ، عند أهل العلم، ولكنه حَسَنٌ عند جميعهم، إلا ابن عمر، فإنه جعله سنةً. انتهى. قال وليّ الدين -﵀-: فإن كانت هذه العبارة ليست صريحةً في إيجاب ابن عمر فديةً بتركه، فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم في استحبابه، زيادة لم يقولوا بها، فَيُعَدّ حينئذ مذهبًا غير ما تقدم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور من استحباب النزول في بطحاء ذي الحليفة، هو الحقّ؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، ولكنه ليس من مناسك الحجّ الذي يلزم بتركه فدية، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتى بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتي كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُنِيخُ بِهَا، وَيُصَلِّي بِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين. ٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-؛ كالأسانيد الثلاثة الماضية، وهو (٢٠٨) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِى أَنَسٌ، يَعْنِى أَبَا ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن الْمُسَيَّبِيّ، من ولد الْمُسَيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٢ - (أَنَسُ) بن عياض بن ضمرة، أَبُو ضَمْرَةَ الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) أي: رجع من أحدهما، قال الفيوميّ -﵀-: صَدَرَ صُدُورًا، من باب قَعَدَ، وأصدرته بالألف، وأصله الانصراف، يقال: صَدَرَ القومُ، وأصدرناهم: إذا صرفتهم، وصَدَرتُ عن الموضع صَدْرًا، من باب قَتَل: رجعتُ، قال الشاعر [من البسيط]: وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا
مصادر المؤلف (٥)

١. هكذا الرواية، قيل: هذا وَهَمٌ؛ لأن غزوة عُسفان كانت سنة ستّ، وإرداف صفية -﵄- =

٢. المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة، فيشمل ما ذُكر في الشرح أيضًا، وليس خصوص سياق المصنّف فقط، فتنبّه.

٣. هذا الرقم مكرر.

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٨٠.

٥. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٨١ - ١٨٢.