HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٥٧

حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (أَمَّا الْقَعَنْبِيُّ فقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فقَالَ: حدثنا مَالِكٌ) وقَالَ يَحْيَى: (وَاللَّفْظُ لَهُ) قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ. فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فقَالَ «اقْتُلُوهُ»؟ فقال مالك: نعم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص111
ج ٢ ص ٩٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٤٧٥
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٠/ ٣٣٠٨] (١٣٥٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٤٣٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٥٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨١) - (بَابُ جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَام) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠٩] (١٣٥٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِي، ويحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أمَّا الْقَعْنَبِي فَقَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أنسٍ، وَأمَّا قُتيْبَةُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وقَالَ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَن النَّبِي - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُل، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَستَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»؟ فَقَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مَالِكُ بْنُ أنسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٥ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم، تقدّم قبل بابين. ٦ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ -، تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٢١٠) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه منهم، ثم فرّق؛ لاختلافهم في ذلك. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: القعنبيّ، ويحيى، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، ويحيى وقتيبة قد دخلا المدينة؛ للأخذ عن مالك وغيره. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ -، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد جاوز عمره مائة سنة. ٥ - (ومنها): أن فيه قولَ يحيى بن يحيى: «قلت لمالك: أحدّثك ابن شهاب، عن أنس؟»، ثم قال في آخر الحديث: «فقال: نعم»، يعني: فقال مالك: نعم، ومعناه: أحدّثك ابن شهاب، عن أنس بكذا؟ فقال مالك: نعم حدّثني به، وقد جاء في «الصحيحين» في مواضع كثيرة مثل هذه العبارة، ولا يقول في آخره: قال: نعم. وقد اختَلَف العلماء في اشتراط قوله: «نعم» في آخر مثل هذه الصورة، وهي إذا قرأ على الشيخ، قائلًا: أخبرك فلان، أو نحوه، والشيخ مُصْغٍ له، فاهِمٌ لما يُقرأ، غير منكِر، فقال بعض الشافعيين، وبعض أهل الظاهر: لا يصح السماع إلا بها، فإن لم ينطق بها لم يصحّ السماع، وقال جماهير العلماء، من المحدثين، والفقهاء، وأصحاب الأصول: يُستَحَبّ قوله: نعم، ولا يشترط نطقه بشيء، بل يصحّ السماع مع سكوته، والحالة هذه؛ اكتفاءً بظاهر الحال، فإنه لا يجوز لمكلف أن يُقِرَّ على الخطأ في مثل هذه الحالة، قال القاضي عياض: هذا مذهب العلماء كافّةً، ومن قال من السلف: نعم، إنما قاله توكيدًا، واحتياطًا، لا اشتراطًا. انتهى ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -، وفي رواية أبي أويس عند ابن سعد: «أنّ أنس بن مالك حدّثه» (أَن النَّبِيُّ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ) أي: في السنة التي فُتحت فيها مكة (وَعَلَى رَأسِهِ مِغْفَرٌ) جملة حالية من الفاعل، وفي رواية النسائيّ -﵀-: «وعليه المغفر». و«المغفر» بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الفاء، ويقال له: مِغفرة بزيادة الهاء في آخره: هو زَرْدٌ يُنسج من الدروع على قدر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة، حكاه في «الصحاح» عن الأصمعيّ، وصدّر به صاحب «المحكم» كلامه، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنّع به المتسلّح، وقال في «المشارق»: هو ما يُجعل من فضل دروع الحديد على الرأس، مثل القلنسوة، والخمار . وفي رواية زيد بن الحباب، عن مالك: «يوم الفتح، وعليه مغفر من حديد»، أخرجه الدارقطنيّ في «الغرائب»، والحاكم في «الإكليل»، وكذا هو في رواية أبي أويس، قاله في «الفتح»، و«طرح التثريب» . (فَلَمَّا نَزَعَهُ) أي: نزع النبيّ - ﷺ - المغفر الذي على رأسه (جَاءَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسمه، إلا أنه يَحْتَمِل أن يكون هو الذي باشر قتله، وقد جزم الفاكهيّ في «شرح العمدة» بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلميّ، وكأنه لمَّا رجح عنده أنه هو الذي قتله رأى أنه هو الذي جاء مخبرًا بقصّته، ويرجحه قوله في رواية يحيى بن قَزَعَة في «المغازي»: «فقال: اقتله» بصيغة الإفراد (فَقَالَ) ذلك الرجل (ابْنُ خَطَلٍ) -بفتح الخاء المعجمة، والطاء المهملة، آخره لام- وسيأتي بيان الاختلاف في اسمه قريبًا -إن شاء الله تعالى- (مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) -بفتح الهمزة، جمع سِتْر بكسر، فسكون- وكان تعلقه بها استجارةً بها، وذلك كما ذكر الواقديّ أنه خرج إلى الخندَمَة ليقاتل على فرس، وبيده قناة، فلما رأى خيل الله، والقتل دخله رُعْبٌ، حتى ما يستمسك من الرعدة، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها، فأخذ رجل من الركب سلاحه، وفرسه، فاستوى عليه، وأخبر النبيّ - ﷺ - بذلك (فَقَالَ) النبيّ - ﷺ - («اقْتُلُوهُ») زاد الوليد بن مسلم عن مالك: فقُتل، أخرجه ابن عائذ، وصححه ابن حبان، وأخرج عمر بن شبّة في «كتاب مكة» عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل، فضُربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: «لا يُقْتَل قرشيّ بعد هذا صبرًا»، قال الحافظ: رجاله ثقات، إلا أن في أبي معشر مقالًا. واختُلف في اسم قاتله، ففي حديث سعيد بن يربوع عند الدارقطنيّ، والحاكم؛ أنه - ﷺ - قال: «أربعة لا أؤمّنهم لا في حلّ، ولا حرم: الحويرث بن نُقيد -بالنون، والقاف، مصغّرًا- وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح»، قال: فأما هلال بن خطل، فقتله الزبير … الحديث، وفي حديث سعد بن أبي وقّاصّ عند البزّار، والحاكم، والبيهقيّ في «الدلائل» نحوه، لكن قال: «أربعة نفر، وامرأتين، فقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة»، فذكرهم، لكن قال: عبد الله بن خطل بدل هلال، وقال: عكرمة، بدل الحويرث، ولم يسمّ المرأتين، وقال: «فأما عبد الله بن خطل، فأُدرك، وهو متعلّق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمّارًا، وكان أشبّ الرجلين، فقتله …» الحديث. وفي زيادات يونس بن بُكير في «المغازي» من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه نحوه. وروى ابن أبي شيبة، والبيهقيّ في «الدلائل» من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس: «أَمَّنَ رسول الله - ﷺ - الناس يوم فتح مكة، إلا أربعة من الناس: عبد العزّى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكنانيّ، وعبد الله بن أبي سرح، وأم سارة، فأما عبد العزى بن خطل، فقُتل، وهو متعلّق بأستار الكعبة»، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهديّ: «أن أبا برزة الأسلميّ قتل ابن خطل، وهو متعلّق بأستار الكعبة»، وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في «البرّ والصّلة» من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصحّ ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذريّ، وغيره من أهل العلم