HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٥٤

حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي. أَيُّهَا الْأَمِيرُ! أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ. سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ. وَوَعَاهُ قَلْبِي. وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ. أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ. فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً. فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ. وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ. يَا أَبَا شُرَيْح! إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ ولا فارا بخربة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص109
ج ٢ ص ٩٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٤٤٧
وَالْأَرْضَ»، وَقَالَ بَدَلَ«الْقِتَالِ»:«الْقَتْلَ»، وَقَالَ:«لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في«المقدمة»٤/ ٢٤. ٣ - (مُفَضَّلُ) بن المُهَلْهَل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة ثبتٌ نَبِيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ق) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥١. و«منصور»بن المعتمر ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية المفضّل، عن منصور هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في«صحيحه»، (٩/ ٣٥) فقال: (٣٧٢٠) - أخبرنا الْمُفَضَّل بن محمد الْجَنَديّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ الحلوانيّ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا مُفَضَّل بن مُهَلْهَل، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة:«إن هذا البلد حرام، حرّمه الله إلى يوم القيامة، لا يُنَفَّر صيده، ولا يُعْضَد شوكه، ولا تُلْتَقط لقطته، إلا مَن عَرَّفها، ولا يُخْتَلَى خَلاؤه»، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم، فقال:«إلا الإذخر، ولا هجرةَ، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٥] (١٣٥٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْدَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ؛ أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو شُرَيْحٍ الْعَدَوِيُّ) الْخُزاعيّ الْكَعْبيّ، اسمه خُوَيلد بن عمرو، أو عكسه، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، صحابيّ نزل المدينة، ومات - ﵁ - سنة (٦٨) على الصحيح (ع) تقدم في «شرح المقدمة»ج ٢ ص ٤٨٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٢٠٩) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه مدنيين: سعيد، وأبو شريح، ومصريين: الليث، وقتيبة، وهو وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه دخل مصر. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا نحو ستّة أحاديث، راجع: «تحفة الأشراف» (٩/ ٢٢٣ - ٢٢٦)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيّ) وكذا وقع في رواية البخاريّ في «الحج»، فقال في «الفتح»: كذا وقع هنا، وفيه نظر؛ لأنه خُزاعيّ، من بني كعب بن ربيعة بن لحيّ، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له: الكعبيّ أيضًا، وليس هو من بني عديّ، لا من عديّ قريش، ولا عديّ مُضَر، فلعله كان حليفًا لبني عديّ بن كعب من قريش، وقيل: في خُزاعة بطن يقال لهم: بنو عديّ .. وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد: سمعت أبا شريح. أخرجه أحمد. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «عن أبي شُريح الْعَدَويّ» هكذا ثبت في «الصحيحين» الْعَدَويّ في هذا الحديث، ويقال له أيضًا: الْكَعبيّ، والْخُزاعيّ، قيل: اسمه خُويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خُويلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، أسلم قبل فتح مكة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين. انتهى . (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيد) بن العاص بن أمية القرشيّ الأمويّ المعروف بالأشدق، وليست له صحبة، ولا كان من التابعين لهم بإحسان (وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) جمع بعث بمعنى مبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهّز لقتال عبد الله بن الزبير -﵄- (إِلَى مَكَّةَ) متعلّق بيبعث، وجملة: «وهو يبعث إلخ» في محل نصب على الحال من عمرو؛ أي: والحال أن عمرو بن سعيد يرسل الجيوش لقتال عبد الله بن الزبير؛ لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة. [فائدة]: ذكر في «الفتح» في «كتاب العلم» قصة بعث عمرو بن سعيد بعثه إلى مكة، وملخصها: أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية، فبايعه