HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤١٢

وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ، عن ابن عمر،، عن النبي ﷺ قال: «لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلَا يَخْطُبْ بعضكم على خطبة بعض».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص138
ج ٢ ص ١٠٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٢٢
[٢٩١] حديث: (لَا يَبع الرَّجُلُ عَلَى بَيع أَخِيهِ) ، وفي رواية أبي هريرة: ﵁ (لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِم) وفي رواية: (نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) وفي رواية: (عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ) . قال أهل اللغة : استام الرجل يستام استياما، إذا طلب بسلعته ثمنا، وفي الحديث: (نَهَى عَن السَّوم قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ) ، قال الزجاج: السوم أن يساوم سلعته في ذلك الوقت لأنه وقت ذكر الله لا يشتغل فيه بشيء قيل: إذا ركن البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا؛ مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، هذا هو السوم المنهي، وما كان قبل ذلك فلا بأس به. ومن باب بيع النجش
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٥ ص١٧٦
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ميمونة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٤٥٤] (١٤١١)، و(أبو داود) في «النكاح» (١٨٤٣)، و(الترمذيّ) في «النكاح» (٨٤٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥٤٠٤)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٩٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ١٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٣٢ و٣٣٣ و٣٣٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٨٣١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٦٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٧٨)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٤/ ٣٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٦٦ و٧/ ٥٨ و٢١٠ و٢١١) و«الصغرى» (٤/ ٧١ و٦/ ١٩٩ و٢٠٠) و«المعرفة» (٤/ ٣٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧/ ٢٥٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٥] (١٤١٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر، تقدّم قبل باب. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٢٢٤) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى ابن رُمح، فانفرد به هو، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، ومصريين، وبغلاني. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵁ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدّ الناس اتّباعًا للأثر، روى (٢٦٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) بجزم»يبع«في هذه الرواية، على أن»لا«ناهية، وفي الرواية التالية:»لا يبيعُ«بالرفع، على أنها نافية، وهو أبلغ في المنع (وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ») يَحْتَمل أن تكون «لا» هنا نافيةً، و«يخطب» مرفوعًا، ويَحْتَمل أن تكون ناهية، و«يخطب» مجزومًا، كما مرّ البحث فيه، وفي الرواية التالية: «لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له». وفي رواية البخاريّ من طريق ابن جريج، عن نافع: «حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب»، أي حتى يترك الأول خِطبته، أو يأذن للثاني في خطبتها، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ: «ولا يخطب الرجل على خِطبة أخيه حتى يَنكِحَ، أو يترك»، قال في «الفتح»: قوله: «حتى ينكح» أي حتى يتزوّج الخاطب الأول، فيحصلَ اليأس المحض، وقوله: «أو يترك» أي الخاطب الأول التزويج، فيجوز حينئذ للثاني الخِطبة، فالغايتان مختلفتان، الأولى ترجع إلى اليأس، والثانية ترجع إلى الرجاء، ونظير الأولى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵁ - هذا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٤٥٥ و٣٤٥٦ و٣٤٥٧ و٣٤٥٨] (١٤١٢)، و(البخاريّ) في «النكاح» (٥١٤٢) و«البيوع» (١٤١٢)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٣٦)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٩٢)، و(النسائيّ) في «النكاح» (٣٢٣٩ و٣٢٤٤) وفي «البيوع» (٤٥٠٤ و٤٥٠٥) وفي «الكبرى» (٥٣٥٤ و٥٣٦٠ و٦٠٩٤ و٦٠٩٥)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٨٦٨)، و(مالك) في «الموطّإ» (١١١٢)، و(الشافعيّ) في «الرسالة» (ص ٣٠٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٤٠٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢١ و١٢٢ و١٢٤ و١٢٦ و١٣٠ و١٤٢ و١٥٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢١٧٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٤٧ و٤٠٥١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٨ و٤١ و٢٧٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ٨١)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ١٦٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٧٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٤٤ و٧/ ١٨٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٢٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن أن يخطُب الرجل على خِطبة أخيه، والنهي للتحريم على الصحيح، كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن النهي إذا لم يترك الأول، أو لم يأذن له، وإلا فلا نهي. ٣ - (ومنها): أن فيه فضيلة الإسلام، وأنه تشريع ربانيّ جاء لإصلاح الفرد والمجتمع، فهو دائمًا يحثّ على الأُلفة والمودّة، ويُبعد كل ما من شأنه إحداث التباغض، والتعادي بين المسلمين، فلذلك نهى عن خِطبة المسلم على خطبة أخيه؛ لئلا يحصل بينهما شقاق، وتنافر، فواجب المسلم نحو أخيه التودّد إليه بكلّ ما يستطيع، والقيام بنصرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]. وقال النبيّ - ﷺ -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» متّفق عليه، وقال - ﷺ -: «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»، متّفق عليه، وأخرج مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الْخِطْبَة على الخِطبة: ذهب الجمهور إلى أن النهي في هذا الحديث للتحريم، وقال الخطّابيّ: هو نهي تأديب، وليس بنهي تحريم، يُبطل العقد عند أكثر الفقهاء. كذا قال. قال في «الفتح»: ولا ملازمة بين كونه للتحريم، وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحريم، ولا يبطل به العقد، بل حكى النوويّ أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في شروطه، فقال الشافعيّة، والحنابلة: محلّ التحريم ما إذا صرّحت المخطوبة، أو وليّها الذي أذنت له، حيث يكون إذنها معتبرًا بالإجابة، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم، ولو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخِطبة؛ لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان. وإن وقعت الإجابة بالتعريض، كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعيّة، الأصحّ - وهو قول المالكيّة، والحنفية - لا يحرم أيضًا، وإذا لم تردّ، ولم تقبل فيجوز، والحجة فيه قول فاطمة بنت قيس - ﵂ -: خطبني معاوية، وأبو الجهم، فلم ينكر النبيّ - ﷺ - ذلك عليهما، بل خطبها هو لأسامة بن زيد - ﵄ -. وأشار النوويّ وغيره إلى أنه لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكونا خطبا معًا، أو لم يعلم الثاني بخِطبة الأول، والنبيّ - ﷺ - أشار بأسامة، ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب، فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية، وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما، فخطبها لأسامة. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ من أنه لا حجة فيه، فيه نظرٌ لا يخفى، بل حديث فاطمة حجة ظاهرة في ذلك، فإذا توقفت المرأة، فلم تقبل، ولم تردّ فلا مانع للثاني من خطبتها، كما نقله الترمذيّ عن الشافعيّ، فقد حَكَى عن الشافعيّ أن معنى حديث الباب: إذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به، ورَكِنت إليه، فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم برضاها، ولا ركونها، فلا بأس أن يخطبها، والحجة فيه قصّة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تُخبره برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته بذلك لم يُشر عليها بغير من اختارت. فلو لم توجد منها إجابة، ولا ردّ، فقطع بعض الشافعيّة بالجواز، ومنهم من أجرى القولين. ونصّ الشافعيّ في البكر على أن سكوتها رضًا بالخاطب، وعن بعض المالكيّة: لا تمنع الخطبة إلا على خطبة من وقع بينهما التراضي على الصداق. وإذا وُجد شروط التحريم، ووقع العقد للثاني، فقال الجمهور: يصحّ مع ارتكاب التحريم. وقال داود: يُفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكيّة خلافٌ كالقولين، وقال بعضهم: يُفسخ قبله، لا بعده. وحجة الجمهور أن المنهيّ عنه الخِطبة، والخطبة ليست شرطًا في صحّة النكاح، فلا يُفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. وحكى الطبريّ أن بعض العلماء قال: إن هذا النهي منسوخٌ بقصّة فاطمة بنت قيس. ثم ردّه، وغلّطه بأنها جاءت مستشيرةً، فأُشير عليها بما هو الأَولى، ولم يكن هناك خِطبة على خطبة، كما تقدّم. ثم إن دعوى النسخ في مثل هذا غلطٌ؛ لأن الشارع أشار إلى علّة النهي في حديث عقبة بن عامر - ﵁ - بالأخوة، وهي صفة لازمة، وعلّة مطلوبةٌ للدوام، فلا يصحّ أن يلحقها نسخٌ، والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال ببطلان النكاح الذي عُقِد بالْخِطبة على الْخِطبة؛ لصريح النهي الوارد في الحديث، والنهي للتحريم، وهو أيضًا يقتضي الفساد، وليس هناك دليلٌ يدلّ على صرف النهي عن التحريم، والفساد إلى خلافهما، فوجب القول بالبطلان. وهذا القول هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، حيث قال: إذا خطب الرجل امرأةً، ورَكِن إليه من إليه نكاحها، كالأب، فإنه لا يحلّ لغيره أن يخطبها، قال: ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحًا، أو باطلًا؟ فيه قولان للعلماء: [أحدهما]: وهو أحد القولين في مذهب مالك، وأحمد أن عقد الثاني باطلٌ، فتنزع منه، وتردّ إلى الأوّل. [الثاني]: أن النكاح صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، فيعاقب من فعل المحرّم، ويردّ إلى الأول جميع ما أُخذ منه، والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنّة. انتهى كلام شيخ الإسلام بالاختصار ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختصّ ذلك بالمأذون له، أو يتعدّى لغيره؟ لأن مجرّد الإذن الصادر من الخاطب الأول دالّ على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص، ولغير المأذون له بالإلحاق، ويؤيّده قوله: «أو يترك»، وصرّح الرويانيّ من الشافعيّة بأن محلّ التحريم إذا كانت الخِطبة من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدّة لم يضرّ الثاني بعد انقضاء العدّة أن يخطُبها، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له بذلك حقّ، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استُدلّ بقوله: «على خطبة أخيه» أن محلّ التحريم إذا كان الخاطب مسلمًا، فلو خطب الذميّ ذميّة، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا، وهو قول الأوزاعيّ، ووافقه من الشافعيّة ابن المنذر، وابن جويرية، والخطّابيّ، ويؤيّده قوله في أول حديث عقبة بن عامر - ﵁ - عند مسلم: «المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبته حتى يَذَر»، وقال الخطّابيّ : قطع الله الأُخَوَّة بين الكافر والمسلم، فيختصّ النهي بالمسلم، وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرِدَ المنع، وقد ورد المنع مقيّدًا بالمسلم، فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذميّ بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، وكقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، ونحو ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الأوزاعيّ، ومن معه من أنّ هذا النهي خاصّ بالمسلم، دون الذميّ؛ عملًا بتقييده بالأخوّة، وبالإسلام هو الراجح؛ لظهور حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم. وبناه بعضهم على أن هذا المنهيّ عنه، هل هو من حقوق العقد، واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين؟ فعلى الأول فالراجح ما قال الخطّابيّ، وعلى الثاني فالراجح ما قال غيره. وقريبٌ من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع. وقريبٌ من هذا البحث ما نُقل عن ابن القاسم، صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقًا جاز للعفيف أن يخطُب على خِطبته، ورجحه ابن العربيّ منهم، وهو متّجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفةً، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كَلَا خِطْبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول. ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلًا في العادة لخِطبة تلك المرأة، كما لو خطب سُوقيّ بنت ملِك، وهذا يرجع إلى التكافؤ، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الفاسق، والذي ليس كفؤًا عادة يعمّهما النهي المذكور؛ فلا يجوز أن يخطب على خطبتهما؛ لأنهما مسلمان؛ إذ مجرّد الفسق لا يخرج الشخص من الإسلام عند أهل السنّة، فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على خطبة أخيه المسلم، وبنحو هذا صرّح الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه استُدلّ به على تحريم خِطبة المرأة على خِطبة امرأة أخرى؛ إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته أن تَرْغَب امرأة في رجل، وتدعوه إلى تزويجها، فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى، فتدعوه، وترَغّبه في نفسها، وتزهّده في التي قبلها، وقد صرّحوا باستحباب خِطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محلّ هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوّج إلا بواحدة، فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم، قاله في «الفتح» أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمام قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ) «لا» ناهية، والفعل مجزوم، وكُسرت العين؛ لالتقاء الساكنين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديثين. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قبل باب. و«عبيد الله» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن عبيد الله هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب قبله، و«حمّاد» هو: ابن زيد، و«أيوب» هو السختيانيّ. [تنبيه]: رواية أيوب، عن نافع هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» ٢/ ١٥٣ فقال: (٦٤١١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عارم، ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه،
مصادر المؤلف (٧)

١. «الفتح» ١١/ ٤٧١.

٢. «الفتح» ١١/ ٤٦٨ - ٤٦٩.

٣. راجع:«مجموع الفتاوى»١٠/ ٣٢.

٤. «الفتح»١١/ ٤٦٩ - ٤٧٠.

٥. «معالم السنن» ٣/ ١٦٧.

٦. «الفتح» ١١/ ٤٧٠.

٧. راجع: «طرح التثريب» ٧/ ٩٣.