HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٥٥

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. جميعا عَنِ الْوَلِيدِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ (هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ). حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ ﷿ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ. قَامَ فِي النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ. وسلط عليها رسولها وَالْمُؤْمِنِينَ. وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي. وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا. وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا. وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ. إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ» فقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِلَّا الْإِذْخِرَ» فَقَامَ أَبُو شَاهٍ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص110
ج ٢ ص ٩٨٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٤٥٧
٥ - (ومنها): إثبات خصائصَ لرسول الله - ﷺ -، واستواء المسلمين معه في الأحكام، إلا في تلك الخصائص. ٦ - (ومنها): فضل أبي شريح - ﵁ -؛ لاتّباعه أمر النبي - ﷺ - بالتبليغ عنه، مع أن من واجهه بهذا معروف بالجور والظلم. ٧ - (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته، وضبطه لِمَا سمعه، ونحو ذلك. ٨ - (ومنها): إنكار العالم على الحاكم ما يغيّره من أمر الدين، والموعظة بلطف، وتدرّج، والاقتصار في الإنكار على اللسان، إذا لم يستطع باليد. ٩ - (ومنها): وقوع التأكيد في الكلام البليغ. ١٠ - (ومنها): جواز المجادلة في الأمور الدينيّة. ١١ - (ومنها): جواز النسخ. ١٢ - (ومنها): أن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد. ١٣ - (ومنها): الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بُدًّا من ذلك. ١٤ - (ومنها): أن في قوله: «ووعاه قلبي» دليلًا على أن العقل محله القلب، لا الدماغ، وهو قول الجمهور؛ لأنه أَبُو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي، وفي المسألة قول ثالث، أنه مشترك بينهما. ١٥ - (ومنها): أنه تمسك به من قال: إن مكة فتحت عنوة. قال النوويّ: تأوّل من قال: فتحت صلحًا بأن القتال كان جائزًا له لو فعله، لكن لم يحتج إليه. وتعقّب بأنه خلاف الواقع، فالحقّ أنها فتحت عنوة، إلا أنه - ﷺ - منّ على أهلها، وقد تقدّم تحقيق ذلك في شرح حديث ابن عباس -﵄- الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٦] (١٣٥٥) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ الْوَلِيدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَني يَحْيىَ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرُّحْمَنِ، حَدَّثَنى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَن قُتِلَ لَهُ قَتِيل، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِلَّا الإِذْخِرَ»، فَقَامَ أَبُو شَاهٍ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«اكْتبُوا لِأَبِي شَاهٍ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتبوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هَذ الْخُطْبَةَ الَّتي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٤ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٢٤. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهري المدنيّ، ثقةٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فضل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين. شرح الحديث: عن أبي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف أنه قال: (حَدَّثَني أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُول الله - ﷺ - مَكَةَ، قَامَ فِي النَّاسِ) ظاهره أن الخطبة وقعت عقيب الفتح، وليس كذلك، بل وقعت بعد الفتح عقب قتل رجل من خُزاعة رجلًا من بني ليث، والدليل على ذلك ما في الرواية التالية من طريق شيبان النحويّ، عن يحيى بن أبي كثير: «إن خُزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، فرَكِب راحلته، فخطب، فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين …» الحديث. (فَحَمِدَ اللهَ، وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ) أي: منع (عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ) -بالفاء المكسورة، وسكون الياء، آخر الحروف- وهو الحيوان المشهور الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، فأرسل الله تعالى على أصحابه طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، حين وصلوا إلى بطن الوادي بالقرب من مكة . وفي رواية البخاريّ:«إن الله حبس عن مكة القتل، أو الفيل»بالشكّ، الأول بالقاف، والتاء المثناة من فوقُ، وقال الكرمانيّ: ما يدلّ عليه أنه رُوي: والفتك أيضًا بالفاء والكاف، وفسَّره بسفك الدم، وله وجه إن ساعدته الرواية، قاله في«العمدة». وقال في«الفتح»: المراد بحبس الفيل حبس أهل الفيل، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة، ومعهم الفيل، فمنعها الله منهم، وسلّط عليهم الطير الأبابيل، مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفّارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد، لكن غزو النبيّ - ﷺ - إياها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره . (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا) أي: على مكة؛ أي: على أهلها الكفّار (رَسُولَهُ) - ﷺ - (وَالْمُؤْمِنِينَ) أي: الصحابة الذين غزوها معه - ﷺ - (وَإِنَّهَا لَنْ تَحِل لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي) أي: من الأنبياء وغيرهم، زاد في الرواية التالية: «ولن تحلّ لأحد بعدي» (وَإنَّهَا أُحِلَتْ لِي سَاعَة مِنْ نَهَارٍ) معنى إحلال مكة: إحلال القتل فيها (وَإِنَّهَا لَنْ تَحِل لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بتشديد الفاء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: لا يُهاج عن حاله، ولا يُتعرّض له، قال عكرمة: هو أن يُنَحّيه من الظلّ إلى الشمس ، وقد تقدّم فيه القول مستوفًى. (وَلَا يُخْتَلَى) بالبناء للمفعول أيضًا، وهو: بالخاء المعجمة؛ أي: لا يُجَزّ، ولا يُقْطَع، قال الجوهريّ: تقول: خَلَيت الخلا، واختليته؛ أي: جَزَزته، وقطعته، فاختَلَى، والْمِخْلَى ما يُجَزّ به الخلا، والْمِخلاة: ما يجعل فيه الخلاء، وقال ابن السكيت: خَلَيت دابتي أَخليها: إذا جَزَزت لها الخلا، والسيف يَختلِي؛ أي: يَقْطَع، والمختلون، والخالون: الذين يختلون الخلاء، ويقطعونه، واختَلَت الأرضُ؛ أي: كثر خَلاها. و«الْخَلا» مقصورًا: الرَّطْب من الحشيش، الواحدة خلاة، وفي بعض الطرق: «ولا يُعْضَد شوكُها»، «ولا يُخْبَط شوكها»، ومعنى الجميع متقارب . (شَوْكُهَا) جمع الشوكة، وشجر شائك، وشوك، وشاك، وقال ابن السّكِّيت: يقال: هذه شجرة شاكة؛ أي: كثيرة الشوك. وقال في «الفتح»: قوله: «لا يُختلى شوكها» بالخاء المعجمة؛ أي: لا يُحصَد، يقال: اختليته: إذا قطعته، وذكرُ الشوك دالّ على منع قطع غيره من باب أولى. انتهى . (وَلَا تَحِلُّ) بالبناء للفاعل (سَاقِطَتُهَا) أي: الشيء الذي سقط من صاحبه سهوًا (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) يريد لا تحل البتةَ، فكأنه قيل: إلَّا لمنشد؛ أي: لا يحل له منها إلَّا إنشادها، فيكون ذلك مما اختَصَّت به مكة، كما اختَصَّت بأنها حرام، وأنه لا يُنَفَّر صيدها، وغيرهما من الأحكام. وقال المازريّ: معناه المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج قد لا يعود إلَّا بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإطالة التعريف، بخلاف غيرها من البلاد، ولأن الناس ينتابون إلى مكة، ويقال: جاء الحديث ليقطع وَهْمَ من يظنّ أنه يُسْتَغْنَى عن التعريف هنا؛ إذ الغالب أن الحجيج إذا تفرقوا مُشَرِّقين ومُغَرِّبين، ومَدَّت المطايا أعناقها يقول القائل: لا حاجة إلى التعريف، فذكر - ﷺ - أن التعريف فيها ثابت، كغيرها من البلاد. ومنهم من قال: التقدير: إلَّا من سمع ناشدًا يقول: من أضل كذا، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها؛ ليردّها على صاحبها، وهذا مروي عن إسحاق ابن راهويه، والنضر بن شُميل. وقيل: لا تحل إلَّا لربها الذي يطلبها، قال أبو عبيد: هو جيِّد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد. قال العينيّ: قال بعضهم: الناشد المعرِّف، والمنشد الطالب، فيصح هذا التأويل على هذا التقرير. قال القاضي عياض في «المشارق»: ذكر الحريريّ اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد، وأن بعضهم عكس، فقال: الناشد المعرِّف، والمنشد الطالب، واختلافهم في تفسير الحديث بالوجهين. انتهى . (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) لفظة «خَيْر» ههنا بمعنى أفعل التفضيل، والمعنى أفضل النظرين، وقد فسَّرَ النظرين بقوله: «إما أن يُفدى، وإما أن يُقتَل». وقال النوويّ -﵀-: معناه أن وليّ المقتول بالخيار، إن شاء قَتَل القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية، وهذا تصريح بالحجة للشافعيّ وموافقيه: أن الوليّ بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاءَ وليُّ القتيل، وبه قال سعيد بن المسيِّب، وابن سيرين، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك: ليس للوليّ إلا القتل، أو العفو، وليس له الدية، إلا برضى الجاني، وهذا خلاف نَصّ هذا الحديث. قال: وفيه أيضًا دلالة لمن يقول: القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين: القصاص، أو الدية، وهو أحد القولين للشافعيّ، والثاني أن الواجب القصاص، لا غير، وإنما تجب الدية بالاختيار، وتظهر فائدة الخلاف في صُوَرٍ: منها: أَبُو عفا الوليّ عن القصاص إن قلنا: الواجب أحد الأمرين، سقط القصاص، ووجبت الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص بعينه، لم يجب قصاص، ولا دية، وهذا الحديث محمول على القتل عمدًا، فإنه لا يجب القصاص في غير العمد. انتهى . (إِمَّا أَنْ يُفْدَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يُعطى الفدية، وهي الدية، كما الرواية الأخرى (وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ») بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: يُقتل القاتل قصاصًا. وفي رواية للبخاريّ:«إما أن يُعْقَل»، من العَقْل، وهو الدية،«وإما أن يقاد أهل القتيل»بالقاف؛ أي: يقتص، ووقع في«سنن أبي داود»:«إما أن ياخذوا العقل، أو يقتلوا»، وهي أبين الروايات، فقوله:«أو يقتلوا»مفسران لسائر الروايات. وقال القاضي عياض -﵀-: وقع هنا؛ أي: عند البخاريّ في«العلم»في جميع النسخ:«وإما أن يقاد»بالقاف، ويوافقه ما جاء في«كتاب الديات»:«إما أن يُودَى، وإما أن يُقاد»، وكذلك في مسلم، وحكى بعضهم يعني في مسلم:«يفادى»بالفاء، موضع يقاد، قال: والصواب الأول، وهو القاف؛ لأن على الفاء يَخْتَلّ اللفظ؛ لأن العقل هو الفداء، فيتحصل التكرار، قال: والصواب أن القاف مع قوله:«يُعْقَل»، والفاء مع قوله:«يُقْتَل»؛ لأن العقل هو الفداء، وأما«يُعْقَل»مع«يُفْدَى»، أو«يفادَى»، فلا وجه له. قال العينيّ -﵀-: حاصل الكلام أن الرواية على وجهين: من قال:«وإما أن يقاد»بالقاف، من الْقَوَد، وهو القصاص، قال فيما قبله:«إما أن يُعْقَ»، بالعين والقاف، من العقل، وهو الدية، ومن قال:«وإما أن يُفادَى»بالفاء، من المفاداة، قال فيما قبله:«إما أن يُقْتَلَ»بالقاف والتاء المثناة من فوقُ، وهو القتل الذي هو القود. انتهى . (فَقَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب عم النبي - ﷺ - (إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا) أي: لأنه تُسَدّ به فُرَجُ اللحد المتخلِّلة بين اللبنات (وَبُيُوتنَا) أي: لأنه يُسَقَّف به البيت فوق الخشب، وقيل: كانوا يخلطونه بالطين؛ لئلا يتشقق إذا بُنِي به كما يُفْعَل بالتبن. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -«إِلَّا الإِذْخِرَ») بكسر الهمزة: نبتٌ طيّب الرائحة. (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) -بشين معجمة، وهاء بعد الألف، في الوقف والدرج، ولا يقال: بالتاء، قالوا: ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يُعْرَف بكنيته، وهو كلبيّ يمنيّ، وفي«المطالع»: وأبو شاه مصروفًا ضبطته وقرأته أنا معرفة ونكرة، وعن ابن دِحية أنه بالتاء منصوبًا، وقال النوويّ: هو بهاء في آخره درجًا ووقفًا، قال: وهذا لا خلاف فيه، ولا يُغْتَرّ بكثرة من يُصَحِّفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه، ومن مظانه. انتهى. وقوله: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) بدل من«أبو شاه»(فَقَالَ: اكتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ) أي: مُرْ بعضهم يكتبه لي، وفي الرواية التالية:«اكتب لي»بالإفراد، والمراد به أيضًا أن يأمر بالكتابة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ») فيه ديلٌ على جواز كتابة العلم، وهو مذهب الجمهور، وقد كرهه قوم من أهل العلم؛ تمسّكًا بحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي عند مسلم في«كتاب العلم»:«لا تكتبوا عني غير القرآن … »الحديث، لكن سبب النهي فيه أن لا يتّكل الناس على الكتب، ويتركوا الحفظ، أو لئلا يختلط بالقرآن غيره؛ لقوله في الحديث نفسه:«فمن كتب عني سوى القرآن فليمحه». (قَالَ الْوَليدُ) بن مسلم (فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ)«ما» استفهاميّة؛ أي: أي شيء يريد بقوله: (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) الأوزاعيّ (هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -) يعني أنه يريد كتابة الخطبة التي سمعها من رسول الله - ﷺ - في ذلك المكان؛ لئلا ينساها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٩/ ٣٣٠٦ و٣٣٠٧] (١٣٥٥)، و(البخاريّ) في «العلم» (١١٢) و«جزاء الصيد» (١٨٣٣ و١٨٣٤) و«اللقطة» (٢٤٣٤) و«الديات» (٦٨٨٠)، و(أبو داود) في «المناسك» (٢٠١٧ و٣٦٤٩ و٤٥٠٥)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٤٠٥) و«العلم» (٢٦٦٧)، و(النسائيّ) في «القسامة» (٨/ ٣٨) و«الكبرى» (٣/ ٤٣٤)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٣٢٦ و٤٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧١٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٣٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٣٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٥٢) و«دلائل النبوّة» (٥/ ٨٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم حرم مكة حرسها الله تعالى. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: فيه إباحة كتابة العلم، وكَرِه قوم كتابة العلم؛ لأنها سبب لضياع الحفظ، والحديث حجة عليهم، ومن الحجة أيضًا ما اتفقوا عليه من كتابة المصحف الذي هو أصل العلم، وكان للنبيّ - ﷺ - كتَّاب يكتبون الوحي، وقال الشعبيّ: إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط. قال في «العمدة»: محل الخلاف كتابة غير المصحف، فما اتفقوا لا يكون من الحجة عليهم. وقال عياض: إنما كَرِه مَن كَرِه من السلف من الصحابة والتابعين كتابة العلم في الصحف، وتدوين السنن؛ لأحاديث رُويت فيها، منها: حديث أبي سعيد: «استأذنّا رسول الله - ﷺ - في الكتابة، فلم يأذن لنا» . وعن زيد بن ثابت - ﵁ -: «أمرنا رسول الله - ﷺأن لا نكتب شيئًا» . ولئلا يُكتب مع القرآن شيءٌ، وخوف الاتكال على الكتابة، ثم جاءت أحاديث بالإذن في ذلك؛ كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄يريد قول عبد الله بن عمرو -﵄-: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - ﷺ -، أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله - ﷺ - بَشَر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: «اكتُب، فوالذي نفسي بيده ما يَخْرُج منه إلا حق» . قال: وأجازه معظم الصحابة والتابعين، ووقع عليه بعدُ الاتفاق، ودعت إليه الضرورة؛ لانتشار الطرق، وطول الأسانيد، واشتباه المقالات، مع قلة الحفظ، وكَلَال الفهم. انتهى كلام القاضي عياض -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: قوله - ﷺ -: «اكتبوا لأبي شاه» تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن، ومثله حديث عليّ - ﵁ -: ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة، ومثله حديث أبي هريرة - ﵁ -: كان عبد الله بن عمرو يَكْتُب، ولا أكتب، وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن، فمن السلف من منع كتابة العلم، وقال جمهور السلف: بجوازه، ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه، وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين: أحدهما: أنها منسوخة، وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد، فنُهي عن كتابة غيره؛ خوفًا من اختلاطه واشتباهه، فلما اشتَهَر، وأُمنت تلك المفسدة أُذِن فيه. والثاني: أن النهي نهيُ تنزيه لمن وَثق بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، والإذن لمن لم يوثق بحفظه. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الخطبة يُستحبّ أن تكون على موضع عال، منبرٍ أو غيره، في جمعة أو غيرها. ٤ - (ومنها): استَدَلَّ بقوله: «وسَلَّط عليهم رسوله - ﷺ -» مَن يرى أن مكة فُتحت عَنْوَةً، وأن التسليط الذي وقع للنبي - ﷺ - مقابَل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل، وهو الحبس عن القتال، هذا قول الجمهور، وقال الشافعيّ: فُتِحت صلحًا، والراجح قول الجمهور، وقد سبق البحث فيه مستوفىً في المسائل التي تقدّمت في شرح حديث ابن عبّاس -﵄-. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على تحريم قطع الشجر في الحرم، مما لا ينبته الآدميون في العادة، وعلى تحريم خلاه، وهذا بالاتفاق، واختلفوا فيما ينبته الآدميون، قاله النووي، وقد تقدّم البحث فيه أيضًا مستوفًى. ٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ أهل الأصول بهذا الحديث وشِبهه على أن النبيّ - ﷺ - كان مُتَعَبَّدًا باجتهاده فيما لا نَصّ فيه، وهو الأصح عندهم، ومنعه بعضهم، وممن قال بالأول الشافعيّ، وأحمد، وأبو يوسف، واختاره الآمديّ، وصحح الغزالي الجواز، وتوقف في الوقوع، وقال ابن الخطيب الرازيّ: توقف أكثر المحققين في الكل، وجوّزه بعضهم في أمر الحرب، دون غيره، واستَدَلَّ من قال بوقوعه بما جاء في هذا الحديث، وفي قوله - ﷺ - لمّا قيل له في فرض الحجّ: أكلّ عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلت: نعم لوجبت. . .» الحديث، وبقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وبقوله تعالى في أسارى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية [الأنفال: ٦٧]، ولو كان حَكَم بالنصّ لَمَا عوتب. وأجاب المانعون عن الكل بأنه يجوز أن يقارنها نصوص، أو تقدم عليها بأن يوحى إليه؛ أنه إذا كان كذا فافعل كذا، مثل أن لا يستثني «إلَّا الإذخر» حين سأل العباس، أو كان جبريل؛ حاضرًا، فأشار عليه به، وحينئذ يكون بالوحي، لا بالاجتهاد. قال المهلَّب: يجوز أن الله تعالى أعلم رسوله - ﷺ - بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فكان هذا من ذلك الأصل، فلما سأل العباس حكم فيه. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: إنه مخصوص بالحرب، وفيه نظر لا يخفى . قال الجامع عفا الله عنه: الخلاف في اجتهاد النبيّ - ﷺ - قد تقدّم تحقيقه، وأن جوازه ووقوعه هو الحقّ؛ لوضوح أدلته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): بيان أن وليّ القتيل بالخيار بين أخذ الدية، وبين القتل، وليس له إجبار الجاني على أيّ الأمرين شاء، وبه قال الشافعيّ وأحمد، وقال مالك في المشهور عنه: ليس إلَّا القتل، أو العفو، وليس له الدية إلَّا برضى الجاني، وبه قال الكوفيون. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الأولون هو الأرجح؛ لظاهر هذا الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين: القصاص، أو الدية، وهو أحد قولي الشافعيّ، وأصحهما عنده أن الواجب القصاص، والدية بدل عند سقوطه، وهو مشهور مذهب مالك، وعلى القولين للولي العفو عن الدية، ولا يحتاج إلى رضى الجاني، ولو مات، أو سقط الطرف المستحَقّ وجبت الدية، وبه قال أحمد، وعن أبي حنيفة ومالك: إنه لا يُعْدَل إلى المال إلا برضى الجاني، وإنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي، ورجّحه الشيخ تقي الدين في «شرحه» . ٩ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: استُدِلّ بحديثي ابن عباس وأبي هريرة -﵃- المذكورين في هذا الباب على أن لُقطة مكة لا تُلتقط للتملُّك، بل للتعريف خاصّةً، وهو قول الجمهور، وإنما اختَصَّت بذلك عندهم؛ لإمكان إيصالها إلى ربها؛ لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أُفُقٌ غالبًا من وارد إليها، فإذا عَرَّفها واجدها في كل عام سَهُل التوصل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج ملتقطها إلى المبالغة في التعريف. واحتَجّ ابن الْمُنَيِّر لمذهبه بظاهر الاستثناء؛ لأنه نفى الحل واستثنى المنشد، فدَلّ على أن الحل ثابت للمنشد؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، قال: ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها. والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها؛ لتفرّق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملّكها من أول وهلة، فلا يُعَرِّفها، فنهى الشارع عن ذلك، وأمر أن لا يأخذها إلا من عَرَّفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم، فإنها لا تُعَرَّف في غيرهم باتفاق، بخلاف لقطة مكة، فيشرع تعريفها؛ لإمكان عود أهل أفق صاحب اللقطة إلى مكة، فيحصل متوصل إلى معرفة صاحبها. وقال إسحاق ابن راهويه: قوله: «إلا لمنشد» أي: لمن سمع ناشدًا يقول: من رأى لي كذا فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يُعَرِّفها ليردّها على صاحبها، وهو أضيق من قول الجمهور؛ لأنه قيّده بحالة للمعرِّف دون حالة. وقيل: المراد بالمنشد: الطالب، حكاه أبو عبيد. وتعقبه بأنه لا يجوز في اللغة تسمية الطالب منشدًا. قال الحافظ: ويكفي في ردّ ذلك قوله في حديث ابن عباس: «لا يَلتقط لقطتها إلا مُعَرِّف»، والحديث يفسّر بعضه بعضًا، وكأن هذا هو النكتة في تصدير البخاريّ الباب بحديث ابن عباس -﵄-. انتهى . وأما اللغة فقد أثبت الحربيّ جواز تسمية الطالب منشدًا، وحكاه عياض أيضًا. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به أيضًا على أن لقطة عَرَفة، والمدينة النبوية، كسائر البلاد؛ لاختصاص مكة بذلك، وحَكَى الماورديّ في «الحاوي» وجهًا في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة؛ لأنها مجمع الحجاج كمكة، ولم يرجح شيئًا، قاله في «الفتح» . ١١ - (ومنها): أنه استُدل به أيضًا على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام، بخلاف غيره من المساجد، وهو أصح الوجهين عند الشافعية ، والله أعلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٧] (…) - (حَدَّثَنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ، عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِن الله حَبَسَ عَنْ مَكَةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، ألَا وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَنْ تَحِل لِأَحَدٍ بَعْدِي، ألا وَإنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، ألا وَإنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا اِلا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُعْطَى -يَعْنِي الدِّيَةَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُل مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ:«اكتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، فَقَالَ رَجُل مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِلا الإِذْخِرَ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٨. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِنَّ خُزَاعَةَ) -بضم الخاء المعجمة، وبالزاي- حَيّ من الأزد، سُمُّوا بذلك؛ لأن الأزد لما خرجوا من مكة، وتفرّقوا في البلاد، تخلفت عنهم خُزاعة، وأقامت بها، ومعنى خَزَعَ فلان عن أصحابه: تخلّف عنهم. وقال في«الفتح»: قوله:«إن خُزاعة»؛ أي: القبيلة المشهورة، والمراد واحد منهم، فأطلق عليه اسم القبيلة؛ مجازًا، واسم هذا القاتل خِرَاش بن أمية الخزاعيّ، والمقتول في الجاهلية منهم اسمه أحمر، والمقتول في الإسلام من بني ليث لم يُسَمّ، هكذا ذكر في«الفتح»في«كتاب العلم»، ولكنه قال في«كتاب الديات»-بعد ذكره ما ذُكر هنا- ما نصّه: ثم رأيت في«السيرة النبويّة»لابن إسحاق أن الخزاعيّ المقتول اسمه: منبّه. انتهى . وقوله: (مِنْ بَنِي لَيْثٍ) هو أيضًا اسم قبيلة، وقال الرشاطيّ: ليث في كنانة، ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وفي عبد القيس ليث بن بكر بن حداءة بن ظالم بن ذُهْل بن عَجِل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. انتهى . وقوله: (فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ) الراحلة: الناقة التي تصلح لأن تُرْحَل، ويقال: الراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وفي«العباب»: الراحلة: الناقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرفت، قاله القتيبيّ، وقال الأزهريّ: الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب، والناقة النجيبة، وليست الناقة أولى بهذا الاسم من الجمل، والهاء فيه للمبالغة، كما يقال: رجل داهية، وراوية، وقيل: سُمّيت راحلة؛ لأنها تُرْحَل، كما قال الله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: مرضية. انتهى . وقوله: (أَلا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام- للتنبيه، فتدلّ على تحقق ما بعدها. وقوله: (وَإِنَّهَا) عطف على مقدر؛ لأن «أَلَا» لها صدر الكلام، والمقتضى أن يقال: ألا إنها بدون الواو، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] والتقدير: ألا إن الله حَبَس عنها الفيل، وإنها لم تحل لأحد … إلخ. وقوله: (حَرَامٌ) مرفوع؛ لأنه خبر لقوله: «إنها»، لا يقال: إنه ليس بمطابق للمبتدإ، والمطابقة شرط؛ لأنا نقول: إنه مصدر في الأصل، فيستوي فيه التذكير والتانيث، والإفراد والجمع، أو هو صفة مشبهة، ولكن وصفيته زالت لغلبة الاسمية عليه، فتساوى فيه التذكير والتأنيث . وقوله: (لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يُسقط، يقال: خبَطتُ الورق من الشجر خَبْطًا، من باب ضَرَب: أسقطته، فإذا سقط فهو خَبَطٌ بفتحتين، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مسموع كثيرًا، قاله الفيّوميّ . وقال القرطبيّ: الخبْطُ: ضرب أوراق الشجر بالعصا لعلف المواشي، يقال: خبط، واختبط، والمصدر منه الْخَبْط بسكون الباء، والاسم بتحريكها. انتهى .
مصادر المؤلف (٢٨)

١. «عمدة القاري»٢/ ١٦٥.

٢. «عمدة القاري» ٢/ ١٦٥.

٣. «الفتح» ١/ ٣٦٠ - ٣٦١.

٤. «المفهم» ٣/ ٤٧١.

٥. «عمدة القاري» ٢/ ١٦٤.

٦. «الفتح» ١/ ٣٦١.

٧. «عمدة القاري» ٢/ ١٦٦.

٨. «شرح النوويّ»٩/ ١٢٩.

٩. «عمدة القاري»٢/ ١٦٦.

١٠. رواه أحمد في«مسنده»(٣/ ١٢)، ومسلم (٣٠٠٤).

١١. رواه الترمذيّ برقم (٢٥٥٦) وفي سنده سفيان بن وكيع ضعيف، وصححه الشيخ الألبانيّ -﵀-.

١٢. رواه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٨٢، وأبو داود في «سننه» (٣٦٤٨) وهو ضعيف؛ لأن في سنده كثير بن زيد متكلّم فيه، وفيه أيضًا المطّلب بن حنطب، كثير التدليس، ولم يصرّح بالسماع.

١٣. حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده» (٢/ ١٦٢)، وأبو داود في «سننه» (٣٦٤٨).

١٤. راجع: «إكمال المعلم» ٤/ ٤٤٧.

١٥. «شرح النوويّ» ٩/ ١٢٩ - ١٣٠.

١٦. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ١٦٧ - ١٦٨.

١٧. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ١٦٨.

١٨. «الفتح»٦/ ٢٤٧«كتاب اللقطة»رقم (٢٤٣٤).

١٩. «الفتح»٦/ ٢٤٨ رقم (٢٤٣٤).

٢٠. «الفتح»٦/ ٢٤٨ رقم (٢٤٣٤).

٢١. وفي نسخة:«شجراؤها».

٢٢. «الفتح»١/ ٣٦٠ رقم (١١٢).

٢٣. راجع:«الفتح»١٦/ ٣٨ رقم (٦٨٨١).

٢٤. «عمدة القاري»٢/ ١٦٤.

٢٥. «عمدة القاري» ٢/ ١٦٨.

٢٦. «عمدة القاري» ٢/ ١٦٤.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ١٦٣.

٢٨. «المفهم» ٣/ ٤٧٠ - ٤٧١.