بالأخبار، وتُحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله، فكان المباشر له منهم أبو برزة. ويَحْتَمِل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في «السيرة» بأن سعيد بن حريث، وأبا برزة الأسلميّ اشتركا في قتله، ومنهم من سمّى قاتله سعيد بن ذؤيب، وحَكَى المحبّ الطبري؛ أن الزبير بن العوّام هو الذي قتل ابن خطل. وروى الحاكم من طريق أبي معشر، عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد، قال: «فأخذ عبد الله بن خطل من تحت أستار الكعبة، فقُتل بين المقام وزمزم». وقد جمع الواقديّ عن شيوخه أسماء من لم يؤمَّن يوم الفتح، وأُمر بقتله عشرة أنفس: ستة رجال، وأربع نسوة. والسبب في قتل ابن خطل، وعدم دخوله في قوله: «من دخل المسجد، فهو آمن» ما روى ابن إسحاق في «المغازي»: حدثني عبد الله بن أبي بكر، وغيره؛ أن رسول الله - ﷺ - حين دخل مكة، قال: «لا يُقتل أحدٌ، إلا من قاتل، إلا نفرًا سماهم، فقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن خطل، وعبد الله بن سعد». وإنما أمر بقتل ابن خطل؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله - ﷺ -، مصدّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلًا، فأمر المولى أن يذبح تيسًا، ويصنع له طعامًا، فنام، واستيقظ، ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدّ مشركًا، وكانت له قينتان، تغنّيان بهجاء رسول الله - ﷺ -. وروى الفاكهيّ من طريق ابن جريج، قال: قال مولى ابن عباس: بعث رسول الله - ﷺ - رجلًا من الأنصار، ورجلًا من مزينة، وابن خطل، وقال: أطيعا الأنصاريّ حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاريّ، وهرب المزنيّ، وكان ممن أهدر النبيّ - ﷺ - دمه يوم الفتح. ومن النفر الذين كان أهدر دمهم النبيّ - ﷺ - قبل الفتح غير من تقدّم ذكره: هبار بن الأسود، وعكرمة بن أبي جهل، وكعب بن زُهير، ووحشيّ بن حرب، وأسيد بن إياس بن أبي زُنيم، وقينتا ابن خطل، وهند بنت عتبة. والجمع بين ما اختُلِفَ فيه من اسمه أنه كان يسمى عبد العزّى، فلما أسلم سمّي عبد الله، وأما من قال: هلال، فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال، بيّن ذلك الكلبيّ في النسب، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن عبد الله بن خطل، واسم خطل: عبد مناف، من بني تميم بن فهر بن غالب، قاله في «الفتح» . (فَقَالَ مَالِكُ) بن أنس -﵀- جوابًا عن سؤال يحيى بن يحيى بقوله: «أَحدّثك ابن شهاب … إلخ» (نَعَمْ) أي: حدّثني به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨١/ ٣٣٠٩] (١٣٥٧)، و(البخاريّ) ١٠٧/ ٢٨٦٨ و٢٨٦٩ و«الكبرى» (١٠٧/ ٣٨٥٠ و٣٨٥١). (وأخرجه) في «جزاء الصيد» (١٨٤٦) و«الجهاد والسير» (٣٠٤٤) و«المغازي» (٤٢٨٦) و«اللباس» (٥٨٠٨)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٨٥)، و(الترمذيّ) في «الجهاد» (١٦٩٣) وفي «الشمائل» (١٠٥)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٠٠ و٢٠١) و«الكبرى» (٢/ ٣٠٢ و٥/ ١٧١)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٠٥)، و(مالك) في «الموطّإ» (٩٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٤٩٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢١٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٩ و١٦٤ و١٨٠ و١٨٥ و٢٢٤ و٢٣١ و٢٣٢ و٢٤٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩٣٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٤/ ٣٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧١٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٨١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٤)، و(البزّار) في «مسنده» (٣/ ٣٥٠)، و(الضياء) في «المختارة» (٣/ ٢٤٨ و٥٠٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٩/ ٢٩) و«الكبير» (١٠/ ١١٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ١٠١ و٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، و(أبو الشيخ) في «أخلاق النبيّ - ﷺ -» (ص ١٤٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٥٩ و٨/ ٢٠٥) و«المعرفة» (٤/ ١٦٩ و٧/ ١٣٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أنه قد اشتهر أن هذا الحديث تفرّد به الزهريّ، عن أنس - ﵁ -، لكن قال الحافظ -﵀-: وقد وقع لي من رواية يزيد الرَّقَاشي، عن أنس، في «فوائد أبي الحسن الفرّاء الموصليّ»، وفي الإسناد إلى يزيد مع ضعفه ضعف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن مثل هذه المتابعة لا تُخرجه عن الغرابة؛ إذ يزيد الرقاشيّ لا يُعتبر به؛ لشدة ضعفه، ولاسيما مع ضعف الإسناد إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ثم قيل: إن مالكًا تفرّد به عن الزهريّ، وممن جزم بذلك ابن الصلاح في «علوم الحديث» له في الكلام على الشاذّ. وتعقّبه الحافظ العراقيّ بأنه ورد من طريق ابن أخي الزهريّ، وأبي أوشى، ومعمر، والأوزاعيّ، وقال: إن رواية ابن أخي الزهريّ عند أبي بكر البزّار في «مسنده»، ورواية أبي أُويس عند ابن سعد في «الطبقات»، وابن عديّ في «الكامل»، وإن رواية معمر ذكرها ابن عديّ في «الكامل»، وإن رواية الأوزاعيّ ذكرها المزيّ في «الأطراف»، ولم يذكر العراقيّ من أخرج روايتهما. قال الحافظ: وقد وجدت رواية معمر في «فوائد ابن المقري»، ورواية الأوزاعيّ في «فوائد تمّام». ثم نقل الحافظ العراقيّ عن ابن مسدي في «معجم شيوخه» أن أبا بكر بن العربيّ قال لأبي جعفر ابن المرخي -حين ذكر له أنه لا يُعرف إلا من حديث مالك، عن الزهريّ- قال: قد رويته من ثلاثة عشر طريقًا، غير طريق مالك، فقالوا له: أفدنا هذه الفوائد، فوعدهم، ولم يُخرج لهم شيئًا. ثم تعقّب ابن مسدي هذه الحكاية بأن شيخه فيها، وهو أبو العباس العشاب كان متعصبًا على ابن العربيّ؛ لكونه كان متعصّبًا على ابن حزم، فالله أعلم، كذا قال وليّ الدين -﵀- . وعبارة الحافظ في «الفتح»: وأطال ابن مسدي في هذه القصّة، وأنشد فيها شعرًا، وحاصلها أنهم اتهموا ابن العربيّ في ذلك، ونسبوه إلى المجازفة، ثم شرع ابن مسدي يقدح في أصل القصّة، ولم يُصِب في ذلك، فراوي القصّة عدل متقن، والذين اتهموا ابن العربيّ في ذلك هم الذين أخطئوا؛ لقلّة اطلاعهم، وكأنه بَخِل عليهم بإخراج ذلك؛ لما ظهر له من إنكارهم، وتعنّتهم. وقد تتبّعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربيّ -ولله الحمد- فوجدته من رواية اثني عشر نفسًا، غير الأربعة التي ذكرها الحافظ العراقيّ، وهم: عُقيلٌ في «معجم ابن جُميع»، ويونس بن يزيد في «الإرشاد» للخليليّ، وابن أبي حفص في «الرواة عن مالك» للخطيب، وابن عيينة في «مسند أبي يعلى»، وأسامة بن زيد في «تاريخ نيسابور»، وابن أبي ذئب في «الحلية»، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في «أفراد الدارقطنيّ»، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد العزيز الأنصاريان في «فوائد عبد الله بن إسحاق الخراسانيّ»، وابن إسحاق في «مسند مالك» لابن عديّ، وبحر السقاء، ذكره جعفر الأندلسيّ في تخريجه للجيزي -بالجيم، والزاي-، وصالح بن أبي الأخضر، ذكره أبو ذرّ الهرويّ عقب حديث يحيى بن قَزَعَة، عن مالك، المخرّج عند البخاريّ في «المغازي». فتبيّن بذلك أن إطلاق ابن الصلاح متعقّبٌ، وأن قول ابن العربيّ صحيح، وأن كلام من اتهمه مردود، ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك، وأقربها رواية ابن أخي الزهريّ، فقد أخرجها النسائيّ في «مسند مالك»، وأبو عوانة في «صحيحه»، وتليها رواية أبي أويس، أخرجها أبو عوانة أيضًا، وقالوا: إنه كان رفيق مالك في السماع عن الزهريّ، فيُحْمَل قول من قال: انفرد به مالك؛ أي: بشرط الصحّة، وقول من قال: توبع؛ أي: في الجملة. وعبارة الترمذيّ سالمة من الاعتراض، فإنه قال -بعد تخريجه-: حسن صحيح غريب، لا يُعرف كثير أحد رواه غير مالك، عن الزهريّ، فقوله: «كثير» يشير إلى أنه توبع في الجملة. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث ممتع جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز دخول مكة بغير إحرام، وذلك لمن لم يُرِد الحجّ، أو العمرة، وفي ذلك خلاف، سيأتي تحقيقه في المسألة السادسة -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أنه - ﷺ - فتح مكة عَنْوةً. وأجاب النوويّ بأنه - ﷺ - كان صالَحهم، لكن لمّا لم يَأْمَن غدرهم دخل متأهبًا. قال الحافظ: وهذا جواب قويّ، إلا أن الشأن في ثبوت كونه صالحهم، فإنه لا يُعْرَف في شيء من الأخبار صريحًا. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن مكة فُتحت عنوة، كما أسلفت تحقيق ذلك قريبًا، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقصّه ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. قال ابن عبد البرّ -﵀-: كان قتل ابن خطل قَوَدًا من قتله المسلم، وقال السهيليّ: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حدّ واجب، وقال النوويّ: تأوّل من قال: لا يُقتل فيها على أنه - ﷺ - قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب عنه الشافعية بأنها إنما أُبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها، وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك. انتهى. وتُعُقّب بأن المراد بالساعة التي أحلّت له ما بين أول النهار، ودخول وقت العصر، وقَتْل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا؛ لأنه قيّد في الحديث بأنه كان عند نزعه - ﷺ - المغفر، وذلك عند استقراره بمكة. وقد قال ابن خزيمة -﵀-: المراد بقوله في حديث ابن عباس: «ما أحلّ الله لأحد فيه القتل غيري» أي: قتل النفر الذين قُتلوا يومئذ: ابن خطل، ومن ذُكر معه، قال: وكان الله قد أباح له القتال، والقتل معًا في تلك السنة، وقتل ابن خطل وغيره بعد تقضي القتال. ٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على جواز قتل الذميّ إذا سبّ رسول الله - ﷺ -، وفيه نظر، كما قال ابن عبد البرّ؛ لأن ابن خطل كان حربيًّا، ولم يُدخله رسول الله - ﷺ - أمانه لأهل مكة، بل استثناه مع من استثنى، وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجًا واحدًا، فلا دلالة فيه لما ذُكر. انتهى. ويمكن أن يُتَمَسّك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذميًّا، لكن ابن خطل عمل بموجبات القتل، فلم يتحتّم أن سبب قتله السبّ، ذكره في «الفتح» . ٥ - (ومنها): أنه استَدلّ به البخاريّ وغيره على جواز قتل الأسير صبرًا، وهو استدلال واضح؛ لأن القدرة على ابن خطل صيّرته كالأسير في يد الإمام، وهو مخيّرٌ فيه بين القتل وغيره. لكن قال الخطابيّ: إنه - ﷺ - قتله بما جناه في الإسلام، وقال ابن عبد البرّ: قتله قوَدًا من دم المسلم الذي غدر به، وقتله، ثم ارتدّ، كما تقدّم. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز قتل الأسير من غير أن يُعْرَض عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو داود. ٧ - (ومنها): مشروعية لُبس المغفر، وغيره من آلات الحرب حال الخوف من العدوّ، وأنه لا ينافي التوكّل، وقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -: «اعتمر رسول الله - ﷺ - فلما دخل مكة طاف، وطفنا معه، ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد …» الحديث، وإنما احتاج إلى ذلك؛ لأنه كان حينئذ محرمًا، فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه، فكانوا حوله، يسترون رأسه، ويحفظونه من ذلك. ٨ - (ومنها): جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمور، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة، ولا النميمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ظاهر حديث الباب أنه - ﷺ - لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محْرمًا، وقد صرّح بذلك مالك راوي الحديث، كما ذكره البخاريّ في «كتاب المغازي» عن يحيى بن قَزَعَة، عن مالك عقب هذا الحديث: «قال مالك: ولم يكن النبيّ - ﷺ - فيما نرى -والله أعلم- يومئذ محرمًا». انتهى. وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، جازمًا به، أخرجه الدارقطنيّ في «الغرائب». ووقع في «الموطإ» من رواية أبي مصعب وغيره، قال مالك: «قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله - ﷺ - يومئذ محرمًا»، وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر - ﵁ - بلفظ: «دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام»، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن طاوس، قال: «لم يدخل النبيّ - ﷺ - مكة إلا محرمًا، إلا يوم فتح مكة»، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنه - ﷺ -، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم دخلوا مكة يوم الفتح غير محرمين، فهو دليل واضح للمذهب الصحيح أن دخولها بغير إحرام لمن لم يُرِد الحج، أو العمرة جائز، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في دخول مكة بغير إحرام: ذهب أصحاب الشافعيّ: إلى أن الأصحّ إن لم يتكرّر دخوله عدم وجوب الإحرام عليه، وهذا قول أكثرهم، فإن تكرر كالحطابين، ونحوهم، فهو أولى بعدم الوجوب، وهو المذهب. وذهب الحنابلة إلى وجوب الإحرام إلا على الخائف، وأصحاب الحاجات المتكرّرة، هذا هو المشهور عندهم، ولم يوجبه بعضهم، وعن أحمد ما يدلّ عليه. وذهب المالكية في المشهور عنهم إلى وجوبه على غير ذوي الحاجات المتكررة، قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا الخائف، والظاهر أنهم لا ينازعون في استثنائه، فهو أولى بعدم الوجوب من ذوي الحاجات المتكررة. وذهب أبو مصعب إلى عدم وجوبه، وهو رواية ابن وهب عن مالك، وَرُوِيَ عنه أيضًا مثل رواية غيره من أصحابه، حكاه ابن عبد البرّ. وذهب الحنفية إلى وجوبه مطلقًا، قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا من ذلك إلا من كان داخل الميقات، فلم يوجبوا عليه الإحرام، والظاهر أنهم أيضًا لا ينازِعون في الخائف، بل ولا في ذوي الحاجات المتكرّرة، وإن لم يصرّحوا باستثنائهم، فإنهم علّلوا منع الوجوب فيمن هو داخل الميقات بأنه يكثر دخولهم مكة، وفي إيجاب الإحرام عليهم كلّ مرّة حرج بيّنٌ، فصاروا كأهل مكة، حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام، لكن مقتضى كلام ابن قدامة في «المغني» منازعتهم في هاتين الصورتين أيضًا. وقد تحرّر من ذلك أن المشهور من مذهب الشافعيّ عدم الوجوب مطلقًا، ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب، إلا فيما يُستثنى، وحكاه ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن أكثر العلماء. وعدمُ الوجوب محكي عن عبد الله بن عمر، وبه قال الزهريّ، والحسن البصريّ، وزعم ابن عبد البرّ انفرادهما بذلك من بين السلف، وأن المشهور عن الشافعيّ الوجوب، وليس كما قال، وذهب إلى عدم الوجوب أيضًا: داود، وابن حزم، فقد نصره في كتابه «المحلّى»، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، وأبو الوفاء بن عقيل، قال ابن مفلح في «الفروع»: وهي ظاهرة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنّ دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يُرِد الحج، أو العمرة جائزٌ؛ لحديث الباب، فقد دخل - ﷺ -، وأصحابه غير محرمين، ولصريح قوله - ﷺ - عند تحديده المواقيت: «هن لهنّ، ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ، ممن كان يريد الحج، والعمرة»، متّفق عليه، فقد صرّح بأن وجوب الإحرام من المواقيت المحدّدة لمن أراد الحج، أو العمرة، فدلّ على أن من لم يُردهما، أو أحدهما لا يجب عليه الإحرام منها.
مصادر المؤلف (٨)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ١٣٢.

٢. «طرح التثريب» ٥/ ٨٦.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٨٦.

٤. «الفتح» ٥/ ١٤٠ - ١٤٢.

٥. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ٨٣ - ٨٤.

٦. »الفتح«٥/ ١٣٩ - ١٤٠.

٧. «الفتح» ٥/ ١٤٣ - ١٤٤.

٨. «الفتح» ٥/ ١٤٢ - ١٤٣.