الناس، إلا الحسين بن عليّ، وابن الزبير، فأما ابن أبي بكر، فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر، فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن عليّ، فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير، فاعتصم، ويسمّى عائذ البيت، وغلب على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة. وذكر في «كتاب الحجّ» ما نصّه: وقد ذكر الطبريّ القصّة عن مشايخه، فقالوا: كان قدوم عمرو بن سعيد واليًا على المدينة من قِبَل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين. وقيل: قدمها في رمضان منها، وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير من بيعته، وأقام بمكة، فجهّز إليه عمرو بن سعيد جيشًا، وأَمّر عليهم عمرو بن الزبير، وكان معاديًا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولّاه شرطته، ثم أرسله إلى قتال أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد، فنهاه، فامتنع، وجاء أبو شُريح، فذكر القصّة، فلما نزل الجيش ذا طُوَى خرج إليهم جماعة من أهل مكة، فهزموهم، وأُسر عمرو بن الزبير، فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتُّهِم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك. [تنبيه]: وقع في «السير» لابن إسحاق، و«مغازي الواقديّ» أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح، وبين عمرو بن الزبير، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أبو شُريح راجع الباعث، والمبعوث. والله أعلم. انتهى. (ائْذَنْ لِي) فعْل أمْر من الإذن، ووقع عند النسائيّ: «ايذن لي» بالياء، وأصله ائذن بهمزتين، فقُلبت الثانية ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. (أَيُّهَا الْأَمِيرُ) بحذف حرف النداء، وأصله: يا أيها الأمير، ويستفاد منه حسن التَّلَطُّفِ في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطَب إلا بعد استئذانه، ولاسيما إذا كان في أمر يُعْتَرض به عليه، فيترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه (أُحَدِّثْكَ) بالجزم؛ لأنه جواب الأمر (قَوْلًا، قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) جملة «قام» صفة لـ«قولًا» (الْغَدَ) منصوب على الظرفية متعلق بـ«قام» (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ) أي: أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة. ووقع عند أحمد، من طريق ابن إسحاق، عن سعيد المقبريّ زيادة في أوله توضّح المقصود، وهي: «لَمّا بَعَث عمرو بن سعيد إلى مكة بعْثه لغزو ابن الزبير أتاه أبو شُريح، فكلمه، وأخبره بما سمع من رسول الله - ﷺ -، ثم خرج إلى نادي قومه، فجلس فيه، فقمت إليه، فجلست معه، فحَدَّث قومه، قال: قلت له: يا هذا إنا كنا مع رسول الله - ﷺ - حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عَدَت خُزاعة على رجل من هُذيل، فقتلوه، وهو مشرك، فقام فينا رسول الله - ﷺ - خطيبًا»، فذكر الحديث. وأخرج أحمد أيضًا من طريق الزهريّ، عن مسلم بن يزيد الليثيّ، عن أبي شُريح الخزاعيّ أنه سمعه يقول: «أذن لنا رسول الله - ﷺ - يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا، وهو بمكة، ثم أمر رسول الله - ﷺ - بوضع السيف، فلقي الغدَ رهطٌ منا رجلًا من هذيل في الحرّ يريد رسول الله - ﷺ -، وقد كان وَتَرَهم في الجاهلية، وكانوا يطلبونه، فقتلوه، فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - غضب غضبًا شديدًا ما رأيته غضب غضبًا أشدّ منه، فلما صلى قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن الله حرّم مكة … الحديث. (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أراد أنه بالغ في حفظه، والتثبت فيه، وأنه لم يأخذه بواسطة، وأتى بالتثنية تأكيدًا (وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ) أي: بذلك القول. وفي هذا الكلام إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله: «سمعته» أي: حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد، وقوله: «ووعاه قلبي» تحقيق لفهمه، وتثبّته، وقوله: «وأبصرته عيناي» زيادة في تحقيق ذلك، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت فقط، بل مع المشاهدة، وقوله: «حين تكلّم به» أي: بالقول المذكور، ويؤخذ من قوله: «ووعاه قلبي» أن العقل محله القلب. وقال النوويّ -﵀-: أراد بهذا كلِّه المبالغة في تحقيق حفظه إياه، وتيقنه زمانَهُ ومكانَهُ، ولفظه. انتهى . (أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ) هو بيان لقوله: «تكلم». ويؤخذ منه استحباب الثناء على الله تعالى بين يدي تعليم العلم، وتبيين الأحكام، والخطبة في الأمور المهمّة، وقد تقدم من رواية ابن إسحاق أنه قال فيها: «أما بعد» (وَأثْنَى عَلَيْهِ) عطف على جملة الحمد، من عطف العام على الخاصّ (ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) بضم أوله، من التحريم؛ أي: أن تحريمها كان بوحي من الله، لا أنها اصطلح الناس على تحريمها بغير أمر الله تعالى، وتقدم الجمع بين هذا وبين حديث:»إن إبراهيم حرّم مكة« في شرح حديث ابن عباس -﵄- الماضي. (وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فيه تنبيه على الامتثال؛ لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه. قال النوويّ -﵀-: هذا قد يحتجّ به من يقول: إن الكفار غير مخاطَبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثرين أنهم مخاطبون بها كما هم مخاطبون بأصوله، وجوابهم بأنه - ﷺ - إنما قال: «ولا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر»؛ لأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكام شرعنا، وينزجر عن محرّماته، ويستثمر أحكامه، فجعل الكلام فيه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره. انتهى. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: الذي أراه أنه خطاب التهييج، نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. فالمعنى أن استحلال هذا المنهيّ عنه لا يليق بمن يؤمن بالله، واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل: لا يحلّ لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم. (أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا) بكسر الفاء، من باب ضرب، وفيه لغة أخرى، من باب قتل، وهو صبّ الدم، والمراد به القتل. واستدلّ به على تحريم القتل والقتال بمكة، وهو القول الراجح، وتقدّم تحقيقه قريبًا (وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا) بكسر الضاد المعجمة، وفتح الدال المهملة؛ أي: يُقطع بالمِعضد، وهو آلة كالفأس. (فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُول اللهِ - ﷺ - فِيهَا) وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد: «فإن ترخّص مترخّص، فقال: أُحلّت لرسول الله - ﷺ -، فإن الله أحلها لي، ولم يُحلّها للناس». وفي مرسل عطاء بن يزيد، عند سعيد بن منصور: «فلا يستنّ بي أحد، فيقول: قتل فيها رسول الله - ﷺ -» (فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُيولهِ) - ﷺ - (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ) بفتح أوله، والفاعل «الله»، ويروى بضمة على البناء للمفعول. والحاصل أن استدلاله باطل بوجهين: من جهة الخصوص، وعدم البقاء. وقوله (لِي) التفات؛ لأن نسق الكلام: وإنما أذن له؛ أي: لرسوله - ﷺ - (فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي: مقدارًا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس، وصلاة العصر، وفي «مسند أحمد»، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: «لما فتحت مكة، قال: كفّوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقام خطيبًا، فقال - ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة …»، فذكر الحديث. ويستفاد منه أن قتل من أذن النبيّ في قتلهم -كابن خطل- وقع في الوقت الذي أبيح للنبيّ - ﷺ - فيه القتال، خلافًا لمن حَمَل قوله: «ساعة من النهار» على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصّة ابن خطل. (وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا) أي: الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الإذن (الْيَوْمَ) المراد به الزمن الحاضر، وقد بيّن غايته في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله: «ثم هي حرام إلى يوم القيامة»، وكذا في حديث ابن عباس -﵄- المتقدّم بقوله: «فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» (كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ) وكتب السنديّ -﵀- على قوله: «وقد عادت حرمتها إلخ» ما نصّه: كناية عن عودة حرمتها بعد تلك الساعة كما كانت قبل تلك الساعة، فلا إشكال بأن الخطبة كانت في الغد من يوم الفتح، وعود الحرمة كان بعد تلك الساعة، لا في الغد، فما معنى اليوم، ولا بأن أمس هو يوم الفتح، وقد رُفعت الحرمة فيه، فكيف قيل: «كحرمتها بالأمس»؟ ويَحْتَمِل أن يقال: «اليوم» ظرف للحرمة، لا للعود، ومعنى «كحرمتها» أي: كرفع حرمتها؛ أي: العود كالرفع، حيث كان كلّ منهما بأمره تعالى، والله تعالى أعلم. انتهى . (وَلْيُبَلَّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ») أي: ليبلّغ الشخص الحاضر هذه الخطبة إلى من غاب عنها. قال ابن جرير -﵀-: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد؛ لأنه معلوم أن كلّ من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أُبلِغَهُ، كالذي لزم السامع سواءً، وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: هذا اللفظ قد جاءت به أحاديث كثيرة، وفيه التصريح بوجوب نقل العلم، وإشاعة السنن والأحكام. انتهى . (فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ) - ﵁ - (مَا قَالَ لَكَ عَمْرُو؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء قال لك عمرو بن سعيد حين أخبرته بهذا الحديث؟ (قَالَ) أي: قال عمرو (أَنَّا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْح) قال القرطبيّ -﵀-: قول عمرو بن سعيد هذا ليس بصحيح للذي تمسّك به أبو شُريح - ﵁ -، ولما في حديث ابن عبّاس -﵄- كما قدّمناه، وحاصل قوله أنه تأويل غير معضود بدليل. انتهى . (إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ) بالذال المعجمة؛ أي: لا يُجير، ولا يَعصِم (عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَم) -بالفاء، وتثقيل الراء-؛ أي: هاربًا، والمراد من وجب عليه القتل، فهَرَب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة فيها خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل، وفي تخصيصه العموم بلا مستند. (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) -بفتح المعجمة، وإسكان الراء، ثم موحدة- يعني السرقة، وقيل: «الخربة» بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة، وأصلها سرقة الإبل، ثم استُعْمِلت في كل سرقة، وعن الخليل: الخربة الفساد في الإبل، وقيل: العيب، وقيل: بضم أوله: العورة، وقيل: الفساد، وبفتحه: الفعلة الواحدة من الخرابة، وهي السرقة. وقد وَهِمَ من عدّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا، واحتجّ بما تضمنه كلامه. قال ابن حزم: لا كرامة للَطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول الله - ﷺ -. وأغرب ابن بطال، فزعم أن سكوت أبي شُريح عن جواب عمرو بن سعيد دالّ على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور. ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: «قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك»، فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة. وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شُريح؛ لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًّا في غير الحرم، ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحدّ عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه، وأجاب عن غير سؤاله. وتعقّبه الطيبيّ بأنه لم يَحِد في جوابه، وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجَب، كأنه قال له: صحّ سماعك، وحفظك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح، وليس بسبب قتل من استحقّ القتل خارج الحرم، ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني. قال الحافظ: لكنها دعوى من عمرو بغير دليل؛ لأن ابن الزبير لم يجب عليه حدّ، فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصحّ جواب عمرو. نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة، ويحضر إليه في جامعة، يعني مغلولًا، فامتنع ابن الزبير، وعاذ بالحرم، فكان يقال له بذلك: عائذ الله، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله: «إن الحرم لا يعيذ عاصيًا»، ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا، فهذه شبهة عمرو، وهي واهية، قاله في «الفتح» . وقال في موضع آخر: وقد تشدّق عمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حقّ، لكن أراد به الباطل، فإن الصحابيّ أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص، وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي شريح - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٩/ ٣٣٠٥] (١٣٥٥)، و(البخاريّ) في «العلم» (١٠٤) و«الحج» (١٨٣٢) و«المغازي» (٤٢٩٥)، و(الترمذيّ) في «الحج» (٤٠٩) و«الديات» (١٤٠٦)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٢٨٧٧) وفي «الكبرى» (٣٨٥٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣١ و٣٢ و٣٨٤ و٣٨٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٢/ ١٨٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٣٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٥٩ و٩/ ٢١٢) و«المعرفة» (٦/ ١٧٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم القتال في حرم مكة. ٢ - (ومنها): بيان شرف مكة حرسها الله تعالى. ٣ - (ومنها): استحباب تقديم الحمد والثناء على الله تعالى قبل الدخول في الكلام المقصود. ٤ - (ومنها): أن التحليل والتحريم من عند الله تعالى، لا مدخل للبشر فيه، وأن ذلك لا يُعْرَف إلا منه سبحانه وتعالي، وأن وظيفة الرسل تبليغ ذلك إلى الناس.
مصادر المؤلف (٧)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ١٢٧.

٢. «شرح النوويّ» ٩/ ١٢٧.

٣. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٥/ ٢٠٦.

٤. «شرح النوويّ» ٩/ ١٢٨.

٥. «المفهم» ٣/ ٤٧٥.

٦. «الفتح» ٤/ ٥١٩ - ٥٢٠.

٧. «الفتح» ١/ ٢٦٩ «كتاب العلم».