وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٧١] (١٣٩١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه (ح) وَحَدَثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رَياضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَروخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧.
٧ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، وشرح الحديث يُعلم مما سبق.
وقوله: (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) قال القاضي عياض -﵀-: قال أكثر العلماء: المراد منبره -ﷺ- بعينه الذي كان في الدنيا، قال: وهذا هو الأظهر، قال: وأنكر كثير منهم غيره، قال: وقيل: إن له هناك منبرًا على حوضه، وقيل: معناه أن قصد منبره، والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد
صاحبه الحوض، ويقتضي شربه منه. انتهى .
وقال في «الفتح»: قوله: «ومنبري على حوضي»؛ أي: يُنقل يوم القيامة، فيُنصب على الحوض، وقال الأكثر: المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة، وهو فوقه، وقيل: المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة، والأول أظهر، ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدِّم، وقد رواه الطبراني في «الكبير» من حديث أبي واقد الليثيّ رفعه: «أن قوائم منبري رواتب في الجنة»، وقيل: معناه أن قصد منبره، والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض، ويقتضي شربه منه، واللَّه أعلم.
ونقل ابن زِبالة أن ذَرْع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع، وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أُدخل من الحجرة في الجدار.
واستُدِلّ به على أن المدينة أفضل من مكة؛ لأنه أثبت أن الأرض التي بين البيت والمنبر من الجنة، وقد قال في الحديث الآخر: «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها».
وتعقبه ابن حزم بأن قوله أنها من الجنة مجازٌ؛ إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف اللَّه الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨]، وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال -ﷺ-: «الجنة تحت ظلال السيوف»، قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصّة، فإن قيل: إن ما قَرُب منها أفضل مما بَعُد لزمهم أن يقولوا: إن الجحفة أفضل من مكة، ولا قائل به. انتهى .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: