HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٦٤

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَت: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [٣٣ /الأحزاب/ الآية ٥١] قَالَت قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يسارع لك في هواك.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص174
ج ٢ ص ١٠٨٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٢٩٠
[٢٤٧] وقوله: (مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ) أي: ينزل القرآن على وَفق مرادك. ومن باب كان النبي ﷺ لا يقسم لنسائه إلا صفية بنت حيي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٥ ص٧٧٦
قتادة، وأبي عبيدة، قلت: وقاله أيضًا محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد كاتب الواقديّ، وابن قتيبة، وآخرون. انتهى . [تنبيه]: رواية عقبة بن خالد، عن هشام بن عروة ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى» ٧/ ٢٩٦ فقال: (١٤٥١١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، نا الحسن بن سفيان، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عقبة بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -، قالت: «لما أن كَبِرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة - ﵂ -، فكان رسول الله - ﷺ - يَقْسِمُ لها بيوم سودة». انتهى. ورواية زُهير بن معاوية، عن هشام، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» ٣/ ١٣٥ فقال: (٤٤٧٧) - رَوَى محمد بن يحيى، عن أحمد بن يونس، عن زهير، وأبو الوليد، عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن سودة لَمّا كَبِرت وهبت يومها لي، فكان النبيّ - ﷺ - يَقْسِم لي به. انتهى. ورواية شريك بن عبد الله النخعيّ، عن هشام ساقها أبو يعلى - ﵀ - في «مسنده» ٨/ ٨٧ فقال: (٤٦٢١) - حدّثنا بشر بن الوليد، حدثنا شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن سودة لَمّا كَبِرت وهبت يومها لعائشة، قالت: وكان رسول الله - ﷺ - يَقْسِم لي يومي ويومها، وكانت أول امرأة تزوجت إليّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٦٣١] (١٤٦٤) (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا،؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن شيخه، وأبا أسامة كوفيّان، والباقون مدنيّون. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة. ٧ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ) - بفتح الهمزة، والغين المعجمة، من باب تَعِب - قال الطيبيّ: أي أَعيب عليهنّ؛ لأن من غار عاب، ويدلّ عليه قولها: «أوَ تهب المرأة نفسها للرجل؟»، وهو هنا تقبيح وتنفير لئلا تهب النساء أنفسهنّ له - ﷺ -. و«الغَيْرَة» - بفتح، فسكون: وهي الْحَمِيّة، والأَنَفَة، يقال: رجلٌ غَيُورٌ، وامرأةٌ غَيُور بلا هاء؛ لأن فعولًا يستوي فيه الذكر والأنثى، كما قال في «الخلاصة»: وَلَا تَلِي فَارقَةً فَعُولَا … أَصْلَا وَلَا الْمِفْعَالَ والْمِفْعِيلَا كَذَاكَ مِفْعَلٌ وَمَا تَلِيهِ … تَا الْفَرْقِ مِنْهُ فَشُذُوذٌ فِيهِ ووقع عند الإسماعيليّ من طريق محمد بن بشر، عن هشام بن عروة، بلفظ: «كانت تُعيّر اللاتي وهبن أنفسهنّ» بعين مهملة، وتشديد. (عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ففي حديث سهل بن سعد عند الشيخين: «إذ قالت امرأة: إني وهبت نفسي لك». وقد روى أحمد في «مسنده» بإسناد حسن، من طريق الحضرميّ بن لاحق، عن أنس بن مالك - ﵁ -، أن امرأة أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا، ذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها، فقال: «قد قَبِلْتها»، فلم تزل تمدحها، حتى ذكرت أنها لم تُصدَع، ولم تَشتَكِ شيئًا قط، قال: «لا حاجة لي في ابنتك»، وهذه امرأة أخرى بلا شكّ. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة - ﵂ -: «التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ - هي خولة بنت حكيم». ومن طريق الشعبيّ قال: من الواهبات: أمّ شَريك، وأخرجه النسائيّ من طريق عروة. وعند أبي عبيدة معمر بن المثنّى: أن من الواهبات فاطمة بنت شُريح. وقيل: إن ليلى بنت الخَطِيم ممن وهبت نفسها له. ومنهنّ زينب بنت خُزيمة، جاء عن الشعبيّ، وليس بثابت. وخولة بنت حكيم، وهو في «صحيح البخاريّ». ومن طريق قتادة، عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ - هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع، وأورده من وجه آخر مرسل، وإسناده ضعيف. ويعارضه حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: «لم يكن عند رسول الله - ﷺ - امرأة وهبت نفسها له»، أخرجه الطبريّ، وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجع إلى إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّق بـ «وهبن» (وَأَقُولُ: وَتَهَبَ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، وهو استفهام إنكاريّ، وفي الرواية التالية: «أما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل؟» (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي﴾) ترجي قرئ مهموزًا، وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته إذا أخّرته، أي تؤخرهن بغير قَسْم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وغيرهم، وأخرج الطبري أيضًا عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال: كنّ نساء وهبن أنفسهنّ للنبيّ - ﷺ -، فدخل ببعضهنّ، وأرجأ بعضهنّ، لم ينكحهنّ. وهذا شاذّ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات، كما تقدّم. وقيل: المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أنه كان همّ بطلاق بعضهنّ، فقلن له: لا تطلّقنا، واقسم لنا ما شئت، فكان يَقسم لبعضهنّ قَسْمًا مستويًا، وهنّ اللواتي آواهنّ، ويَقسم للبواقي ما شاء، وهنّ اللواتي أرجأهنّ. فحاصل ما نُقل في تأويل ﴿تُرْجِي﴾ أقوال: [أحدها]: تطلّق، وتُمسك. [ثانيها]: تعتزل من شئت منهنّ بغير طلاق، وتَقسم لغيرها. [ثالثها]: تَقبَل من شئت من الواهبات، وترُدّ من شئت. وحديث الباب يؤيّد هذا، والذي قبله، واللفظ محتملٌ للأقوال الثلاثة . (﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾) أي طلبت، والابتغاء في اللغة هو الطلب، ولا يكون إلا بعد الإرادة، قال الله تعالى مخبرًا عن موسى - ﵇ -: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] وجواب «من» قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ وقوله: (﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾) أي أزلت، والعَزْل: الإزالة، قال العربيّ - ﵀ -: والمعنى: ومن أردت أن تضمّه، وتؤويه بعد أن أزلته، فقد نِلْت ذلك عندنا، ووجدته تحقيقًا؛ لقول عائشة - ﵂ -: «لا أرى ربك إلا وهو يسارع في هواك»، فإن شاء النبيّ - ﷺ - أن يؤخر أَخَّر، وإن شاء أن يقدِّم استقدم، وإن شاء أن يَقْلِب المؤخر مقدمًا، والمقدم مؤخرًا فَعَلَ، لا جناح عليه في شيء من ذلك، ولا حرج فيه. انتهى . وهذا صريح في أن هذه الآية نزلت بهذا السبب، قال القرطبيّ - ﵀ -: حَمَلت عائشةَ - ﵂ - على هذا التقبيح الغَيْرَةُ التي طُبعت عليها النساء، وإلا فقد عَلِمت أن الله تعالى أباح لنبيّه - ﷺ - ذلك، وأن جميع النساء لو مَلَّكْنَ له رقّهنّ، ورقابهنّ للنبيّ - ﷺ - لكنّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه، وعلى الجملة فإذا حُقّق النظر في أحوال أزواجه عُلم أنه لم يحصل أحدٌ في العالم على مثل ما حصلن عليه، ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء والأجزاء، وناهيك بها مراتب فاخرة، لا جَرَمَ هنّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف . (قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ، إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ) وفي الرواية التالية: «فقلت: إن ربّك لَيُسارع لك في هواك»، أي ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير، منزلًا لما تحبّ، وتختار، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: قولها: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»: هو بفتح الهمزة من «أَرَى»، ومعناه: يُخفّف عنك، ويوسّع عليك في الأمور، ولهذا خيّرك. وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا قولٌ أبرزته الغيرة والدّلال، وهو من نوع قولها: «ما أهجُرُ إلا اسمك»، متفق عليه، و«لا أحمد إلا الله»، متفق عليه، وإلا فإضافة الهوى إلى النبيّ - ﷺ - مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره الذي أمرنا الله تعالى به، فإن النبيّ - ﷺ - منزّهٌ عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، وهو ممن نَهَى النفس عن الهوى، ولو جَعَلت مكان «هواك» «مرضاتك» لكان أشبه، وأولى، لكن أبعد هذا في حقّها عن نوع الذنوب أن ما يَفعل المحبوب محبوب. انتهى . وقال السنديّ: - ﵀ -: قولها: «والله ما أرى ربك. . . إلخ» كناية عن ترك التنفير والتقبيح لما رأت من مسارعة الله تعالى في مرضاة النبيّ - ﷺ -، أي كنت أنفّر النساء عن ذلك، فلما رأيت الله يسارع في مرضاته - ﷺ - تركت ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته - ﷺ - قال: وقد يقال: المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [القصص: ٥٠]. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التأويل الأخير هو الصواب؛ لأن الهوى في أصل اللغة هو محبة الشيء، يقال: هَوِيتُ الشيءَ، من باب تعب: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، فهذا أصل معناه لغةً، وإن كان يُطلق على ميل النفس، وانحرافها المذموم، فأرادت عائشة - ﵂ - هنا محبته - ﷺ - للأمر، فهذا عندي أولى مما ذكروه من التأويلات؛ مراعاة لتعظيم جانب عائشة - ﵂ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٦٣١ و٣٦٣٢] (١٤٦٤)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٧٨٨) و«النكاح» (٥١١٣)، و(النسائيّ) في «النكاح» (٦/ ٥٤) و«الكبرى» (٣/ ٢٥٩ و٥/ ٢٩٤ و٣٠١ و٦/ ٤٣٤)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (٢٠٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ١٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٣٤ و١٥٨ و٢٦١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٣٦٧)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٢/ ٤٣٦)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٢/ ٢٦)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٣/ ٥٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٣٤ و١٣٥ و١٣٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٣٦ و١٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٥٥) و«المعرفة» (٥/ ٢١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه - ﷺ -، وفضّله به من حلّ النساء بدون حصر بأربع، أو نحوه. ٢ - (ومنها): بيان بعض خصائصه - ﷺ -، وهو نكاح من وهبت نفسها له بلا مهر، قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ٣ - (ومنها): بيان سبب نزول آية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيات من الحرص على أن يكنّ من أمهات المؤمنين، فيَعْرِضْن أنفسهنّ عليه - ﷺ -. ٥ - (ومنها): أنه - ﷺ - لا يجب عليه القَسْم بين زوجاته، وفيه خلاف بين أهل العلم، وهذا هو الراجح. ٦ - (ومنها): ما جُبلت عليه النساء من الْغَيْرة، حيث كانت عائشة - ﵂ - تكره النساء اللاتي يَعْرِضن أنفسهنّ على النبيّ - ﷺ -. ٧ - (ومنها): استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؛ رجاء عودة صلاحه عليها بما ينفعها في معاشها ومعادها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه لم يُرجئ النبيّ - ﷺ - بعد نزول هذا التخيير له، بل كان يقسم لهنّ، وإذا أراد أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، استأذنها، فقد أخرج الشيخان في «صحيحيهما»، من طريق عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة - ﵂ -: «أن رسول الله - ﷺ -، كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أُنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، فقلت لها: ما كنت تقولين؟، قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إلي، فإني لا أريد، يا رسول الله أن أُوثِرَ عليك أحدًا». قال الزهريّ: ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة: أُطلق له أن يَقسِم كيف شاء، فلم يَقسِم إلا بالسويّة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلف السلف في هذه الآية، فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، مبيحة له أن يتزوّج ما شاء، وقيل: بل نُسخ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ قال زيد بن أسلم: تزوّج رسول الله - ﷺ - بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومُليكة، وصفيّة، وجويرية، وقالت عائشة - ﵂ -: «ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحلّ الله له النساء». رواه الترمذيّ، والنسائيّ. وقيل عكس هذا، وهو أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، ولقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، وقيل غير هذا مما هو ظاهر الفساد، وإن صحّ ما نقله زيد بن أسلم فالقول قوله. قاله أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح أن آية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ منسوخة بآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾؛ لحديث عائشة - ﵂ - المذكور هنا. وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره»: واختَلَف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النبيّ - ﷺ - في ترك القَسْم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في «الصحيح» عن عائشة - ﵂ -، قالت: «كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله - ﷺ -، وأقول: أَوَ تَهَبُ المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ قالت: قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»، قال ابن العربيّ: هذا الذي ثبت في «الصحيح» هو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، والمعنى المراد: هو أن النبيّ - ﷺ - كان مُخَيَّرًا في أزواجه، إن شاء أن يَقْسِم قَسَم، وإن شاء أن يترك القَسْم ترك، فخُصَّ النبيّ - ﷺ - بأن جُعِل الأمر إليه فيه، لكنه كان يَقْسِم من قِبَل نفسه، دون فرض ذلك عليه؛ تطييبًا لنفوسهنّ، وصونًا لهنّ عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل: كان القسم واجبًا على النبيّ - ﷺ -، ثم نُسِخ الوجوبُ عنه بهذه الآية، قال أبو رزين: كان رسول الله - ﷺ - قد هَمّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقْسِم لنا ما شئت، فكان ممن آوى عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، فكان قسمتهنّ من نفسه وماله سواء بينهنّ، وكان ممن أرجى سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفية، فكان يَقْسِم لهنّ ما شاء. وقيل: المراد الواهبات، رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: هذا في الواهبات أنفسهنّ، قال الشعبيّ: هنّ الواهبات أنفسهنّ، تزوج رسول الله - ﷺ - منهنّ، وترك منهنّ. وقال الزهريّ ما علمنا أن رسول الله - ﷺ - أرجأ أحدًا من أزواجه، بل آواهنّ كلهنّ. وقال ابن عباس وغيره: المعنى في طلاق من شاء، ممن حصل في عصمته، وإمساك من شاء، وقيل غير هذا، وعلى كل معنى، فالآية معناها التوسعة على رسول الله - ﷺ -، والإباحة، وما اخترناه أصحّ. انتهى كلام أبي عبد الله القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح الأقوال هو ما دلّ عليه ظاهر الآية الكريمة، وحديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب أنه - ﷺ - خُصّ بعدم وجوب القسم، فلا يجب عليه، ولكنه كان يَقْسِم من قبل نفسه؛ لكرمه، وحسن عشرته، ورأفته بأزواجه، فظهر به مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾، وقوله - ﷺ -: «خيركم خير لأهله، وأنا خيركم لأهلي» ، فصلى الله وسلم، وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْيِي امْرَأَةٌ تَهَبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ؟ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةُ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩.
مصادر المؤلف (٩)

١. «شرح مسلم» ١٠/ ٤٩.

٢. وأضاف إليها رواية شريك، عن هشام.

٣. «الفتح» ١٠/ ٥٠٦.

٤. «أحكام القرآن» لابن العربي ٣/ ٦٠٦.

٥. «المفهم» ٤/ ٢١١ - ٢١٢.

٦. «الفتح» ١٠/ ٥٠٦.

٧. «المفهم» ٤/ ٢١١.

٨. «الجامع لأحكام القرآن» ١٤/ ٢١٤ - ٢١٥.

٩. حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه.