HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٨١

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يعني الدراوردي) عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أن رسول الله ﷺ قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ. أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ. لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا. كما ينفي الكير خبث الحديد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص120
ج ٢ ص ١٠٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٦٢١
(٢٢٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٩٧ و٤٠٧ و٤٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٧٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٤٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣٤٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٥) - (بَابٌ الْمَدِينَةُ تَنْفِي شِرَارَهَا، وَتُسَمَّى طَابَةَ، وَطَيْبَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٥٣] (١٣٨١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِن الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»). رجال الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) هو: ابن محمد بن عُبيد المدنيّ، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) هذا الزمان هو الذي يأتي ذكره بعد باب من حديث سفيان بن أبي زهير -﵁- مرفوعًا: »تُفْتَحُ الشام، فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسّون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. . .« الحديث (يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقرِيبَهُ) وقوله: (هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ) مقول لقول مقدّر حال؛ أي: قائلًا: »هَلُمّ إلى الرخاء«، ومعنى «هلُمّ»؛ أي: أقبل، وتعال، قال الفيّوميّ -﵀-: هَلُمّ كلمة، بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعالَ، قال الخليل: «أصله لُمّ من الضمّ، والجمعِ، ومنه: لَمَّ اللَّهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادِيَ أراد: لُمَّ نفسك إلينا، و»ها« للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز ينادون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تَلْحَقها الضمائر، وتُطابق، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيُلْحِقونها الضمائر، كما يلحقونها قُمْ، وقوما، وقوموا، وقَمْنَ، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقَيل، وعليه قيس بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: أَقْبِل، ومتعديةً، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]؛ أي: أَحْضِرُوهم. انتهى . وقوله: (هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ) كرّره للتأكيد (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) جملة حاليّة؛ أي: يتنادون بما ذُكر، والحال أن سكنى المدينة خير لهم مما ينتقلون إليه من فتوحات سائر البلدان (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) «لو» شرطيّة، جوابها محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه، ومفعول «يعلم» محذوف أيضًا؛ أي: لو كانوا يعلمون خيريّتها لمَا خرجوا منها. قال القرطبيّ -﵀-: هذا منه -ﷺ- إخبار عن أمر غيب، وقع على نحو ما ذكر، فكان ذلك من أدلة نبوَّته، وعَنَى بذلك أن الأمصار تُفْتَح على المسلمين، فتكثر الخيرات، وتترادف عليهم الفتوحات، كما قد اتَّفَقَ عند فتح الشام، والعراق، والدِّيار المصرية، وغير ذلك، فَرَكَن كثير ممن خرج من الحجاز، وبلاد العرب إلى ما وجدوا من الخصب، والدَّعَةِ بتلك البلاد المفتوحة، فاتخذوها دارًا، ودَعَوا إليهم مَن كان بالمدينة؛ لشدَّة العيش بها، وضيق الحال، فلذلك قال -ﷺ-: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، وهي خير من حيث تعذر الترفه فيها، وعدم الإقبال على الدنيا بها، وملازمة ذلك المحل الشريف، ومجاورة النبي الكريم -ﷺ-، ففي حياته -ﷺ- صحبته، ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جَدَثه الشريف، ومشاهدة آثاره المعظَّمة، فطوبى من ظَفِر بشيء من ذلك، وأحسن اللَّه عزاءَ من لم يَنَلْ شيئًا مِمَّا هنالك. انتهى . (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أقسم النبيّ -ﷺ- باللَّه الذي نفسه -ﷺ- بيده -﷾-، وفيه إثبات اليد للَّه تعالى على ما يليق بجلاله (لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ)؛ أي: من أهل المدينة الذين يدعو بعضهم بعضًا إلى الرخاء (أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا)؛ أي: كراهية لها، وزُهدًا في فضلها، يقال: رَغِبتُ في الشيء، ورَغِبته يتعدّى بالحرف، وبنفسه أيضًا: إذا أردته رَغْبًا، بفتح الغين، وسكونها، ورَغْبَى، بفتح الراء، وضمّها، ورَغْباءً بالفتح والمدّ، ورَغِبْتُ عن الشيء: إذا لم تُرِدْه . (إِلَّا أخْلَفَ اللَّهُ) بالألف؛ أي: أبدل اللَّه، قال الفيّوميّ: خَلَفَ اللَّه عليك: كان خليفةَ أبيك عليك، أو من فقدته، ممن لا يُتَعَوَّض، كالعمّ، وأخلف عليك بالألف: رَدّ عليك مثل ما ذهب منك، وأخلف اللَّه عليك مالك، وأخلف لك مالك، وأخلف لك بخير، وقد يُحْذَف الحرف، فيقال: أخلف اللَّه عليك، ولك خيرًا، قاله الأصمعيّ، والاسم: الْخَلَف بفتحتين، قال أبو زيد: وتقول العرب أيضًا: خَلَفَ اللَّه لك بخير، وخَلَف عليك بخير، يَخْلُف بغير ألف. انتهى . (فِيهَا)؛ أي: في المدينة (خَيْرًا مِنْهُ)؛ أي: أفضل من ذلك الخارج دِينًا، وصلاحًا، وإصلاحًا. قال القرطبي -﵀-: يعني أن الذي يخرج من المدينة راغبًا عنها؛ أي: زاهدًا فيها، إنما هو إما جاهل بفضلها، وفضل الْمُقام فيها، وإما كافر بذلك، وكل واحد من هذين إذا خرج منها، فمن بقي من المسلمين خير منه، وأفضل على كل حال، وقد قضى اللَّه تعالى بأن مكة، والمدينة لا يخلوان من أهل العلم، والفضل، والدِّين إلى أن يرث اللَّه الأرض، ومن عليها، فهم الخلف ممن خرج رغبةً عنها. انتهى . (ألا) أداة استفتاح وتنبيه، تدلّ على تحقّق ما بعدها، وتدخل على الجملة الاسمية، كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وعلى الفعلية، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ [هود: ٨] . (إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ) بكسر الكاف: زِقّ الْحَدّاد الذي يَنفُخ به، ويكون أيضًا من جلد غليظ، وله حافات، وجمعه كِيَرَةٌ، مثلُ عِنَبَةٍ، وأَكْيَارٌ، وقال ابن السِّكِّيت: سمعت أبا عمرو يقول: الْكُورُ بالواو: الْمَبْنيّ من الطين، والْكِيرُ بالياء: الزِّقّ، والجمع أَكيارٌ، مثلُ حِمْل وأحمال. انتهى . (تُخْرِجُ الْخَبِيثَ) قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: خَبَث الحديد، والفضة، هو وسخهما، وقَذَرهما الذي تخرجه النار منهما . وقال القرطبي -﵀-: هذا تشبيه واقع؛ لأن الكيرَ لشدَّة نفخه يَنفي عن النار السُّخَام ، والدُّخَان، والرَّماد، حتى لا يبقى إلا خالصُ الجمر والنار، هذا إن أراد بالكير الْمِنفَخ الذي ينفخ به النار، وأما إذا أراد به الموضع المشتمل على النار، وهو المعروف عند أهل اللغة، فيكون معناه: أن ذلك الموضع لشدَّة حرارته يَنزعُ خبث الحديد، والذهب، والفضة، ويُخرِج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك بما فيها من شدّة العيش، وضيق الحال، تُخَلِّص النفس من شهواتها، وشَرَهها، وميلها إلى اللذات، والمستحسنات، فتتزكى النفس عن أدرانها، وتبقى خلاصتُها، فيظهر سرُّ جوهرها، وتعمّ بركاتها، ولذلك قال في الرواية الأخرى: «تَنْفِي خَبَثها، ويَنْصَع طيبها» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: «لِما فيها من شدّة العيش. . . إلخ» فيه نظر؛ إذ لو كان لذلك لكان كلّ بلد فيه شدّة عيش، وخشونة حال أن يكون كذلك، فلا يكون للمدينة فضلٌ أصلًا، بل الحقّ أن ذلك لخصوصيّة المدينة، وما جعل اللَّه تعالى فيها من السرّ العظيم، حيث كانت مُهاجَرَ رسول اللَّه -ﷺ-، ومهبط الوحي، فتَنفي الأشرار، وتُبقِي الأخيار، واللَّه تعالى أعلم. (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ») قال القاضي عياض -﵀-: الأظهر أن هذا مختص بزمن النبيّ -ﷺ-؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة، والمقام معه إلا من ثبت إيمانه، وأما المنافقون، وجهلة الأعراب، فلا يصبرون على شدة المدينة، ولا يحتسبون الأجر في ذلك، كما قال ذلك الأعرابيّ الذي أصابه الْوَعْك: أقِلْني بيعتي. انتهى كلام القاضي عياض. وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي ادَّعَى أنه الأظهر، ليس بالأظهر؛ لأن هذا الحديث الأول في«صحيح مسلم»أنه -ﷺ- قال:«لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد»، وهذا -واللَّه أعلم- في زمن الدجال، كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب، في أحاديث الدجال أنه يقصد المدينة، فترجُف المدينة ثلاث رَجَفات، يُخرج اللَّه بها منها كلَّ كافر ومنافق، فيَحْتَمِل أنه مختص بزمن الدجال، ويَحْتَمِل أنه في أزمان متفرقة، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأَولى كما سيأتي عن الحافظ أن كلًّا من الزمنين مراد في الحديث، فقد وقع ذلك في عهده -ﷺ-، كما سيأتي في الحديث التالي من قصّة الأعرابي الذي طلب إقالة بيعته، وسيقع أيضًا في آخر الزمان عند مجيء الدجال إلى المدينة، ونزوله في بعض ناحية المدينة، كما سيأتي في «كتاب الفتن»، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٥/ ٣٣٥٣] (١٣٨١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٣٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٥٧)، و(أبو نعيم) في
مصادر المؤلف (١١)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

٢. الْجَدَث -بفتحتين-: القبر.

٣. «المفهم» ٣/ ٤٩٦.

٤. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٣١.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٧٨ - ١٧٩.

٦. «المفهم» ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧.

٧. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ١٤٣ - ١٤٤.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٥.

٩. «شرح النوويّ» ٩/ ١٥٣ - ١٥٤.

١٠. السُّخَام وزانُ غُرَاب: سواد القِدر.

١١. «المفهم» ٣/ ٤٩٧.