HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٧٩

حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ. لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ».
ج ٢ ص ١٠٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٦١٠
قال ابن معين: أبو صالح السمّان كان له ثلاثة بنين: سُهيل، وعباد، وصالح، وكلهم ثقةٌ، وقال الْبَرْقانيّ: قال الدارقطنيّ: له حديثان، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو بكر البزار: ثقةٌ. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، استغربه الترمذيّ، وحسّنه. والباقون ذُكروا في الباب وفي الذي قبله. [تنبيه]: رواية أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁- هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٣٨٥٩) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا الفضل بن موسى، حدّثنا هشام بن عروة، عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحدٌ، إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا يوم القيامة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، قال: وصالح بن أبي صالح أخو سُهيل بن أبي صالح. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٤) - (بَابُ صِيَانَةِ الْمَدِينَةِ مِنْ دُخُولِ الطَّاعُونِ، وَالدَّجَّالِ إِلَيْهَا) وبالسند المتّصل إِلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٥١] (١٣٧٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الْمُجْمِر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في«الطهارة» ٩/ ٥٧٥. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٢١٦) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ») بفتح الهمزة، وسكون النون: جمع قلة لِنَقَب، بفتح النون والقاف، بعدها موحدة، ووقع في حديث أنس، وأبي سعيد عند البخاريّ: «على نقابها» بكسر النون: جمع نَقْب بالسكون، وهما بمعنى، قال ابن وهب: المراد بها مداخلها، وهي أبوابها، وفوهات طرقها التي يُدْخَل منها، كما جاء في الحديث الآخر: «على كل باب منها ملك»، وقيل: طرقها، وأصل النَّقْب: الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب الطُّرُق التي يسكنها الناس. وقال ابن عبد البرّ -﵀- : وأما قوله: «أنقاب المدينة»، فإنه أراد طُرُقها، وفِجاجها، والواحد منها نَقَب، ومن ذلك قول اللَّه -﷿-: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾؛ أي: جعلوا فيها طُرُقًا، ومسالك، قال امرؤ القيس [من الوافر]: وَقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى … رَضِيتُ مِنَ السَّلَامَةِ بِالإِيَابِ (مَلَائِكَة) يَحرُسونها (لَا يَدْخُلُهَا) قال الطيبيّ -﵀-: جملة مستأنفة، بيان لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب (الطَّاعُونُ) قال في «الفتح» في «باب ما يذكر في الطاعون» من «كتاب الطب»: «الطاعون» بوزن فاعُول، عَدَلُوا به عن أصله، ووضعوه دالّا على الموت العامّ كالوباء، ويقال: طُعِن فهو مطعون، وطَعِين: إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطَّعْن بالرمح، فهو مطعون، هذا كلام الجوهريّ. وقال صاحب «النهاية»: الطاعون: المرض العامّ الذي يَفْسُد له الهواء، وتَفْسُد به الأمزجة والأبدان. وقال ابن العربيّ: الطاعون: الوجع الغالب الذي يُطفئ الروح، كالذبحة، وسُمِّي بذلك؛ لعموم مصابه، وسرعة قتله. وقال الداوديّ: الطاعون: حبة تَخْرُج من الأرقاع، وفي كل طيّ من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال ابن عبد البرّ: الطاعون: غُدّة تخرج في المراقّ، والآباط، وقد تخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث شاء اللَّه. وقال النوويّ في «الروضة»: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: وهو هيجان الدم، وانتفاخه، قال المتولّي: وهو قريب من الجذام، من أصابه تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحمه، وقال الغزاليّ: هو انتفاخ جميع البدن من الدم، مع الحمى، أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ، ويحمَرّ، وقد يذهب ذلك العضو، وقال النوويّ أيضًا في «تهذيبه»: هو بَثْر، ووَرَم مؤلم جدًّا يخرج مع لهب، ويسودّ ما حواليه، أو يخضرّ، أو يحمرّ حمرة شديدة بنفسجية كَدِرةً، ويحصل معه خفقان، وقيء، ويخرج غالبًا في المراقّ والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع، وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء، منهم أبو علي بن سيناء: الطاعون مادة سُمّيّة تُحدِث وَرَمًا قتّالًا يحدث في المواضع الرخوة، والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سُمّيّ يُفسد العضو، ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء، والغثيان، والغشي، والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثَمّ أُطلق على الطاعون وباء، وبالعكس، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده. ثم قال الحافظ: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة، وأهل الفقه، والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته وَرَمٌ ينشأ عن هيجان الدم، أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامّة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض، أو كثرة الموت، والدليل على أن الطاعون غير الوباء حديث: «أن الطاعون لا يدخل المدينة»، وقد ورد في حديث عائشة -﵂-: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض اللَّه، وفيه قول بلال -﵁-: «أخرجونا إلى أرض الوباء»، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الوباء كان موجودًا بالمدينة، وفي حديث أبي الأسود: «قَدِمت المدينة في خلافة عمر، وهم يموتون موتًا ذريعًا». وقد سبق في حديث العرنيين في «الطهارة» أنهم استوخموا المدينة، وفي لفظ: أنهم قالوا: إنها أرض وَبِئة، فكل ذلك يدلّ على أن الوباء كان موجودًا بالمدينة، وقد صَرَّح في الحديث بأن الطاعون لا يدخلها، فدلّ على أن الوباء غير الطاعون، وأن من أطلق على كل وباء طاعونًا، فبطريق المجاز، قال أهل اللغة: الوباء هو المرض العامّ، يقال: أوبأت الأرض فهي مُوبئة، وَوَبَئت بالفتح فهي وبئة، وبالضم فهي موبوءة، والذي يفترق به الطاعون من الوباء: أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء، ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون، وهو كونه من طعن الجنّ، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم، أو انصبابه؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادّة السُّمّية، ويهيج الدم بسببها، أو ينصبّ، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجنّ؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يُعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم. وقال الكلاباذيّ في «معاني الأخبار»: يَحْتَمِل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط، من دم، أو صفراء، محترقة، أو غير ذلك، وقسم يكون من وَخْز الجنّ كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن، من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضًا من طعن الإنس. انتهى. ومما يؤيد أن الطاعون يكون من طعن الجنّ وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماءً، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض؛ لأن الهواء يفسد تارةً، ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس، ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعمّ الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم، مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعمّ جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد، ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغيّر الأخلاط، وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجنّ كما ثبت في الأحاديث الواردة. منها حديث أبي موسى -﵁- رفعه: «فناء أمتي بالطعن والطاعون»، قيل: يا رسول اللَّه هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «وخز أعدائكم من الجنّ، وفي كلٍّ شهادةٌ»، أخرجه أحمد، من رواية زياد بن علاقة عن رجل، عن أبي موسى. وفي رواية له عن زياد: حدّثني رجل من قومي قال: كنا على باب عثمان ننتظر الإذن، فسمعت أبا موسى، قال زياد: فلم أرض بقوله: فسألت سيد الحيّ، فقال: صدق. وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين عن زياد، فسمّيا المبهم يزيد بن الحارث، وسمّاه أحمد في رواية أخرى أسامة بن شريك، ولا معارضة بينه وبين من سمّاه يزيد بن الحارث؛ لأنه يُحْمَل على أن أسامة هو سيد الحيّ الذي أشار إليه في الرواية الأخرى، واستثبته فيما حدثه به الأول، وهو يزيد بن الحارث، ورجاله رجال «الصحيحين» إلا المبهم، وأسامة بن شريك صحابيّ مشهور، والذي سمّاه، وهو أبو بكر النهشليّ من رجال مسلم، فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة، والحاكم، وأخرجاه، وأحمد، والطبراني من وجه آخر، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ، قال: سألت عنه رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «هو وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة»، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا بَلْج -بفتح الموحدة، وسكون اللام، بعدها جيم- واسمه يحيى، وثقه ابن معين، والنسائيّ، وجماعة، وضعّفه جماعة بسبب التشيع، وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور. وللحديث طريق ثالثة، أخرجها الطبراني من رواية عبد اللَّه بن المختار، عن كريب بن الحارث بن أبي موسى، عن أبيه، عن جدّه، ورجاله رجال الصحيح، إلا كريبًا، وأباه، وكريب وثقه ابن حبان، وله حديث آخر في الطاعون، أخرجه أحمد، وصححه الحاكم من رواية عاصم الأحول، عن كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس، أخي أبي موسى الأشعريّ، رفعه: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون». قال العلماء: أراد -ﷺ- أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة، وهو القتل في سبيل اللَّه بأيدي أعدائهم، إما من الإنس، وإما من الجن. ولحديث أبي موسى شاهد من حديث عائشة، أخرجه أبو يعلى، من رواية ليث بن أبي سُليم، عن رجل، عن عطاء، عنها، وهذا سند ضعيف. وآخر من حديث ابن عمر، سنده أضعف منه، والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى، فإنه يحكم له بالصحة؛ لتعدد طرقه إليه. وقوله: «وَخْز» -بفتح أوله، وسكون المعجمة، بعدها زاي- قال أهل اللغة: هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخزٌ؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر، فيؤثر في الباطن أوّلًا، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أوّلًا، ثم يؤثر في الباطن، وقد لا ينفذ. [تنبيه]: يقع في الألسنة وهو في «النهاية» لابن الأثير بلفظ: «وخز إخوانكم من الجنّ»، قال الحافظ: ولم أره بلفظ: «إخوانكم» بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرُق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد، والطبرانيّ، وكتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها. انتهى كلام الحافظ -﵀- . وقال الزرقانيّ -﵀-: فإن قيل: إذا كان الطعن من الجنّ، فكيف يقع في رمضان، والشياطين تُصَفّد فيه، وتسلسل؟ [أجيب]: باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان، ولا يظهر التأثير إلا بعد دخوله، وقيل غير ذلك، ويمكن أن يقال: إن المصفَّد بعض الشياطين، كما وقع في بعض الروايات، وهم الْمَرَدة، لا كلهم، فإن تصفيد الشياطين لا يستلزم تصفيد الجانّ كلهم. وقد استُشكِل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادةً، وكيف قُرن بالدجال، ومُدحت المدينة بعدم دخولهما؟ قال الحافظ -﵀-: والجواب أن كون الطاعون شهادةً ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه؛ لكونه سببه، فإذا استُحْضِر ما تقدم من أنه طعن الجنّ حَسُنَ مَدْحُ المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحد منهم. فإن قيل: طعن الجن لا يختص بكفارهم، بل قد يقع من مؤمنيهم. قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فماذا لم يسكن المدينة إلا من يُظهر الإسلام جرت عليه أحكام المسلمين، ولو لم يكن خالص الإسلام فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، فلذلك لم يدخلها الطاعون أصلًا. وقد أجاب القرطبيّ في «المفهم» عن ذلك، فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عَمَوَاس، والجارف، وهذا الذي قاله يقتضي تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في «المعارف»، وتبعه جمعٌ جَمّ من آخرهم الشيخ محيي الدين النوويّ في «الأذكار» بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلًا، ولا مكة أيضًا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة، فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلًا. ولعل القرطبيّ بَنَى على أن الطاعون أعمّ من الوباء، أو أنه هو، وإنه الذي ينشأ عن فساد الهواء، فيقع به الموت الكثير، وقد مضى في «الجنائز» من «صحيح البخاريّ» قول أبي الأسود: قَدِمت المدينة، وهم يموتون بها موتًا ذريعًا، فهذا وقع بالمدينة، وهو وباء بلا شك، ولكن الشأن في تسميته طاعونًا. والحقّ أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة الذي ينشأ عن طعن الجنّ، فيهيج بذلك الطعن الدم في البدن، فيَقتل، فهذا لم يدخل المدينة قط، فلم يتضح جواب القرطبيّ. وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون وقد قال -ﷺ-: «ولكن عافيتك أوسع لي»، فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة، ولوازم دعاء النبيّ -ﷺ- لها بالصحة. وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة. قال الحافظ: هو كلام صحيح، ولكن ليس هو جوابًا عن الإشكال. ومن الأجوبة أنه -ﷺ- عوّضهم عن الطاعون بالحمى؛ لأن الطاعون يأتي مرة بعد مرة، والحمى تتكرر في كل حين، فيتعادلان في الأجر، ويتم المراد من عدم دخول الطاعون لبعض ما تقدم من الأسباب. قال الحافظ: ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب -بمهملتين، آخره موحدة، بوزن عظيم- رفعه: «أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام»، وهو أن الحكمة في ذلك أنه -ﷺ- لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا، وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة -﵂-، ثم خُيِّر النبيّ -ﷺ- في أمرين يحصل بكل منهم الأجر الجزيل، فاختار الحمى حينئذ لقلّة الموت بها غالبًا، بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار، وأذن له في القتال، كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تُضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد اللَّه بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون، ربما حصلت له بالقتل في سبيل اللَّه، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها؛ لتحقيق إجابة دعوته -ﷺ-، وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيق نفيسٌ. وقال الزرقانيّ -﵀-: قد امتنع الطاعون عن المدينة بدعائه -ﷺ- وخبره هذه المدد المتطاولة فهو خاص بها. وجزم ابن قتيبة في «المعارف»، والنوويّ في «الأذكار» بأن الطاعون لم يدخل مكة أيضًا معارضًا بما نقله غير واحد بأنه دخلها في سنة سبع وأربعين وسبعمائة، لكن في «تاريخ مكة» لعمر بن شبة برجال الصحيح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نَقْب منها ملك، فلا يدخلهما الدجال، ولا الطاعون»، وحينئذ فالذي نُقِل أنه دخل مكة في التاريخ المذكور ليس كما ظُنّ، أو يقال: إنه لا يدخلهما من الطاعون مثل الذي يقع في غيرهما، كالجارف، وعمواس. وفي حديث أنس عند البخاريّ في «الفتن»: «فيجد الملائكة يحرسونها»؛ يعني المدينة فلا يقربها الدجال، ولا الطاعون؛ إن شاء اللَّه. وقد اختُلف في هذا الاستثناء، فقيل: هو للتبرك، فيشملهما، وقيل: هو للتعليق، وأنه يختص بالطاعون، ومقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ في «الفتن»: وكونه للتبرك هو أولى، وقال السمهوديّ بعد ذكر هذه الرواية: هذا يقتضي جواز دخول الطاعون المدينة، ويردّه الجزم في سائر الأحاديث، والصواب حفظها منه، كما هو المشاهد، وقيل: المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفيّ دخوله المدينة طاعون العذاب، فتأمل . (وَلَا) يدخل المدينة أيضًا (الدَّجَّالُ») هو فَعّال -بفتح أوله، وتشديد الجيم- من الدجل، وهو التغطية، والمراد المسيح الأعور، وسُمّي الكذابُ دجّالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دَجَلَ البعير بالقَطِران: إذا غطّاه، والإناء بالذهب إذا طلاها، وقال ابن دريد: سُمِّي دجالًا؛ لأنه يغطي الحق
مصادر المؤلف (٤)

١. راجع: «التمهيد» ١٦/ ١٨٠.

٢. هكذا في «لسان العرب» ١/ ٧٦٩ بلفظ: «السلامة»، وهو الموافق للوزن، ووقع في «التمهيد» ١٦/ ١٨٠ بلفظ: «الغنية»، والظاهر أن الوزن لا يساعده، فتأمل.

٣. «الفتح» ١٣/ ١٣٠ - ١٣٤ «كتاب الطبّ» رقم (٥٧٢٨ - ٥٧٣٣).

٤. راجع:«المرعاة» ٩/ ٥٣٥ - ٥٣٩.