HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٨٣

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَى رسول الله ﷺ. ثم جائه فقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَهُ فقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَى. فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كالكير. تنفي خبثها وينصع طيبها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص120
ج ٢ ص ١٠٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٦٣٢
(١٧١٦٥) - عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة؛ أن النبيّ -ﷺ- قال: «أُمِرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس، كما ينفي الكير الخبث». انتهى. وأما رواية عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٥٦] (١٣٨٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام -﵄-، تقدّم قبل بابين. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٢١٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام -﵄-، ووقع عند البخاريّ في «الأحكام» تصريحٍ محمد بن المنكدر بالسماع من جابر، ولفظه: «سمعت جابرًا» (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشريّ ذى في «ربيع الأبرار» أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكلٌ؛ لأنه تابعيّ كبير مشهورٌ، صرّحوا بأنه هاجر، فوجد النبيّ -ﷺ- قد مات، فإن كان محفوظًا، فلعلّه آخر، وافق اسمه، واسم أبيه، وفي «الذيل» لأبي موسى في الصحابة: قيس بن أبي حازم المنقريّ، فَيَحْتَمِل أن يكون هو هذا. انتهى . (بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ) «الْوَعْك» -بفتح الواو، وسكون المهملة، وقد تُفتح، بعدها كاف-: الْحُمّى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها، وقال الأصمعيّ: أصله شدّة الحرّ، فأُطلق على حَرّ الحمّى، وشدّتها (فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي) بفتح الهمزة، من الإقالة؛ أي: ارفع عنّي البيعة التي بايعتنيها، يقال: أقال اللَّه عَثْرته: إذا رفعه من سقوطه، ومنه الإقالة في البيع؛ لأنها رفع العَقْد، وقاله قَيْلًا، من باب باع لغةٌ، قاله الفيّوميّ -﵀-. وهذا من الأعرابيّ سوء ظن، حيث توهّم أن ما أصابه من الوعك إنما هو بسبب ما فَعَل من البيعة، فتوهّم أنه -ﷺ- لو أقاله لَذَهب ما لحِقه من الوعك. ثم إنّ ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم القاضي عياض، وقال غيره: إنما استقاله من الهجرة، وإلا لكان قتله على الرّدّة. (فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال ابن التين: إنما امتنع النبيّ -ﷺ- من إقالته؛ لأنه لا يُعين على معصية؛ لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرُج من المدينة إلا بإذنه، فخروجه عصيان، قال: وكانت الهجرة إلى المدينة فرضًا قبل فتح مكة على كلّ من أسلم، ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلمّا فُتحت مكة، قال -ﷺ-: «لا هجرة بعد الفتح»، ففي هذا إشعارٌ بأن مبايعة الأعرابيّ المذكور كانت قبل الفتح. (ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ) أي: من المدينة قصدًا لإقالة أثر البيعة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ) تقدّم الكلام عليه قريبًا (تَنْفِي) بفتح أوله؛ أي: تُخرج (خَبَثَهَا) بمعجمة، وموحّدة، مفتوحتين (وَتَنْصَعُ) بفتح أوله، وسكون النون، وبالمهملتين، من النُّصُوع، وهو الخلوص، والمعنى أنها إذا نفت الخبث تميّز الطيب، واستقرّ فيها (طِيبَهَا) قال في»الفتح«: ضبطه الأكثر بالنصب على المفعوليّة، وفي رواية الكشميهني بالتحتانيّة أوله، ورفع»طيبها«على الفاعليّة، و»طَيّبها«للجميع بالتشديد، وضبطه القزّاز بكسر أوله، والتخفيف، ثم استشكله، فقال: لم أر للنصوع في الطيب ذكرًا، وإنما الكلام يتضوعّ بالضاد المعجمة، وزيادة الواو الثقيلة، قال: ويروى»وتنضخ«بمعجمتين. وأغرب الزمخشريّ في»الفائق«، فضبطه بموحّدة، وضاد معجمة، وعين، وقال: هو من أبضعه بضاعة: إذا دفعها إليه، يعني المدينة تُعطي طيبها من سكنها، وتعقّبه الصغانيّ بأنه خالف جميع الرواة في ذلك، وقال ابن الأثير: المشهور بالنون، والصاد المهملة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«وينصع طيبها»؛ أي: يصفو، ويخلُص، يقال: طيبٌ ناصعٌ: إذا خلصت رائحته، وصَفَت مما ينقصها، وروينا«طيبها»هنا -يعني«صحيح مسلم»- بفتح الطاء، وتشديد الياء، وكسرها، وقد رويناه في«الموطّأ»هكذا، وبكسر الطاء، وتسكين الياء، وهو أليق بقوله: وينصع؛ لأنه يقال: نصع الطيب: إذا قويت رائحته. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي رأيته في كتب اللغة التي بين يديّ أن«نصع»لازم، ففي نصب«طيبها»به نظر لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٥/ ١٣٣٥٦] (١٣٨٣)، و(البخاريّ) في«فضائل المدينة»(١٨٨٣) و«الأحكام»(٧٢٠٩ و٧٢١١ و٧٢١٦) و«الاعتصام»(٧٣٢٢)، و(الترمذيّ) في«المناقب»(٣٩٢٠)، و(مالك) في«الموطّإ»(١٦٣٩)، و(النسائيّ) في«البيعة»(٤١٨٧) و«الكبرى»(٧٨٠٧)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٩/ ٢٦٦)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٢/ ٥٢١)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١٢/ ١٨٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٠٦ و٣٠٧ و٣٦٥ و٣٩٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ٤٤٠)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤/ ٤٨ - ٤٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣٧٣٢)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار»(٢/ ٢٩٨)، و(البغويّ) في«شرح السنّة» (٢٠١٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة، وهو أن اللَّه -﷾- جعلها كالكير، تنفي أشرار الناس، وتخلّص أخيارها. ٢ - (ومنها): بيان حكم استقالة البيعة، وهو التحريم، فلا يجوز من بايع على الإسلام أن يترك الإسلام، ولا من بايع على الهجرة إلى النبيّ -ﷺ- أن يترك الهجرة. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن المنيّر -﵀-: ظاهر الحديث ذمّ من خرج من المدينة، وهو مشكلٌ، فقد خرج منها جمعٌ كثيرٌ، من الصحابة، وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا مَن بعدهم مِن الفضلاء. والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهةً لها، ورغبةً عنها، كما فعل الأعرابيّ المذكور، وأما المشار إليهم، فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة، كنشر العلم، وفتح بلاد الشرك، والمرابطة في الثُّغُور، وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة، وفضل سكناها. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث من العلم أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يبايع الناس على حدود الإسلام، ومعنى ذلك أنه كان يبايعهم على شروط الإسلام، ومعالمه، وهذا معروف في غير ما حديث، وكان ذلك الوقت من حدود الإسلام، وفرائضه البيعة على هجرة الأوطان، والبقاء مع النبيّ -ﷺ-، ولذلك كان قطع اللَّه ولاية المؤمنين المهاجرين ممن لم يهاحر منهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أنا بريء من كل مسلم باق مع مشرك» ، وكان يشترط عليهم السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، إلى أشياء كثيرة، كان يشترطها قد ورد في الآثار ذكرها، كبيعته للنساء وغيرها، وقد ورد بالنصّ بيعته للنساء المهاجرات، وسكت عن الرجال لدخولهم في المعنى، كدخول من أُحصن من الرجال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، ومثل هذا كثير، وقد ذكر جرير -﵁- أنه اشترط عليهم النصح لكل مسلم. قال: ومعنى هذه المبايعة -واللَّه أعلم- الإعلام بحدود الإسلام، وشرائعه، وآدابه، وقال الشافعيّ -﵀-: أما بيعة النساء فلم يشترط فيها السمع والطاعة؛ لأنهن ليس عليهنّ جهاد كافرٍ، ولا باغٍ، وإنما كانت بيعتهنّ على الإسلام وحدوده. قال أبو عمر: قد كانت البيعة على وجوه: منها: أنها كانت أوّلًا على القتال، وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وأبناءهم، ونساءهم، وعلى نحو ذلك كانت بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة، ثم لمّا هاجر رسول اللَّه -ﷺ- إلى المدينة بايع الناس على الهجرة، وقال: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك»، فكان على الناس فرضًا أن ينتقلوا إلى المدينة؛ إذ لم يكن للإسلام دار ذلك الوقت غيرها، ويَدَعُوا دار الكفر، وعلى هذا -واللَّه أعلم- كانت بيعة هذا الأعرابيّ المذكور في هذا الحديث عن الإسلام، والهجرة، فلمّا لَحِقه من الْوَعْك ما لحقه، تشاءم بالمدينة، وخرج عنها منصرفًا إلى وطنه من أهل الكفر، ولم يكن ممن رسخ الإيمان في قلبه، وربما كان من جنس الأعراب الذين قال اللَّه -﷿-: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. ولما فُتِحَت مكة لم يبايع رسول اللَّه -ﷺ- أحدًا على الهجرة، وإنما كانت البيعة على الإقامة بدار الهجرة قبل أن يفتح اللَّه على رسوله -ﷺ- مكة، وكان المعنى في البيعة على الهجرة: الإقامة بدار الهجرة، وهي المدينة عن رسول اللَّه -ﷺ- في حياته، حتى يصرفهم فيما يحتاج إليه، من غزو الكفار، وحفظ المدينة، وسائر ما يحتاج إليه، وكان خروجهم راجعين إلى دار أعرابيتهم حرامًا عليهم؛ لأنهم كانوا يكونون بذلك مرتدين إلى الأعرابية من الهجرة، ومن فعل ذلك كان ملعونًا على لسان رسول اللَّه -ﷺ-، ألا ترى إلى حديث شعبة، والثوريّ، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مُرّة، عن الحارث بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: «آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهداه إذا علموا به، والواشمة، والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيّا بعد هجرته، ملعونون على لسان محمد -ﷺ- يوم القيامة» . ورُوي عن عقبة بن عامر الجهنيّ، قال: بلغني قدوم النبيّ -ﷺ- المدينة، وأنا في غنيمة لي، فرفضتها، ثم أتيته، فقلت: جئت أبايعك، فقال: «بيعة أعرابية، أو بيعة هجرة؟»، قلت: بيعة هجرة، قال: فبايعته، وأقمت. قال أبو عمر: ففي قول عقبة في هذا الحديث: فبايعته، وأقمت دليل على أن البيعة على الهجرة توجب الإقامة بالمدينة، وأن البيعة الأعرابية تخالفها، لا توجب الإقامة بالمدينة على أهلها، ويدلك على ذلك أن مالك بن الحويرث وغيره، من الأعراب، بايعوا رسول اللَّه -ﷺ-، وأقاموا عنده أيامًا، ثم رجعوا إلى بلادهم، وقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلّموهم، وصلّوا كما رأيتموني أصلي»، وهذا الأعرابي المذكور في حديث مالك كان -واللَّه أعلم- ممن بايع رسول اللَّه -ﷺ- على المقام بدار الهجرة، فمن هنا أبى رسول اللَّه -ﷺ- من إقاله بيعته. قال: وفي إباء رسول اللَّه -ﷺ- من إقالة البيعة دليل على أن من العقود عقودًا إلى المرء عقدها، وليس له حلُّها، ولا نقضها، وذلك أن من عقد عقدًا يجب عقده، ولا يحل نقضه، لم يجز له أن ينقضه، ولم يحلّ له فسخه، وإن كان الأمر كان إليه في العقد، فليس إليه ذلك في النقض، وليس كل ما للإنسان عقده له فسخه، ولم يكن لرسول اللَّه -ﷺ- أن يقيله بيعته؛ لأن الهجرة كانت مفترضة يومئذ، كما لم يكن له أن يُبيح له شيئًا حظرته عليه الشريعة، إذا دخل فيها، ولزمته أحكامها إلا بوحي من اللَّه، وأما مَن بعده فليس ذلك حكمه بوجه من الوجوه؛ لأن الوحي بعده -ﷺ- قد انقطع. قال: وفي هذا الحديث بيان فضل المدينة، وأنها بقعة مباركة، لا يستوطنها إلا المرضيّ من الناس، قال أبو عمر: وهذا عندي إنما كان بالنبيّ -ﷺ- منذ نزلها، وقد كانت قبله كسائر ديار الكفر، ولما تُوُفّي رسول اللَّه -ﷺ- بقي فضل قبره، ومسجده، والمدينة لا ينكر فضلها. قال: وأما قوله: «تنفي خبثها، وينصع طيبها»، فمعناه: أنها تنفي حُثالة الناس، ورُذالتهم، ولا يبقى فيها إلا الطيب الذي اختاره اللَّه -﷿- لصحبة نبيّه -ﷺ-، والخبث رُذالة الحديد، ووسخه الذي لا يثبت عند النار. وأما قوله: «وينصع» فإنه يعني: يبقى ويثبت، ويظهر، وأصل النُّصُوع في الألوان البياض، يقال: أبيض ناصعٌ، ويَقَقٌ، كما يقال: أحمر قانئ، وأسود حالك، وأصفر فاقع، والمراد بهذه الكلمات الثبوت والصحة، والناصع: الخالص السالم، قال النابغة الذبيانيّ [من الطويل]: أَتَاكَ بِقَوْلٍ هَلْهَلِ النَّسْجِ كَاذِبٍ … وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ نَاصِعُ أي: خالصٍ سالمٍ من الاختلاف، وأما الخبث فلا يثبت، وما لا يثبت فليس ظهوره بظهور، وشبّه رسول اللَّه -ﷺ- المدينة في ذلك الوقت بالكير، والنار الذي لا يُبقي على عمله إلا طيبه، ويدفع الخبث، وكذلك كانت المدينة لا
مصادر المؤلف (٦)

١. «الفتح» ٤/ ٥٨٤ «كتاب فضائل المدينة» حديث: ١٨٨٣.

٢. «الفتح»٤/ ٥٨٥«كتاب فضائل المدينة».

٣. «المفهم»٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩.

٤. راجع: «الفتح» ١٥/ ١١٢ «كتاب الأحكام» حديث: ٧٢١٠.

٥. حديث صحيح. أخرجه أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح، عن جرير بن عبد اللَّه -﵁-، قال: «بعث رسول اللَّه -ﷺ- سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل»، قال: فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ-، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين»، قالوا: يا رسول اللَّه لم؟ قال: «لا تراءى ناراهما». انتهى.

٦. حديث صحيح، أخرجه ابن خزيمة، والحاكم.