HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٩٨

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْخَرَّاطِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رسول الله ﷺ في بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فأخذ كفا من حصاء فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ. ثُمَّ قَالَ «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» (لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ). قَالَ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سمعت أباك هكذا يذكره.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص126
ج ٢ ص ١٠١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٧٢٦
و«أبو هريرة» ذُكر قبله. وقوله: (وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ) هو بيت المقدس، وفيه ثلاث لغات: أفصحهنّ، وأشهرهنّ هذه الواقعة هنا إيلياء، بكسر الهمزة، واللام، وبالمدّ، والثانية كذلك، إلا أنه مقصورٌ، والثالثة إلياء، بحذف الياء، وبالمدّ، وهو المسجد الأقصى، سُمي الأقصى؛ لبعده من المسجد الحرام . والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٨٨] (١٣٩٨) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْخَرَّاطِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا»، لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدَّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدَّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (حُمَيْدٌ الْخَرَّاطُ) ابن زياد، أبو صخر بن أبي المخارق، صاحب الْعَبَاء، مدنيّ، سكن مصر، صدوقٌ يهم [٦] (ت ١٨٩) (بخ م د ت عس ق) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٨. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدَّم أيضًا في الباب الماضي. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١١٢) وله (٧٧) سنةً (خت م ٤) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٤. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدَّم قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدٍ الْخَرَّاطِ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء: نسبة إلى خرط الخشب، قاله في «اللباب» ، وقال الفيّوميّ: خَرَطتُ الورَقَ خَرْطًا، من بابي ضرب، وقتل: حتَته من الأغصان. انتهى ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ) أبو سلمة (قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ) أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - (يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟) أي: بيان المراد بالمسجد الذي أُسس على التقوى في قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]. فقوله: «أسس على التقوى»؛ أي: بُنيت جدره، ورفعت قواعده، والأُسّ: أصل البناء؛ وكذلك الأساس، والأسس مقصور منه، وجمع الأس: إساس، مثل عُسّ، وعِساس، وجمع الأساس: أسس، مثل قذال، وقذل، وجمع الأسس: آساس، مثل سبب، وأسباب. انتهى . وتأسيس البناء: تثبيته، ورفعه، ومعنى تأسيسه على التقوى: تأسيسه على الخصال التي تُتَّقَى بها العقوبة. انتهى . وقوله: «من أول يوم» متعلق بـ «أُسِّس»؛ أي: أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه، فـ «مِن» لابتداء الغاية في الزمان، كما في قول الشاعر [من الطويل]: تُخُيِّرْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ … إِلَى الْيَوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِبِ وقيل: «من» بمعنى «في». (قَالَ) عبد الرحمن (قَالَ أَبِي) أي: أبو سعيد - ﵁ - (دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفها. انتهى . (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ) - ﷺ - مجيبًا عن سؤال أبي سعيد - ﵁ -، وقوله: (فَأخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وقوله: (ثُمَّ قَالَ) تأكيد لـ «قال» الأول؛ أعاده لطول الفصل، نظير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٩] («هُوَ) أي: المسجد الذي أُسّس على التقوى (مَسْجِدُكُمْ هَذَا») أي: المسجد النبويّ، كما بيّنه الراوي بقوله: (لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) متعلِّق بمحذوف؛ أي: قال هذا لمسجد المدينة النبويّة (قَالَ) أبو سلمة (فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ) أي: أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - (هَكَذَا يَذْكُرُهُ) أي: مثل هذا الذي ذكرتَ عنه لي ذكره لي. وقد أخرج هذا الحديث أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، قال الإمام أحمد - ﵀ - ٣/ ٨٩: حدّثنا موسى بن داود، حدثنا ليث ، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدريّ، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسِّس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «هو مسجدي هذا»، وكذا رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الترمذيّ. وأخرجه أحمد أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: اختَلَف رجلان رجل من بني خُدْرة، ورجل من بني عَمرو بن عوف، في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدريّ: هو مسجد رسول الله - ﷺ -، وقال الْعَمْريّ: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله - ﷺ -، فسألاه عن ذلك، فقال: «هو هذا المسجد»، لمسجد رسول الله - ﷺ -، وقال في ذلك يعني مسجد قباء، وفي رواية الترمذيّ: «وفي ذلك خير كثيرٌ». قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي قريبًا ما يصرّح أن الرجل الخدريّ هو أبو سعيد الخدريّ - ﵁ - الراوي لهذا الحديث نفسُهُ. قال النوويّ - ﵀ -: هذا نَصّ بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، ورَدٌّ لما يقول بعض المفسرين: إنه مسجد قباء، وأما أخذه - ﷺ - الحصباء، وضربه في الأرض، فالمراد به المبالغة في الإيضاح؛ لبيان أنه مسجد المدينة، والحصباء بالمدّ: الحصى الصغار. انتهى . وقال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ»: قد وردت أحاديث تدل على أنه مسجد قباء، وهذا الحديث أرجح، وأصحّ، وأصرح. وقال ابن عطية - ﵀ -: الذي يليق بالقصّة أنه مسجد قباء، قال: إلا أنه لا نظر مع الحديث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق اختلاف العلماء في هذه المسألة في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٣/ ٣٣٨٨ و٣٣٨٩] (١٣٩٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٩٩)، و(النسائيّ) في «المساجد» (٢/ ٣٦) و«الكبرى» (٧٧٦ و١١٢٢٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٧٢ و٣٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٦٦٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٠٦)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٧٢٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]. فقالت طائفة: إنه مسجد رسول الله - ﷺ -، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيِّب، واختاره ابن جرير الطبريّ. وقالت طائفة: إنه مسجد قباء، رواه عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عروة بن الزبير، وبه قال عطية العوفيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبيّ، والحسن البصريّ، ونقله البغويّ عن سعيد بن جبير، وقتادة. ذكره ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره» . وقال في «الفتح»: وقد اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]، فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء، وهو ظاهر الآية، ثم ذكر حديث أبي سعيد المذكور، وغيره، ثم قال: قال القرطبيّ: هذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين المسجدين في اشتراكهما في أن كلًّا منهما بناه النبيّ - ﷺ -، فلذلك سئل النبيّ - ﷺ - عنه، فأجاب بأن المراد مسجده، وكأن المزيّة التي اقتضت تعيينه دون مسجد قباء، لكون مسجد قباء لم يكن بناؤه بأمر جزم من الله لنبيّه - ﷺ -، أو كان رأيًا رآه بخلاف مسجده، أو كان حصل له، أو لأصحابه فيه من الأحوال القلبية ما لم يحصل لغيره. انتهى. ويَحْتَمِل أن تكون المزية لِمَا اتَّفَقَ من طول إقامته - ﷺ - بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء، فما أقام به إلا أيامًا قلائل، وكفى بهذا مزية، من غير حاجة إلى ما تكلفه القرطبيّ. والحقّ أن كلًّا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، يؤيِّد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ في أهل قباء». وعلى هذا فالسر في جوابه - ﷺ - بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رَفْعُ توهم أن ذلك خاصّ بمسجد قباء، والله تعالى أعلم. قال الداوديّ وغيره: ليس هذا اختلافًا؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيليّ، وزاد غيره أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبيّ - ﷺ - دار الهجرة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال العلامة الشوكانيّ - ﵀ - في «تفسيره»: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، وفي لفظ: تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله - ﷺ -، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله - ﷺ -، فسألاه عن ذلك؟ فقال: «هو هذا المسجد»، لمسجد رسول الله - ﷺ -، قال: «وفي ذلك خير كثير»، يعني مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والزبير بن بكار في «أخبار المدينة»، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والحاكم في «الكنى»، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، والضياء في «المختارة»، عن أُبيّ بن كعب، قال: سألت النبيّ - ﷺ - عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: «هو مسجدي هذا»، وأخرج الطبرانيّ، والضياء المقدسيّ في «المختارة»، عن زيد بن ثابت مرفوعًا، مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبرانيّ من طريق عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد رسول الله - ﷺ -، قال عروة: مسجد النبيّ - ﷺ - خير منه، إنما نزلت في مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه عن ابن عمر، قال: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد النبيّ - ﷺ -، وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدريّ مثله. وقد روي عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ في «الدلائل» عن ابن عباس أنه مسجد قباء، وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله. قال العلامة الشوكانيّ - ﵀ - ما خلاصته: إنه لا يخفى أن النبيّ - ﷺ - قد عيّن هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده - ﷺ -، كما قدّمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة، ولا جماعة منهم، ولا غيرهم، ولا يصح إيراده في مقابلة ما قد صح عن النبيّ - ﷺ -، ولا فائدة من إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده - ﷺ - أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ - ﷺ -، واختاره قبله ابن جرير، وابن عطية، والقرطبيّ في تفسيرهم، من ترجيح قول من قال بظاهر حديث الباب، من أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبيّ - ﷺ - لا مسجد قباء، تحقيق حقيق بالقبول؛ لموافقته الصحيح الصريح من النقول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «شرح النوويّ» ٩/ ١٦٨.

٢. وفي نسخة: «بها».

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٩٠.

٤. «المصباح المنير» ١/ ١٦٧.

٥. «تفسير القرطبي» ٨/ ٢٥٩.

٦. «فتح القدير» ٢/ ٤٠٣.

٧. «تنبيه المعلم» ص ٢٣١.

٨. وفي نسخة: «بها».

٩. هو ابن سعد الإمام المصريّ المشهور.

١٠. «شرح النوويّ» ٩/ ١٦٩.

١١. راجع: «تفسير ابن كثير» ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥.

١٢. «الفتح» ٧/ ٢٨٨ - ٢٨٩.