مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٨/ ٣٣٦٧ و٣٣٦٨] (١٣٨٩)، و(البخاريّ) في «فضائل المدينة» (١٨٧٤)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٨٨٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٤٠٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٤ و٣٨٥ و٣٩٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٦٠٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٥٢ - ٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٧٢). وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨٩) - (بَابُ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٦٩] (١٣٩٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ الْمَازِنيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) (ع) تقدم في «الصلاة» ١٧/ ٩١٦.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمِ) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الحيض» ٢٥/ ٨١٠.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنيُّ) هو: عبد اللَّه بن زيد بن عاصم بن كعب
الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ الشهير، استُشهد بالحرّة سنة (٦٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًّا إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك وغيره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ الْمَازِنيِّ) لأنَّه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: («مَا) اسم موصول مبتدأ، والظرف صلتها» و«روضة» خبرها، و«من رياض الجنّة» بيان لـ «ما» (بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي) كذا هو في حديث عبد اللَّه بن زيد، وحديث أبي هريرة بلفظ: «بيتي»، قال في «الفتح»عند شرح حديث أبي هريرة -﵁-: قوله: «ما بين بيتي ومنبري»، كذا للأكثر، ووقع في رواية ابن عساكر وحده: «قبري» بدل «بيتي»، وهو خطأ، فقد تقدم هذا الحديث في «كتاب الصلاة» قبيل «الجنائز» بهذا الإسناد بلفظ: «بيتي»، وكذلك هو في «مسند مسدد» شيخ البخاري فيه.
وقال القرطبي: الرواية الصحيحة: «بيتي»، ويروى: «قبري» وكأنه بالمعنى؛ لأنه دفن في بيت سكناه.
نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبرانيّ من حديث ابن عمر -﵄- بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: «بيتي» أحد بيوته -ﷺ-، لا كلها، وهو بيت عائشة -﵂- الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ: «ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة»، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط». انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أخرج النسائيّ في «الكبرى» (٢/ ٤٨٩) فقال:
(٤٢٩٠) - أنبأ قتيبة بن سعيد، والحارث بن مسكين، قراءةً عليه وأنا أسمع، عن سفيان، عن عمار الدُّهنيّ، عن أبي سلمة، عن أم سلمة؛ أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، قال النسائيّ: في حديث الحارث: «ما بين قبري ومنبري».
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، فما قاله في «الفتح» من أن رواية «قبري» خطأ فيه نظر، اللهم إلا إذا أراد بالنسبة لرواية البخاريّ، فالحقّ أن رواية «قبري» صحيحة، ويكون ذلك عَلمًا من أعلام النبوّة بأن أشار -ﷺ- أنه سيدفن في ذلك المحلّ، أو يكون من الرواية بالمعنى، والأول أولى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ») قال النوويّ -﵀-: ذكروا في معناه قولين: أحدهما: أن ذلك الموضع بعينه يُنقل إلى الجنة، والثاني أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة، قال الطبريّ: في المراد ببيتي هنا قولان: أحدهما: القبر، قاله زيد بن أسلم، كما رُوي مفسرًا: بين قبري ومنبري، والثاني: المراد بيت سكناه على ظاهره، ورُوي:«ما بين حجرتي ومنبري»، قال الطبريّ: والقولان متفقان؛ لأن قبره في حجرته، وهي بيته. انتهى .
وقال في«الفتح»: قوله:«روضة من رياض الجنّة»؛ أي: كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة، وحصول السعادة بما يَحصُل من ملازمة حِلَق الذِّكر، لا سيّما في عهده -ﷺ-، فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازًا، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنه روضة حقيقةً، بأن يُنتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة، هذا مُحَصَّل ما أوّله العلماء في هذا الحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوّة. انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأَولى حمل الحديث على ظاهره؛ لأن حمل النصوص على ظاهر ما دلّت عليه، ويتبادر إلى الذهب إذا أمكن هو المتعيّن، ثم هو مع ذلك لا ينافي المعاني الأُخَرَ، بأن يقال: هو روضة من
رياض الجنّة حقيقة، وهو محلّ نزول الرحمة، وأن العبادة فيه توصل إلى الجنة، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن زيد الأنصاريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٩/ ٣٣٦٩ و٣٣٧٠] (١٣٩٠)، و(البخاريّ) في «كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» (١١٩٥)، و(النسائيّ) في «كتاب المساجد» (٢/ ٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩ و٤٠ و٤١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٥٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- يَقُولُ: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنيُّ) الدراورديّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مُكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.