وأيضًا فقد كان المسلمون في عهده - ﷺ - يترددون إلى مكة في حوائجهم، فلم يُنقل عنه أنه أمر أحدًا بأن يدخل محرمًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣١٠] (١٣٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التمِيمِي، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ الدُّهْنِيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَفي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُعَاوِيةُ بْنُ عَمَّارٍ الدُّهْنِيُّ) هو: معاوبة بن عمّار بن أبي معاوية الدُّهْنيّ البجليّ الكوفيّ، صدوق [٨].
روى عن أبيه، وأبي الزبير، وجعفر بن محمد.
وروى عنه قتيبة بن سعيد، ويوسف بن عديّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبّان في «الثقات».
روى له البخاريّ في «خلق أفعال العباد»، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب ولا عند النسائيّ إلا هذا الحديث.
وقال في «تهذيب التهذيب»: له في «صحيح مسلم»، والنسائيّ حديث واحد متابعة في دخوله - ﷺ - مكة بغير إحرام. انتهى .
[تنبيه]: قوله: «الدُّهْنِيّ»: هو -بضم الدال المهملة، وإسكان الهاء، وبالنون-: منسوب إلى دُهْن، وهم بطن من بَجِيلة، قال النوويّ -﵀-: وهذا الذي ذكرناه من كونه بإسكان الهاء هو المشهور، ويقال: بفتحها، وممن حَكَى الفتح أبو سعيد السَّمْعانيّ في «الأنساب»، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ. انتهى .
والباقون ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٢١١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، كما مرّ في السند الماضي، ومعاوية، كما ذكرته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه جابرًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الْأنصَارِيِّ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ) وقوله: (وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَةَ) يعني أن قُتيبة زاد في روايته قوله: «يوم فتح مكة» (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) جملة في محل نصب على الحال، وفيه جواز لباس الثياب السُّود، وفي حديث عمرو بن حريث - ﵁ - الآتي: «أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس، وعليه عمامة سوداء». قال النوويُّ: فيه جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «خير لباسكم البياض»، وإنما لَبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز. انتهى. (بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) هذا صريح في كون النبيّ - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح هو، وأصحابه غير محرمين، فدلّ على جواز دخولها بغير إحرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عمرة.
وقوله: (وَفي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ) فيه بيان تصريح معاوية بن عمّار بتحديث أبي الزبير له، بخلاف يحيى بن يحيى، فإنه رواه بالعنعنة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨١/ ٣٣١٠ و٣٣١١] (١٣٥٨)، و(أبو داود) في «اللباس» (٤٠٧٦)، و(الترمذيّ) في «اللباس» (١٧٣٥) وفي «الشمائل» (١٠٧)، و(النسائيّ) في «مناسك الحجّ» (٥/ ٢٠١) و«الزينة» (٨/ ٢١١) وفي «الكبرى» (٢/ ٣٨٢ و٥/ ١١٢ و٤٩٧ و٤٩٨)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٢٢) وفي «اللباس» (٣٥٨٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٤٢٢ و١٤/ ٤٩٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٦٣ و٣/ ٣٦٣ و٣٨٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٩٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٣٤ - ٣٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٢٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٤/ ٣٧١ و٥/ ٣٠٨ و٧/ ٩٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٤٤ و٤/ ١١٠)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٤٧٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٤/ ١٨٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٧٧) و«المعرفة» (٢/ ٥٢٦ و٣/ ٣٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): زعم الحاكم في «الإكليل» أن بين حديث أنس - ﵁ - الذي قبل هذا في المغفر، وبين حديث جابر - ﵁ - هذا في العمامة السوداء معارضة.
وتعقّبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله، ولبس العمامة بعد ذلك، فحَكَى كل منهما ما رآه، ويؤيّده أن في حديث عمرو بن حُريث - ﵁ - الآتي: «أنه - ﷺ - خطب الناس، وعليه عمامة سوداء»، وكانت الخطبة عند باب الكعبة، وذلك بعد تمام الدخول.
وهذا الجمع للقاضي عياض -﵀-، وقال غيره: يُجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه - ﷺ - من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم، وبهذا يدفع إشكال من قال: لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام؛ لاحتمال أن يكون رسول الله - ﷺ - كان محرمًا، ولكنه غطى رأسه لعذر، فقد اندفع ذلك بتصريح جابر - ﵁ - بأنه لم يكن محرمًا.
وأما دعوى أن دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبيّ - ﷺ -، فغير صحيحة؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ومما يبطلها أن الصحابة -﵃- لم يكونوا محرمين مثله، فبطل ما ادّعوه. انتهى من «الفتح» باختصار، وتصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣١١] (…) - (حَدَّثنا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، أَخْبَرَنَا شَرِيك، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ) أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوى عن ابن إدريس، وابن المبارك، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ، وشريك بن عبد الله النخعيّ، وابن عيينة، وعلي بن مسهر، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ في «الأدب المفرد»، ومسلم، وروى النسائيّ، عن عثمان بن خُرّزاذ عنه، وأبو الصلت عبد السلام بن صالح الهرويّ، وهو من أقرانه، وابن أخيه أحمد بن عثمان بن حكيم، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقةٌ، ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: